رواية خيوط لاتري الفصل الخامس عشر15بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الخامس عشر15بقلم فاطمة مالكي


 : سقوط الحوت.. وعناق الأرواح المتمردة

مرت ساعات الليل ثقيلة، ساخنة، ومشحونة بمشاعر غير مألوفة داخل "مكتب ياسين" في الطابق العلوي لمقر الشركة. بعد تلك القبلة العاصفة التي أذابت كل جدران الجليد السميكة بينهما، رفض ياسين بشراسة واستماتة أن تغادر حنين مقر الشركة أو تعود إلى المنزل في تلك الليلة؛ تذرّع أمامها بالدواعي الأمنية والمخاطر المحيطة، لكن السبب الحقيقي الكامن في أعماقه كان قلبه الذي أصبح يرتعب رعباً مميتاً من فكرة ابتعادها عن مرمى عينيه ولو لثانية واحدة.
نامت حنين مستسلمة للإرهاق على الأريكة الوثيرة في غرفة الاستراحة الملحقة بمكتبه، بينما قضى ياسين ليلته بالكامل ساهراً على مقعده الجلدي أمام مكتبه الإداري، يراقبها عبر الزجاج الفاصل نصف الشفاف. كان يتأمل وجهها الملائكي الهادئ الغارق في النوم, وكلما تذكر ملمس شفتيها واعترافها الصامت الدافئ بين ذراعيه، كان يشعر بنار دافئة تسري في عروقه التي طالما كانت باردة وجافة كالموت طوال السنوات الخمس الماضية.
مع بزوغ أولى خيوط شمس الصباح الدافئة، استيقظت حنين. فتحت عينيها ببطء، ورمشت عدة مرات لتستوعب جدران المكان. كانت رائحة القهوة الإيطالية القوية والمركزة تملأ الأجواء وتدغدغ الحواس. اعتدلت في جلستها وعدلت حجابها، لتجد ياسين واقفاً عند الباب الزجاجي لمكتبه، يستند بكتفه العريض على الإطار، ويحمل في يديه فنجانين من القهوة يتصاعد منهما البخار.
في هذه اللحظة، لم يكن ياسين "رئيس مجلس الإدارة" الصارم؛ كان يرتدي قميصاً أبيض اللون مريحاً، ترك أزراره العلوية مفتوحة بعفوية كاشفاً عن جزء من صدره الصلب، وشعره الفحمي كان مبعثراً بطريقة فوضوية زادته وسامة وجاذبية رجولية مهلكة. بمجرد أن التقت عيناهما، توردت وجنتا حنين بحمرة قانية شديدة، وتذكرت كل تفاصيل الليلة الماضية.. لمساته، أنفاسه الحارة، وكلماته الجريئة التي أعلنت احتلاله لكيانها.
اقترب ياسين بخطوات هادئة، واثقة، وتحمل هيبة طاغية. وضع فنجان القهوة على الطاولة الصغيرة أمامها، ثم جلس بجوارها مباشرة على الأريكة متجاهلاً كل مسافات الأمان. لم يترك لها أي مساحة للتراجع، بل أحاط كتفيها بذراعه الطويلة وسحبها بقوة حنونة ليلصق جسدها الرقيق بصدره العريض، طابعاً قبلة عميقة وحارة على قمة رأسها، استنشق خلالها عبير شعرها وكأنه يستمد منه الحياة والأكسجين.
— "صباح الخير يا أجمل حاجة حصلت في عمري كله.." همس ياسين بصوت أجش، عميق، يحمل حناناً دافئاً لا يمكن لشخص يرى قسوته وجبروته في الخارج أن يصدق وجوده.
ارتبكت حنين بشدة، وحاولت الابتعاد قليلاً خجلاً من قربه، لكن ذراعه المحيطة بها كانت كطوق من حديد لا ينفك.
— "صباح النور يا ياسين.. أنا.. أنا لازم نمشي (يجب أن أذهب)، أختي حنان في البيت أكيد راهي قلقانة عليا (قلقة عليّ)، والشركة حتبدأ الناس تجي ويشوفوني خارجة من مكتبك ويفهموا غلط."
ابتسم ياسين بسخرية خفيفة تلوح في عينيه، ورفع يده الحرة ليمرر أنامله ببطء وتملك على خط فكها النحيل، مجبراً إياها على النظر مباشرة في عينيه اللتين تفيضان برغبة تملك أسطورية:
— "أولاً، أنا كلمت حنان امبارح بالليل بنفسي وطمنتها إنك معايا في الشركة وفي حمايتي ومفيش أي داعي للقلق. ثانياً.. يولع الشغل، وتولع الشركة، ويولع كلام الناس كلهم. إنتِ من اللحظة دي مش مجرد موظفة يا حنين.. إنتِ روحي اللي بتمشي على الأرض، واللي هيفكر بس يرفع عينه فيكي أو يجيب سيرتك بكلمة، هنسفه من على وش الأرض."
أرعبتها شدة تملكه وجنونه، لكنها في نفس الوقت أسالت قطرات من العسل المصفى في قلبها الأنثوي الذي لطالما تاق لرجل يحتويه ويوفر له الأمان بهذه القوة. رفعت يدها النحيلة ووضعتها على صدره فوق قلبه النابض بعنف مباشرة، وقالت:
— "خوفتني يا ياسين (أنت تخيفني).. أنا مش متعودة على كل هاد القوة. أنا جيت لمصر باش نخدم (لأعمل) ونعيش، لقيت روحي في وسط حرب.. وعشقت الجنرال."
