رواية خيوط لاتري الفصل الثالث عشر13بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الثالث عشر13بقلم فاطمة مالكي

**الفصل الثالث عشر: ليلة الرصاص واعترافات تحت المطر**
 
في عمق الغرفة السرية المحصنة، كانت الأجواء خانقة على الرغم من وجود نظام التهوية المخفي. كانت المساحة الصغيرة المشيدة من الخرسانة المسلحة والمعزولة تماماً عن العالم الخارجي، يغمرها ضوء شاشات المراقبة الأزرق الشاحب، الذي يعكس تفاصيل ملامح ياسين وحنين المتصلبة بجواره.
 
كانت **حنين** تضغط بكفها المرتعش فوق موضع قلبها، تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تكتم أنفاسها اللاهثة. كانت عيناها العسليتان متسعتين بذهول وهي تتابع شاشات المراقبة الحرارية التي تعرض ما يحدث في مكتب ياسين الرئيسي بالخارج. رأت الأشباح الحرارية لأربعة رجال مسلحين يقتحمون المكتب المحطم، يقلبون الكراسي، ويفتشون وراء الستائر ويضربون الجدران ببنادقهم بحثاً عن أي أثر لهما.
 
— "المكان فاضي!" صرخ أحدهم بضيق وهو يضرب المكتب بقبضته، ووصل صوته عبر أجهزة التنصت الدقيقة للغرفة السرية: "مستحيل.. كانوا هنا قبل ثوانٍ، اختفوا في الهواء!"
 
التفتت حنين بنظراتها الخائفة نحو **ياسين**، لتجده واقفاً كالصخرة الأصيلة، عيناه الصقريتان مسمّرتان فوق الشاشة. انخفض برأسه نحوها في العتمة، وأمسك وجهها الشاحب بين كفيه الدافئين بحنان حازم أباد رعبها، وهمس بصوت خفيض للغاية:
— "دلوقتي.. عرفتي ليه ياسين الحكيم مبيخسرش؟ لأني دايماً بكون متوقع إن الضلمة هتدخل مكتبي.. ومجهز نفسي إني أسيبها فاضية للأشباح."
 
نزلت كلماته على قلبها كالجمر الصادق المشبع بالحب والأمان، لكنها لاحظت أنه يجهز سلاحه الناري ويسحب مخزن ذخيرة إضافي، فغص حلقها بالدموع، وهمست وهي تتشبث بطرف سترته بقوة:
— "أستاذ ياسين.. أمانة عليك رد بالك على روحك. راهم مسلحين، خليك هنا معايا متخرجش ليهم!"
 
ثبّت ياسين نظراته في عينيها وقال بعهده القاطع:
— "أنا مابيهخوفنيش السلاح يا حنين. ماتنسيش ان  مازن تحت في السيرفرات لوحده بيقاوم، ولازم أخرج أأمن ضهره وأخلص على الكلاب اللي بره دول قبل ما ينسحبوا  ويروحولو . إنتِ هنا في أمان  ، مفيش مخلوق يقدر يوصل للباب ده."
 
 
توجه ياسين   نحو لوحة التحكم الرقمية المدمجة في جدار الغرفة السرية. كان يراقب عبر الشاشة المهاجمين الذين بدأوا يتجهون نحو باب الخروج محبطين. لم يمنحهم فرصة للانسحاب؛ ضغط على زر أحمر صغير في اللوحة، ليقوم بتفعيل نظام إطفاء الحرائق الكيميائي (غاز الهالون) في المكتب الرئيسي بالخارج.
 
في غضون ثانيتين، انطلقت فتحات التهوية في سقف المكتب لتضخ كميات هائلة من غاز الهالون الأبيض الكثيف والخانق. انهار مستوى الرؤية في الغرفة الخارجية إلى الصفر خلال لحظات، وبدأ المهاجمون في السعال العنيف بغير نظام، وراحت رصاصاتهم تنطلق بشكل عشوائي في السقف والأرضية نتيجة الارتباك والعمى المؤقت.
 
 وضع الماسك وضغط   على زر فتح الباب السري. انزلق الجدار الخشبي بهدوء تام، وانقض ياسين كالفهد المفترس من وسط الدخان الأبيض على المهاجم الأقرب إليه. وجه ضربة قاسية وسريعة بمقبض مسدسه   على فك الرجل، ليسمع صوت تحطم العظام بوضوح، وسقط المهاجم أرضاً فاقداً للوعي كالجثة الهامدة.
 
