رواية اولاد الباشا الفصل الرابع عشر14بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الرابع عشر14بقلم شيماء منير

وهل صحيح الحب عذابا؟؟

كيف يكون عذاباً وهو حب؟ وكيف يكون حباً وهو عذاب؟".. لعلّ عذاب الحب الحقيقي لا يأتي من الحب نفسه، بل من الفجوة التي تصنعها الظروف، العناد، أو حتى الخوف من الفقد. الحب يشفي، لكنّ محاولاتنا للتمسك به وسط العواصف هي التي تُدمينا. ربما نحن نفهمه جيداً، لكننا نعجز أحياناً عن مجاراته!

كان قاعد في مكتبه بالشركة، ماسك تليفونه بين إيديه وعينيه مش مفارقة الشاشة. مابقاش عارف دي المرة الكام اللي يتصل فيها.. فضل على الحال ده طول الليل والنهار مابينامش ولا بيهدأ. في الآخر، قرر يكلم "بنان".

جاله صوتها المبحوح والمليان نوم:

— "أممم.. في إيه؟"

مالك بنبرة هادية وفيها أسف:

— "سوري لو صحيتك.. غصب عني والله."

بنان وهي لسه مغمضة عينيها وصوتها تقيل:

— "في حاجة مهمة يعني حصلت؟"

مالك بتردد وقلق ظاهر في صوته:

— "أنا.. كنت عايز أطمن على يمنى."

بنان ضيقت عينيها بضيق وقالت بنبرة عتاب:

— "يعني أنت بتستأذن مني؟ ما تروح يا مالك تطمن عليها بنفسك!"

مالك اتنهد بقلة حيلة:

— "لا يا لمضة مش كدة.. الفكرة إني مش عارف أوصلها من إمبارح، ومارضيتش أرن عليكي بالليل عشان "فارس" مايتضايقش ويحصل مشكلة."

بنان بهدوء وهي بتحاول تفوق:

— "تلاقي موبايلها فاصل شحن بس يا مالك، ماتقلقش."

مالك بقلق حقيقي وعينيه بتلف في المكتب:

— "أنا مش مرتاح يا بنان.. . حاولي بس توصلي ليها وتطمنيني، أرجوكي

بنان:

— "حاضر.. أوكي."

قفل مالك مع بنان، ولسه بيحط الموبايل على المكتب قدامه، فجأة الباب اتفتح بعنف لدرجة خبطت في الحيطة.

دخلت سكرتيرته "فاتن" وهي بتجري ورا "آسر" وبتحاول توقفه بقلة حيلة:

— "يا فندم لو سمحت كدة ما ينفعش اللي حضرتك بتعمله ده! ما ينفعش تدخل كدة!"

مالك شاور لـ "فاتن" بإيده عشان تخرج  فانسحبت وقفلت الباب وراها وهي خايفة من شكل آسر.

آسر خطى خطوات سريعة ووقف قدام مكتب مالك، وعينيه بتطلع شرار. وبحركة سريعة وعنيفة، رمى شنطة كانت في إيده على المكتب قدام مالك. وبعدين مد إيده في جيبه، طلع موبايل ورماه هو كمان جنب الشنطة بقوة لدرجة إنه عمل صوت خبطة عالية.

آسر وعلامات الغضب والغل مسيطرة على كل ملامح وشه، وصوته طالع حاد ومكتوم:

— "حاجتك أهي.. وابعد عن أختي نهائي! أنا لحد دلوقتي عامل حساب للقرابة والعشرة والعيش والملح اللي أنت ماصنتوش.. جيت لحد عندك وبتكلم بالذوق والأدب وبقولك ابعد عن أختي، وده بس تقديراً لعمو صلاح وللأستاذ فارس

مالك وقف بسرعة وحاول يهديه، ورفع إيديه الاتنين بنبرة رجاء متزنة:

— "آسر.. طيب اهدى بس ونتكلم، الموضوع مش كدة.."

