رواية خيوط لاتري الفصل الرابع عشر14بقلم فاطمة مالكي
**الفصل الرابع عشر: مقصلة العدالة.. وعشق بين جدران مغلقة**
مع بزوغ أولى خيوط شمس الصباح الباردة، لم يكن برج "مجموعة الحكيم" الاستثمارية مجرد ناطحة سحاب من الزجاج والصلب تعانق سماء القاهرة، بل تحول بين ليلة وضحاها إلى ثكنة عسكرية محصنة وقلعة محاصرة. سيارات الشرطة ذات الأضواء الزرقاء والحمراء الوامضة، ومدرعات القوات الخاصة، وسيارات مباحث الأموال العامة طوقت المبنى من كل الاتجاهات. كانت النوافذ المحطمة في الطابق الخامس والعشرين تُغطى مؤقتاً بألواح معدنية سميكة، بينما رائحة المطر الغزير الذي غسل شوارع المدينة ليلاً لم تفلح في محو رائحة البارود، والرماد، والخيانة العالقة في الهواء.
لكن داخل الطابق الرابع والعشرين، كانت هناك رائحة أخرى تطغى على كل شيء.. رائحة الانتقام العادل وتصفية الحسابات.
في قاعة المؤتمرات الكبرى، التي تم تحويلها في ساعات الفجر الأولى إلى غرفة عمليات وتحقيق ذات حراسة أمنية مشددة، كان **ياسين الحكيم** يقف كالطود الشامخ الذي لا تزعزعه الرياح. في هذه الليلة، نزع عن نفسه تماماً قناع رجل الأعمال الدبلوماسي الأنيق والبارد الذي يعرفه الجميع، وارتدى عباءة القائد الميداني الذي لا يعرف الرحمة أو المواربة. كان يرتدي قميصاً أسوداً داكناً، طوى أكمامه بعشوائية حتى الساعدين لتبرز عروق يديه القوية النافرة من شدة الغضب والضغط، وشعره الفحمي كان مبعثراً قليلاً على جبهته، مما أضفى على ملامحه الحادة جاذبية رجولية خطيرة، ومخيفة في آن واحد. عيناه كانتا كجمرتين مشتعلتين في الظلام، نظرات حادة لا تعرف النوم أو الهوادة.
بجانبه مباشرة، كان **مازن** يجلس أمام ثلاث شاشات حواسيب عملاقة متصلة ببعضها. ورغم الإرهاق الواضح الذي رسم هالات سوداء خفيفة تحت عينيه، والضمادة الطبية التي تزين جبهته إثر معركة الأمس، إلا أن جسده كان مشحوناً بطاقة خرافية لا تنضب؛ فاعتراف حنان له بحبها في ليلة الرعب تلك كان كالوقود النووي الذي أشعل محركاته. كانت أصابعه تطير فوق لوحة المفاتيح بسرعة جنونية، يفكك شفرات الحسابات المزدوجة، ويخترق الجدران النارية للبنوك الوهمية، وينبش قبور الفاسدين الرقمية بلا هوادة أو شفقة.
بدأ التحقيق الشرس، ولم يكن مجرد استجواب تقليدي، بل كان أشبه بمقصلة حادة تسقط على رقاب الخونة واحداً تلو الآخر لتطهر المكان:
* **رئيس قطاع الحسابات الجارية:** أُدخل الرجل وهو يرتجف بشدة، يتصبب عرقاً رغم برودة التكييف المركزي، يحاول بيأس التظاهر بالثبات والهدوء. لكن بمجرد أن نظر إليه ياسين بنظرة صقر جارح تستنزف روحه، وضغط مازن على زر واحد ليعرض على الشاشة الضخمة كشف حسابه السري في "قبرص"، مرفقاً بتسجيلات مشفرة لتحويلات مالية مشبوهة، انهارت ركبتا الرجل تماماً. سقط أرضاً يبكي ويتوسل العفو متذرعاً بضغوط عائلية، لكن ياسين لم يرمش له جفن، وأشار لرجال الأمن ببرود جليدي: *"خذوه من قدامي.. مش عاوز أسمع نَفَسه في المكان. سلمه للنيابة مع ملفه كاملاً."*
* **مدير المشتريات العامة:** حاول رفع صوته مدعياً الشرف والنزاهة والتاريخ الطويل في المجموعة، ملوحاً بسنوات خدمته لوالد ياسين. اقترب منه ياسين ببطء شديد يحبس الأنفاس، وبحركة خاطفة ومفاجئة أمسك بياقة قميصه بقوة ورفعه عن الأرض قليلاً، هامساً أمام وجهه بصوت منخفض كالفحيح المرعب: *"الشرف؟ الشرف اللي بعته بشنطة دولارات سودا في جراج فندق (الفور سيزونز) يوم التلات اللي فات الساعة اتنين الصبح؟"* وفي نفس اللحظة عرض مازن فيديو المراقبة السري للتسليم وبجودة عالية. جف حلق الرجل تماماً، وتهاوت قواه مستسلماً للصدمة.