التفت المهاجم الثاني نحو مصدر الصوت محاولاً التوجيه، لكن ياسين كان أسرع وأقرب؛ أطلق رصاصة دقيقة استقرت في كتف الرجل ليسقط سلاحه ويصرخ بألم، ثم ركله بقوة هائلة في ركبته مما جعله يختل توازنه ويسقط على ركبتيه، وطوق رقبة المهاجم الثالث بذراعه  حتى  شل حركته و بدأت قوى الرجل تنهار وسقطت بندقيته الرشاشة من يده  .
 
وفي تلك الأثناء، بدأت أصوات صفارات إنذار سيارات الشرطة والقوات الخاصة تتردد بقوة ووضوح من الأسفل، حيث كانت تقترب من البرج بعد أن تمكن **مازن** من إرسال إشارة استغاثة مشفرة للعمليات قبل ثوانٍ من تعطل الأنظمة بالكامل.
 
ذعر المهاجم المصاب في كتفه من اقتراب الشرطة، وتراجع نحو الباب المحطم وهو يسعل بعنف، ساحباً معه زميله المخنوق الذي كان يحاول بيأس استعادة أنفاسه، وفرّا هاربين عبر سلالم الطوارئ الخلفية المظلمة، تاركين وراءهم زميلهم الثالث المغشي عليه على الأرض.
 
---

 
تبدد الغاز الأبيض تدريجياً بفعل الرياح العاتية والأمطار التي كانت تجتاح المكتب من الواجهة المحطمة بالكامل. ساد صمت مفاجئ وثقيل في المكان، لا يقطعه سوى عويل الرياح وصوت قطرات المطر التي تضرب الأوراق الممزقة وشظايا الزجاج المتناثرة على الأرض الرخامية.
 
ألقى ياسين مسدسه جانباً، وكان يلهث بشدة وأنفاسه متلاحقة، وجهه مبللاً بمزيج من عرق المعركة الشرسة ومياه المطر الباردة، وقميصه الأبيض الفاخر ممزقاً عند الكتف ومبقّعاً ببعض الدماء الطفيفة الناتجة عن شظايا الزجاج الطائرة. لم يفكر ثانية في جراحه، ولم يفكر في النصر الذي حققه بمفرده؛ كان هناك هاجس واحد، اسم واحد يحرك جسده وروحه.
 
في هذه اللحظة، انفتح الباب السري ببطء، وخرجت حنين بخطوات مرتعشة. كانت ترتجف بعنف  ، ووجهها كان شاحباً كالملح، وعيناها العسليتان غارقتين بالدموع. بمجرد أن رأت وجهه، وبمجرد أن تأكدت بعينها أنه حي، سليم، ويقف أمامها بعد تلك المعركه انهار كل   تحفظ، وكل حاجز بداخلها. وبدون أي تفكير أو وعي  ، ركضت نحوه وارتمت في صدره بقوة وعنف، وتشبثت بقميصه الممزق بيديها المرتجفتين وهي تبكي بنشيج مرير هز كيانها بالكامل من فرط الارتياح.
 
أما ياسين، فقد تجمد في مكانه للحظة من المفاجأة الجارفة. شعر بضعفها وجسدها الصغير الدافئ الذي يرتجف بين يديه كالطير الحبيس، وشعر بدموعها الساخنة تخترق قميصه لتلمس جلده مباشرة وتغسل تعب السنين. في تلك اللحظة الفريدة، ذاب "الرجل الجليدي" تماماً وتحول إلى بركان من العاطفة المحبوسة منذ سنوات طويلة في العزلة. أحاطها بذراعيه القويتين وعانقها بشدة هائلة وكأنه يود إدخالها بين ضلوعه، دافناً وجهه في حجابها المبتل بماء المطر، وأخذ يتنفس رائحتها بعمق كمن يعود للحياة بعد الغرق والهلع.
 
— "أنا هنا.. أنا جنبك يا حنين.. خلاص انتهى الكابوس.. إنتِ في أمان ." همس بصوت دافئ، ممتلئ بالحنان   وهو يمسد على ظهرها بيد ترتعش لعظم المشاعر وعمق الاعتراف: "طول ما أنا عايش في الدنيا دي، محدش هيقدر يؤذيكي أو يمسك بسوء.. اهدي أرجوكي، أنا جنبك."
 
