
رواية عيون الاسد الفصل الثاني عشر12 بقلم اميرة خالد
استدار "جاسر" ليعود إلى الغرفة، فتفاجأ بـ"فادي" يقف في وجهه بملامح جادة ونظرات حازمة، ليقول له بصوت خافت:
«بص يا بشمهندس جاسر.. بلاش حوار كتب الكتاب ده لو هو بدافع الشفقه أو الحماية بس. أنا أقدر أحمي إنجي كويس وأقف جنبها من غير جواز.»
ابتسم جاسر بثبات ووضع يده على كتف فادي، قائلًا بهدوء:
«اطمن يا دكتور.. أنا لسه قافل حالا مع يعقوب، واتفقت معاه على كل حاجة وهو موافق ومبارك.» تنهد فادي بقلق، وقال بنبرة تحذيرية أخيرة:
«طيب يا باشمهندس.. بس اعمل حسابك إن إنجي لسه صغيرة والعمر قدامها، يعني أوعى تلعب بيها أو بمشاعرها في يوم من الأيام.» أجابه جاسر بثقة ونظرة صادقة:
«ما تخافش.. مش أنا اللي أعمل كدة.»
أما داخل الغرفة، فكانت "إنجي" مدفونة في حضن والدتها "عفاف"، تذرف دموع القهر والوجع كأنما سحب أحدهم روحهما معاً. لم تكن تصدق أن مصيرها بات معلقاً بقرار فجائي هكذا.
وقف "سعيد" يطالع المشهد باستهزاء، وقال بفظاظة وسط دموعهما:
«صحيح بنات وش فقر! الواحدة المفروض تفرح إنها هتتجوز وتستر حالها، والثانية قاعدة مبحلقة كأنها قاعدة في مأتم!»
رفعت عفاف رأسها بعيون ملؤها الدموع، وقالت بصوت منكسر ومقهر:
«حرام عليك يا شيخ.. مفيش أب في الدنيا بياخد ولاده سلعة ويبيعهم بالطريقة دي! كفاية اللي عملته فينا طول السنين دي.» صرخ سعيد بوجهها بحدة:
«لمّي لسعك يا مرة يا بنت الكلب، بدل ما أقوم أسود عيشتك أكتر ما هي سودا!»
وفي تلك اللحظة، فُتِح الباب ودخل "جاسر" بخطوات واثقة، وخلفه المأذون الشرعي وأحد رجاله يحمل حقيبة الأوراق. هتف جاسر ببرود وعملية:
«يلا يا جماعة، عشان نخلص إجراءات كتب الكتاب فوراً.»
لمح سعيد المأذون، فبرقت عيناه بطمع جشع، ومد يده بلهفة قائلًا:
«فين الشيك الأول يا جاسر بيه؟ الفلوس قبل أي خطوة!» انهارت إنجي في البكاء بصوت أعمق وأقوى، فاقترب جاسر منها بحذر ونظرة حانية، ثم أخرج دفتر الشيكات من جيبه بسرعة، وكتب المبلغ المطلوب ووقّعه، ثم مدّ يده به إلى سعيد الذي التقطه بخطفة طماعة وابتسامة عريضة تملأ وجهه.
جلس المأذون وبدأ مراسم العقد، ووسط دموع إنجي وذهول فادي، علت نبرة المأذون بكلمته الشهيرة:
«بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير..»
ولسه أن يغلق المأذون دفاتره ويقف للرحيل، انتفضت "عفاف" فجأة من على السرير، وهتفت بصوت متهدج حاسم:
«استنى يا شيخ المأذون لو سمحت!» التفت إليها الجميع بدهشة، فسألها المأذون بقلق:
«في حاجة يا بنتي؟» قالت عفاف بدموع حارقة لكن بنظرة تملؤها القوة:
«عايزة أطلب الطلاق.. طلّقني يا شيخ من الراجل ده حالاً!»
انتفض سعيد بصدمة، وصرخ فادي بذهول:
«في إيه يا مرات عمي؟! إيه الكلام ده؟!» أكملت عفاف بقهر دفين:
«أنا كنت عايشة معاه السنين دي كلها عشان خاطر البنات وبس.. وخلاف كده مفيش عيشة. ولما ربنا رزقني ببنات برجال تحميهم، مفيش أي سبب يخليني أعيش على ذمته دقيقة كمان. طلقني يا سعيد!»
نظر إليها سعيد ببرود واستهتار، ولم يكترث سوى بالشيك الذي في جيبه، فقال بلا تردد:
«وأنا موافق! بس بشرط.. مالكيش عندي أي حاجة، والشقق والشغل ده كله أنسيه وما تطلبيش مني جنيه واحد بعد النهاردة.» بكت إنجي أكثر على جحود أبيها، وقالت بصوت مكسور:
«حرام عليك.. حتى أمي بتبيعها بالسهولة دي عشان الفلوس؟»
قاطب سعيد جبينه وهمّ بالوقوف لضربها، لكن "جاسر" خطى خطوة سريعة ووقف أمامه بحزم تام يمنعه من الاقتراب.