* **مهندسو الدعم الفني:** ثلاثة من كبار المهندسين تم إثبات تورطهم المباشر في زرع فيروسات تجسس وتسهيل اختراق الأنظمة ليلة أمس وفتح الأبواب الإلكترونية للمهاجمين. أمر ياسين بتصفيد أيديهم بالحديد في ممر الشركة الرئيسي أمام موظفي الوردية الصباحية المذعورين، ليكونوا عبرة قاسية ومحفورة في ذاكرة كل من تسول له نفسه خيانة إمبراطورية الحكيم.
كانت عمليات التوقيف تتم بهدوء قاتل، ونظام صارم لا ثغرة فيه. ياسين كان يطهر مملكته بيد من حديد، يقتلع الجذور المتعفنة، تمهيداً لقطف الرأس الكبيرة التي حركت كل هذه الدمى.
في تمام الساعة الثالثة عصراً، أُحضر **رأفت ** من مقر احتجازه المؤقت تحت حراسة أمنية مشددة. اختفت تماماً هيبة وكبرياء "الرجل الثاني" في المجموعة؛ قميصه الفاخر ممزق ومجعد، ووجهه ملطخ ببعض غبار الأرشيف الذي حاول إحراقه بيأس، وعيناه الزائغتان تعكسان رعباً حقيقياً من مصير أسود ينتظره بعد أن سقطت كل أقنعته.
أُجبر بقسوة على الجلوس على كرسي معدني بارد في مواجهة الطاولة الطويلة. أخرج ياسين سيجارة، أشعلها ببطء شديد، أخذ منها نفساً عميقاً ثم نفث الدخان الكثيف باتجاه وجه رأفت، وتطلع فيه بنظرة فارغة تماماً من أي مشاعر، نظرة موت معلن تسبق العاصفة.
— "خمسطاشر سنة يا رأفت.." قالها ياسين بصوت هادئ، منخفض، ولكنه كان أشد رعباً من صدى الصراخ. أطفأ السيجارة في المنفضة ببطء، وتابع وعيناه تخترقان جمجمة الرجل: "خمسطاشر سنة بتاكل على طرابيزتي، وبتدخل بيتي، وبتمثل إنك ذراع أبويا اليمين وعمي اللي مخلفتوش الأيام.. كنت بستأمنك على أسرار الشركة قبل مالي. وفي الآخر، تطلع خنجر مسموم مزروع في ظهرنا؟ كنت فاكر إنك أذكى مني؟ كنت فاكر إن ياسين الحكيم هيتغفل في مملكته ويُطعن من أقرب الناس ليه؟"
تحدث رأفت بصوت متقطع، مرتعش، ومذلول كلياً، ودموع التماسيح تترقرق في عينيه:
— "ياسين بيه.. يا ابني ارحمني.. أنا كنت مجرد أداة والله العظيم.. أنا ماكنتش أقصد أأذيك في روحك. الحوت الكبير هو اللي أجبرني ولواني من إيدي.. هددني يفضحني ويدمر عيلتي وتاريخي.. طارق الصاوي هو الرأس المدبرة يا ياسين!"