استمرت حنين في البكاء لصدره لعدة دقائق، وشعرت بأن هذا الصدر العريض هو ملجأها الوحيد، الحقيقي، والآمن في هذا العالم الشرس الغادر. كانت دقات قلبه المتسارعة العنيفة تحت أذنها تخبرها بكل ما عجز لسانه   عن قوله طوال الأسابيع الماضية؛ لقد كان خائفاً عليها لدرجة الموت. رفعت رأسها ببطء شديد، وتلاقت عيناها المغسولتان بالدموع بعينيه السوداوين اللتين تلمعان بنظرة حب، حماية، وشغف مطلق. امتدت أصابعه الخشنة لتمسح دمعة سقطت على وجنتها برقة متناهية، وبقيا في هذا العناق الصامت وسط حطام المكتب والرياح، وكأنهما يكتبان بدموعهما ورصاص الليلة بداية عهد جديد لا يمكن لإنس أو جان أن يكسره.
 
---

 
في هذه الأثناء، وتحت الأرض في القبو السفلي وتحديداً في غرفة السيرفرات والتحكم الرقمي، كان مازن يخوض معركته الخاصة التي لا تقل شراسة أو خطورة. بعد انقطاع الكهرباء الكامل، كان يعلم   أن الهدف الأول والمباشر للمهاجمين سيكون تدمير "القرص الصلب الرئيسي"    الذي يحتوي على سجلات الاختراقات والبصمات السلوكية التي تدين "رأفت".
 
كان مازن يجلس في الظلام الدامس مستعيناً بضوء كشاف هاتف المحمول، وأصابعه تتحرك بسرعة جنونية كالعاصفة على لوحة المفاتيح لنسخ البيانات الأخيرة وفك تشفير الملفات الحيوية قبل سقوط السيرفر الاحتياطي وانقطاع الطاقة بالكامل. وفجأة، سمع صوت ضربات ومحاولات عنيفة لكسر القفل الإلكتروني لباب الغرفة الفولاذي من الخارج باستخدام عتلات حديدية.
 
— "ولاد اللذينة.. وصلوا هنا كمان!" تمتم مازن بذعر حقيقي، وهو يرى شريط التحميل على شاشته يصل إلى 98%.
 
أدرك مازن أنهم لو تمكنوا من فتح الباب، سيكون في حكم الميت فوراً وضاعت الأدلة. وبسرعة بديهة فائقة استمدها من سنوات عمله في القرصنة  ، سحب سلكاً كهربائياً مكشوفاً ذا جهد عالٍ من المولد الاحتياطي الصغير، وأوصله مباشرة بالمقبض المعدني الداخلي للباب الفولاذي، وقام بصعق لوحة التحكم الرئيسية بجهد كهربائي عالٍ ومباشر   . انطلقت شرارة كهربائية ضخمة أضاءت الغرفة، وأصدر النظام صوتاً حاداً مستمراً، ليتعطل القفل التلقائي تماماً ويغلق الباب الفولاذي بإحكام ميكانيكي تام لا يمكن فتحه إلا باستخدام متفجرات أو معدات قص أكسجينية ثقيلة، محتجزاً المهاجمين في الممر الخارجي وعازلاً إياهم.
 
وفي نفس اللحظة بالذات، أصدر الحاسوب صوتاً خفيفاً يعلن اكتمال النسخ بنسبة 100%. سحب مازن محرك الأقراص الصغير (Hard Drive) الفضي بسرعة خاطفة، ووضعه في الجيب الداخلي لسترته الواقية من الماء وأغلق السحاب بإحكام كمن يحمي كنزاً.
 
لكن الغرفة المغلقة بدأت تمتلئ بسرعة بدخان عادم المولد الكهربائي الاحتراقي الخانق (السخام الأسود) الذي بدأ يتعطل، ومخرج الباب أصبح مسدوداً تماماً. نظر مازن حوله بهلع وضيق أنفاس، ولمح فتحة التهوية العلوية الضخمة التي تؤدي إلى الزقاق الخلفي للمبنى. سحب طفاية حريق حديدية ثقيلة، وصعد فوق إحدى الطاولات، وبدأ يضرب الشبك المعدني للفتحة بكل قوته وعضلاته المشدودة حتى تحطم التثبيت تماماً.
 