أطلق ياسين ضحكة رجولية جذابة هزت صدره، وأمسك يدها الصغيرة المستقرة فوق قلبه، ليرفعها إلى شفتيه ويطبع في باطن كفها قبلة طويلة وعميقة أذابت أطرافها.
— "الجنرال ده ركع وسلم سلاحه قدام عينيكي من أول نظرة يا حنين.. الحرب دي بتخلص النهارده. النهارده هجيب حق أبويا، وهقفل ملف (الحوت الكبير) للأبد، وبكره هقف قدام عيلتك كلها أطلب إيدك رسمي، وهعملك فرح يتحاكى بيه الشرق الأوسط كله."
صمت لثوانٍ، وهدأت نبرته تماماً لتتحول إلى رقة بالغة وهو يتأمل تفاصيل وجهها بنظرات دافئة ومشتاقة، ثم همس بنبرة ساحرة حركت سكون المكان: — "عارفة... عارفة امتى أول مرة دقة من قلبي هربت مني وراحتلك؟"
اتسعت عيناها بذهول، وتلاقت نظراتها المرتبكة مع عينيه الواثقتين، لتخرج الكلمة من بين شفتيها بعفويتها وتلقائيتها الجزائرية: — "ويكتا؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حانية غارقة في تفاصيل ذلك اليوم الأول، وتابع بشغف: — "من أول ما سمعت صوتك.. البحة اللي في صوتك دي مع لهجتك الجزائرية، وبوني، ولما كنتي بتتكلمي فرنسي.. أنا بجد ماعرفش مسكت نفسي إزاي! بصي يا روحي.. أنا إنسان اتعلمت أتحكم في كل حاجة في حياتي، حتى مشاعري.. بس إنتِ في لحظة زلزلتي كياني كله! أنا بجد مش عارف إزاي قدرت أفضل لابس وش الخشب وكل ذرة في كياني كانت مهزوزة."
في الطابق الأسفل، وتحديداً في غرفة العمليات التقنية بالشركة، كان مازن يعيش حالة من النشاط الهستيري المشحون بالأدرينالين. لقد وصل الليل بالنهار ولم تذق عيناه النوم لدقيقة واحدة. أمامه ثلاث شاشات عملاقة تشتعل بالأكواد والبيانات، بينما تتناثر حوله أكواب القهوة ومشروبات الطاقة الفارغة.
فجأة، فُتح الباب الحديدي لغرفة العمليات ودخل ياسين بوجهه الصارم وعينيه اللتين عادتا لتلمعا بقسوة الانتقام والجدية. — "وصلت لإيه يا مازن؟" سأل ياسين بصوت حاد كالسيف القاطع.
استدار مازن بكرسيه، وابتسامة انتصار شرسة ترتسم على وجهه المرهق، والدموع تكاد تلمع في عينيه من شدة الحماس: — "ضربة معلم يا وحش! الرأس الكبيرة وقعت في المصيدة خلاص. استخدمت بصمات بهاء الغندور البيومترية اللي أخدناها امبارح واخترقت السيرفر الموازي لطارق الصاوي. الثعلب كان بيحاول يسحب ويحول كل سيولته النقدية لروسيا عشان يهرب بكره الفجر، لكن أنا عملتله (Block) وتجميد كامل على كل حساباته في ثانية واحدة، ورفعت كل الداتا والمستندات والملفات السودا للإنتربول ومباحث الأموال العامة. فلوسه اتجمدت، ورجالته بيتساقطوا في المحافظات واحد ورا التاني دلوقتي!"
أغمض ياسين عينيه لثانية واحدة، وسحب نفساً عميقاً من أعماق صدره، شاعراً بوزن جبل كامل من الهموم ينزاح عن كاهله. الثأر لوالده، ولسمعة شركته، وللرعب الذي عاشته حنين بالأمس.. كل شيء يتحقق الآن ويدق ساعة الحساب. نظّم ياسين أنفاسه ونظر إلى مازن، شقيقه في الرضاعة الذي لا يصغره إلا بشهرين فقط، وتوأم روحه الذي تقاسم معه مرارة السنوات الخمس الماضية منذ أن كانا شابين في مقتبل العمر واضطرا لمواجهة حيتان السوق معاً لحماية اسم الحكيم.
— "حدد مكانه بالظبط." أمر ياسين ببرود مميت يحبس الأنفاس. — "في ڤيلته في الساحل الشمالي، متحصن هناك ومستني طيارة هليكوبتر خاصة لتهريبه،" أجاب مازن وهو يطبع الإحداثيات النهائية على الشاشة: "الشرطة والقوات الخاصة والمخابرات في طريقها للموقع دلوقتي، وطلبوا نكون معاهم على الخط لفك أي شفرة أمنية أو بوابات إلكترونية في الڤيلا أثناء الاقتحام."
