رواية خادمتي الصامته الفصل الرابع عشر14بقلم اسماعيل موسي


رواية خادمتي الصامته الفصل الرابع عشر14بقلم اسماعيل موسي

بعد أيام قليلة من تهديد العمدة لها، بدأت تقى تشعر أن شيئًا ما يتحرك في البيت من حولها، شيئًا لا تستطيع أن تراه، لكنها كانت تحسه كما يحس المرء بوجود عاصفة قبل أن تهب الريح
في تلك الليلة عادت إلى الإسطبل منهكة، وقد انطفأت في جسدها آخر ذرة من القوة، فلم تكن قد جلست طوال النهار إلا دقائق معدودة، تنقلت بين الفناء والمطبخ والمخزن، تحمل الماء وتغسل الثياب وتقوم بالأعمال التي كانت تتزايد كلما انتهت من واحد منها.

فرشت لنفسها مكانًا فوق التبن في الركن الذي اعتادت أن تنام فيه، ثم ضمت ذراعيها إلى صدرها محاولة أن تحتمي من برد الليل، ولم تمضِ لحظات طويلة حتى غلبها النوم
كان الليل ساكنًا حين دخل الغفر إلى الإسطبل
لم تستيقظ تقى إلا على يد غليظة تهز كتفها بعنف
فتحت عينيها مذعورة، فرأت رجلين يقفان فوق رأسها، يحمل أحدهما مصباحًا صغيرًا، بينما كان الآخر ينحني بالقرب من كومة التبن التي تنام إلى جوارها
اعتدلت تقى بسرعة، وأخذت تنظر إليهما في ذهول، ثم تحركت بيديها تسألهما عما يريدان
لم يجبها أحد
مد الغفير يده داخل كومة التبن، وأخذ يقلبها أمام عينيها، ثم توقف فجأة
أخرج شيئًا صغيرًا ملفوفًا في قطعة قماش،فتح القماش ببطء
لمعت قطعة من الذهب تحت ضوء المصباح،تجمدت تقى في مكانها،قال أحد الغفر بصوت مرتفع، أهو
اقترب الآخر ونظر إلى ما في يده، ثم قال، ده ذهب الهانم
بدأت تقى تهز رأسها بعنف، وتراجعت إلى الخلف، وأشارت بيديها أنها لا تعرف شيئًا عنه، لكن أحدهما أمسك بذراعها قبل أن تكمل إشاراتها،قال، الكلام ده تقوليه للعمدة
حاولت تقى أن تفلت منه، وأخذت تشير إلى نفسها ثم إلى الذهب، تهز رأسها وتنفي، وكان الرعب يزداد في عينيها كلما أدركت ما يحدث،لكن الغفر لم يكونوا هناك ليسمعوا دفاعها
كان كل شيء قد انتهى قبل أن تستيقظ
اقتادوها من الإسطبل عبر الفناء، وكانت قدماها حافيتين فوق الأرض الباردة، ولم يسمح لها أحد بأن ترتدي شيئًا فوق ما كانت ترتديه
وصلوا بها إلى الغرفة التي يجلس فيها العمدة، فوجدته مستيقظًا كأنه كان ينتظر وصولها
كان جالسًا في مكانه، وأمامه المصباح، وعلى الطاولة وضعت قطعة الذهب
نظرت تقى إليها ثم إليه، وشعرت بأن قلبها يهبط في صدرها
رفع العمدة عينيه وقال، كنت فاكر إنك أحسن من كده
أخذت تقى تهز رأسها، وأشارت بيديها بسرعة، تحاول أن تخبره أنها لم تر الذهب من قبل،لكن العمدة لم يمنحها فرصة
ضرب بيده على الطاولة وقال، بعد كل اللي عملته عشانك تقابليني بالسرقة؟
ارتجفت تقى
قال بصوت مرتفع، جيتي بيتي خدامة عشان أسدد دين أبوكي، وأكلتي من خير البيت، ونمتي تحت سقفي، وفي الآخر تسرقي مرات العمدة؟
كانت الكلمات تتساقط عليها واحدة بعد أخرى، وتقى واقفة أمامه لا تملك إلا يديها اللتين لم يكن أحد يريد أن يفهم لغتهما
أشار العمدة إلى أحد الغفر وقال، روحوا هاتوا أبوها
نظر الغفير إليه وقال، دلوقتي يا عمده؟
رد ببرود، أيوه دلوقتي
ثم نظر إلى تقى وأضاف، خلي يشوف البنت اللي رماها في رقبتي عملت إيه
كان الليل قد تجاوز منتصفه حين وصل الغفر إلى بيت عويس
دقوا الباب بعنف حتى استيقظ البيت كله
نهضت زوجة عويس مذعورة، وسألته وهي تسمع الضربات المتتابعة، مين اللي جاي لنا في نص الليل؟
لم يجبها في البداية، فقد كان قلبه قد بدأ يخفق بعنف قبل أن يعرف من وراء الباب
فتح الغفر الباب عليهم، ودخل أحدهم وهو يقول، العمدة عايز عويس حالًا،تغير وجه عويس
قال، ليه؟،رد الغفير، تعالى وهتعرف
حاولت زوجته الجديدة أن تسأله ماذا حدث، لكنه لم يلتفت إليها، فقد أمسك الغفر بذراعه وخرجوا به من البيت