تسلل مازن عبر الفتحة الضيقة بصعوبة بالغة وضيق نفس، وكان يشعر بالحديد يخدش ظهره وكتفيه بحدة، حتى تمكن من الخروج  سقط وسط الوحل والمياه المتجمعة من المطر الشديد، ليتنفس الهواء البارد لاهثاً ويسعل بعنف لتطهير رئتيه من عادم المولد.
 
نهض وجسده بالكامل يؤلمه بشدة، وملابسه ملطخة بالكامل  ، والدماء تسيل من جرح صغير عند جبهته اختلط بماء المطر. ركض تحت المطر المنهمر كالسهم نحو سيارته الرياضية المركونة في زاوية مظلمة بعيدة عن الأنظار. قفز داخلها، وأدار المحرك  ، وانطلق بها كالمجنون يمزق مياه السيول، وهو يضغط على دواسة البنزين لأقصى حد ممكن.
 
لم يكن تفكير مازن في تلك اللحظة متوجهاً نحو ياسين، ولا نحو الملف الثمين الذي يحمله في جيبه، ولا نحو الشركة التي تنهار؛ كان عقله، وقلبه، وروحه، وكل ذرة في كيانه متمحورة حول اسم واحد وصورة واحدة: "حنان". ماذا لو كان هؤلاء المجرمون قد أرسلوا فريقاً آخر بالتزامن إلى الفيلا للتخلص منها بهدف كسر ظهر حنين وياسين؟ فكرة أن يصيب حنان أي مكروه كانت تجعل صدره يضيق لدرجة الاختناق الحقيقي وتدفع عقله نحو الجنون الكامل. كان يقود السيارة في شوارع القاهرة الغارقة في السيول، يتخطى الإشارات الحمراء، ويتلاعب بالمنعطفات بسرعة انتحارية خطيرة، وعيناه مسمرتان على الطريق والدموع تترقرق فيهما من شدة الخوف   عليها.
 
---
 

وصل مازن إلى أسوار الفيلا بعد نصف ساعة من القيادة الانتحارية المرعبة التي تحدت السيول. وجد حرس الفيلا الخارجيين في حالة استنفار تامة وقصوى، يحملون أسلحتهم ومستعدين لأي هجوم طارئ، مما طمأنه قليلاً بأن المكان لم يتعرض للاقتحام بعد. كبح مكابح السيارة بعنف لتتوقف بإطاراتها الصارخة الملتوية على الحصى أمام المدخل الرئيسي مباشرة.
 
قفز من السيارة  ، واندفع نحو الباب الرئيسي للفيلا، ودفعه بقوة هائلة ليدخل إلى الصالون الداخلي الدافئ والمضاء بإضاءة خافتة هادئة.
 
في الداخل، كانت **حنان** تعيش جحيمها الخاص والمنفصل من القلق، الإحباط، والعجز. كانت تمسح أرض الصالون جيئة وذهاباً بخطوات سريعة ومضطربة، وعيناها محمرتان ومنتفختان من كثرة البكاء طوال الليل، ويدها ترتجف وهي تعبث بهاتفها المحمول الذي كان فاقداً للشبكة تماماً بسبب العاصفة وتذبذب الإرسال. كانت تشعر   بأن هناك خطراً كبيراً يحيط بأختها وبـ مازن، وكانت دعوتها وتوسلاتها لله لا تتوقف للحظة واحدة.
 
بمجرد أن انفتح الباب بعنف وظهر جسد مازن اللاهث، توقف الزمن تماماً بالنسبة لها.
تسمرت في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة ورعب حقيقي؛ كان مازن يقف أمامها بمظهر مرعب وجريح كأنه خارج من حرب طاحنة. ملابسه ممزقة وملطخة بالكامل  ، المطر يقطر من شعره الغارق على وجهه، والدماء الحمراء القانية تسيل من جبهته لتختلط بماء المطر على خده، وكان يلهث بأنفاس متلاحقة وعميقة كمن ركض لمسافة أميال طويلة بين الموت والحياة.
 
لم تتمالك حنان نفسها إطلاقاً. نسيت كل الخجل والحدود والتحفظات الاجتماعية، وركضت نحوه بلهفة عارمة وصوت مبحوح اخترقه البكاء:
— "مازن!  وشبيك واش صرا؟ راك  مليح؟ واش هاد الدم؟ وينها   حنين وياسين؟ قولي تعيش!"
 