ربت ياسين على كتف شقيقه بقوة امتنان هائلة: — "برافو يا مازن.. إنت مش مجرد شريك، إنت أخويا وسندي اللي بكون مطمن وأنا مدي ضهري للدنيا بسببه. وبمناسبة إنك أخويا.." تراجعت قسوة ملامح ياسين قليلاً لتظهر ابتسامة خبيثة وممتعة: "أنا سامع إن فيه تطورات واعترافات خطيرة حصلت بينك وبين حنان؟"
نهض مازن من كرسيه وهو يمسح مؤخرة عنقه بارتباك لم يعتده ياسين منه: — "احم.. الصراحة يا ياسين، أنا وقعت ومحدش سمى عليا! البنت دي مجنونة، ولسانها أطول منها، وتعارضني في الرايحة والجاية.. بس أنا مبقتش قادر أتنفس من غير نكدها. أنا ناوي نسافر الجزائر عشان أطلب إيدها من عمها في وسط عيلتها.. ولازم طبعاً تكون معايا."
ضحك ياسين بصوت عالٍ ملأ الغرفة: — "هاجي معاك طبعاً يا صاحبي، وأهو بالمرة أطلب إيد حنين رسمي في بلدهم ونقفل الملف ده. إحنا هنخلص من كابوس طارق الصاوي النهارده، وبعدها نسافر كلنا فوراً."
الجزء الثالث: سقوط الحوت.. وعودة الأسد الغائب
بعد ثلاث ساعات، كانت طائرة مروحية تابعة للشرطة تهبط بعنف وسط الأجواء العاصفة بالقرب من قصر عتيق وفخم على شاطئ الساحل الشمالي. كان القصر محاصراً بالكامل بعشرات من مدرعات وسيارات القوات الخاصة وعناصر المخابرات.
تم اقتحام الأسوار الفولاذية، وبعد تبادل قصير وعنيف لإطلاق النار مع حراس طارق الشخصيين، تمت السيطرة على المكان بالكامل. دخل ياسين بخطواته الثابتة والمهيبة برفقة قائد العمليات إلى المكتب الضخم في قلب القصر، ليجد طارق الصاوي يجلس على كرسي من الجلد الفاخر، محاصراً، مهزوماً، وعيناه زائغتان مليئتان بالانكسار والحقد.
اقترب ياسين منه ببطء شديد يحبس الأنفاس. كان صوت خطوات حذائه على الأرضية الخشبية يتردد في المكتب كدقات طبول الإعدام. وقف أمام طارق مباشرة، ونظر إليه من أعلى باحتقار مطلق.
— "ياسين الحكيم.." قالها طارق بصوت متحشرج محاولاً بيأس رسم ابتسامة ساخرة واهية على شفتيه المرتجفتين: "ابن الكلب اللي كبر وبقى بيكشر عن أنيابه.. إنت فاكر إنك انتصرت؟ أبوك زمانه بيتقلب في قبره دلوقتي لأنه كان غبي ومعرفش يكون أذكى مني وتغفل بسهولة."
وفي تلك اللحظة الحاسمة.. قبل أن ينطق ياسين بحرف، انشق صف رجال القوات الخاصة، وصدح في أرجاء المكتب صوت رجولي، عميق، مألوف، يحمل وقار السنين وحكمة الأيام، زلزل أركان المكان وأوقف دقات قلب ياسين: — "أنا متأكد إني ربيت أسد.. وأذكى منك بمراحل يا طارق!"
تجمّد الدم في عروق ياسين تماماً. اتسعت عيناه بصدمة قاتلة، والتفت ببطء مرعب وكأن الزمن توقف. وهناك، وسط ضباط المخابرات، كان يقف رجل يكسو الشيب شعره، تتطابق ملامحه مع ملامح ياسين، يقف شامخاً، حياً يرزق، وينظر لابنه بفخر واشتياق ودموع تلمع في عينيه.
سقطت الكلمات من فم طارق الصاوي، وانهار جسده على الكرسي وكأنه رأى شبحاً، يرتجف بهستيريا: "عبد المعز؟! مستحيل! إنت ميت من 5 سنين.. إنت ميت!"
تقدم ضابط المخابرات خطوة وقال بصرامة: "عبد المعز باشا كان في حمايتنا وفي بيت آمن طول الـ 5 سنين اللي فاتوا يا طارق. الجواسيس بتوعك لما دبروا حادثة العربية، إحنا كنا سابقينك بخطوة.. أنقذناه وخبيناه، وكنا بنجمع أدلة شبكة الفساد الدولية بتاعتك حتة حتة لحد ما جه اليوم اللي توقع فيه إنت وكل رجالتك."
لم يكن ياسين يسمع شيئاً مما يقال.. انهارت كل حصونه الجليدية، وتقدم بخطوات مرتعشة، غير مصدق، حتى ارتمى في حضن والده بعناق ساحق، يدفن وجهه في كتفه وتخونه دموعه لأول مرة أمام الجميع، بينما ربت الأب على ظهر ابنه بحنان جارف: "حقك عليا يا بطل.. حقك عليا في كل لحظة وجع عشتها من غيري."
تم سحب طارق الصاوي ذليلاً يصرخ ويهذي كالمجنون متوسلاً، بينما وقف ياسين يشعر أن روحه الممزقة قد رُتقت أخيراً بعد خمس سنوات من العذاب والوحدة الشرسة.
في صالة القصر الرئيسية الفسيحة في القاهرة، حيث تعكس الثريات الكريستالية بريقاً بارداً، كان التوتر يفرض سطوته الثقيلة على الأجواء. مازن يتحرك ذهاباً وإياباً بخطوات سريعة متوترة وعيناه لا تفارقان شاشات المراقبة، بينما تجلس حنين بجانب شقيقتها حنان والوجوم يسيطر عليهما، تترقبان بقلق وخوف ودقات قلوبهما تتسارع مع كل ثانية تمر بانتظار أخبار المعركة الأخيرة.
