رواية عذبة النخيل الفصل الرابع عشر14 بقلم حنان أحمد ماهر

رواية عذبة النخيل بقلم حنان أحمد ماهر 
رواية عذبة النخيل الفصل الرابع عشر14 بقلم حنان أحمد ماهر 


خرجت همس خلف فارس بخطوات مترددة، بينما كان قلبها يخفق بسرعة لم تعهدها من قبل. كل شيء يحدث حولها بدا وكأنه حلم جميل تخشى أن تستيقظ منه.
خرج فارس أولًا، ثم فتح لها باب السيارة بنفسه، وقال بابتسامة هادئة:
ـ اتفضلي.
ترددت همس لحظة، ثم ركبت وهي تتمتم بخجل:
ـ شكرًا.
أغلق الباب برفق، ثم استدار إلى مقعده وقاد السيارة خارج السرايا.
ساد بينهما صمت قصير، لم يكن صمتًا مزعجًا، بل كان مليئًا بالمشاعر التي يعجز كل منهما عن البوح بها.
قطع فارس الصمت وهو ينظر للطريق:
ـ مالك شكلك متوترة ؟
ابتسمت همس ابتسامة صغيرة وهزت رأسها.
ـ يعنى شوية.
ابتسم وهو يقول بمزاح:
ـ  لدرجة دى وجودى معاكى بيوترك؟
اتسعت عيناها في ارتباك، ثم أسرعت تقول:
ـ لا... أبدا ...أقصد... يعني...
انفجر فارس ضاحكًا، ثم قال وهو يهدئها:
ـ خلاص...أهدى.. ايه كل ده ... انا بهزر معاكي.
تنهدت همس وهي تبتسم دون أن تشعر، فقال فارس وهو يرمقها بطرف عينه:
ـ انتى جميلة اوى ياهمس تعرفى لما بتضحكى بحس أن قلبى بيرقص من جوه.
ازداد خجلها، فأشاحت وجهها نحو نافذة السيارة، بينما كانت ابتسامتها تكبر رغمًا عنها.
فى نفس الوقت رن هاتف فارس فجأة، فقطع الصمت الذي خيم على المكان. ألقى نظرة سريعة على الشاشة، ثم أجاب على الفور:
ـ أيوه يا حمزة كيفك ياخوى.
جاءه صوت حمزة متوترًا على غير عادته، وقال:
ـ إنت اللى فينك يا فارس؟جتلك السرايا ملقتكش.
أجاب فارس وهو يواصل القيادة:
ـ رايح أجيب طلبات لهمس.... عشان هكتب كتابي عليها... عقبالك ياصاحبى
ضحك حمزة رغم الضيق الذي بدا واضحًا في صوته، وقال:
ـ شكل كده في حاجات كتير فاتتني.
رد فارس بهدوء:
ـ ولا فاتك حاجة، لما أقابلك هحكيلك على كل حاجة.
ثم انعقد حاجباه وهو يقول بقلق:
ـ مالك يا حمزة؟ حاسس من صوتك إن في حاجة حاصلة معاك.
تنهد حمزة ببطء، ثم قال:
ـ أيوه... أنا محتاجك يا فارس..... محتاج اتكلم معاك.
قطب فارس حاجبيه وقال، وقال بجدية:
ـ خير يا حمزة؟ إيه اللى حصل ياخوي.البيت عندك بخير.
أجابه حمزة بصوت خافت:
ـ كلهم بخير ماتقلقش لما ترجع كلمني، وتعالى لي على الإسطبل هستناك.
ثم أنهى المكالمة.
التفتت همس إلى فارس، بعدما لاحظت تغير ملامحه، وقالت بقلق:
ـ في حاجة حصلت مع حمزه؟
هز فارس رأسه وهو يزفر ببطء، ثم قال:
ـ مش عارف، بس واضح إن حمزة مضايق من حاجة.
حاولت همس أن تطمئنه، فالتفتت إليه قائلة بصوت هادئ:
ـ متقلقش، أكيد الموضوع بسيط.ان شاء الله خير.
 أعاد فارس تركيزه إلى الطريق، لكنه كان يشعر بأن أمرًا ما قد حدث.