لم يجبها مازن بالكلمات التقليدية. في تلك اللحظة الحاسمة والفاصلة من حياته، انهار كل جدار من السخرية، والمزاح، والتهرب بناه طوال سنوات عمره ليحمي به قلبه من الالتزام. أمام رعب فقدانها الحقيقي والقاتل الذي عاشه في السيارة طوال الطريق، تلاشت كل التلميحات الساخرة. تقدم نحوها بخطوتين سريعتين، وبحركة مفاجئة، قوية، ومحملة بعاطفة جارفة لا ترد، مد يديه وأمسك بوجهها النحيل بين كفه المبللتين بالماء والوحل، وأجبرها على النظر في عينيه مباشرة، متجاهلاً ارتباكها الشديد وجسدها الذي تجمد بين يديه  .
 
— "حنين كويسة.. وياسين معاها ومش سايبها وهيموت عشانها." قال مازن بصوت لاهث، عميق ، ويرتجف بمشاعر حقيقية لم تسمعها منه قط: "بس أنا.. أنا اللي مكنتش كويس يا حنان. أنا كنت هموت النهارده تحت الأرض.. والرصاص كان فوق راسي، والشيء الوحيد اللي كان بيخليني أقاوَم وأرفض الموت مش روحي..  الشيء الوحيد  كان إنتِ!"
 
توردت وجنتا حنان بشدة واختلطت حمرتهما بدموع القلق الدافئة، ونبضات قلبها أصبحت مسموعة وسط هدوء الصالون  . حاولت التحدث بنبرة مرتجفة تحاول استجماع شتاتها:
— "مازن.. إنت راك تنزف.. اِقعد برك باش نداويك.."
 
— "مش مهم الزفت الدم!" قاطعها مازن بنبرة  حاسمة وصارخة بالحب الشديد والشغف: "المهم إنتِ تسمعيني وتفهمي اللي هقوله بالملي، لإن مفيش وقت للهزار تاني في حياتي. أنا بحبك يا حنان. بحبك من أول يوم شفتك فيه في المطار وإنتِ بتزعقيلي بلسانك الطويل. بحبك بكل تفاصيلك، بلكنتك اللي بتطير عقلي، بعنادك، وبخوفك عليا. أنا النهارده شفت الموت بعيني، وعرفت إن الحياة من غيرك مالهاش أي تمن ولا عوزة. أنا مش طالب منك مجرد إعجاب.. أنا بقولك قدام ربنا وعينيكي إني عاوز أتجوزك. عاوزك تكوني مراتي وأم ولادي وشريكة عمري كله بمجرد ما الكابوس ده يخلص. ومش هقبل بأي إجابة تانية في الدنيا غير (إيوه)."
 
تجمدت حنان في مكانها، وشعرت بأن الأرض تدور بها من فرط السعادة والذهول. كلمات مازن الاندفاعية، الصادقة، والمليئة بالرجولة والشغف اخترقت حصونها تماماً، وأذابت كل شكوكها السابقة حول استهتاره وطيشه. رأت في عينيه جرحاً حقيقياً وخوفاً عليها صادقاً لا يصدر إلا عن رجل مستعد للتضحية بحياته وروحه لأجلها.
 
اختلطت دموع خوفها بابتسامة واسعة، دافئة، وأخاذة أضاءت وجهها الشاحب كالشمس. رفعت يديها الصغيرتين ببطء، ووضعتهما فوق كفيه المبللين اللذين ما زالا يحيطان بوجهها بعناية، وقالت بكلماتها الرقيقة التي تذيب الحديد من فرط صدقها:
— "يا مجنون.. طيرتلي عقلي وخوفتني عليك للموت! تحسبني كنت راح نخليك تروح وتخليني بسهولة؟ أنا تاني نحبك يا مازن.. نحبك من كل قلبي، ومستعدة نستناك العمر كامل وتكون راجلي وسندي في هاد الدنيا."
 