وفجأة، انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة للقصر بعنف أحدث دوياً تردد في الجدران. توقفت حركة مازن تماماً، ونهضت حنين وحنان تلقائياً. دخل ياسين، ولم يكن بمفرده. كان يسير إلى جواره رجل ستيني، يكسو الشيب شعره، ولكنه يمتلك نفس الهيبة الطاغية والملامح الحادة والصدر المفرود.. عبد المعز الحكيم.
ساد صمت جنائزي للحظات كأن الزمن قد توقف عن الدوران. سقط الهاتف من يد مازن ليرتطم بالأرض الرخامية محدثاً صوتاً حاداً لم يلتفت إليه أحد. اتسعت عيناه برعب وعدم تصديق، تراجع خطوة إلى الخلف وهو يشير بيده المرتجفة نحو الرجل، وصوته يخرج كهمس مختنق: — "عمي.. عمي عبد المعز؟! لا.. مش ممكن.. أنا اتجننت صح؟!"
تقدم عبد المعز بخطوات ثابتة رغم العاطفة الجياشة التي تعتصر قلبه. نظر إلى مازن بعينين تلمعان فخراً واحتضنه بقوة وعناق سريع وهو يقول بصوت متهدج: — "كبرت وبقيت راجل يا مازن.. وسند لأخوك زي ما كنت متوقع منك."
انفجر مازن باكياً في أحضان عمه، وأحدثت هذه الجلبة والصوت المرتفع في الصالة صدىً صعد إلى الطابق العلوي.
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة الرئيسية، وخرجت "أمينة"، والدة ياسين، على صوت الحركة الغريبة. تقدمت بضع خطوات نحو درج السلم الرخامي، لتتجمد في مكانها كتمثال من الجليد فور أن وقعت عيناها على الرجل الواقف في الأسفل. اتسعت عيناها بذهول قاتل، وسقطت من يدها المرتجفة السبحة الكريستالية التي لم تفارق أناملها طوال خمس سنوات من الحداد الدامي؛ لتتناثر حباتها وتتدحرج على درجات السلم في مشهد درامي بطيء كأنها تعد ثواني الفراق التي انتهت.
لم تنطق بكلمة، ولم ترمش؛ كانت عيناها تغرقان في سيول من الدموع الساخنة. وفي المقابل، ما إن رفع عبد المعز رأسه ورآها تقف هناك، حتى تلاشت السنوات الخمس وعذابها في ثانية واحدة. في تلك اللحظة، ومن فرط الفرحة والشغف، شعر عبد المعز وكأنه عاد شاباً في العشرين من عمره؛ نسى وقار سنه وثقل السنين، وركض صاعداً درجات السلم الرخامي بسرعة ولهفة جارفة ليتلقف رفيقة عمره.
تهاوى جسد أمينة لتسقط على ركبتيها، لكن ذراعي عبد المعز القويتين كانت أسرع، فاحتضنها بعناق ساحق ودفن رأسها في صدره العريض. انفجرت أمينة في بكاء مرير، بكاء مجنون كان خليطاً من النحيب الحاد والضحك غير المصدق؛ كانت تتشمه بعنف، وتتلمس وجهه، ولحيته، وكتفيه بأصابع مرتعشة لتتأكد أنه ليس سراباً أو طيفاً عابراً، وهي تردد بذهول: "عبد المعز.. إنت عايش؟ إنت رجعتلي؟" همس عبد المعز وصوته يتقطع ويقطر وجعاً وحنيناً وهو يشدد من احتضانها: — "سامحيني يا أم ياسين.. غصب عني يا رفيقة عمري، كان لازم أموت عشان تعيشوا في أمان."
وعلى صوت هذا النحيب الممزق والبكاء الجارف لأمينة، خرجت "رانيا" شقيقة ياسين الصغرى مسرعة من غرفتها لترى ما يحدث. تصنمت في مكانها أعلى السلم، واتسعت عيناها بصدمة شلت أطرافها وهي ترى والدها "الميت" يحضن والدتها.
انفكت عقدة لسانها، وصرخت صرخة مدوية مزقت سكون القصر، وقفزت الدرجات المتبقية بهستيريا جنونية لترتمي في أحضان أبيها. تشبثت بعنقه بكل قوتها، وانفجرت في نوبة بكاء مريرة قطعت نياط قلوب كل من في الصالة. بدأت رانيا تتحدث بنبرة طفولية مكسورة، وكلمات تخرج من أعماق وجعها المكتوم طوال السنين: — "بابا.. بابا رجعت؟! قالولي إنك مت.. قالولي إنك سبتني ومشيت وأنا مكنتش عاوزه أصدقهم! أنا مكنتش مصدقة يا بابا!"
شدد عبد المعز من احتضانها واحتضان والدتها وهو يبكي معهما، لتكمل رانيا بصوت متحشرج يملؤه القهر: — "أنا كنت جايالك عشان أفرحك بنجاحي.. كنت عاوزه أقولك إني كبرت وشرفتك يا بابا! كنت جاية عشان آخد هديتي منك.. كنت جاية آخد حضن كبير يعرفني أنا قد إيه مهمة وغالية عندك.. بابا، أنا تهت من غيرك.. أنا ضعت تماماً!"
