رواية اولاد الباشا الفصل الثالث عشر13بقلم شيماء منير
ثُم اني وجدتُكَ عمراً، فعشتُ بِك ولَك ♥️🖤
خرج من باب غرفة الاجتماعات وهو يزفر بضيق ونفاد صبر، كأنه كان يحمل جبلاً على كتفيه. ثلاث ساعات كاملة قضاها في مواجهة باردة مع عمه صلاح ورؤساء الأقسام. لا ينكر أن العمل لا يجهده أبدا ولكن ما يضايقه ويتعبه حقاً هو نظرات عمه صلاح وطريقة معاملته الجافة والعدائية من وقت ما علم بما فعله هو وعمه محمود، ورفضه التام التدخل في زواجه من أي ناحية.
دخل مكتبه، ورمى نفسه على الكرسي الخاص به وهو يمسح على شعره ووجهه بتعب ظاهر. تصفح هاتفه بإرهاق، فوجد رسائل كثيرة ومكالمات فائتة من بنان.
تنهد بتعب، وضغط على اسمها وقرر الاتصال بها.
جاءه الرد ملهوفاً من الرنة الأولى:
بنان بلهفة: أخيراً رنيت عليا!
فارس بصوت هادي ومجهد وهو يسند رأسه للخلف: معلش.. كنت في اجتماع.
بنان بعتاب طفولي مخلط بضيق: أنا برن عليك بقالي أكتر من ساعتين يا فارس
فارس وهو يعدل قعدته: أيوه.. ما الاجتماع كان مدته تلت ساعات.
بنان بنبرة ملأها الفضول والشك: غريبة يعني.. أومال مالك مش معاكم ليه؟ ده خارج مع يمنى.. أنا كنت كلمتها عشان تيجي معايا بس لقيتها خارجة معاه.
فارس بضيق خفيف وقد انقبضت ملامحه: أوف بقا!.. قولتلك ميت مرة مالكيش دعوة بالحوارات دي.. وبعدين إيه الصوت اللي جنبك ده؟ أنتِ فين بالظبط؟
بنان بتردد وهي تحاول التغطية على الضوضاء حولها: مفيش.. خرجت اشتري شوية حاجات.
فارس بنبرة خشنة وعينين لمع فيهما بريق الغضب: من نفسك كده؟؟
بنان بتبرير سريع وخوف من نبرته: ما هو أنا رنيت عليك كتير وأنت مردتش
فارس بغضب شديد وهو يقف خلف مكتبه بصوت حاد: يبقا مكنتيش تخرجي! أنتي فين دلوقتي... زفت فين؟
بنان بتوتر وصوت بدأ يتهدج: أنا.. أنا خلاص بخلص وراجعة والله
فارس وهو يضغط على أسنانه وعيناه تطقان شراراً: أيوه يعني فين برضه؟ اخلصي
بنان بخوف ونبرة مرتعشة: في شارع...
فارس بأمر قاطع وحازم: ابعتي اللوكيشن، ومتتحركيش خطوة واحدة من مكانك
بنان بخفوت واستسلام: أوكي..
لمّ فارس حاجته ومفاتيح سيارته بسرعة، ونزل بخطوات واسعة وسريعة كأنه يسابق الزمن، وركب سيارته متوجهاً إلى المكان.
كانت واقفة على الرصيف، تتلفت حولها بقلق وتوتر. ما إن لمحت سيارته تقترب، حتى تنفست الصعداء بخوف وجريت نحو السيارة بسرعة
ركبت بجانبه وهي تعدل شالاً حريراً كانت ترتديه وتداري به ملابسها بتوتر ملحوظ.
رمى فارس سيجارة كانت في يده من النافذة بعنف، والتفت إليها ببطء، ثم نظر إليها من فوق لتحت بنظرة حادة ودقيقة، تفحص فيها بلوزتها الكت وبنطالها الجينز.
فارس بصوت هادئ يحمل تهديداً مخيفاً: إيه اللي أنتي لابساه ده؟
بنان بتوتر وهي تشد الشال حولها لتختبئ داخله: ماله؟.. ما أنا لابسة شال أهو!
ضحك فارس ضحكة ساخرة خالية من أي مرح، ومد يده فجأة وبحركة سريعة شدّ تيكت السعر الذي كان لا يزال معلقاً في الشال ورمى به أمامها على التابلوه وعيناه تخترقان عينيها بغضب.
فارس بحدة: الشال اللي أنتِ دخلتِ اشتريتيه لما عرفتي إني جاي.. والدليل أهو قدامك!
أُحرجت بنان بشدة وتلون وجهها، ونظرت إلى الأسفل بصمت عاجز عن الرد.