آسر قاطعه بزعيق ونبرة حاسمة خالية من أي تراجع:

— "لا مفيش بينا كلام! أنت لا شبهنا ولا زينا، ولا أختي شبهك ولا هتنفعك. أنا جيتلك المرة دي لحد عندك بالذوق.. المرة الجاية، لو شفت منك مجرد حركة أو محاولة كلام مع أختي، وقتها ما تلومش غير نفسك.. ومحدش هيرحمك من تحت إيدي!"

لف آسر ورزع الباب وراه وهو خارج زي الإعصار.

مالك وقف مكانه مذهول قعد على كرسي مكتبه وهو حاسس إن الدنيا بتلف بيه. مد إيده ببطء وزق الشنطة اللي آسر سابها.. حس للحظة إن عقله وقف تماماً وتفكيره اتشل من الصدمة.

بشبه وعي، مسك تليفونه وتلقائياً رن على بنان تاني.. لكن التليفون اداله "ويتنج" (خط مشغول).

ـــــــــــــــــ

في بيت يمنى، كان القلق مالياً المكان. بنان رنت على "منال" بعد ما يئست من الوصول ليمنى. منال ردت، ودخلت الغرفة عشان تدي الموبايل ليمنى. يمنى أول ما شافت أمها، مسحت دموعها بسرعة وبانفعال، وحاولت ترسم على وشها ملامح هادية.. لكن عينيها كانت لسه حمرا 

منال بصتلها بقلق وعدم ارتياح:

— "خدي.. بنان عايزة تكلمك."

يمنى خدت الموبايل بإيد بتترعش، ومنال خرجت وقفلت الباب وراها عشان تديها خصوصية. يمنى خبت وشها في الموبايل وقالت بصوت مكتوم ومخنوق من البكاء:

— "ألو.."

بنان باستغراب وقلق:

— "مالك يا يمنى؟ في حاجة؟ إنتي تعبانة ولا نايمة؟"

يمنى قفلت الباب بالمفتاح، وانفجرت في العياط وهي بتهمس بوجع:

— "أنا في مصيبة يا بنان.. مصيبة!"

بنان بانتباه شديد:

— "في إيه؟ اهدي وقوليلي إيه اللي حصل؟"

يمنى بدموع غزيرة وهي بتمسح وشها:

— "أخويا عرف.. عرف إني بكلم مالك وبقابله، عرف كل حاجة يا بنان!"

بنان حاولت تهديها:

— "طيب اهدي بس.. وضحيله بهدوء، أكيد لما يفهم إنك بتحبيه هيقدر يتقبل الموضوع."

يمنى هزت راسها يمين وشمال بعنف وهي بتعيط:

— لا يا بنان.. الموضوع مش زي ما أنتي فاكرة خالص. آسر مش من النوع اللي بيفهم ولا بيسمع.. ده أخد كل حاجة مالك جابهالي، الهدايا وحتى الموبايل.. أنا متأكدة إنه رايح دلوقتي يرجعهوله 

بنان بخوف:

— "بس مالك لسه مكلمني دلوقتي وكان قلقان عليكي جداً.."

يمنى بصوت متقطع:

— عارفة.. وده اللي مخليني بموت، لأن آسر لسه نازل دلوقتي، رايح شغله متأخر.. أنا متأكدة إنه نزل عشان يقابله ويدمر كل حاجة.

بنان بحماس:

— "طيب اهدي.. أكيد ممكن يتفاهموا، مالك شخصيته قوية وهيعرف يقنعه."

يمنى ابتسمت ابتسامة باهتة مليانة وجع:

— أنتي بتحلمي يا بنان.. الموضوع ده خلاص انكتب عليه النهاية.. انكتب عليه الموت قبل ما يبدأ.

بنان:لا يا يمنى، متقوليش كدة.. أكيد في حل. مالك بيحبك ومستحيل يتنازل عنك بسهولة..