تنهد مازن براحة عميقة أزاحت عن صدره جبالاً من الأثقال والهموم التي حملها طوال الليل. أغمض عينيه للحظة وهو يستشعر لمسة يديها الدافئتين على كفيه، ثم فتحها وابتسم ابتسامته الساحرة المعتادة التي عادت لتضيء وجهه المليء بالجروح والوحل والسخام:
— "أنا كده خلاص.. لو دخلت حرب تانية دلوقتي هكسبها ب إيد واحدة. أحلى (نحبك) سمعتها   في حياتي كلها.. بس خلي بالك، بمجرد ما ننظف الشركة من الأوساخ اللي فيها الأسبوع ده، أنا هاجي أطلب إيدك رسمي من حنين و ياسين، ومش هتنازل عن فرح يهز القاهرة والجزائر كلها، وهخليكي أميرة زمانك."
 
---
 
 
في صباح اليوم التالي، انقشعت الغيوم السوداء تماماً عن سماء القاهرة، وتسللت أشعة الشمس الذهبية الدافئة لتغسل شوارع العاصمة من آثار ليلة الرصاص والعاصفة الهوجاء، وكأن الطبيعة تعلن رسمياً عن بدء مرحلة التطهير الكبرى.
 
حول برج "الحكيم" الشاهق، كانت الأجواء أشبه بساحة عسكرية منظمة؛ عشرات من سيارات الشرطة، وسيارات الإسعاف، وقوات الأمن الخاصة ضربت طوقاً أمنياً شاملًا حول المبنى الضخم لمنع الدخول والخروج. تم القبض على المهاجم المصاب الذي تركه زملاؤه مغشياً عليه في مكتب الإدارة العليا خاضعاً للتحقيق.
 
وفي تلك الليلة الفائتة، وتحت الأرض في القبو السفلي، كانت المفاجأة الكبرى قد وقعت بالتزامن مع المعركة؛ فبينما كان الهجوم مشتعلاً في الأعلى وانقطعت الكهرباء، حاول "رأفت" بيأس وإرهاق تسلل الأرشيف الورقي مستغلاً الظلام، حاملاً وعاءً من البنزين وولاعة لإشعال النار في السجلات التاريخية والميزانيات القديمة لتدمير الأدلة بناءً على أوامر الحوت الأكبر. لكن حرس الشركة الامناء بتوجيهات ياسين المسبقة، برفقة عناصر الأمن الذين اقتحموا المكان، انقضوا عليه وشلوا حركته تماماً، وقيدوا يديه بالحديد قبل أن تشتعل النار، ليُسحب ذليلاً إلى سيارة الترحيلات.
 
داخل المكتب الرئاسي المحطم، والذي تملأ أرضه شظايا الزجاج اللامعة والأوراق المبتلة بفعل المطر، كان ياسين الحكيم يجلس على الأريكة الجلدية المتبقية ً. كان قد غسل وجهه، وضمد جراحه الطفيفة، وارتدى قميصاً أسوداً جديداً يبرز هيبته الصارمة التي عادت إليه أقوى وأعنف من السابق. بجواره مباشرة، كانت حنين تجلس بهدوء واحتواء، ملتفة بسترة ياسين الصوفية الكبيرة والدافئة التي وضعها على كتفيها شخصياً لحمايتها من نسمات الصباح الباردة التي تدخل من الواجهة المحطمة. كانت النظرات المتبادلة بينهما مليئة بوعود عميقة جداً وصمت يفوق الكلمات؛ فليلة أمس جعلت كل منهما جزءاً لا يتجزأ من روح وجسد الآخر.
 
في هذه الأثناء، انفتح الباب المحطم تماماً، ودخل مازن بخطوات سريعة وواثقة. كان قد غير ملابسه تماماً ووضع ضمادة طبية بيضاء نظيفة على جبهته، لكن وجهه كان يحمل مزيجاً من الإرهاق الشديد والانتصار  . سار بثقة وألقى بمحرك الأقراص الصغير (Hard Drive) الفضي الثمين على الطاولة الزجاجية أمام ياسين:
— "صباح الخير يا وحش الكون." قال مازن بنبرته المعتادة التي عادت إليها الروح والمزاح: "نجينا من الموت بأعجوبة إمبارح،.. بس الجايزة اللي في البتاع ده تسوى مليارات وتستاهل كل نقطة دم نزفت مننا."
 