فارس بغضب وصوت مرتفع: أنا مش عيل صغير يا بنان! قدامي تلبسي بكم وطويل، ومن ورايا تلبسي اللبس اللي أنا رافضه ومانعه
بنان بعينين لمعت فيهما الدموع وبنبرة طفولية تستعطفه: أنا حسيت إن الجو حر شوية.. فقلت أنزل كده.
فارس وهو يضرب مقود السيارة بيده ويجز على أسنانه: وأنا مش قابل ده..وقايلك قبل كده واتفقنا واتكلمنا.. وبعدين لو الجو حر كنتِ استنيتي لما أرد عليكي وننزل سوا.. وأنا قايلك مليون مرة، محتاجة أي زفت اكتبيه في ورقة أو على الواتساب وأنا هجيبهولك لحد عندك، أكتر من كده عايزة إيه؟!
بنان بأسف حقيقي وعينين مكسورة: خلاص.. سوري بجد، مش هيحصل كده تاني، وهاخد بالي من لبسي بعد كده.
تنهد فارس تنهيدة طويلة ومسح على شعره بتعب، ثم أدار وجهه عنها وشغل السيارة دون أن ينطق بكلمة، وساد صمت ثقيل أشد من العتاب.
وصلوا إلى العمارة وصعدوا بخطوات ثقيلة. رنوا الجرس، لتفتح سمية الباب وتفاجأ بوجودهما معاً.
سمية بدهشة وهي تغلق الباب خلفهما: إيه ده؟ أنتم خرجتوا سوا؟
فارس بنبرة جافة وهو يدخل الصالة: لا طبعاً.. بنتك خرجت من غير ما أعرف.
سمية بضيق وهي توجه عتابها لابنتها: قولتلها متخرجيش غير لما تعرفيه ويرد عليكي، بس هي اللي صممت ومسمعتش الكلام!
فارس بابتسامة باردة: هي على طول مش بتسمع كلامك.. ده معروف للكل.
سمية بعتاب خفيف: متبقاش صريح كده يا فارس.
فارس بنظرة قوية خالية من المجاملة: لا دي حقيقة.. أنتِ اللي عودتيها إن كل حاجة تطلع في دماغها تعملها على طول من غير حساب.
بنان بتهرب وهي تشير للمشتريات التي بيدها: أنا هدخل الحاجة أوضتي.
كادت أن تتحرك، لكن يد فارس القوية قبضت على ذراعها بحزم دون أن تؤلمها، ووقف يمنع طريقها وهو ينظر في عينيها مباشرة.
فارس بلهجة حازمة: استني.. في كلمتين لازم تسمعيهم قدام أمك.
تلاقت أعينهما، وظهر في عيني بنان مزيج من التحدي والخوف: كلمتين إيه؟
ترك فارس ذراعها، ووقف وقفة رجولية واثقة ونبرته أصبحت بالغة الجدية والهيبة.
فارس بوضوح: بصي بقى.. أنا عايزك تسيبك من البدلة اللي أنا لابسها دي، والنظارات والماركات.. وتعرفي وتفتكري كويس إني في الآخر عندي عرق صعيدي مبتخلاش عنه.. ومش عايز كل شوية ندخل في نقاش ملوش لازمة بسبب اللبس والخروج.. أنا بحاول أديكي حرية زي ما أنتي عايزة، بس بالطريقة اللي مش هقبل فيها إهانتي كراجل.. فركزي كده وفكري في الحاجة قبل ما تعمليها عشان مش عايز أزعلك.. وبطريقة مش هتعجبك.
سمية بمحاولة لتهدئة الأجواء وطبطبة على كتفه: اهدأ بس أنت كده.. وتعال، أنا عاملة عصير فريش، تعال اشرب كوباية وروق دمك.
بنان وهي تتهرب بعينيها وتنسحب بسرعة: طيب.. هدخل أحط الحاجة وأغير هدومي.
ما إن أغلقت بنان باب غرفتها، حتى التفتت سمية إلى فارس برجاء.
سمية بهدوء: براحة عليها شوية يا فارس.. هي لسه صغيرة برضه.
فارس بانفعال مكتوم وعينين حاميتين: أنتِ اللي شايفاها صغيرة يا عمتو.. أنا مش هسمح ليها إنها تمشي ودراعاتها باينة للناس وكل من هب ودب يبص عليها.. والزفت اللي هي لبساه واسمه بنطلون ومحزق وقصير مش واصل لحد آخر رجلها، واللي رايح واللي جاي عمال يتفرج عليها في الشارع
سمية بطمأنينة: هي بتسمع كلامك ووالله اتغيرت عن الأول كتير بسببك
فارس بتنهيدة حارقة وعينين قلقة وهو يفكر في عائلته: أبويا مش هيقبل بلبسها ده هناك.. ومش عايز أدخل معاه في جدال ومشاكل، أنتِ عارفة أخوكي كويس وعارفة طبعه.