في الوقت نفسه، كان عز يجلس داخل مكتبه الفخم، واضعًا إحدى يديه فوق المكتب، بينما كان يدق بأصابعه فوق سطحه الزجاجي في عصبية واضحة. كانت عيناه مثبتتين على الفراغ أمامه، لكن عقله كان مشغولًا بأشياء كثيرة؛ اختفاء فاطمة، وهروب همس، وفشل رجاله في الوصول إلى ما يريده.
ومنذ أيام، لم يذق طعم الراحة، فكل شيء بدأ يفلت من بين يديه، وهذا أكثر ما كان يثير جنونه.
في تلك اللحظة، دوى طرق خافت على الباب، قبل أن يدخل سالم وهو يقول:
ـ حسين بره يا باشا زى ما طلبت.
رفع عز رأسه ببطء، ثم أشار إليه بيده قائلًا:
ـ دخله.
خرج سالم، وبعد لحظات دخل حسين بخطوات ثابتة، وعلى وجهه ابتسامة صغيرة بدت لعز مستفزة إلى حد بعيد.
نهض عز من مكانه، ثم صافحه قائلًا:
ـ أهلًا يا حسين اتفضل.
ابتسم حسين وجلس في هدوء، بينما ظل عز يراقبه بعينين ضيقتين، وكأنه يحاول معرفة ما يدور داخل رأسه.
ـ سمعت إن في شحنة عايزها تعدي من المينا.
أومأ عز برأسه وقال:
ـ أيوه علشان كده بعتلك.
مال حسين بجسده إلى الأمام قليلًا، ثم قال بفضول:
ـ وهتكون فيها إيه ياباشا؟ عشان أبقى في الصورة.
في تلك اللحظة، تبدلت ملامح عز، وشعر بانقباض حاد في صدره. لم يكن يحب أن يسأله أحد عن شيء يخصه، ولم يكن يسمح لأحد بأن يتدخل في أعماله، لكنه كان يعرف جيدًا أن حسين ليس رجلًا عاديًا.
لذلك، أجابه بلهجة وبصوت حادة:
ـ هو أكل ولا بحلقه؟ مالكش دعوة بالكلام ده انت تعدى البضاعة من الميناء وتاخد حقك وفضناها.
عدل حسين قاعدته وابتسم ابتسامة باردة،ثم قال:
ـ معلش يا باشا، بس لازم أعرف. وكل حاجة وليها تمنها، وبعدين أنا كده كده هعرف، يبقى الأحسن إنك تقولي بنفسك.
زفر عز بضيق، ثم أدار وجهه إلى النافذة الزجاجية الكبيرة، وظل صامتًا للحظات، قبل أن يقول:
ـ أسلحة استريحت.
اتسعت ابتسامة حسين، ثم وضع ساقًا فوق الأخرى وقال:
ـ حلو أوي... عشرة مليون.
وفي لحظة واحدة، اشتعل الغضب داخل عز، فهب واقفًا من مكانه، وهو يحدق فيه بصدمة:
ـ عشرة مليون؟! إنت اتجننت؟
لكن حسين لم يهتز، بل ظل جالسًا في مكانه وكأنه كان يتوقع رد فعله منذ البداية.
ثم قال بهدوء:
ـ اهدى يا باشا. صفقة زي دي مكسبها كبير، وعشرة مليون مش هيأثروا عليك.
شعر عز بالإهانة، فطوال حياته كان هو من يفرض شروطه على الآخرين، أما الآن، فكان مضطرًا إلى الاستماع لشروط رجل آخر، وهذا وحده كان كافيًا لإشعال النيران بداخله.
لكنه تمالك أعصابه بصعوبة، ثم قال من بين أسنانه:
ـ ماشي.
وقف حسين من مكانه، ثم قال وهو يبتسم:
ـ يبقى اتفقنا.
وغادر المكان.
أما عز، فظل واقفًا في مكانه للحظات، وعيناه تتابعان الباب المغلق، بينما كانت مشاعر الغضب تتصاعد داخله شيئًا فشيئًا.
التفت إلى سالم، وقال بصوت منخفض، لكنه كان يحمل قدرًا كبيرًا من القسوة:
ـ بعد ما تأمن على البضاعة... صفيه.
رفع سالم حاجبيه في دهشة، وقال:
ـ حسين؟
التفت عز إليه ببطء، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة وهو يقول:
ـ أيوه... أنا محدش يقدر يلوي دراعي.
ثم ضيق عينيه وأردف:
ـ واللي يحاول يعمل كده... يبقى حكم على نفسه بالموت.
وصل فارس إلى السرايا بعدما امتلأت السيارة بالأكياس الكثيرة، وما إن توقفت السيارة أمام الباب حتى أسرع بعض الخدم نحوها.
نزل فارس أولًا، ثم فتح الباب لهمس، وقال بابتسامة هادئة:
ـ انزلي يا همسي.
هبطت همس من السيارة، وعيناها تتنقلان بين الأكياس الكثيرة في دهشة واضحة، بينما التفت فارس إلى الخدم وقال:
ـ خدوا الحاجات دي كلها وطلعوها أوضة همس.
ازدادت حيرة همس، وقالت بخجل:
ـ انت جبت حاجات كتير اوى يافارس؟
ابتسم فارس وهو ينظر إليها قائلًا:
ـ كل ده قليل عليكي،أنا لو أطول نجوم السما كنت عملت بيهم سلسلة وقدمتهالك.
احمر وجهها على الفور، فأشاحت عينيها بعيدًا عنه، بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه.
ثم قال بهدوء:
ـ اطلعي ارتاحي شوية، أنا هروح أقابل حمزة في الإسطبل وأرجع.
اكتفت همس بهز رأسها، بينما استدار فارس وغادر المكان.
وعندما وصل إلى الإسطبل، لمح حمزة جالسًا فوق أحد المقاعد الخشبية، مطرقًا رأسه إلى الأسفل، وبين يديه عصا صغيرة أخذ يكسرها قطعة بعد الأخرى، وكأن الغضب والضيق المتراكمين داخله يبحثان عن مخرج.
توقفت خطوات فارس للحظات، فقد كان يعرف حمزة جيدًا، ويعرف أن هدوءه في تلك اللحظات لم يكن يبشر بخير.
اقترب منه ببطء، ثم جلس إلى جواره وقال:
ـ مالك يا صاحبي؟ في إيه؟
تنهد حمزة طويلًا، ثم رفع رأسه إليه، وبدأ يحكي له كل ما حدث في بيت الحاج عبد الرحيم، وكيف رفض الرجل إتمام الزواج، وكيف أراد أن يتراجع عن كلمته.
وما إن انتهى، حتى انتفض فارس من مكانه وهو يقول بغضب:
ـ هو اتجنن ولا إيه؟! هو كلام العيال بقى له قيمة عنده؟!
ثم أكمل بانفعال:
ـ أنا هكلم جدي ، ونروح له، ونتكلم معاه.
هز حمزة رأسه في صمت، ثم قال:
ـ مش دي الحاجة الوحيدة اللي مضايقاني.
قطب فارس حاجبيه، فأكمل حمزة بصوت خافت:
ـ أنا أقدر أروح آخدها غصب عنه، بس أنا قلقان عليها.
ـ قصدك آيات؟
أومأ حمزة برأسه، ثم قال:
ـ تليفونها مقفول من وقت ما خرجت من عندهم، وقلبي مش مطمن. خايف يكون أبوها عمل فيها حاجة.
ساد الصمت للحظات، بينما أخذ فارس يفكر فيما قاله حمزة.
وفجأة، ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهه، وقال:
ـ عندي فكرة.
رفع حمزة رأسه بسرعة وقال بلهفة:
ـ إيه هي؟
ابتسم فارس وأجابه:
ـ همس هتروح هي وجدتي الحاجة أمينة يدعوهم لكتب الكتاب، وفي نفس الوقت همس هتكلم آيات وتطمنك عليها.
وقف حمزة من مكانه بسرعة، وكأن حملًا ثقيلًا انزاح عن صدره، ثم جذب فارس إلى حضنه وهو يقول بفرحة:
ـ ربنا يخليك ليا يا فارس.
ابتسم فارس وربت على كتفه قائلًا:
ـ اهدى بس، وإن شاء الله خير.

