رواية الفرار من العشق الفصل الرابع عشر14بقلم اميرة خالد

        

رواية الفرار من العشق الفصل الرابع عشر14بقلم اميرة خالد

ابتسم صفوان بخبث وهو يلتف حول رحيم قائلًا: — "خلاص يا رحيم، كتب الكتاب آخر الأسبوع."
حضنه رحيم بمباركة: — "ألف مبروك يا ابن عمي."
رد صفوان بمكر: — "عشان خاطرك أنت بس."
ضحك رحيم، وفي تلك اللحظة دلف معتصم بصحبته ليلى ورقية. نظر معتصم بذهول إلى صفوان وسأله: — "ايه ده؟ أنت هنا يا صفوان؟ عامل إيه؟"
ابتسم صفوان ببرود: — "كويس يا دكتور يا اللي ما بتسألش عن حد! بس خلاص، غصب عنك هتسأل.. إحنا هنبقى نسايب."
شعر معتصم بالصدمة: — "نسايب إزاي يعني؟"
تدخل رحيم موضحًا: — "أصله هيتجوز أختك هدير، وكتب الكتاب آخر الأسبوع، وأبوك عارف وموافق."
هتف معتصم بعدم تصديق ناظرًا لشقيقته: — "بجد يا هدير؟ أنتِ موافقة؟"
قاطعه رحيم بصرامة: — "وده سؤال تسأله لها؟ اسأل كل اللي كان واقف من شوية، هي قالت أنا موافقة لوحدها."
أكد صفوان بثقة: — "طبعا يا رحيم، ولو مش مصدق اسأل أخته دلوقتي."
حاول معتصم تدارك الموقف: — "أنا مش قصدي حاجة، أنا بس مستغرب إن الموضوع جه بسرعة."
رد صفوان بلهجة صعيدية حاسمة: — "ولا بسرعة ولا حاجة.. أنت هنا في الصعيد، وكل حاجة بتتم بسرعة لأننا عيلة واحدة. أستأذنكم أنا بقى أروح أجهّز دنيتنا.. هقابلْك بالليل يا رحيم."
ودّعه رحيم: — "ماشي يا صفوان."

استغلت الحان الفرصة لتتسلل إلى جناح العمدة، فوقفت أمامه مباشرة. بادرها العمدة بابتسامة حانية: — "تعالي يا بنتي، عامله إيه؟"
جلست أمامه بملامح حادة: — "مش أنت كنت بتحب ماما، ونفسك تسامحك على اللي حصل زمان؟"
فهم العمدة مقصدها على الفور: — "أكيد طبعا يا بنتي.. وعشان كده أنا خلّيت رحيم يتجوزك عشان تعيشي بينا وما تبعديش عننا أبداً."
قالت بصوت يملؤه التحدي: — "ومين قال لك إني هفضل هنا كتير؟ أنا مستحيل أقدر أعيش مع ابنك!"
سألها العمدة بدهشة: — "ليه بس؟ 