سكتت سمية ولم تجد ما تقوله، فالكلمة أصابت الحقيقة وهي تعلم جيداً طبع أخيها محمود وتدرك أن فارس محق تماماً. في تلك اللحظة، خرجت بنان من غرفتها مرتدية ملابس بيت واسعة ومحتشمة، فنظر إليها فارس نظرة أخيرة هادئة، ثم جلس معهما قليلاً يشرب العصير لتصفية الأجواء، قبل أن يستأذن ويعود إلى الفيلا وعقله لا يتوقف عن التفكير
ـــــــــــــ
اخر الاسبوع
وتحديداً يوم الخميس، في غرفة نجوى وصلاح..
كانت نجوى واقفة قدام المراية بتكمل لبسها، وبصت لجوزها اللي كان ملهي في تليفونه وقالت برجاء وتردد:
نجوى: ما تفكر تاني يا صلاح..
صلاح وهو مكمل تصفح في شاشة موبايله ببرود:
صلاح: أفكر في إيه؟
نجوى راحت وقعدت قدامه، وعينيها فيها نظرة رجاء حقيقية:
نجوى: في حوار فارس.. ما تيجي معانا، وهو نفسه تبقا أنت وكيله في كتب الكتاب.
صلاح قفل تليفونه وبصلها بنظرة حاسمة وقاطعة مفيش فيها مجال للنقاش:
صلاح: رأيي منتهي في الموضوع ده.. ويلا كملي لبسك وماتعطليش نفسك.
نجوى بصتله بحيرة وقلة حيلة، وسكتت.. هي عارفة دماغه وتفكيره كويس لما بيقفل من موضوع. وقفت وكملت لبسها وهي بتداري زعلها.
خلصت ونزلت، وكان فارس ومالك واقفين مستنيينها تحت، ومعاهم عمه محمود.
ركب فارس ومحمود مع بعض في عربية فارس، ومالك أخد والدته نجوى معاه في عربيته، واتحركوا كلهم لبيت سمية.
استقبلتهم سمية بحفاوة وترحاب كبير، والبيت كان فيه عدد قليل من المقربين؛ منال وخالد ومعاهم يمنى.
خالد أول ما دخل، عينيه لفت في المكان واستغرب جداً عدم وجود صلاح، بس نجوى لحقت الموقف وفهمتهم بهدوء وذكاء إنه تعبان شوية ومش قادر يحضر. وعلى الرغم من إن مفيش حد اقتنع بالعذر ده، بس الكل فضّل السكوت عشان الليلة تعدي بسلام.
وصل المأذون، وبدأت مراسم كتب الكتاب..
بنان وكلت خالها محمود، وكانت قاعدة جنب والدتها سمية، مباشرةً قدام فارس.
بنان كانت طالعة زي حورية من الروايات؛ لابس دريس رقيق جداً باللون البينك الهادي من الشيفون، بكم طويل ونازل بانسيابية لحد تحت، وسايبة شعرها الاسود الناعم مفرود على كتافها بحرية، ومكتفية بتاج بسيط ورقيق فوق راسها.
أما فارس، فكان في قمة وسامته؛ لابس بليزر رصاصي أنيق، وتحته قميص أوف وايت، وبنطلون رصاصي، ومسرح شعره بعناية وجاذبية خاطفة للأنظار.
كانت قاعدة بتسمع فارس وهو بيردد ورا المأذون كلمات العهد، وعينيه متبتة في عينيها بنظرات مليانة حب عميق ووعد بالأمان. ابتسمت بحرج من نظراته اللي اخترقت قلبها، وديرت وشها الناحية التانية والكسوف مغطي ملامحها.
مالك وخالد شهدوا على الجواز..
وأول ما المأذون قال جملته الشهيرة وبقت مراته رسميًّا، فارس دقات قلبه كانت مسموعة، كان جواه رغبة مجنونة إنه يشدها لحضنه ويلف بيها الدنيا من الفرحة، بس اتحرج من الناس اللي واقفة.
مشى المأذون وسط زغاريط سمية ومنال اللي هزت الشقة بفرحة.
قرب فارس من بنان وبدأ يلبسها الشبكة الرقيقة اللي اختارها ليها؛ خاتم وأسورة وعقد، وطبعاً الدبلة، وهي بتبتسم ويديها بتترعش من الفرحة والتوتر لبسته خاتمه، وسط الفرحة والزغاريط والمباركات.