ابتسم حمزة ابتسامة واسعة، ثم ابتعد قليلًا وهو ينظر إلى فارس بدهشة ممزوجة بالسعادة، قبل أن يقول:
ـ بس قولي بقى... إيه حكاية جوازك من همس والسرعة دي؟
ابتسم فارس، ثم جلس فوق المقعد الخشبي المجاور له، وأراح ظهره إلى الخلف، بينما ارتسمت على وجهه نظرة هادئة لم يعتدها حمزة منه.
أما حمزة، فظل يتأمله في صمت، فقد كان يعرفه منذ سنوات طويلة، ويعرف جيدًا أن فارس لم يكن يومًا من الرجال الذين يندفعون وراء مشاعرهم بسهولة، لذلك كان متأكدًا أن الأمر أكبر من مجرد إعجاب عابر.
تنهد فارس، ثم قال:
ـ أنا نفسي مش عارف إمتى ده حصل.
عقد حمزة حاجبيه وقال:
ـ يعني إيه مش عارف؟
ابتسم فارس ابتسامة خافتة، ثم أجاب:
ـ يعني من أول مرة شوفتها فيها، كنت حاسس إنها مختلفة عن أي حد شوفته قبل كده، بعشقها يا حمزه بعشقها..... كيف وازاى مش عارف.
ثم سكت لحظة وأكمل: بس فى حاجة تانية غير ده .
انتبه حمزة إلى ملامح فارس المتغيرة .
وعند حسين......... 
وصل إلى سيارته، ثم ألقى نظرة سريعة حوله، قبل أن يخرج هاتفه ويجري اتصالًا برقم محفوظ لديه.
وما إن جاءه الرد، حتى قال بصوت منخفض:
ـ كله تمام يا باشا... عملت زي ما طلبت مني.
جاءه صوت الرجل الغامض هادئًا:
ـ كويس... قالك إيه؟
ابتسم حسين ابتسامة خفيفة، ثم قال:
ـ زي ما توقعت بالظبط،  الشحنة فيها أسلحة.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقول الرجل:
ـ وعمل إيه لما طلبت منه الفلوس؟
ضحك حسين وقال:
ـ اتجنن في الأول، بس وافق في الآخر.