بمجرد نطق اسم "طارق الصاوي" في الهواء، تيبس جسد ياسين بالكامل وعادت ملامح صدمة ليلة أمس لتتحول فجأة إلى عاصفة هوجاء من الغضب الشيطاني المحرق. لم يعد هناك مجال للبرود. انقض ياسين بعنف على الطاولة أمامه، وضربه بقبضتيه المشدودتين ضربة قوية مرعبة حطمت زجاجها العلوي إلى شظايا صغيرة، ليتطاير الزجاج وتنزف مفاصل أصابعه قطرات دماء قانية لم يكترث لها على الإطلاق.
صرخ ياسين بصوت هادر زلزل أركان القاعة وجعل الحراس يتراجعون خطوة للوراء:
— "عارف إنه طارق الصاوي!! عارف إنه شريك أبويا الخاين اللي هرب وسرقنا من زمان!! أنا مش جايبك هنا وتعبان فيك عشان تقولي اسمه.. أنا جايبك عشان تقولي كل مليم خرج من حساباتنا إزاي، الثغرات في السيستم مكانها فين، وحسابات غسيل الأموال في جزر البهاما أرقامها وباسورداتها إيه! انطق يا رأفت.. انطق بدل ما أقسم بعزة جلال الله أرميك من الشباك اللي وراك ده دلوقتي حالا وأقول حاول يهرب!"
أمام غضب ياسين الأسطوري والمميت، وشعوره بأن نهايته حتمية، انهار الثعلب العجوز تماماً وفقد كل أوراق مناورته. بدأ يتقيأ كل التفاصيل والأسرار دفعة واحدة: كشف عن شبكة الشركات الوهمية في الخارج بأسماء شركاء خفيين، واعترف بأكواد التشفير البيومتري (بصمة العين والصوت) الخاصة بالخزائن الرقمية لطارق. والأهم من ذلك، أقر باكياً وهو يرتجف بأن طارق الصاوي هو من أعطى الأمر المباشر والمكتوب بتصفية ياسين وحنين ليلة أمس للتخلص من العائق الأخير قبل الاستحواذ الكامل.
وقع رأفت على اعترافاته التفصيلية بيده المرتجفة، ليدق بيده المسمار الأخير في نعش إمبراطورية الظل، ويمنح ياسين السلاح القاتل والنهائي.
بعد أن انتهى رأفت من اعترافاته، وساد الصمت في القاعة، قطع مازن هذا الصمت بكلمات جعلت ملامح ياسين تزداد قسوة:
— "ياسين، في ثغرة تانية.. كريم ونادين اختفوا تماماً من رادارات الشركة وموبايلاتهم مقفولة من وقت الهجوم. غالباً هما ودلوقتي بيحاولوا يهربوا.ويختفو في وسط الفوضى لي احنا عايشينها"
اتسعت عينا ياسين ببريق انتقامي، ليس فقط للخيانة، بل لأمر أكثر شخصية وشراسة. التفت إلى مازن بنظرة حادة:
— "لا يا مازن.. مش هيهربوا. طارق ممكن يضحي بأي حد، لكن كريم ونادين عارفين أسرار الحركة الأخيرة لطارق. استهدف إشاراتهم الرقمية، أي اتصال، أي حركة في المطارات، أي محاولة سحب من حساباتهم.. أنا عاوزهم قدامي قبل ما تطلع شمس بكرة."
لم يمر وقت طويل حتى اخترق مازن جداراً نارياً خاصاً كان كريم قد أعده مسبقاً، ليكشف مكانهما في فيلا مهجورة تابعة لطارق على أطراف القاهرة.
عندما اقتحم ياسين مخبأ كريم، لم يكن الموظف الواثق من نفسه حاضراً، بل كان هناك "الخائن المذعور". بمجرد أن رأى ياسين يدخل الغرفة كالإعصار، تجمد كريم في مكانه.