أما مالك، فكان عينيه مش سايبة يمنى.. بيخطف منها النظرة ورا التانية بلهفة، ويمنى كانت بتتهرب من عينيه تماماً وبتتجنب تبص ناحيته وهي قاعدة جنب منال ووشها خجلان.
الليلة انتهت بهدوء تام، ومخلتش طبعاً من هزار مالك ولماضته اللي لطفت الجو وخلت الكل يضحك من قلبه.
الكل مشي وفارس فضّل قاعد معاهم يسهر شوية.
كانوا قاعدين جنب بعض على الكنبة، قريبين جداً لدرجة إنها حاسة بحرارة جسمه، وهما بيتفرجوا على صور الليلة من على الموبايل.
بنان وهي بتشاور على الشاشة بعيون بتلمع:
بنان: الصورة دي جميلة أوي..
فارس لف وشه ليها، وبصلها بعيون غرقانة عشق:
فارس: عشان أنتي فيها بس.
بنان بصتله بابتسامة رقيقة ودافية كلها حب.
فارس مد إيده، مسك كف إيدها الصغير وقربها من شفايفه وباسها بنعومة وحب حقيقي وهو بيقول بصوت دافي وهمسي:
فارس: أنا مبسوط أوي يا بنان.. كنت بت منى اليوم ده من زمان.
بنان ونبضات قلبها بتزيد:
بنان: وأنا كمان مبسوطة أوي..
فارس وهو بيضغط على إيدها بحنان:
فارس: مبروك عليا أنتِ يا أحلى وأجمل زوجه في الدنيا دي كلها.
بنان بدلال وخجل:
بنان: ده أنا اللي أسعد واحدة في الدنيا عشان أنت هتكون جوزي
فارس أخد إيدها ببطء وحطها على خده، وعينيه مش مفارقة عينيها.
بنان ابتسمت بخفة وبدأت تحرك صوابعها برقة ودلال على ذقنه الخفيفة.. اللمسة دي هزت فارس من جواه، تاه تماماً في سحر عينيها، ونزل بنظراته لشفايها المكتنزة اللي بلون الكرز اللامع.
بدأ يقرب منها ببطء، وأنفاسه بدأت تسرع.. أما هي فكانت باصة له بثبات وتوتر، وخدودها اتصبغت باللون الأحمر اللي زادها جمال على جمالها وغمضت عينيها مستسلمة لقربه.
كان خلاص هيطبع بصمته الدافية على شفايفها.. لكن فجأة سمعوا صوت خطوات سمية وهي بتقرب من الصالة.
فارس اتعدل بسرعة البرق في جلسته، وبلع ريقه بتوتر وهو بيحاول يظهر طبيعي، وبنان بدأت تلعب في شعرها بتوتر وخجل وعينيها في الأرض.
دخلت سمية وهي بتبتسم بحنان:
سمية: يلا.. العشا جاهز يا ولاد.
فارس وقف بسرعة وسحب البليزر بتاعه في إيده وقال بإحراج:
فارس: لا.. أنا همشي بقا يا عمتو، الساعة تقريباً داخلة على ٢ الصبح
سمية باعتراض حازم:
سمية: والله أبدا! لازم تتعشى، أنت ماكلتش طول النهار أنا عارفة، وطول الوقت سجاير وبس.
فارس بابتسامة اعتذار:
فارس: معلش يا عمتو، مش جعان بجد.
سمية وهي بتبص لبنان:
سمية: لا هتاكل.. وكمان الأبلة اللي جنبك دي متغدتش هي كمان.
فارس لف راسه وبص لبنان باستغراب وحنان:
فارس: طيب ليه ماكلتيش؟
سمية بضحكة خفيفة:
سمية: تقريباً الفرحة كانت سادة نفسها يا سيدي.
فارس بنبرة هادية وهو بيبص لسمية:
فارس: أنا بس مش عايز أسهركم أكتر من كده وتتعبوا.
سمية بطيبة وأمومة وهي بتطبطب على دراعه:
سمية: براحتك يا حبيبي.. دلوقتي وجودك وسهرك معانا بقا مفهوم وحقك طبعاً، إن شاء الله تفضل قاعد للصبح.. ويلا بقا قبل الأكل ما يبرد.
قربوا من السفرة، وفارس أول ما شاف الأكل بصلها بذهول ممزوج بضحك:
فارس: أنتِ هتأكليني محشي وبشاميل الساعة اتنين الصبح يا عمتو؟!!!!