نظرت عفاف إلى سعيد باحتقار أخير، وقالت بصوت ثابت:
«موافقة على كل شروطك.. مش عايزة منك حاجة خالص، طلقني وريحني من وجهك.»
نظر سعيد إلى المأذون بفرحة عارمة وشيك المليون في جيبه، وقال بلهفة:
«يلا يا شيخنا، خلص الإجراءات دي كمان وخليني أمشي.» تنهد المأذون بحزن وأسف وهو يكتب ورقة الطلاق، وقال:
«لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. متأكدة يا بنتي من قرارك النهائي؟» أجابته عفاف بحسم:
«طبعاً يا شيخ.. أنا استحملت 18 سنة في قرف وعذاب كفاية أوي لحد كدة.»
وبعد دقائق معدودة، وقف سعيد، ولفظ بكلماته الباردة بلا أي ذرة مشاعر:
«عفاف.. انت طالق بالتلاتة!»
وما إن خرجت الكلمة من فمه، حتى انحدرت دموع عفاف على وجنتيها بغزارة، لكنها لم تكن دموع حزن، بل كانت دموع راحة وانفراجة عمر؛ وفجأة وبصوت قوي هز أرجاء الغرفة، بدأت عفاف تزغرد بقوة لتعلم الجميع نهاية عذاب طويل وبداية حياة جديدة لبناتها. أما سعيد، فلم تفرق معه أي دمعة أو مشهد، بل التفت وغادر المستشفى بخطوات مسرعة وهو يمسك بالشيك بسعادة طمّاعة، غير مبالٍ بأي شيء سواه.
وبينما كان سعيد يغادر المستشفى لاهثاً وراء أمواله، كانت "ليالي" قد قطعت رحلتها وتتبعت مسير يعقوب حتى وصلت إلى الفندق الفاخر الذي يقيم فيه. وبفضل معارفها وبعض الإصرار، نجحت في معرفة تفاصيل الحجز، لتكتشف أن يعقوب قد حجز جناحاً خاصاً له ولزوجته، فضلاً عن حجز غرفة أخرى منفصلة. اشتعل الفضول والغيرة في قلبها، وصارت تحرق شوقاً لمعرفة هوية تلك الزوجة التي تجرأت وأخذت مكانها إلى جواره.
وفي نفس اللحظة، داخل الجناح الفاخر، كانت "عين" تغط في نوم عميق وهادئ بعد تلك الأيام الشاقة والمشحونة بالتوتر.
قترب "يعقوب" منها ببطء، وابتسامة دافئة تزين محياه. جلس على حافة السرير وانحنى عليها برفق، وبدأ يمرر أصابعه بحنان على خصلات شعرها المنسدلة، ثم همس بصوت دافئ يقطر عشقاً وهو يقترب ليوقظها:
«اصحي يا قلب يعقوب.. مش ناويين نصحى بقى ولا إيه؟ وراينا يوم طويل يا عروسة.»
تأففت "عين" بكسل ونعاس وهي تدفن وجهها أكثر في الوسادة، وقالت بصوت متعب يملؤه الدلال:
«تعبانة.. ومش قادرة.. سيبني أنام والنبي يا يعقوب.»
لكن يعقوب لم يستسلم، بل ابتسم بخبث محبب ولمس وجنتها برفق، فانطوت هي هرباً من لمساته، وحاصرها بذراعيه وحدت بيديها المرتجفتين حول رقبته بدلال عفوي لتمنعه من الاستمرار في إزعاجها.
ضحك يعقوب بصوت دافئ، وحملها فجأة بين ذراعيه وسط تفاجئها، ولم يتردد ثانية واحدة بل توجه بها مباشرة إلى الحمام وفتح صنبور الدش (الدش) ليغمرهما الماء الدافئ معاً وهي مرتدية ثيابها الخفيفة.
أطلقت صرخة خفيفة من الصدمة، ثم شدت على رقبته أكثر وهي تبتسم وسط تدفق المياه، وقالت بصوت مبلل يغلب عليه المزاح والضحك:
«يا مجنون.. بغرق! بغرق بجد!»
أغلق الدش قليلاً وهو يبتسم باتساع وعيناه تلمعان بالعشق:
«وأنتِ ما كنتيش هتصحي برضه بالطريقة دي! يلا يا ستي فوقي وفوقي كده عشان لسه هننزل البحر واليوم طويل.»
رفعت عين كفها وضربته بخفة على كتفه باحتجاج مصطنع وهي تنفض الماء عن وجهها.