رحيم 
ده أنا حتى ناوي أعمل لك فرح آخر الأسبوع، البلد كلها تحكي عنه لسنين قدام!"
انتفضت الحان مصدومة: — "فرح إيه؟! إحنا اتفاقنا إن الجوازة دي عشان حماية أهلي وأعرف مكان يوسف أخويا!"
أجابها العمدة بأسف: — "يوسف سافر يا الحان، ومش عايش هنا.. ده في بلاد بره من سنين طويلة."
وقفت بقوة وقد احتدت نظراتها: — "طب ليه ما قلتليش من الأول؟ طالما كده، أنا هسافر وأروح له."
في تلك اللحظة، اقترب رحيم بخطوات هادئة وأحاط خصرها بذراعيه بتمكّن: — "وده ينفع؟ بعد ما تجوزتِ تسابي جوزك وتمشي؟"
نزعت يده عنها باستنكار: — "إيه اللي بتقوله ده؟! إحنا هنتطلق دلوقتي حالاً!"
أجابها ببرود مستفز: — "والله أنا كنت ممكن أوافق، ده كان قبل ما تمضي على الورقة دي."
التفتت إليه الحان والعمدة بعيون ترقب شديد، فتابع رحيم بابتسامة نصر: — "آه.. أصلك ما تعرفيش، ساعة ما كنا بنكتب الكتاب، مضيتِ على ورقة ممكن تعيشك ملكة.. وممكن تعيشك في السجن بقية عمرك!"
سرى التوتر في أعصاب الحان: — "ورقة إيه؟"
أخرج رحيم ورقة من جيبه وقال بسخرية: — "عشان أنا كويس معاكي لآخر وقت.. اتفضلي يا ستي الورقة دي."
اختطفتها الحان من يده بسرعة وقرأتها لتتجمد في مكانها من شدة الصدمة. اقترب منها وهمس في أذنها بنبرة آمرة: — "يبقي تخليكي زي الشاطرة، وتعيشي ملكة.. ولا إيه؟"
فاقت لنفسها بصدمة، ومزقت الورقة إلى أشلاء وهي تصرخ: — "مستحيل! ووريني هتعمل إيه!"
ضحك رحيم بقوة على ثورتها، بينما وقف العمدة يحاول استيعاب الموقف الغامض.
تابعت الحان تهديدها قبل أن تلتفت مغادرة: — "ماشي يا رحيم.. والله لهسحبك ورايا على السجن!" ورزعت الباب خلفها بقوة جعلت الجدران تهتز.
تنهد رحيم بصوت خافت وهو يتابع أثرها: — "قطة شرسة بحق!"
سأله العمدة بقلق: — "ممكن أفهم بقى إيه اللي أنت عملته ده؟"
جلس رحيم وشرح له تفاصيل الخطة كاملة. ابتسامة واسعة علت وجه العمدة وهو يقول: — "أنت حبيتها يا رحيم، صح؟ ولا أنا غلطان؟"
أجاب بتأرجح: — "مش عارف يا أبوي.. بس اللي متأكد منه، إني ما أقدرش أعيش من غيرها ولا أبعد عنها."
ربت العمدة على كتفه بحنان: — "ده مش حب يا رحيم.. ده عشق! بس الحان تيجي بالحنية.. مش بالتهديد والبطش اللي بتعمله ده."
ضحك رحيم بثقة: — "طلا لا.. دي كدة هتبقى تحت عيني، ومش هتفلت مني أبدًا."
تذكر العمدة شيئًا فقال: — "صحيح، نسيت أقولك.. آخر الأسبوع كتب كتاب هدير على صفوان."
عقد العمدة حاجبيه باستغراب: — "إزاي يعني؟!"
ابتسم رحيم بغموض: — "أنت ليك يد في الموضوع ولا إيه يا عمده؟"
قاطع العمدة الحديث بتعب: — "أنت تعبتني النهارده قوي يا رحيم.. ارتاح، ونبقى نكمل كلامنا بكره."
ودّعه رحيم وخرج يبحث عن "قطته الشرسة".
في حديقة القصر، كانت الحان تقف متمردة على أعصابها، بينما تقف ليلى بجانبها تحاول تهدئتها. لاحظ رحيم وجودها من شرفة الجناح، فوقفة متربّع الأيدي يراقبها بابتسامة متسعة على محياه.
في الأسفل، تحدثت ليلى بقلق: — "فهّميلي بس إيه اللي حصل؟ أنتِ خارجة متعصبة كده ليه؟"
قالت الحان بانفعال: — "الحيوان خلاني أمضي على ورقة توديني السجن!"
هتفت ليلى بفزع: — "ورقة إيه دي؟!"
أجابتها الحان بغصة: — "اتفاق سري.. بيقول إنه لو ما خلّفتش بيبي خلال سنة، مطلوب مني أدفع 80 مليون جنيه شرط جزائي!"
وضعت ليلى يدها على فمها بصدمة: — "أنتِ أكيد بتهزري! طب وإزاي مضيتي على ورقة زي دي؟!"
— "اتمضت في زحمة كتب الكتاب.. والمشكلة دلوقتي إني عايزة أطلق وأمشي!" — "وطب وإيه اللي خلّانا نقلنا ورقنا هنا للجامعة من الأساس؟" — "أنا مش عارفة.. أنا متلخبطة ومش متدركة اللي بيحصل!" — "طب أهدي شوية، لازم نفكر بعقل عشان نعرف نحل الكارثة دي."
من الأعلى، صدح صوت رحيم مستهزئًا: — "يا دكتوره.. الغداء فين؟!"
رفعت الحان رأسها بغضب عارم، وكادت أن تتحرك لولا أن ليلى أمسكت يدها بإحكام: — "ما ينفعش كده يا الحان.. اهدي شوية."
أخذت نفسًا عميقًا لتكبح غضبها وقالت بصوت مسموع لرحيم: — "حاضر يا عمده!"
ودخلت الداخل متبوعة بليلى، بينما أطلق رحيم ضحكة عالية مستمتعة وعاد لجلسته يتفحص هاتفه.