سمية وهي بتقعد ببرود مضحك:
سمية: يعني هي المعدة عارفة الساعة اتنين الصبح من اتنين الضهر؟ اقعد كل وأنت ساكت بقا.
فارس بضحكة رجولية جذابة:
فارس: معدتي هتدعي عليا بجد!
بنان وهي بتبص للأكل بحسرة:
بنان: وأنا كدا وزني هيزيد بوظت الدايت خالص.
فارس بصلها بوقوع وعينيه بتلمع بحب:
فارس: براحتك يا قمر.. أنا بحبك في كل حالاتك ووزنك يزيد زي ما هو عايز.
سمية بابتسامة واسعة:
سمية: كل يا ابن نجوى وأنت ساكت وماتعاكسش البنت قدامي.
فارس ضحك بقوة من قلبه ورجع راسه لورا:
فارس: وبعدين أنا مش ابن نجوى بس.. أنا ابن مصطفى الباشا كمان.
سمية ملامحها لانت بحنين وقالت بترحم:
سمية: الله يرحمه.. ولو كان موجود كان زمانه أسعد واحد فينا بيك
فارس سكت لحظة، ونبرة صوته بقت دافية وفيها رجاء مكتوم:
فارس: هتصدقيني لو قولتلك إني أول مرة في حياتي أتمنى بجد يكون موجود معايا دلوقتي؟
بنان حبت تلطف الجو فقالت بتلقائية وهي بتبص لسمية:
بنان: صحيح يا ماما.. هو خالو صلاح تعبان ماله؟
فجأة، فارس وسمية تبادلوا نظرة سريعة ومعبرة، فيها كلام كتير مكتوم.
سمية بهدوء وهي بتحاول تداري:
سمية: دور برد شديد ومش قادر يمشي على رجله يا بنان.
بنان بعدم اقتناع واضح:
بنان: معقول دور برد شديد لدرجة تخليه ميجيش كتب الكتاب
سمية بحسم لطيف لتنهي الكلام:
سمية: ما قولتلك مش قادر يقف على رجله يا بنتي.. كلي بقا.
بنان وهي بتحط الأكل في بقها وبتهمس بنبرة خافتة:
بنان: مش مقتنعة..
سمية بابتسامة خفيفة:
سمية: براحتك يا ستي.
بنان رفعت عينيها وبصت لفارس.. لقت ملامحه هديت تماماً وهو بياكل أكله من سكات ومن غير ما يعلق ولا بحرف. بنان حست بيه، وعرفت إنه من جواه متضايق جداً لعدم حضور عمه صلاح، بس عارف إن ما باليد حيلة ومفيش فايدة من الكلام.
بنان فضلت إنها تلتزم الصمت هي كمان وماتضغطش عليه عشان متفسدش فرحة اليوم.
انتهى العشاء الدافئ في جو مليان ود، وقعد فارس يشرب قهوته المفضلة اللي بنان عملتها بيديها مخصوص ليه، وعينيهم طول الوقت كانت بتتقابل بوعود صامتة بتبشر ببداية حياة جديدة وجميلة مع بعض.
ــــــــــــــــــــــ
نزل فارس من شقة سمية وهو حاسس بقلبه خفيف وبيطير من الفرحة، وفي نفس الوقت مجهد من تفاصيل اليوم الطويل. ركب عربيته ورجع على الفيلا.
الجو في الشوارع وفي مدخل الفيلا كان هادي وساكن للغاية، وده الطبيعي طبعاً، فالوقت كان قبيل الفجر بنص ساعة تقريباً؛ لحظات السحر اللي الكون كله بيبدأ يتنفس فيها بهدوء.
فتح باب الفيلا ودخل وسطه الهسيس، وطلع السلم بخطوات هادية وبطيئة عشان ميقلقش حد. قرب من باب أوضته ومد إيده يفتحه، بس اتجمد في مكانه وابتسامة لا إرادية اترسمت على وشه لما سمع صوت مشاغب جاي من وراه.
مالك بمرح ونبرة هامسة مستفزة: حمد الله على السلامة يا عريس!
التفت فارس وبصله بابتسامة خفيفة تداري تعبه: الله يسلمك
مالك قرب منه بوقفة كالعادة كلها شقاوة وهو بيرفع حواجبه: يارب بس تكون شرفتنا بقى ورفعت راسنا
فارس بضيق مصطنع وهو بيجز على سنانه: قصدك إيه يا زفت الله يحرقك؟
مالك وهو بيغمز بعينه بجرأة وخفة دم: دَبـحت القطة يعني ولا إيه؟.. إحنا صعايدة يا بني برضه عيب!