شهق الجميع في الصالة، وبكت حنين وحنان بتأثر شديد، بينما واصلت رانيا إفراغ كبت السنين وهي تدفن رأسها في صدره: — "أنا كنت بضحك قدامهم وبستظرف وبعمل مجنونة.. بس أنا كنت بتقطع وبموت من جوايا على فراقك! كنت بداري وجعي في جناني عشان مضعفش.. متسبنيش تاني يا بابا.. أنا ماليش قيمة من غيرك."
بكى عبد المعز بحرقة وهو يقبل رأس ابنتها ويضمها لقلبه: "حقك عليا يا قلب بابا.. حقك عليا يا بنتي، أنا رجعت ومش هسيبكم تاني أبداً."
في تلك اللحظة المهيبة، كان ياسين يقف بعيداً قليلاً، يراقب لم شمل عائلته. الحصون الجليدية التي بناها حول قلبه لخمس سنوات تهاوت دفعة واحدة. كانت عيناه حمراوين، وصدره الضخم يعلو ويهبط بصعوبة بالغة وهو يحاول كبح دموعه التي لم يجرؤ يوماً على إظهارها. كان جسده يرتجف بخفة من فرط الشحنة العاطفية وثقل جبل المسؤولية والدم الذي انزاح أخيراً عن كاهله. وبدا واضحاً للجميع أن رانيا، التي كانت دائماً مصدر البهجة والمرح الجنوني في العائلة، لم تكن إلا طفلة مجروحة تخفي نزيف قلبها خلف قناع الحيوية والدعابة.
فهمت حنين بحسها الأنثوي العبقري وغريزتها الدافئة أن هذا "الجنرال" القاسي، الذي قاد حرباً طاحنة بلا هوادة، يوشك على الانهيار ويحتاج الآن وبشدة إلى مَرسى يحتويه بعيداً عن أعين الجميع.
تحركت بخطوات هادئة وسط نحيب العائلة، واقتربت من ياسين. لم تنطق بحرف واحد؛ ففي حضرة هذا الوجع العظيم، تتضاءل كل الكلمات ويفقد النطق معناه. وقفت بجانبه تماماً، وبحركة هادئة ورقيقة، مدت يدها النحيلة لتتسلل أصابعها الدافئة وتعانق كفه الصلب المرتجف. شدت على يده بقوة حنونة، وكأنها تبثه كل الدعم والأمان الذي في العالم، لتخبره بصمت تام: "أنا هنا.. وسأبقى دائماً هنا".
التفت إليها ياسين بعيون غارقة في الدموع، ونظرة طفل تاه في العاصفة لسنوات ووجد عالمه أخيراً. تلاقت أعينهما، وقرأ في عينيها العسليتين كل ما يحتاجه قلبه المرهق. أغمض عينيه للحظة، وسحب نفساً عميقاً من رائحة عطرها الهادئ الذي يحيط به، ثم ضغط على يدها الصغيرة بقوة وااحتياج شديدين، مستمداً من وجودها الصامت ثباته. لم يعد بحاجة لأن يكون مخيفاً، كان يكفيه فقط هذا الدعم الروحي من حوريته الجزائرية.
بعد أن هدأت العاصفة العاطفية قليلاً، ونزل عبد المعز ومعه زوجته وابنته مستندين عليه، التفت نحو حنين وحنان اللتين كانتا تقفان بوجل واحترام شديدين، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة وواسعة تحمل كل معاني الترحيب والامتنان، ثم فاجأ الجميع ونظر إليهما متحدثاً بنبرة واثقة ولهجة جزائرية سليمة تماماً: — "أظن يا أم ياسين، أول حاجة لازم نعملها بعد ما رجعت للنور.. إننا نجهز نفسنا كلنا عشان نسافر الجزائر! لازم أروح بنفسي وأخطب البنات الأبطال دول لولادي ورجالتي؛ ياسين ومازن، من عمهم هناك في وسط عيلتهم.. وش قلتوا يا بناتي؟ نتشرفوا بزيارتكم والنسب عمت به البركة."
في هذه اللحظة، توقفت حركة الجميع في الصالة وكأن على رؤوسهم الطير. التفت ياسين ونظر لوالده بصدمة، بينما اتسعت عينا مازن وسقط فكه السفلي حرفياً، وحتى أمينة ورانيا توقفتا عن البكاء ونظرتا إليه بذهول تام. صاح مازن وهو يشير بيده بحركة عفوية: — "إيه ده؟! عمي.. إنت بتتكلم جزائري؟!"
أطلق عبد المعز ضحكة مجلجلة من أعماق قلبه، تلك الضحكة التي افتقدها القصر لخمس سنوات، وغمز لياسين الذي كان يطالعه بذهول وهو لا يزال ممسكاً بيد حنين، وقال: — "إنتوا فاكرين إني كنت نايم في العسل الـ 5 سنين اللي فاتوا؟ أنا كنت بتابعكم خطوة بخطوة من ورا الشاشات.. ومن يوم ما حسيت إن الأسد بتاعنا الجليد بتاعه بيسيح وقلبه دق للغزال الجزائري، عرفت إن النسب ده هيحصل لا محالة.. فقلت أتسلى في وقت فراغي وأتعلم لهجة نسايبنا عشان أكون جاهز لليوم ده!"