ظل طوال الطريق يسألهم عن السبب، لكن أحدًا لم يرد عليه
وحين وصل إلى دوار العمدة وجد تقى واقفة في الغرفة، وجهها شاحب وذراعاها متدليتان إلى جوارها، وعلى الطاولة أمام العمدة قطعة الذهب،توقف عويس عند الباب،نظر إلى ابنته ثم إلى الذهب،قال العمدة ببطء، بنتك سرقت ذهب مراتي،اتسعت عينا عويس
نظر إلى تقى، فبدأت تهز رأسها بسرعة، وأخذت تشير إليه، كأنها تستنجد به للمرة الأولى منذ زمن طويل
لكن عويس لم يتحرك
قال العمدة، دي الأمانة اللي سيبتها عندي؟
ظل عويس صامتًا
نهض العمدة من مكانه، وبدأ صوته يرتفع، أنا هوديكم في داهية يا عويس، فاهم؟
تراجع عويس خطوة
تابع العمدة، عيلة حرامية، تخون الأمانة وترد كرم العمدة وعطفه بالسرقة؟
قال عويس بصوت مرتبك، يا عمده أنا ماليش دعوة
نظر إليه العمدة وقال، مالكش دعوة؟ دي بنتك
هنا نظر عويس إلى تقى مرة أخرى
كانت عيناها معلقتين به، تنتظر منه كلمة واحدة، كلمة يقول فيها إنها ليست سارقة، أو أنه يعرفها، أو أنه على الأقل سيحاول أن يسمعها
لكن الخوف كان قد سبق كل شيء إلى قلبه
قال عويس وهو يشير إليها، طالما سرقت تبقى مش بنتي
توقفت تقى عن الحركة
لم تكن الجملة طويلة، لكنها وقعت عليها بقسوة لم تعرف مثلها
قال عويس مرة أخرى، أنا ماليش بنت حرامية، اللي تسرق الناس ملهاش عندي أبوة
ظل وجه تقى ساكنًا، وانخفضت يداها ببطء إلى جوار جسدها
في تلك اللحظة لم يكن الألم في اتهامها وحده، بل في الرجل الذي وقف أمامها واختار أن ينجو بنفسه ولو كان الثمن أن يرمي بها إلى النار،ابتسم العمدة ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ثم عاد إلى مقعده،قال، كويس إنك وفرت عليا الكلام
ثم أشار إلى الغفر،خدوها على الحجز
رفعت تقى رأسها نحوه،قال العمدة، تتحبس في غرفة الحجز لحد ما الشرطة تيجي من المركز، وساعتها يبقى لكل حادث حديث
اندفع الخوف إلى وجهها، وتراجعت خطوة، لكن الغفير أمسك بذراعها
حاولت تقى أن تقاوم، وأشارت بيديها نحو الذهب ثم نحو نفسها، تهز رأسها وتصرخ بصمت أنها لم تفعل شيئًا
لكن الغرفة كانت ممتلئة برجال قرروا ألا يسمعوا
قال العمدة وهو ينظر إليها، الخاين لازم يعرف إن لكل حاجة تمن،اقتادوها خارج الغرفة
كانت تقى تمشي بين الغفر، وقد بدأ عقلها يدرك أخيرًا أن التهديد الذي ألقاه العمدة في وجهها لم يكن مجرد غضب رجل رُفض طلبه،لقد كان وعدًا،ووعد العمدة بدأ يتحقق
فتحوا باب غرفة الحجز في آخر الدوار، وكانت حجرة ضيقة، مظلمة، لا يكاد يدخل إليها الهواء، ودفعها الغفير إلى الداخل
التفتت تقى للمرة الأخيرة نحو الباب قبل أن يغلق
لكن عويس لم يكن هناك
كان قد غادر وهو يكرر لنفسه أن من تسرق لا تكون ابنته، كأن الكلمات التي قالها قادرة على أن تمحو الدم الذي يجري بينهما
أما تقى، فبقيت وحدها خلف الباب المغلق، متهمة بجريمة لم ترتكبها، تنتظر رجال الشرطة، ولا تعرف أن ما أعده لها العمدة لم يكن نهاية انتقامه منها، بل مجرد البداية

الغرفه التى حبست فيها تقى جدرانها من الطين اللبن مشققه ومظلمه تسكنها الفئران  وتسمع فحيح الثعابين فى سقف البوص والريح فى الخارج تقف مثل وحش كاسر ينفخ انفاثه بين شقوق الحجره فترتعش تقى.

انكمشت تقى على نفسها استندت على الجدار مرعوبه بردانه ترتعش وكلما فزع الريح اهتز سقف الغرفه كأنه سيسقط فوق رأسها
حتى الفئران  بدأت تهرب وتمر بين أقدام تقى المفزوعه
كانت الأشاره وصلت مغفر الشرطه، لكن المعاون قال للعمده انه لن يأتى الا فى الصباح الباكر
وان على العمده ان يعد طعام الإفطار بالسمن البلدى
فطير مشلتت ساخن وعسل نحل ولبن رايب
قال العمده كله جاهز يا باشا

وعندما أشرقت الشمس لم تكن تقى نامت سمعت صياح الغفر بأن البيه المعاون وصل.

تعليقات



<>