وضع يعقوب يده على كتفه بتمثيل درامي مبالغ فيه، وقال بصوت متألم مصطنع:
«آه.. يا بنتي بالراحة! هو إنتِ هتموتيني كده ولا إيه؟!»
اتسعت عينا عين بصدمة وقلق، ووضعت يديها على فمها بلهفة واقتربت منه قائلة بخوف:
«يا نهار أبيض! أنا آسفة.. والله ما قُصدي، هو أنت اتعورت بجد؟ حقك عليا، أنت اللي عملت كده وسحبتني تحت المية!»
وما إن رأى ملامحها البريئة والقلقة حتى ضحك بصوت عالٍ ملأ المكان، وعاد ليحيط خصرها بيمناه وهو يقول بمشاكسة:
«يا ستي على اللي تخاف عليا.. ده أنا بضحك معاكِ يا قلب يعقوب، دا أنتِ ضربتك عندي بالدنيا كلها!»
قال يعقوب بمشاكسة:
«يلا بينا بقى يا قمري.. عشان ننزل البحر وكمان نتغدى.»
قالت عين بخجل:
«طيب ممكن تخرج بره؟»
غمز لها بوقاحة محببة:
«ليه يا حبيبي؟ هتتكسفي مني! ما أنا شفت ده كله من أول يوم.»
احمرت خدودها بشدة وبدأت تزقه للخبر وهي مرتبكة، فضحك من قلبه وقال:
«حاضر يا ستي بالراحة، خارج أهو!».. وشد فوطه وخرج.
كانت لسه هتقفل الباب، فوضع يعقوب رجله بسرعة وهو يقول:
«يا بنتي خليني أساعدك عشان نلحق ننزل نتغدى.»
تعصبت بدلال طفولي:
«لا! يلا بقى خليني أخلص.»
ابتسم وقال:
«حاضر.» وشال رجله، فقامت قافلة الباب بقوة في وجهه. هز رأسه بضحكة وقال:
«والله طفلة!»
وفي تلك اللحظة رن تلفونه، فمسكه ورد:
«أيوه يا جاسر، عملت إيه؟»
حكى له جاسر كل اللي حصل، وسأله يعقوب:
«طبعاً أنت عارف هتعمل إيه؟»
«طبعاً.. إنجي خلاص بقت مراتي، وأنا هقدر أحافظ عليها كويس.»
«تمام.. أخبار الشغل إيه؟»
«تمام.. لكن ليالي كانت عايزة تاخد إجازة وأنا رفضت.»
وفضلوا يتكلموا في تفاصيل الشغل،
أما عند "عين" في الحمام، فقد انتهت من الدش وأمسكت بالمنشفة لتنشف جسمها، وفجأة تذكرت أنها لم تأخذ معها أي ملابس، وأن يعقوب هو من سحبها إلى الداخل هكذا!
قالت في نفسها بارتباك:
«يا نهار أبيض.. هعمل إيه دلوقتي؟!».
ندت على يعقوب بصوت خافت مكسوف:
«يعقوب.. يعقوب!»
لكن لم يأتِها أي رد، ففتحت الباب فتحة صغيرة وأخرجت رأسها بحذر لتبحث عنه بعينيها، فوجدت الجناح خالياً تماماً. تنفست الصعداء وقالت لنفسها:
«أكيد نزل يجيب حاجة».
لفت المنشفة حول جسمها بإحكام وخرجت بخطوات سريعة، وشعرها البني الجميل يقطر ماءً على كتفيها.
أما "يعقوب"، فكان واقفاً في البلكونة يدخن سجيراً وهو يكلم جاسر في الهاتف ويقول له:
«المهم يا جاسر، خلي بالك منهم كويس لحد ما أرجع.» أجابه جاسر:
«حاضر يا يعقوب، اطمن.»
وفي هذه اللحظة، استدار يعقوب ليعود لداخل الغرفة، فتفاجأ بـ"عين" واقفة في منتصف الغرفة مرتدية المنشفة فقط، وبدت مكسوفة للغاية وهي تهرع بسرعة نحو الدولاب لتلتقط ملابسها.
ابتسم يعقوب بخبث وعينيه تلمعان بالعشق، فقال بسرعة لجاسر:
«جاسر.. اقفل دلوقتي!»، وأغلق الهاتف فوراً ووضعه على الكرسي.
خرج بهدوء شديد دون أن تلاحظه، بينما كانت هي تتنهد براحة وتقول لنفسها:
«الحمد لله إنه مش هنا..».
لكن فجأة، فاجأها يعقوب وأحاط وسطها بذراعيه القويتين من الخلف، وقرب وجهه من أذنها وهمس بصوت دافئ يقطر رجولة:
«هو أنا مجنون علشان أسيب جنّيتي الصغيره لوحدها كده؟!»
توترت "عين" بشدة وارتجف جسدها بين يديه من المفاجأة والخجل.