تفضلي إعادة صياغة الفصل الخامس بعد ضبط السرد، وتصحيح الأخطاء اللغوية، وإبراز الجانب الإنساني والعاطفي الدافئ في شخصية ياسين، مع إزالة كلمة "مشهد" تماماً والتخلص من التكرار وعبارة "لفل الشوق":
الجزء الخامس: رحلة أرض الشهداء.. وحصار العادات
الهبوط في أرض الوطن.. والحصار المطبق
حطت الطائرة في مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر، وكانت دقات قلبي ياسين ومازن تتسابق مع عجلات الطائرة الملامسة للمدرج. استقبلهم عم الفتاتين بوقار شديد وحفاوة وكرم جزائري أصيل يليق بضيوف قادمين من مصر لمصاهرتهم.
لكن الصدمة العاطفية وأول اختبار لحرارة شوقهم بدأت فور وصولهم إلى بيت العائلة؛ فبموجب العادات والتقاليد الصارمة، تم فصل النساء تماماً عن الرجال. جلس ياسين ومازن في "الصالون" الكبير مع عبد المعز والعم وأقارب العائلة، بينما اختفت حنين وحنان في الداخل برفقة والدة ياسين وخالتهما.
مرت الساعات وثوانيها تمر كالجمر على ياسين، الذي كان يلتفت يميناً ويساراً علّه يلمح طيف حنين؛ فخلف ذلك القناع الهادئ والملامح التي حاول إبقاءها جامدة، كان هناك رجل يشتعل حنيناً، ويتوق لثانية واحدة يرتوي فيها من ملامحها التي غابت عنه. أما مازن، فكان يفرك يديه بقلة صبر وضيق، وهمس لياسين بصوت خافت متهدج: — "هو إحنا جايين نخطب ولا جايين معتقل؟ أنا مش سامع غير صوت ضحكهم جوه وقلبي هيقف عشان أشوفها لثانية واحدة!" رد عليه ياسين بنظرة حادة يحاول بها كبح جماح مشاعره ونيرانه الداخلية التي تفوق نار مازن بمراحل، فياسين في النهاية إنسان عاشق يكاد حنينه يفتك بصلابته ، وقال بصوت منخفض: — "تعرف تخرس  يا مازن، عيب.. إحنا في بيت حماك، اتقل عشان شكلنا قدام الراجل.. أنا ميت في جِلد ومستحمل بالعافية."
تمت قراءة الفاتحة للثنائي وسط أجواء احتفالية دافئة وزغاريد جزائرية ملأت أركان البيت العتيق. ارتدت حنين قفطاناً جزائرياً ساحراً باللون العنابي المطرز بالذهب، وحنان كذلك ارتدت قفطاناً ملكياً مبهراً، لكن الفرحة برؤيتهما لم تكتمل للشباب؛ فاللقاء كان عابراً جداً ومحاطاً بعيون العم الصارمة والخالة المراقبة.
حين تقدم ياسين ليلبس حنين خاتم الخطبة، شعر بضعف عجيب؛ يده الصلبة التي لم تهتز يوماً في أعتى المعارك كانت ترتجف الآن للمرة الأولى في حياته من فرط المشاعر والتأثر بوجودها أمامه. التقت عيناه بعينيها بلهفة جارفة طوت كل مسافات الفراق الماضية، وانحنى قليلاً وهمس لها وعين العم تراقبهما بحدة، وصوته يرتعش بعاطفة صادقة: — "وحشتيني.. خطفتي قلبي وعقلي باللبس ده، ومش صابر لثانية واحدة لحد ما نرجع مصر وتبقي في بيتي حضني."
أما مازن، فقد استغل ثانية واحدة وهو يلبس حنان خاتمها ليقول بوعيد مضحك ومنبهر بجمالها: — "طبعاً لسانك طولان والابتسامة عريضة عشان في بلدك وعمك واقف؟ ماشي يا حنان.. حسابنا في مصر، مبروك يا مجنونة قلبي."
قرر العم أخذ ضيوفه في جولة سياحية ليروا جمال العاصمة الجزائرية، فزاروا مقام الشهيد المطل على البحر، وتجولوا في شوارع العاصمة البيضاء الساحرة المبنية على الطراز الفرنسي القديم. لكن الخطة التي وضعها العم العجوز كانت بمثابة اختبار حقيقي وتقليب لنيران الشوق؛ فالفتيات كنّ يمشين في الأمام برفقة والدة ياسين وخالتهما، بينما ياسين ومازن يسيران في الخلف مع عبد المعز والعم.
كانت جولة مليئة بحنين خانق؛ عيون ياسين كانت مثبتة على حنين، يتأمل حركاتها وتفاصيلها وكأنه يسرق من الزمن لحظات يملأ بها عينيه منها. وكلما التفتت حنين لتنظر إليه خفية من خلف كتفها، كانت تلتقي بنظراته التي تفيض بحب جارف وتملّك دافئ، تجعل دقات قلبها تضطرب وتخفض رأسها بخجل وعشق.
بينما مازن كان يسير بجانبه ويهمس غاضباً بقلة حيلة: — "يا ياسين اتصرف، قول للراجل ده أي حاجة، خليه يسبقنا، أنا عاوز أمشي جنب خطيبتي خطوتين بس!" أجابه ياسين وهو يحاول الحفاظ على ثباته الخارجي بصعوبة، متأثراً برغبة مماثلة في الاقتراب من حبيبته: — "امشِ وأنت ساكت يا مازن.. بلاش فضايح قدام حماك، اتقل وخلينا نعدي اليوم ده على خير."