أومأ الرجل الغامض برأسه في هدوء، ثم قال:
ـ تمام يا حسين، أي جديد بلغني بيه على طول.
ـ حاضر يا باشا.
وما إن أنهى حسين المكالمة، حتى أغلق الرجل الغامض الهاتف ببطء، ثم رفع عينيه نحو الرجل الجالس أمامه.
كان مصطفى يجلس فوق المقعد المقابل له، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، بينما ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خفيفة.
ـ إيه؟ أكل الطُعم؟
أومأ الرجل الغامض برأسه، ثم قال:
ـ أيوه... وزي ما توقعت،الصفقة دى مهمه بالنسبه باله تقريباً حاتط فيها كل فلوسه.
ابتسم مصطفى ابتسامة واسعة، ثم مال بجسده إلى الأمام وهو يقول:
ـ طيب، جاهز للمواجهة؟
انعكست أضواء المصباح الخافتة فوق وجه الرجل الغامض، فأظهرت ملامحه الحادة ونظرته الصلبة، قبل أن يجيب بصوت ثابت:
ـ جاهز.
ساد الصمت للحظات، ثم أردف:
ـ استنيت السنين دي كلها عشان اللحظة دي، ومش هرجع في كلامي.
قطب مصطفى حاجبيه وقال:
ـ بس لازم تبقى هادي،وفتكر أنها ضحيه زيك. وتفكر برده أن عز مش سهل، والغلطة معاه تمنها غالي.
ارتسمت ابتسامة باردة فوق شفتي الرجل الغامض، ثم قال:
ـ وأنا كمان مبقتش سهل يا مصطفى.
تنهد مصطفى وهو يهز رأسه، ثم قال:
ـ ماشى ياصاحبى...... وانا معاك للاخر.
نهض الرجل الغامض من مكانه، واتجه نحو النافذة، ثم أزاح الستار قليلًا، لتظهر أضواء المدينة المتناثرة أمامه.
وبصوت منخفض، قال:
ـ من زمان كنت نستنى اللحظة اللى اضمره زى ما ضمرنى .
وقف مصطفى هو الآخر، ثم سأله:
ـ ناوي تعمل ايه بظبط ؟
أجاب الرجل الغامض من غير أن يلتفت إليه:
ثم ضيق عينيه وأردف:
ـ الأول هضرب تجارته، وبعدها هخليه يخسر كل حاجة، وفي الآخر هخليه يدفع تمن كل نقطة دم اتسببت فيها ويقضى بقيت حياته فى السجن لغايط ما يعفن.
ساد الصمت في المكان، وقف مصطفى وهو يبتسم وإغلاق زراير البدله قائلًا:
ـ تمام ياصاحبى ياله بينا .و .......

                   الفصل الخامس عشر من هنا


تعليقات



<>