لم يمنحه ياسين فرصة للنطق. تقدم منه ببطء، ملامحه خالية من أي إنسانية، وأمسكه من رقبته بقوة دفعته ليرتطم بالحائط. صوته كان يخرج من صدره كزئير مكتوم:
— "كنت فاكر إني مش هعرف؟ كنت فاكر إن الأفاعي اللي زيك ممكن تستخبى مني؟"
ارتجف كريم وهو يحاول التقاط أنفاسه: "ياسين باشا اسمعني.. أنا كنت مجبر.."
قاطعه ياسين بضحكة باردة كالثلج، واقترب من أذنه هامساً بنبرة تجمد الدماء في العروق:
— "مجبر؟ خيانة شركتي دي حاجة، لكن إنك تفكر تلمس شعرة من أختي رانيا.. دي حاجة تانية خالص. أنت فاكرني انك معرفش خططت لخطفها عشان تضغط عليا؟ كنت فاكر إن رانيا ورقة ضغط في إيدك؟ أنا كنت سايبك تتحرك عشان أعرف مين اللي وراك، بس دلوقتي.. اللعبة خلصت."
ضغط ياسين على رقبته بقوة أكبر، وعيناه تلمعان بوعيد لا يرحم:
— "أنا مش بس هسجنك يا كريم.. أنا هخليك تتمنى لو كنت مت يوم ما فكرت تقرب من عيلتي. حسابك معايا تقيل، وكل ثانية فكرت فيها تأذي رانيا، هتدفع تمنها عمرك اللي جاي كله ورا الشمس."
في تلك اللحظة، كانت نادين قد حُصرت في الخارج بواسطة رجال الأمن الخاص بياسين، لتدرك أن الإمبراطورية التي راهنت عليها قد انهارت تماماً، وأن لا مفر من مقصلة العدالة التي نصبها "
بعد انتهاء يوم طويل، مضنٍ، ومليء بالمواجهات الشرسة، خيم الهدوء الثقيل على أروقة المبنى. غادر معظم المحققين، وبدأت فرق الصيانة في إصلاح ما أفسدته ليلة الاقتحام. لكن في قلب ياسين، كانت هناك معركة أخرى أعنف وأعمق قد بدأت للتو. الرعب الحقيقي الذي نهش روحه وجسده ليلة أمس عندما رأى الرعب في عين حنين**، كاد أن يفقده عقله؛ شعر حينها ولأول مرة في حياته بالهشاشة، وأن خسارتها تعني نهاية العالم بالنسبة له، وسقوط إمبراطوريته الحقيقية.
لذا، وبدون أي نقاش، أصدر أمراً فورياً وقاطعاً ان نقل مكتب حنين الشخصي بكافة ملفاته وأدواتها سيكون دائم، ليُوضع مباشرة داخل مكتبه الخاص في الطابق العلوي؛ وهو مكتب معزول بالكامل قد امر بتصميمه بأبواب فولاذية مصفحة ومبطنة بالخشب الفاخر، ولا تُفتح أبوابه الرقمية إلا ببصمته الشخصية وعينه. لقد قرر بتملك جارف أن يخفيها عن العالم وعن أي خطر داخل حصنه المنيع، لتكون تحت ناظريه في كل ثانية.".
كان الليل قد أرخى سدوله الغامقة، دخل ياسين إلى مكتبه بعد أن ودع آخر رجال الشرطة. كان الجناح الشاسع مضاءً بإضاءة صفراء خافتة، دافئة، تعزل من بداخله عن برودة العالم الخارجي وتضفي نوعاً من السكينة الحميمة. في الزاوية البعيدة، كانت حنين تجلس وراء مكتبها الجديد، تحاول بيأس مراجعة بعض الملفات والقضايا، لكن ذهنها كان مشتتاً، وما زالت ترتجف داخلياً من توابع صدمة الأمس.
عيناها الكحيلتان كانتا تلمعان بالإرهاق ، وحجابها انزلق قليلاً للوراء بعفوية غير مقصودة، فظهرت بعض خصلات شعرها الناعم المتمردة. كانت تبدو في غاية الرقة، والهشاشة، والجمال الطبيعي الذي يسلب الأنفاس ويذيب أعتى القلوب.