فارس بسخرية وتندر وهو بيبص لبس مالك وهيئته "الكاجوال" اللي بعيدة كل البعد عن التزمت: والصراحة أنت صعيدي على الآخر.. ده العرق هيموت ويطلع منك خلاص!
على صوت مناقشتهم المكتومة، انفتح باب الأوضة المجاورة وخرجت نجوى وهي بتعدل شالها.
فارس أول ما شافها شاور على مالك بضيق طفولي: عجبك كده يا أمي؟ شوفي ابنك!
نجوى بعتاب لطيف وصوت حنون هامس: إيه صوتكم عالي كده ليه يا ولاد؟ صوتكم بيرن في الأوضة جوه.
فارس بأسف وهو بيبوس راسها: سوري يا ماما لو كنا قلقناكي وصحيناكي، بس ابنك ده فظيع ومبيفوتش فرصة.
نجوى ابتسمت بحنو بالغ وطبطبت على كتافهم: لا يا حبيبي، أنا أصلاً كنت فايقة وصاحية وهصلي الفجر.. متقلقش.
فارس وهو بيتثاءب بتعب: طيب.. تصبحوا على خير بقى عشان مش قادر.
نجوى ومالك مع بعض: وأنت من أهله
دخل فارس أوضته وقفل الباب وراه، رمى البليزر وتليفونه على الكنبة، وغير هدومه بهدوء، وأول ما حط راسه على السرير، راح في سبات عميق وهو بيحلم بعيون بنان وضحكتها اللي نورت دنيته
ــــــــــــــ___ـ
بعد اسبوع
في منزل خالد، رجع آسر من الشغل والتعب باين على ملامحه. الشقة كانت هادية للغاية، مكنش فيه أي صوت غير حركة خفيفة لوالدته وهي بتتحرك في المطبخ.
دخل آسر بهدوء وقال بصوت رجولي مجهد: السلام عليكم.
منال لفت وبصتله بابتسامة دافية: وعليكم السلام يا حبيبي، حمد الله على السلامة.
آسر وهو بيقلع ساعته وبيتفحص البيت بعينيه: البيت هادي كده ليه يا ماما؟
منال وهي بتمسح إيديها في فوطة المطبخ: بابا في المستشفى ورا الشغل، ويمنى نزلت السوبر ماركت تجيب شوية طلبات.
آسر بعتاب خفيف وحنان: ليه يا ماما تخليها تنزل؟ ما أنا كنت موجود أو كلمتيني كنت هجيبلك كل حاجة أنتِ عايزاها وأنا جاي.
منال بطيبة: مش مشكلة يا حبيبي، هي يعني بتخرج؟ ما أنت عارف أختك مش بتخرج غير لما تكون رايحة الجامعة أو رايحة لبنان.. وبعدين مكناش نعرف إنك هترجع بدري كده من الشغل النهاردة.
آسر هز راسه بتفهم: طيب.. أنا هدخل أغير لبسي.
منال: ماشي يا حبيبي، عقبال ما أحضر الأكل.
اتحرك آسر في الطرقة عشان يدخل أوضته، بس خطوته وقفت فجأة لما سمع صوت تليفون يمنى بيرن. التليفون كان محطوط على الترابيزة الصغيرة اللي في الصالة.
قرب من الموبايل بدافع الفضول العادي، الشاشة كانت منورة والخط بيرن، ومكتوب على الشاشة اسم غريب ومختصر جداً.. م.
آسر استغرب الاسم للحظة، وعقده حاجبيه بضيق طفيف، وبعد ثواني الخط فصل.
لكن هدوء الموبايل م دامش ثواني، وأعلن عن وصول رسالة جديدة على الواتساب.
آسر قرب ومد إيده مسك الموبايل. هو أصلاً في العادي مبيلمسش تليفون أخته ومقتنع تماماً إن الموبايل ده أصلاً هي أخدته من بنان ومفيش فيه أي حاجة غريبة. بس الرسالة كانت ظاهرة على الشاشة المقفولة من بره، وجزء كبير منها باين وواضح زي الشمس:
م: إيه يا حبيبتي لسه نايمة ولا إيه؟ وحشتيني، وصوتك كمان وحشني..
آسر حس كأن حد ضربه بآلة حادة على راسه. بلع ريقه بقلق حقيقي وعدم ارتياح، دقات قلبه بدأت تسرع بعنف وهو باصص للكلام المكتوب ومش قادر يستوعب إن الكلام ده مبعوث لأخته يمنى.
ولأول مرة في حياته، يسيطر عليه الشك لدرجة إنه يقرر يفتش ورا أخته. ولأن التليفون مكنش مقفول بباسورد، دخل بسهولة وفتح الشات وكمل قراية وهو إيده بتترعش من الغضب المكتوم.