بصت بنان في شاشة تليفونها لقت "مالك" بيتصل تاني، كملت وهي مرتبكة:

— "بصي.. هو بيرن عليا دلوقتي."

يمنى برجاء:

— "ماشي.. قوليله يطلّع الحوار ده من دماغه، أخويا مش هيتراجع عن قراره أبداً."

بنان:

— "حاضر، اهدي بس وأنا هتصرف."

قفلت بنان مع يمنى، وأخدت نفس عميق وردت على مالك:

— "أيوة يا مالك."

مالك بصوت عصبي ومستعجل:

— "إيه يا بنان؟ كنتي 'ويتنج' مع مين؟ أكيد يمنى.. قالتلك إيه؟"

بنان بحذر:

— "آه.. كانت يمنى."

مالك:

— "وقالتلك إيه؟

بنان: هو آسر جالك الشركة؟

مالك:"أيوة.. لسه خارج من عندي."

بنان:

طيب.. يعني أنتِ عرفتي موقفه من الموضوع؟

مالك انفجر بعصبية وهو بيخبط بإيده على المكتب:

— "أنا ميهمنيش موقفه! أنا بحبها وعايزها، ومحدش هيمنعني عنها!

بنان بنبرة تحذير:

— "ممكن تهدا شوية؟ يمنى خايفة جداً، وأخوها شكله صعب ورافض الموضوع جملة وتفصيلاً."

مالك بتهور وغضب، أطلق لفظ خارج (لفظ بيئة):

— "ده عند أمه! مفيش حد يمنعني عنها."

بنان ضيقت عينيها وقالت بحزم وقوة:

— "مالك! لو نطقت أي لفظ مش كويس تاني هقفل السكة، وأياك ترن عليا تاني.. سامع؟ أنا هخرج نفسي من الموضوع ده خالص لو دي هتكون طريقتك."

مالك سكت لحظة وهدى نبرته شوية:

— "أنا مش هسيبها يا بنان.. افهمي."

بنان:

— "يبقا تهدا.. لأنها طلبت مني أقولك تنسى الموضوع ده خالص."

مالك بجنون:

— "بتحلم.. هي بتحلم! مش هسيبها، وعرفيها ده.. عشان تبقى عاملة حسابها."

بنان بقلة حيلة:

— "خلاص.. بطل جنان بقا، وفكر بعقل. بدل الحرب اللي أنت داخل فيها دي، كلم خالو صلاح وخليه يتدخل ويخطبهالك رسمي.. ده الحل الوحيد."

ــــــــــــــــــ
مر اسبوع

الغضب لسه قايد، وكل طرف متمسك بقراره.
في غرفتها، كانت "بنان" ماسكة الموبايل وبتتكلم بقلة حيلة:
— "أخوك ده أصلاً مجنون! كل شوية يكلمني ويقولي: أنا هروح أخطفها وأتجوزها غصب عن الكل.. وكلام هبل كدة ملوش أول من آخر!"
ابتسم "فارس" على الناحية التانية من الخط، بنبرة هادية فيها التماس عذر لأخوه:
— "هو بس بيحبها يا بنان.. وبيقول كدة من وجعه وقهرة قلبه. وبعدين إنتي عارفة مالك، متعود إن اللي هو عايزه بياخده، فمش قادر يتقبل فكرة إنها ممكن تروح من إيده."
بنان هزت راسها بضيق وقالت بعفوية:
— "بس بجد أخوها صعب جداً ومقفل.. وبصراحة بقى، أخوك ده محتاج حد يربيه من أول وجديد، تقريباً خالو صلاح مافضاش يربيه وهو صغير!"

نبرة فارس اتغيرت فجأة للضيق، وملامحه اتشدت:
— "بنان.. دي سخافة، ولا نسميها طول لسان بقى؟"

بنان حست بغلطتها، فأتكلمت بتوتر وبسرعة:
— "لأ.. مش قصدي والله يا فارس، أنا بهزر معاك."