وقف ياسين عند الباب يتأملها لثوانٍ في صمت صاخب. ابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بقلبه الجليدي يخفق بجنون مراهق عاشق يرى معشوقته لأول مرة. أغلق الباب خلفه ببطء، وأدار القفل الإلكتروني الداخلي ليصدر صوتاً قاطعاً وحاسماً *(Click.. Click)*. لقد عزلها معه عن العالم بأسره، وصارت تحت حمايته المطلقة.
شعرت حنين بقدومه، وبهيبته الطاغية التي تملأ أركان المكان وتخطف الأكسجين من الغرفة. رفعت رأسها ببطء، وتلاقت عيناها العسليتان بنظراته المشتعلة. لم تكن هذه نظرات "المدير" الصارمة أو الجافة المعتادة.. بل كانت نظرات رجل ، محمل بتملك جارف، وشغف، ورغبة مجنونة لا تعرف القيود أو التراجع. كان ينظر إليها وكأنها طوق النجاة وقطرة الماء الوحيدة المتبقية في صحرائه القاسية.
توقفت أنفاس حنين في صدرها، وشعرت بركبتيها ترتجفان تحت المكتب. تحرك ياسين نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومدروسة كخطوات الأسد الجائع نحو فريسته التي طال انتظارها وتألم في البعد عنها.
وقفت حنين بارتباك شديد، وسندت يديها المرتجفتين على سطح مكتبها محاولة استجماع شتات تماسكها المهني الذي بدأ ينهار، وقالت بتلقائية
عذبة :
— "استاذ ياسين أنا.. راني كملت تجميع الملفات اللي طلبوها المحققين.. يلا تحب نراجعها معاك قبل ما نروحو؟"
لم يُجب بكلام. لم يتوقف خطوة واحدة. استمر في التقدم وعيناه مثبتتان على شفتيها وعينيها بشراسة عاشق، حتى وقف أمامها مباشرة، يفصل بينهما فقط عرض المكتب الخشبي.
— "استاذ ياسين ؟" كرر الكلمة بصوت خشن، مبحوح، يحمل عتاباً حارقاً ورفضاً قاطعاً لهذا اللقب الذي بات يمقته: "بعد كل اللي حصل امبارح؟ بعد ما كنتي بين إيديا وتحت قلبي والموت بيحوم حوالينا في الضلمة.. لسه بتقوليلي استاذ ياسين يا حنين؟"
— "أنا.. رانا في الخدمه يا استاذ.." تلعثمت الكلمات في حنجرتها، وحاولت التراجع خطوة للخلف للهروب من حصار نظراته المهلكة، لكن ظهرها اصطدم بالحائط الصلب سريعاً. لم يعد هناك مفر.
لم يمنحها أي فرصة للهرب أو التملص. بحركة مفاجئة وقوية، أزاح الكرسي الخاص بها بقدمه بعيداً لتتسع المساحة، وتقدم ليحاصرها تماماً بين حافة المكتب وجسده العريض الصلب كالصخر. وضع يديه القويتين على حافة المكتب من الجانبين، ساجناً إياها بالكامل داخل هالة جسده. في تلك اللحظة، لمحت حنين الدماء الجافة على مفاصل أصابعه إثر تحطيم زجاج طاولة التحقيق، فشهقت برقة، ونسيت توترها، وامتدت يدها بعفوية بالغة لتلمس جرحه بقلب يتألم لأجله:
— "ياسين.. يدك الدم راه يسيل منها .."
لمستها الرقيقة الرقراقة كانت كصب الزيت على نار مشاعره المحبوسة والمشتعلة. أغمض ياسين عينيه لثانية يستشعر حرارة أصابعها على جلده المجروح، ثم فتحهما بحدة وشغف جارف أذاب كل جبال الجليد داخله. رفع يده اليمنى ببطء، لتتحرك أصابعه الطويلة بحنان طاغٍ على طول خط فكها النحيل، ثم ضغط إبهامه برفق شديد على شفتها السفلى المرتجفة ليتأملها بعمق يسرق الروح.