اعتدل ياسين في جلسته فوراً، وضاقت عيناه ببريق الصيد الحاد والقاتل:
— "فكيت الشفرة الأخيرة يا مازن؟ وصلت لاسم الحوت الأكبر؟"
 
جلس مازن وجذب حاسوبه المحمول الصغير، وأوصل محرك الأقراص به بلمسات محترفة. بدأت أصابعه تضرب الأزرار بسرعة، بينما اقتربت حنين بفضول وتركيز شديدين لمتابعة الشاشة وعقدت يدها على سترته.
— "بص يا سيدي.." قال مازن وهو يوجه الشاشة نحو ياسين وحنين: "البصمة السلوكية اللي لقطناها لرأفت وهو بيحول الفلوس، قادتني لعقدة تحويل سرية ومؤمنة في بنك أوف جينيف. إمبارح بالليل ، قدرت أفك الجدار الناري الأخير اللي بيحمي الحساب النهائي في جزر البهاما اللي بتروحله كل الملايين المنهوبة.. الحساب اللي بيحمل الاسم الحركي (The Leviathan - الطاغوت)."
 
ظهرت على الشاشة وثيقة بنكية دولية رسمية، معتمدة بالختم الرقمي ومرفقة بتوقيع قانوني واضح وصريح لا يقبل الشك، أو التأويل، أو التزوير.
 
تطلع ياسين إلى الاسم المكتوب في خانة المالك المستفيد النهائي للحساب, وفجأة، اتسعت عيناه الصقريتان بصدمة حقيقية غير مسبوقة، وتصلب جسده بالكامل وكأنه تعرض لتيار كهربائي عالي الجهد. حتى حنين لاحظت تغير ملامحه السريع من الغضب الصارم إلى الذهول الممتزج بالمرارة الشديدة.
— "مش ممكن.." همس ياسين بصوت منخفض يحمل ذهولاً ومرارة عميقة زلزلت كيانه: "طارق الصاوي؟!"
 
أومأ مازن برأسه بجدية شديدة وصرامة وقال:
— "هو بالظبط يا ياسين. طارق الصاوي.. شريك والدك الله يرحمه القديم، الراجل اللي من 15 سنة ادعى إنه أفلس تماماً وصفى أعماله وسافر بره مصر واختفى عن الأنظار. الحقيقة اللي الملف ده بيثبتها بالأدلة القاطعة اللي هتقدم للمحكمة، إنه مسافرش هربان.. الراجل ده بنى إمبراطورية فساد وتبييض أموال ضخمة من الظل، ورجع زرع رأفت وجواسيس تانين جوه شركتك. هدفه مكنش مجرد سرقة ملايين يا ياسين.. طارق الصاوي هدفه تدمير مجموعة الحكيم بالكامل من الجذور، وكسر اسم عيلتك كنوع من الانتقام الشخصي القديم من والدك!"
 
التفتت حنين نحو ياسين بقلق واحتواء، ورأت الفك السفلي لوجهه يتشنج بقوة وعنف، وعيناه تشعان بشراسة مرعبة، شراسة صقر حدد وجهة فريسته الأخيرة وسقوط آخر الحصون للأعداء.
 
نهض ياسين ببطء شديد، وتقدم نحو حافة الواجهة المحطمة حيث الرياح الباردة، ينظر إلى أفق القاهرة والشمس التي ترتفع في السماء ناشرة خيوط التطهير. وضع يديه في جيوبه، وقال بصوت منخفض، حاد، وتقطر منه وعود الانتقام القاتل:
— "الوسخ كان مستخبي في الظل 15 سنة وبيحرك العرايس بتاعته.. بس اللعبة انتهت خلاص يا مازن. رأفت في إيدينا ومتلبس، والملف ده هو حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبة طارق الصاوي والجواسيس بتوعه."
 
التفت نحو مازن وحنين وعيناه تلمعان بثقة قاطعة وبأس شديد:
— "الأسبوع ده.. مش هسيب كلب خاين أو جاسوس لطارق الصاوي جوه مبنى الشركة دي إلا وهرميه في السجن. هنظف المكاتب والسيستم مكتب مكتب وسيرفر سيرفر. وجهز نفسك يا مازن.. لإن المعركة الجاية هنمسك فيها الرأس الكبيرة ونقفل الدفاتر دي للأبد."
 
ابتسمت حنين بنظرة فخر، واعتزاز، وعشق خفي بهذا الرجل الذي لا ينكسر مهما بلغت شدة العواصف، بينما غمز مازن بعينه لياسين وهو يفكر في خطوته القادمة السعيدة مع حنان بمجرد انتهاء عاصفة التطهير وتأمين حياتهم للأبد.
 
تعليقات



<>