فارس زفر بضيق وهو بيحاول يتجاوز الموقف:
— "لا متهزريش كدة أحسن.. وبعدين بقولك إيه، قفلي على سيرة مالك ويمنى دي خالص، إحنا بقالنا أسبوع كامل مابنتكلمش في حاجة غيرهم!"

بنان بهدوء:
— "أوكي.. خلاص."
صوت فارس هدي تماماً، ورجعت فيه النبرة الدافئة اللي بتدوب قلبها:
— "وحشتيني على فكرة.."
بنان بابتسامة وعتاب رقيق:
— "ما هو أنت اللي مشغول عني.. مجتش عندنا الاسبوع دا
فارس بحماس:
— "طب إيه رأيك نخرج النهاردة ونتعشى سوا برة؟"

فرحة بنان ظهرت فوراً في لمعة عيونها وصوتها:
— "أوكي! موافقة جداً."
فارس:
— "تمام.. هكون عندك على الساعة تسعة كدة، تكوني جاهزة."
بنان:
— "جاهزة ومستنياك."
على الساعة تسعة بالتمام، وصل فارس. دخل سلم على عمته سميه بحب، وبعد دقايق خرجت  بنان من غرفتها وهي خاطفه قلبه بجمالها الرقيق
 كانت لابسة فستان ناعم باللون الرمادي الفضي اللي منور بشرتها، ورافعة شعرها ديل حصان بإطلالة بسيطة وساحرة في نفس الوقت.
أخدها وخرجوا ودخلوا الأسانسير. فارس ضغط على زرار الدور الأرضي، ووقف يتأملها وهي بتعدل خصلات شعرها قدام المراية بتوتر طفولي.
قرب منها خطوة وهمس بصوت دافي ومليان إعجاب:
— "قمر.. من غير أي حاجة إنتي قمر."
ابتسمت بخجل وعينيها في الأرض:
— "ميرسي يا فارس.."
فارس وهو بيتأمل ملامحها وشفايفها بعشق صريح مش قادر يداريه:
— "ماتتكلميش بالرقة دي أرجوكي.. أنا كدة هتجنن فعلاً."
بنان بصتله ببراءة وعدم فهم:
— "ليه هتجنن؟"
لسه فارس هيتكلم ويجاوبها، فجأة النور قطع تماماً، والظلمة سادت المكان، والأسانسير وقف بيهم في النص مع هبدة خفيفة.
بنان شهقت بخوف ومسكت في دراعه:
— "إيه ده؟! النور شكله قطع!"
فارس وهو بيطمنها وبيحاوط كتفها بإيده:
— "اهدي.. دي حاجة بسيطة وأكيد البواب أو حد في العمارة هيتصرف دلوقتي والنور هيشتغل."
بنان بصوت مرعش من الضلمة:
— "أنا بخاف من الأماكن المقفولة والضلمة يا فارس.."
فارس قربها منه أكتر وابتسم في الضلمة وهو بيهمس جنب ودنها:
— "تخافي وإنتي معايا؟ إنتي راكبة مع ابن أختك ولا إيه؟"
فجأة، ومن سقف الأسانسير أو المنور، طلع صوت مواء قطة عالي ومفاجئ.
بنان صرخت بخضة ورمت نفسها في حضن فارس بكل قوتها وهي بتدفن وشها في صدره:
— "يا مامي! إيه الصوت ده؟!"
فارس كتم ضحكته وحضنها بقوة وهو بيطبطب عليها:
— "احم.. متخافيش دي قطة باينها محبوسة فوق وعملت صوت.. مفيش حاجة تخوف."
بنان بدأت تستوعب إنها دافنة نفسها في حضنه، فحاولت تبعد بكسوف وتعدل وقفتها، لكن فارس ما سمحلهاش تبعد كتير. مسك إيدها بحنان، وبقت عيونهم تتقابل وتتعود على عتمة المكان.
انحنى عليها بهدوء، وطبع قبلة رقيقة ودافية على شفايفها.. قبلة طويلة خلت بنان تغمض عينيها بضعف ووهن تحت تأثير حنيته ومشاغله اللي نسيتها الخوف تماماً.
همست بصوت تاه منها تماماً وهي لسه مغمضة عينيها:
— "فارس.. كدة عيب.."
فارس همس بحنو وعينيه قريبة جداً من عيونها:
— "لا يا قلب وعيون فارس.. مش عيب."
بنان بكسوف وهي بتحاول تتماسك:
— "بس دي قلة أدب.."
فارس بابتسامة عاشقة ونبرة واثقة:
— "فعلاً.. قلة أدب مع الدنيا كلها، ومع أي حد تاني.. لكن معاكي إنتي لا، أنا جوزك وحبيبك يا عمري كله."
فجأة.. النور رجع تانى بإنارة قوية، والأسانسير اتهز وبدأ يتحرك وينزل بيهم.
فارس بعد خطوة وهو بيصلح ياقة قميصه وبيبتسم بخبث وارتياح:
— "ارتاحتي  اهوه النور رجع"
بنان وشها بقى أحمر زي الطماطم، وراحت تعدل شعرها بهروب وكسوف وهي بتبتسم بخجل ومابتنطقش.
الأسانسير فتح، خرجوا بسرعة وركبوا العربية.. وطول الطريق للمطعم كانت إيد فارس ماسكة إيدها بقوة، والضحكة مش مفارقة وشوشهم بعد اللحظة اللي دَوّبت كل زعل الأسبوع اللي فات.