فوجئت بحركته .. تلعثمت و همست بنبره مذبذبه ." ياسين وشراك دير ؟"(بتعمل ايه)
— "بعمل اللي كان المفروض أعمله من شهرين،" قالها بنبرة دافئة، عميقة، تزلزل كل دفاعاتها المتهاوية: "إنتِ فاكرة إن اللي حصل امبارح كان مجرد واجب مدير بيحمي موظفة شغالة عنده؟ حنين.. أنا لما شوفت المجرمين داخلين علينا ، حسيت إن روحي بتتسحب مني ونبضي بيقف. اكتشفت إن فلوسي، وشركتي، وإمبراطوريتي، واسم الحكيم كله.. ميسواش ذرة تراب واحدة لو إنتِ حصلك حاجة أو غبتِ عن عيني ثانية."
ازدادت أنفاسه الحارة اقتراباً لتلفح وجهها محملة برائحته الرجولية الطاغية الممزوجة برائحة عطره القوي، والتصق صدره العريض بصدرها تماماً حتى شعرت بدقات قلبه المتسارعة الكاسحة وكأنها تدق بين ضلوعها هي.
— "ياسين.. أرجوك.. مانيش قادرة نتنفس.." تمتمت بصوت راجف من فرط الارتباك والمتعة، وهي تذوب وتتلاشى أمام هذا الهجوم العاطفي الجريء الذي لم تعهده منه.
انزلقت يده القوية من وجهها لتلتف بجرأة وتملك مطلق حول خصرها النحيل، وسحبها إليه بقوة أكبر لتلتصق بكامل جسده الصلب، ليمحو أي مسافة متبقية بينهما.
— "أنا اللي مش قادر أتنفس من غيرك يا حنين،" همس بالقرب من أذنها مباشرة، مما جعل قشعريرة دافئة وقوية تسري في عمودها الفقري: "أنا كنت بموت من القهر وأنا بكتم مشاعري الأيام اللي فاتت، بشوفك قدامي كل يوم ومش قادر ألمسك أو أقولك إنتِ إيه بالنسبة لي. كنت بتعذب عشان أحافظ على المسافات بينا، وأقول إني كبير على الحب والضعف.. بس خلاص.. المسافات دي كلها اتحرقت واتدمرت امبارح في الدم والنار."
رفع وجهها بإبهامه ليتطلع في عمق عينيها العسليتين، وقال بجرأة قاطعة، وعهد لا يقبل النقاش أو التراجع:
— "مش هسمحلك تبعدي عني تاني أبداً.. ومستحيل هسيبك تخرجي من حصني أو من حضني. الكابوس ده هيخلص بكره، وهتكوني ليا قدام ربنا والعالم كله.. مراتي، وحبيبتي، وأم ولادي، وعوضي الوحيد عن كل القسوة والجفاء اللي شفته في حياتي. سامعة يا حنين؟ إنتِ بتاعتي أنا بس، وملكي لحد آخر نَفَس."
لم يترك لها مجالاً للرد أو التردد؛ انقض على شفتيها بقبلة ملتهبة، عميقة، وجريئة جداً.. قبلة كانت تحمل جوع الحرمان طوال الأشهر الماضية، وكل رعب الخوف عليها ليلة أمس، وكل الحب الجارف الذي كتمه في صدره لسنوات . قبلة قاسية في شغفها وتملكها، ناعمة في عشقها، صهرت حنين بالكامل وجعلت الأرض تدور من تحت قدميها.
انهارت كل دفاعاتها في ثوانٍ، وتخلت عن ارتباكها أمام هذا الصدق الطاغي؛ امتدت يداها الصغيرتان لتغوصا بعفوية وشغف في خصلات شعره الأسود الكثيف، تبادله الشغف بشغف يساويه ويفوقه، مستسلمة تماماً ومحتمية بالرجل الذي احتل قلبها وكيانها. كان هذا العناق وتلك القبلة بمثابة عهد صامت بين قلبيهما بأن القادم لن يكون فيه مكان للخوف أو المسافات، بل لحب جارف يعلن سيطرته المطلقة وسط الحصون المغلقة.