الرسالة كانت واضحة: إيه يا حبيبتي لسه نايمة ولا إيه؟ وحشتيني وصوتك كمان وحشني.
ومفيش ثواني، ووصلت رسالة تانية تحتها: مش بتردي ليه؟ بتعملي إيه دلوقتي؟
طلع آسر لفوق في الشات وبدأ يقرأ بذهول وصدمة كل الرسايل اللي بين مالك ويمنى، بس من الواضح إن الرسايل دي كانت من امبارح بالليل بس، وكل الشات اللي قبل كده ممسوح ومحذوف بعناية.
وفجأة، تليفونه استقبل رسالة تالتة.. وهنا كانت الصدمة الكبرى اللي خلت الدم يهرب من عروق آسر.
الرسالة كانت عبارة عن صورة لمالك وهو لابس تيشيرت رياضي بكت وبرمودة، وتحتها مكتوب: أنا نازل أتدرب شوية.. لما تفضي كلميني يا عمري.
آسر بصلها بذهول وعينيه بتطق شرار، وضغط على الموبايل في إيده بقوة لدرجة إنه كان هيكسره. غضبه كان أعمى، جاب الشات من فوق وضغط على علامة الاتصال بالاسم م وقرر يرن ويقطع الشك باليقين.
الموبايل مكملش رنة واحدة، وجاءه الرد علطول بصوت مالك المستهتر والمليان دلال: صباح الجمال يا يوما..
آسر أول ما سمع الصوت، وقبل ما ينطق بحرف، قفل الخط بسرعة وعنف.
شعر بصدمة عمره، خيبة أمل قاتلة في أخته اللي كان بيعتبرها خط أحمر ومثال للأدب والعقل. سأل نفسه بوجع: إزاي عملت كده؟ وليه؟
في اللحظة دي، انفتح باب الشقة ودخلت يمنى وهي شايلة شنط السوبر ماركت.
يمنى بابتسامة هادية: مساء الخير.
حطت الحاجة اللي في إيدها على الترابيزة اللي جنب الباب، بس فجأة ابتسامتها اختفت وتجمدت مكانها بخوف ورعب لما لقت تليفونها في إيد أخوها، ونظرات عينيه اللي كانت عبارة عن خناجر موجهة ليها.
بلعت ريقها بتوتر ودقات قلبها بقت مسموعة في المكان كله.
آسر بنبرة صوت مرعبة وهادية بطريقة تخوف: حمد الله على السلامة يا يوما..
يمنى حست بركبها مش شايلاها، وقفت وإيدها ورجليها بيرتعشوا، وشفايفها بتتهز ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة. عرفت إن آسر كشف كل حاجة.. لأن الدلع ده مفيش حد في الدنيا بيقوله ليها غير مالك.
وقفت في مكانها مش قادرة تتحرك ولا تدافع عن نفسها.
آسر قرب منها وبحركة سريعة وعنيفة شدها من إيدها، ودخل بيها أوضتها وقفل الباب وراهم بعنف هز الحيطة.
يمنى انهارت تماماً، ودموعها بدأت تنزل بغزارة وهي عارفة ومدركة حجم الكارثة اللي وقعت فيها وعارفة رد فعل أخوها.
آسر بغضب حارق وصوت مكتوم عشان والدته متسمعش: أنتِ يا يمنى؟! أنتِ يطلع منك كل ده؟ وتطلعي بتكلمي مالك من ورايا وورا أبوكي؟
يمنى كانت بتبكي بصوت مكتوب ودموعها نازلة بغزارة من غير أي رد.
آسر والوجع بياكل في قلبه: ليه بتعملي فينا كده؟ ليه؟ أنا وبابا نستاهل منك الطعنة دي؟ قصرنا معاكي في إيه عشان ترخصي نفسك بالطريقة دي؟
يمنى ما زالت بتبكي بحرقة وصمت.
آسر قرب منها ومسكها من دراعاتها بـ إيدين زي الحديد وبدأ يهزها بعنف وقهر: ليه؟ فهميني ليه؟ واشمعنى ده بالذات؟ ده عيل صايع ومش لاقي حد يوقفه عند حده! أنتِ متعرفيش عنه حاجة خالص؟ ده اللي أنتِ عايزاه يكون جوزك وأبو أولادك في المستقبل؟ ده واد أصلاً محتاج يتربى من أول وجديد! إيه؟ غرتك المظاهر والفلوس والعربيات والعيشة المنفتحة اللي هو عايشها؟!
يمنى بكت بقهر وبصوت مسموع وهي حاطة إيدها على وشها.