ــــــــــــــــــــــ
في مكان اخر

في وقت متأخر من الليل، كانت تجلس في غرفتها بمفردها، تمسح الدموع التي انهمرت من عيونها بلا توقف. لم تذهب إلى الجامعة منذ ذلك اليوم بأمر صارم من أخيها، وتحججت أمام والديها بالتعب الشديد، وأنها ستكتفي بالمذاكرة في البيت وتذهب فقط لحضور الامتحانات. لكن الهدوء لم يدم، إذ اخترق الصمت صوت مألوف ينادي باسمها من الشارع.

تحركت من على السرير بفزع، وقلبها ينبض بعنف. ذهبت إلى شباك غرفتها وفتحته ببطء، لتجده واقفاً بجانب سيارته الفارهة. كان واضحاً عليه أنه ليس في وعيه، يترنح وتائه النظرات كأنه غائب عن الدنيا.

نظر مالك إلى شباك غرفتها وتكلم بصوت عالٍ ملأ الشارع:

يمنى! أنا بحبك.. بحبك والله أكتر من نفسي! عشان خاطري متسبنيش، مش هتحمل فراقك يا يمنى!

وضعت يديها على فمها بسرعة لتمنع صوت بكائها من الخروج، وهمست ب رعب من بين دموعها:

يا دي المصيبة!

في تلك الأثناء، خرج آسر من غرفته مسرعاً وعيناه تشتعلان غضباً، ونظر إليه من شباك الصالة. وفي ثوانٍ، استيقظ خالد ومنال وخرجا أيضاً من غرفتهما على إثر الصوت المرتفع الذي هز سكون الليل.

قال آسر بنبرة حادة ممتلئة بالغل:

وربنا لأموته!

تحرك آسر نحو الباب، لكن والده خالد قبض على ملابسه بقوة ومنعه من التحرك متسائلاً بحدة:

في إيه؟ ومين اللي بيتكلم تحت ده وبيزعق باسم أختك؟

ابتلع آسر ريقه من فرط الغضب وهو يجيب:

ده الزفت مالك، ابن عمو صلاح!