انتهت رحلة الجزائر وجاء وقت العودة، لكن هذه المرة لم تسافر الفتيات بمفردهن؛ بل رافقهن العم والخالة إلى مصر لإتمام إجراءات الزفاف والوقوف معهن خطوة بخطوة.
فور وصولهم إلى مطار القاهرة، كانت سيارات حراسة ياسين الضخمة في الانتظار. تحرك الركب، وتوقع الجميع أن تتجه السيارات نحو قصر العائلة الكبير، لكن ياسين التقط جهاز اللاسلكي وأصدر أمره الصارم والحاسم للسائقيناتحركو على  شقتي الخاصة في الزمالك."
التفت إليه العم باستغراب، فأجابه ياسين بنبرة تجمع بين الاحترام الشديد والرجولة الطاغية التي تعكس حرصه كمسؤول يحمي عائلته: — "يا عمي، الشقة دي مساحتها كبيرة جداً، دورين كاملين، وفيها جناح منفصل تماماً ليك وللخالة، وجناح للبنات.. والأهم من ده كله، إنها مؤمنة بالكامل بأحدث الأجهزة وتحت عيني وضمن مربع حمايتي الشخصي بعيداً عن أي صخب أو عيون تتربص بينا.. القصر فيه حركة كتير وتجهيزات للفرح، وأنا عاوزكم تكونوا في أمان مطلق وفي راحتكم."
ابتسم العم واطمأن لشهامة ياسين وتفكيره الناضج لحماية بيته وعرضه، بينما تنفست حنين وحنان الصعداء وهم يدخلون تلك الشقة الفاخرة المطلة على النيل. وفي تلك الأثناء، كانت نظرات مازن وياسين تشع بالراحة والانتصار، فقد أصبح الأبطال أخيراً في عرينهم الخاص وتحت سقف واحد.

الجزء السادس: جنون الغيرة في غرفة القياس
في مساء نفس اليوم، اصطحب ياسين حنين وحنان لاختيار فساتين الحفل الكبير والخطوبة المزدوجة التي ستقام غداً في مصر احتفالاً بالنصر وعودة الأب والاحتفاء بنسبهم الجديد. في أفخم وأرقى "بوتيك" لفساتين السهرة في القاهرة، تم إغلاق المحل بالكامل بأمر وبسلطة ياسين الحكيم.
كان ياسين يجلس على أريكة مخملية سوداء، يحتسي قهوته، وعيناه لا تفارقان الباب الخشبي لغرفة القياس التي دخلت إليها حنين. بعد دقائق، فُتح الباب ببطء، وخرجت حنين.
توقفت الأنفاس في صدر ياسين تماماً، وتصلب جسده. كانت حنين ترتدي فستاناً من الحرير الأسود الفاخر، يعانق جسدها وينساب بنعومة بطريقة أبرزت كل منحنيات أنوثتها الطاغية؛ ورغم أن الفستان كان محتشماً وطويلاً بأكمام، إلا أن قصته الضيقة عند الخصر كانت فاتنة ومثيرة لدرجة تسلب العقل، مع حجاب من نفس اللون أبرز بياض بشرتها الحنطية الصافية وعينيها الساحرتين.
نهض ياسين واقترب منها، وعيناه تتوهجان بنار الغيرة الحارقة والرغبة العنيفة في آن واحد. — "إيه رأيك يا ياسين؟ الفستان هاد عجبني بزاف (أعجبني كثيراً)، حاسة إنه راقي ويليق بمقام الحفلة وبفرحتك برجوع والدك،" قالت حنين بابتسامة بريئة وهي تدور حول نفسها.
جز ياسين على أسنانه بقوة، واقترب خطوة حاسمة حتى كاد يلتصق بجسدها، وهمس بصوت خشن وغاضب لا يسمعه أحد سواها: — "الفستان ده يتخلع فوراً.. دلوقتي حالاً يا حنين."
تلاشت ابتسامتها ونظرت إليه بصدمة: "علاش (لماذا)؟ مش عاجبك؟"
وضع ياسين يديه في جيوب بنطاله محاولاً السيطرة على رغبته الهوجاء في إخفائها عن العالم، وقال بصرامة مرعبة لا تقبل النقاش: — "مش عاجبني لأنه مفصل عليكي كأنه حتة من جلدك يا حنين! إنتِ متخيلة إني ممكن أسمح لراجل واحد في الحفلة بكره يشوفك وإنتِ متحددة بالفستان ده؟ إنتِ عايزاني أرتكب جناية بكره وأقلب خطوبتنا وخطوبة اختك  لمأتم وعزا بسبب غيرتي؟" — 
"يا ياسين هدا فستان محترم ومغطي كل حاجة!" احتجت حنين بعنادها المعتاد.
انحنى ياسين ببطء، وقال بنبرة تملكية جعلت قشعريرة تسري في جسدها: — "وهو ده اللي هيجنني.. إنه مغطي كل حاجة، بس مخليكي حتة فتنة متحركة ومثيرة على الأرض. اسمعي الكلام يا قلب ياسين.. الفستان الأسود ده تشتريه تلبسيهولي أنا بس.. في أوضتنا بعد ما نتجوز. غير كده، قسماً بالله مفيش خروج من البوتيك ده."