آسر بوجع حقيقي: كنت متخيل إنك عاقلة.. وعمري في حياتي ما فكرت أفتش وراكي أو أبص في موبايلك، كنت دايماً بقول أختي عاقلة وفاهمة وعارفة دينها وأصولها ومستحيل تعمل حاجة غلط
يمنى بصتله بخجل وانكسار ودموعها مغرقة وشها.
آسر بعيون حمراء من الغضب: أنا عايز أعرف الواد ده وصلك إزاي وأخد رقم موبايلك منين؟ وإياكِ تكذبي عليا يا يمنى.. لأن والله العظيم لو ما اتكلمتي ونطقني دلوقتي حالا، لأرن على بابا في المستشفى أخليه يجي يفهم منك بنفسه وننهي الليلة دي كلها
يمنى بشهقات متتالية ورعب: لا يا آسر عشان خاطري بلاش بابا.. والله هقولك على كل حاجة..
وبدأت تحكي لأخوها بانهيار عن كل تفصيلة، وعن الموبايل اللي مالك جابهولها وكل الحاجات اللي حصلت.
آسر بغضب وصدمة: يعني كمان علمك الكدب؟ والموبايل ده بتاعه هو اللي جايبهولك؟ ماشي.. أي حاجة جابهالك أو ليكي علاقة بيها هاتيها هنا حالا
يمنى جريت وهي بتترعش وجابت لأخوها كل الهدايا اللي مالك جابهالها، بما فيهم الموبايل اللي كان معاها.
آسر أخد كل الحاجة ودخل أوضته وهو مش شايف قدامه. قعد على السرير، ومسك الموبايل وعمل له ضبط مصنع ومسح كل داتا وصورة خاصة بأخته كانت موجودة عليه، وشال خطها من التليفون وكسره ورمى كل حاجة في شنطة.
اتجمعوا كلهم على السفرة عشان يتغدوا، والجو كان مشحون بصمت غريب ومريب، لدرجة إن خالد ومنال حسوا بإن فيه حاجة مش طبيعية.
خالد وهو بيبص لهم باستغراب: مالكم في إيه؟ ساكتين ايه؟؟
يمنى رفعت عينيها وبصت لأخوها برعب وتوسل إن ميتكلمش.
آسر ببرود مصطنع وهو بيبص في طبقه: مفيش حاجة يا بابا.. عادي
خالد وجه نظره لبنته: مالك يا يمنى ساكتة ليه ومش بتاكلي؟ على فكرة.. خلاص آخر قسط اندفع والاسبوع الجاي هجيبلك أحسن موبايل في السوق مهما كان سعره
آسر بص لأخته بنظرة عتاب حادة وكسرة قلب وجعت يمنى من جواها.
يمنى بلعت ريقها وبصت في الأرض وهي بتحاول بكل قوتها تحبس دموعها عشان متنزلش قدام والدها وتفضح الموضوع.
انتهى الغداء الصامت والغير مريح تماماً للجميع، وكل واحد دخل أوضته بقلب شايل هموم.
تاني يوم.. آسر صحي متأخر بقصد. جهز نفسه ولبس قميصه وبنطلونه بوقار وغضب مكتوم، وقرر يروح على الشركة وهو واخد قراره النهائي وصعب يتراجع فيه عن اللي هيعمله في مالك.
خرج من أوضته وهو شايل في إيده شنطة فيها كل هدايا مالك وموبايله، وشايل في الإيد التانية حقيبة اللاب توب الخاصة بشغله.
منال شافته وقالت باستغراب: إيه الشنطة دي اللي في إيدك يا حبيبي؟ وصحيت متأخر ليه النهاردة؟ ده أنا دخلتلك أكتر من مرة أصحي فيك ومردتش عليا.
آسر وهو بيعدل ياقة قميصه بجمود: دي حاجات خاصة بواحد زميلي في الشركة ورايح أسلمهاله.. أيوه أنا هروح متأخر النهاردة مفيش مشكلة.
منال: طيب اقعد افطر لقمة طيب قبل ما تنزل.
آسر بنبرة جافة: لا مش واكل.. سلام يا ماما.
خرج آسر من الشقة بخطوات ثابتة وسريعة، نزل ركب عربيته وشغلها وطار بيها على مقر الشركة وعقله شغال زي الآلة، بيحسب كل خطوة وكل كلمة هيقولها.
وصل الشركة، ونزل من العربية وعينيه مفيهاش أي رحمة. دخل المبنى بخطوات واسعة وهيبة واضحة، متوجهاً مباشرة وبدون أي تردد نحو مكتب مالك