عقد خالد حاجبيه بعدم فهم وقال:

ومالك إيه اللي هيجيبه هنا بالمنظر ده؟

التفت الاثنان معاً باتجاه الصوت الذي ما زال يأتي من جهة شباك يمنى. تطلع خالد إلى ابنه بصرامة، وما زال ممسكاً بملابسه، وسأله بوضوح:

وبينده باسم أختك ليه؟ كلمني!

تنهد آسر بضيق ممتزج بالقهر وقال:

كان بيتكلم هو والأبلة يمنى وبيقابلها، وأنا كشفت الموضوع وبعدته عنها. وكمان الحاجة والموبايل اللي كذبت علينا وقالت إنها جايباهم من بنان، هو اللي كان جايبهم ليها!

ربتت منال على صدرها بصدمة حقيقية، وعيونها تتسع بذهول وهي لا تصدق ما تسمعه عن ابنتها المدللة.

في هذه اللحظة، ارتفع صوت مالك مجدداً وهو ينادي باسم يمنى بكل قوته.

هتف آسر بغضب عارم وهو يحاول التملص من قبضة أبيه:

كمان مش مكفيه وجاي يعملنا فضايح قدام عمارة أنا هنزله ومش هرحمه. أنا عملت احترام لحضرتك ولعمو صلاح وسكت، بس هو طلع مش محترم لا عشرة ولا عيش وملح!

ثبته خالد بقوة أكبر وقال بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:

أنت تستنى هنا، وأنا اللي هنزله. وإياك.. إياك تنزل ورايا يا آسر، سامع؟

حاول آسر الاعتراض والاندفاع مجدداً، فصاح به والده بغضب شديد:

أ إيه. هتعترض... كلامي مش هيتنفذ ولا إيه؟

تراجع آسر بضيق شديد وهز رأسه مجبراً:

حاضر يا بابا.

نظر خالد إلى زوجته منال، وفهمت هي بنظراتها أنه يريد منها السيطرة على الموقف بالداخل. تحرك خالد بسرعة، فتح باب الشقة ونزل إلى الشارع. حاول آسر اللحاق به خفية، لكن منال وقفت في طريقه وأمسكت بذراعه قائلة بنبرة حاسمة:

نفذ كلام أبوك ومتنزلش

تراجع آسر مرغماً ووقف عند الشباك يراقب ما يحدث بالأسفل وعروقه تكاد تنفجر.

في الشارع، كان مالك يقف متكئاً على سيارته، وضعه يثبت تماماً توقعات خالد؛ الشاب سكران بالكامل ولا يعي خطورة ما يفعله.

اقترب منه خالد بهدوء محاولاً احتواء الموقف قبل أن يتجمع الجيران، وقال بنبرة هادئة ومتزنة:

أهدى يا مالك.. في إيه؟

نظر إليه مالك بعيون حمراء ناعسة، ومسح دمعة فرت على خده، وتكلم بنبرة مكسورة ومليئة بالرجاء:

أنا بحبها.. بحب يمنى يا أنكل! أنا من يوم ما شوفتها وأنا هموت عليها، وآسر بعدها عني وحبسها!

كانت النوافذ والبلكونات المجاورة قد بدأت تفتح بالفعل، فربت خالد على كتفه بحنان مصطنع ليجبره على خفض صوته وقال:

طيب يا حبيبي، ممكن تمشي دلوقتي؟ الموضوع ما ينفعش يتناقش كدة في الشارع وفي وقت زي ده. أكيد هنتكلم، بس الصبح لما تفوق. يلا اركب عربيتك.

أمسكه خالد من يده وساعده على دخول السيارة بحذر. قعد مالك خلف المقود، وأدار محرك السيارة ببطء ثم تحرك مبتعداً في الظلام.

تنفس خالد الصعداء، والتفت عائداً إلى مدخل البناية ليصعد إلى شقته.

في الشقة، دخلت منال إلى غرفة يمنى بخطوات ثقيلة وعينين تملؤهما الخيبة. كانت يمنى تجلس فوق السرير، واضعة رأسها بين فخذيها وتسترسل في بكاء مرير هز جسدها النحيل.