في المطبخ، استمرت الحان في الشكوى: — "شفتي بيستغلني إزاي يا ليلى؟" — "لازم نسأل محامي ونشوف حل للشرط الجزائي ده.. ممكن تبيعي الأرض وتدفعي له الفلوس دي وخلصنا؟" الحان "هو أنتِ فاكرة إني ما فكرتش في كده؟ المحامي قال لي ماينفعش، لأن عيلته حاطة إيدها عليها من سنين، وهندخل في محاكم تاخد سنين طويلة!" — "يا لهوي! طب والعمل؟" — "مش عارفه..."
دخلت رقيه مفاجئة إياهما: — "إيه يا بنات، واقفين لوحدكم ليه؟" — "مافيش.. الحان هي اللي صممت تعمل الغداء بنفسها ورفضت أي مساعدة." — "بجد يا الحان؟ بس أنتِ دراعك مكسور، هتعرفي تشتغلي إزاي؟ اقعدي يا حبيبتي وأنا هكمل." — "عادي يا رقيه، البنات ساعدوني."
على مائدة الطعام الكبرى، جلس الجميع. تحدثت رقيه بامتنان: — "عارف يا أبوي، الحان هي اللي طبخت الأكل النهاردة ورفضت حد يساعدها بإيدها المكسورة."
قالت هانم بابتسامة صفراء: — "بجد؟ وبإيد واحدة كمان؟! شكلك شاطرة يا دكتوره."
أجابت ليلى بتباهٍ: — "طبعاً.. الحان بتطبخ أحسن من أي شيف."
كان رحيم يأكل بشراهة متعمدة، بينما الحان تراقبه بعيون تكاد تطلق شرارًا؛ كانت تتمنى لو أن بيديها سكينًا تغرسه في قلبه. رفع رحيم بصره فجأة والتقى بنظراتها الغاضبة، فغمز لها بمكر واستأنف طعامه ببرود.
لم تتحمل الحان الاستفزاز، فضربت بيديها على الطاولة بقوة. سألتها هدير بتهكم: — "بالراحة شوية يا دكتوره.. هما شوية أكل!"
تدخل معتصم بابتسامة صافية: — "العكل جميل جداً بجد.. تسلم إيدك يا دكتوره."
شعرَت الحان براحة واسترخاء لسماع كلمات معتصم الدافئة. لكن رحيم لم يرق له ذلك، فمد ساقه تحت الطاولة وركل ساقها بخفة لتحذيرها.
كانت هانم تراقب المشهد بتمعن من طرف عينها، وتحدثت في نفسها بخبث: — "شكلك قربتي تنتهي يا بنت ناديه.. والنهاية دي هتكون على إيدي قريب جداً."
قال العمدة بتقدير: — "بجد تسلم إيديكِ.. بتعرفي تطبخي زي أمك الله يرحمها بالضبط."
استشاطت هانم غضبًا من سيرة والدة الحان، فوقفت فجأة وتركت المائدة دون أن تنطق بكلمة.
بعد لحظات، دخلت الخدامة لتهمس للعمدة: — "الباشمهندس بدر بره يا عمده." — "خليه يدخل فوراً."
دلف بدر بخطوات واثقة: — "السلام عليكم." رد الجميع التحية. رحّب به معتصم قائلًا: — "إيه يا باشمهندس؟ حماتك بتحبك والله! اقعد اتغدى معانا." اعتذر بدر بلطف: — "لأ متشكر، سبقكم الأكل."
قاطعه رحيم بجدية: — "تعال يا بدر.. عايزك في موضوع مهم." أومأ بدر بالموافقة، ووقع بصره صدفة على رقيه فبادلته ابتسامة رقيقة خجولة.
همست ليلى للحان بدهشة: — "هو ده مين كمان؟" أجابتها الحان بصوت خافت: — "ده جوز رقيه."
في بيت آخر، كان الجو مشحونًا بالتوتر. جلس صفوان وسط أهله، بينما علت وجوه الجميع علامات الصدمة والذهول.
​هتف والده توفيق المحمدي بعينين متسعتين:
— "يعني إيه يا صفوان؟! هتتجوز بنت حماد؟!"
​رد صفوان ببرود واستفزاز:
— "وأيه المشكلة يا أبوي؟ بنت عمي.. وأنا أولى بيها."
​تدخلت والدته إخلاص باعتراض وانفعال:
— "يا ابني أنا كنت بجيب لك بنات كتير أحسن من هدير مية مرة، وأنت كنت بترفض! معنى كده إيه؟ اشمعنا بنت عمك دي بالذات؟"
​هبّ صفوان واقفاً بقوة، وقد بدت الصرامة على وجهه:
— "هو كده!"
ولم ينتظر رداً، بل استدار وسارع بمغادرة البيت متجاهلاً اعتراضاتهم.
​راقبته إخلاص وهي تفرك كفيها بقلق بالغ:
— "أنا خايفة قوي يا توفيق.. صفوان طبعه صعب جداً، وبنت أخوك دي مدلعة ومش هتقدر عليه."
​أخذ توفيق نفساً عميقاً وحاول تهدئتها:
— "أكيد صفوان له هدف من الجوازة دي.. سيبيها على الله، مش دي أول مرة يعمل فيها كده."
​هزت إخلاص رأسها بقلة حيلة:
— "مش خايفة من صفوان وبس.. إحنا مش عايزين نعمل مشاكل مع أخوك حماد لو صفوان طلقها زي اللي قبلها!"
​أقرّ توفيق بصحة كلامها:
— "معاكي حق في دي.. بس المشكلة الحقيقية مش في حماد، المشكلة في العمدة نفسه."
​قالت إخلاص بيأس وهي تشعر بغصة في صدرها:
— "عشان كده أنا مرعوبة.. ربنا يسترها الفترة اللي جاية دي."
تعليقات



<>