اشتعل وجه حنين باللون الأحمر القاني من فرط خجلها. فرت هاربة إلى داخل غرفة القياس وقلبها يقرع كطبول مجنونة، بينما وقف ياسين يبتسم بانتصار ساحق؛ عاشق مجنون، ورجل شرقي غيور لا يقبل المساومة على أملاكه. وهكذا استسلمت واختارت فستان "اللافندر" الشيفون الواسع الساحر.
على الجانب الآخر من البوتيك، كانت حنان تقف أمام المرآة الكبيرة في حيرة من أمرها، ترتدي فستاناً ملكياً باللون "الزمردي" الداكن بتطريزات ذهبية دقيقة، يبرز جمالها الشرقي الهادئ ويزيد بشرتها إشراقاً. مازن، الذي كان يراقبها بتركيز من أريكته، نهض فجأة واقترب منها بخطوات هادئة، بعد أن انسحبت البائعات بذكاء ليتركاهما بمفردهما.
توقف خلفها مباشرة، وتلاقت أعينهما في انعكاس المرآة. لم يكن في عينيه غيرة ياسين الحارقة والمدمرة، بل كان هناك مزيج من الانبهار الساحر والضعف العاطفي الذي يكنّه لها وحدها. — "اللون ده بيخليكي كأنك أميرة خارجة من الأساطير يا حنان،" همس مازن بصوت خافت لم يخلُ من نبرة التملك الناعمة.
ابتسمت حنان بخجل وهي تعدل ياقة الفستان: — " "بصح عجبك؟ خفت يكون شارجِي شوية."
اقترب أكثر، محاصراً إياها بينه وبين المرآة، ووضع يده على كتفها بلمسة رقيقة جعلت أنفاسها تضطرب. انحنى ليهمس في أذنها بنبرة مشاكسة تحمل تحذيراً محباً: — "عاجبني جداً.. بس عندي شرط، في الحفلة بكره ممنوع أي حد يبص لجمالك ده أكتر من ثانيتين، وإلا هضطر أستخدم مهاراتي في الهكر عشان أمحي أي حد يحاول يقرب من أميرتي."
ضحكت حنان بخفة وهي تدفعه بمرح وتحدٍ: — "مجنون! إنت باين عداك (اتعديت من ) ياسين في تملكه وغروره."
أمسك يدها التي دفعته بها، ورفعها ليطبع عليها قبلة رقيقة وعميقة، ثم نظر مباشرة في عينيها الواسعتين بجدية غير معهودة وصدق أذاب قلبها، وقال بصوت يحمل وعداً أبدياً: — " إنتِ ملكي يا حنان. واليوم اللي هكتبك  فيه على اسمي ، مش هخلي حد في العالم يشوف الفتنة دي غيري أنا وبس."
توردت وجنتاها وتعلقت عيناها بعينيه، مدركةً في تلك اللحظة أن هذا "المهندس" الذي يمازحها طول الوقت، يخفي خلف قناع الهدوء والضحك بركاناً من الحب لا يقل أبداً عن بركان ياسين.
في نفس الليلة، وبعد العودة إلى شقة الزمالك الفاخرة حيث خُصصت غرفة نوم مشتركة لحنين وحنان خلال فترة إقامتهما، توقف ياسين مع حنين لبضع دقائق في رواق الشقة الفسيح والمؤدي لملحق الضيوف. كان المكان هادئاً تماماً، وضوء القمر الفضي يتسلل عبر النوافذ الزجاجية الضخمة المطلة على صفحة النيل لينعكس برقة ساحرة على وجهها الصافي وعينيها العسليتين.
أمسك ياسين بيديها، وتخللت أصابعه الخشنة بين أصابعها الناعمة في تشابك قوي ومتين. نظر في أعماق عينيها، ليبقى فقط العاشق الذي وجد شاطئ أمانه الأخير بعد عواصف دامت لسنوات.
— "بكره بالليل، وسط كل الناس والعالم، هعلن إنك ليا وملكي رسمي،" همس ياسين بصدق جارح وعاطفة حقيقية: "حنين.. أنا النهارده اكتملت. أبويا رجع لحضني، وإنتِ رجعتيلي الروح اللي ماتت جوايا من 5 سنين. إنتِ العوض الحقيقي اللي ربنا بعتهولي بعد كل التعب. أوعديني إنك عمرك ما هتسيبيني، مهما حصل."
رفعت حنين عينيها الدامعتين المتأثرتين بكلماته، وضغطت على يديه بقوة، وقالت بنبرة خرجت من أعماق قلبها: — "نوعدك يا ياسين.. نوعدك قدام ربي، إنك راح تكون راجلي، وسندي، وعيلتي كامل في الدنيا هدي. عمري ما نخليك (لن أتركك)، حتى لو وقفت في وجه الدنيا علاجالك (من أجلك)."
ابتسم ياسين ابتسامة صادقة أنارت وجهه، وانحنى برقة بالغة ليطبع قبلة رقيقة جداً وطويلة على جبهتها، قبلة تحمل كل معاني الاحترام والتقدير والعشق الأبدي.
— "اطلعي نامي وارتاحي يا حبيبتي في أوضتك مع أختك.. عشان بكره، العالم كله هيشهد على تتويج ملكتي الجديدة."
غادرت حنين متجهة نحو غرفتها وهي تشعر أن قلبها يطير، بينما وقف ياسين يراقب طيفها، مبتسماً وهو يعد الساحة لليلة الحفل الكبرى، التي ستشهد إعلان العشق أمام الجميع.
تعليقات



<>