وقفت منال أمامها، وسألتها بصوت يرتجف من القهر:

الكلام اللي أخوكي قاله ده حصل فعلاً؟

رفعت يمنى رأسها ببطء، وحركته بالإيجاب وهي تشهق بالبكاء، عاجزة عن نفي الحقيقة.

في لمحة بصر، نزلت صفعة قوية من يد منال على وجنتها.

اتسعت عينا يمنى بصدمة بالغة، واشتد بكاؤها وارتفع صوت نحيبها؛ فهذه هي المرة الأولى في حياتها التي تمد أمها يدها عليها.

انحنت منال نحوها، والدموع تجري على خديها هي الأخرى، وقالت بنبرة عتاب حارقة:

ليه عملتي كدة؟ وليه خبيتي عليا؟ ده أخوكي لما كان بيجي يتكلم عليكي أو يضايقك، أنا اللي كنت بقف في وشه وأدافع عنك!

نظرت إليها يمنى بعيون مغرورقة بالدموع، عاجزة عن الكلام أو التبرير.

أكملت منال بمرارة وهي تدير وجهها عنها:

بس الظاهر إن أخوكي كان عنده حق في كل كلمة قالها!

ـــــــــــــــــــــــ
اشرق الصباح بندى الفجر، وتوضأ بماء اليقين، وجلجلت في الآفاق آيات النور، لتنساب خصلات الشمس الناعمة كأصابع حانية تمسح السبات من عيون الناعسين. توقظ النيام، وتقشع ستار الظلام، لتسجل ميلاد صفحة جديدة في سجل الحياة.

نزل على الدرج بخطوات واثقة هادئة، وهو يرتدي بليزر من اللون الكحلي وتحته تيشيرت أبيض ناصع، مع بنطال من اللون الكحلي أيضاً يضفي على ملامحه وقاراً جذاباً.

اقترب من مائدة الطعام بابتسامته المعتادة:

صباح الخير.

سلم على والده صلاح ووالدته نجوى، وقبل أيديهما ورأسيهما ببر ومحبة.

نجوى بترحيب دافئ:

اقعد افطر يا حبيبي.

فتح فارس زرار البليزر وجلس على أحد الكراسي بأريحية، ثم مد يده وأمسك بفنجان القهوة الساخن الذي أعدته له والدته وقدمته إليه.

فارس وهو يرتشف رشفة أولى من فنجانه:

شكراً يا ماما.

نجوى بابتسامة حانية:

العفو يا روحي، بالهنا والشفاء.

قطع هذا الهدوء الصباحي رنين هاتف صلاح. التقط صلاح الهاتف ونظر في الشاشة، فارتسمت على وجهه علامات الاستغراب والدهشة من هوية المتصل في هذا الوقت المبكر.

نجوى بقلق طفيف:

خير يا حبيبي؟ مين؟

صلاح وهو يضغط على زر الرد:

ده خالد.

نجوى:

طيب ما ترد وتشوفه.

صلاح واضعاً الهاتف على أذنه:

صباح الخير يا خالد.

جاءه صوت خالد من الطرف الآخر، يحمل نبرة ثقيلة ومجهدة:

صباح النور، إزيك يا صلاح؟

صلاح بمحبة ومداعبة خفيفة:

حبيبي الحمد لله، أنت عامل إيه؟ ده الموبايل فرحان ومزهزه أكتر مني باتصالك ده!

خالد بتنهيدة خافتة:

الله يخليك يا صلاح.. طبعاً أنا بعتذر جداً إني بتصل بيك على الصبح كدة

صلاح بجدية واهتمام:

يا خالد أنت تتصل في أي وقت براحتك، بس ماله صوتك؟ أنت كويس؟ والعيال كويسين؟

خالد بنبرة مباشرة وصادقة:

الحمد لله كله تمام.. في الحقيقة أنا متصل بيك بخصوص مالك.

صلاح بتوجس وعقد حاجبيه:

ماله مالك؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟

في تلك اللحظة، ترك فارس فنجان القهوة من يده، ووجه نظراته بالكامل وبكل انتباه نحو والده، مستشعراً أن هناك خطباً ما يتعلق بأخيه.

أردف خالد متنهداً بمرارة:

أيوة في.. أنا منمتش طول الليل على فكرة يا صلاح.

صلاح بقلق ونفاد صبر:

ادخل في الموضوع على طول يا خالد، قلقتني!

خالد بوضوح وحسم:

مالك ويمنى بنتي، تقريباً كان بينهم كلام الفترة اللي فاتت.. يعني تليفونات وبيتقابلوا  طبعاً لو حد غيرك مكنتش هكلمه بالشكل ده، بس أنا عارف إني بكلم أخويا وصاحب عمري. المهم، أخوها آسر عرف بالموضوع ده، واجه أخته وأخد منها الموبايل ومنعها تماماً من الكلام معاه.. وطبعاً ده مجاش على هوا مالك ومقبلش بالوضع. كل ده مقدور عليه وكنا هنحله بالهداوة، لكن اللي حصل امبارح بالليل ميتسكتش عليه.. مالك جيه تحت البيت عندنا، وكان سكران ومش في وعيه خالص! وفضل يزعق بأعلى صوته وينده باسم يمنى في نص الشارع لحد ما صحى الجيران كلها. أنا نزلت بنفسي وهديته وركبته عربيته ومشيته.. آسر كان هيتجنن وعايز ينزل يفرتك الدنيا لولا إني حلفت عليه وحبسته في الشقة، وإلا كان زمان حد فيهم ميت دلوقتي! عشان كدة يا صلاح أنا بكلمك تقصر لابنك وأنا أقصر لابني ونقفل الصفحة دي خالص.. لا أنا مستغني عن ابني، ولا أنت مستغني عن ابنك.

ضغط صلاح على أسنانه بغيظ عارم، وعروق جبهته برزت من شدة الاحتقان والغضب الكظيم، وهمس بصوت متحشرج:

أكيد.. عندك حق.

كان فارس يراقب ملامح والده المشتعلة، وتملكه الفضول والقلق الشديد مما قد يكون مالك ارتكبه ليوصل والده الصارم إلى هذه الحالة من الغضب.

استأنف صلاح حديثه محاولاً الحفاظ على رباطة جأشه:

حقك عليا يا خالد، ومتقلقش خالص.

خالد بنبرة ودودة ومؤكدة:

أنا مش بكلمك عشان تعتذر يا صلاح، أنا بكلمك عشان ننهي الحوارات دي ونقطع الشك باليقين، ونفضل محافظين على علاقتنا وأخوتنا زي ما كنا دايماً.

صلاح بحسم:

أكيد طبعاً، مفيش أي حاجة في الدنيا ممكن تأثر على علاقتنا يا خالد.. مع السلامة.

أغلق صلاح الخط، ووضع الهاتف على الطاولة بعنف أحدث صوتاً قوياً. ثم انتفض واقفاً وعلامات الغضب الأعمى تكسو ملامحه بالكامل. في ذات اللحظة، وقف فارس هو الآخر وجسده مشدود من التوتر.

فارس متسائلاً بقلق:

في إيه يا بابا؟ مالك عمل إيه؟

لم يجبه صلاح بحرف واحد، بل التفت متجهاً نحو السلم الخشبي وصعد الدرج بسرعة كبيرة وبخطوات هادرة كالعاصفة.

لحق به فارس على الفور وهو يحاول تهدئته:

لو سمحت يا باشا  بس وقولي في إيه!

تجاهله صلاح تماماً، وواصل صعوده حتى وصل إلى الطابق العلوي، ووقف أمام باب غرفة مالك ثم دفعه بقوة وعنف..

تعليقات



<>