رواية الفرار من العشق الفصل الخامس عشر15بقلم اميرة خالد

        

رواية الفرار من العشق الفصل الخامس عشر15بقلم اميرة خالد

 

بعد وقت قصير، كان الجميع يجتمعون في الجلسة عندما دخلت رقية حاملة صينية الشاي. وجه رحيم حديثه لبدر بفضول قائلًا: ـ "أنت يا بدر، فاضل لك كتير في الشقة؟"
رد بدر بنبرة غامضة: ـ "لا، فاضل العفش بس."
عقب رحيم بصرامة وحسم: ـ "تمام قوي، قدامكم لأخر الأسبوع تكونوا جهزتوه، والفرح هيكون آخر الأسبوع ده."
تدخل معتصم بذهول وعدم تصديق: ـ "هو أنت مش شايف إنك تسرعت قوي؟"
نظر إليه رحيم بهدوء وثقة: ـ "قصدك إيه؟"
ـ "قصدي على جواز هدير من صفوان، وكمان جواز بدر من رقية."
ـ "ولا تسرعت ولا حاجة، أنت عارف العادات كويس ولا نسيتها يا دكتور؟ ما عندناش فترة خطوبة طويلة."
أيد العمده كلامه برصانة: ـ "عين العقل يا ابني، هو ده الصح."
كان معتصم على وشك الرد، لكن رنين هاتف رحيم قاطعه. نهض رحيم مستأذنًا: ـ "ثواني هارد على التليفون ده وأجيلكم."
خرج إلى الحديقة ورد بلهفة: ـ "أيوه، في إيه؟"
تحدث المحامي بنبرة مرتبكة ومترددة: ـ "أنا يا رحيم بيه، الدكتورة اتصلت عليا وطلبت مني ألاقي لها حل بخصوص الاتفاقية اللي بينك وبينها."
ـ "والموضوع ده ليه حل؟" سأل رحيم ببرود.
رد المحامي بخوف: ـ "لا طبعاً يا رحيم بيه، مافيش."
ـ "بس أنت مش هتقول لها كده."
ـ "مالامشتاش.. أقول لها إيه؟"
أملى عليه رحيم كل ما يريد أن يقوله بالحرف، ثم أغلق الهاتف واتجه بفكره نحو مكان آخر.
في الجهة الأخرى، كانت ألحان جلست بجوار ليلى التي كانت تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا بقلق. قالت ليلى بانزعاج خفيف: ـ "يا بنتي اقعدي شوية، راحة جاية راحة جاية، دوختيني معاكي!"
ردت ألحان بصوت يملؤه الخوف: ـ "أنا خايفة المحامي ما يلاقیش طريّة أخرج بيها من الاتفاق ده، ساعتها هعمل إيه؟"
أمسكت ليلى بيدها وأجلستها بجانبها بحنو: ـ "ممكن أفهم فين المشكلة؟ ده جوزك يا ألحان!"
ـ "جوزي بس! عايز طفل مني وأسيبه وأمشي؟"
ـ "بس أنتِ قلتِ لي غير كده يا ألحان."
ـ "عارفة، بس أنا مستحيل أعيش في بيت فيه الظلم ده كله، وأمه..."
قاطعتها ليلى بجدية: ـ "شكل الراجل محترم، وما لكيش دعوة بأهله.. خليكي في النظرة اللي في عينيه اللي بتقول إنك تفرقيه وتهميه."
ـ "عارفة لو كان مش ابن الناس دولت كان ممكن أوافق."
ـ "طيب، المبدأ موجود.. وافقي وقولي له إنك عايزة تعيشي بعيد عن هنا."
ـ "مستحيل، قلت لك!"
هتفت ليلى وهي تضيّق عينيها بشك: ـ "ولا شكلك وقعتِ وبتحبيه؟"
توترت ألحان بشدة، وفي تلك اللحظة رن هاتفها، فالتقطته بسرعة ولهفة: ـ "ها.. لقيت حل؟"
جاء صوت المحامي محبطًا: ـ "للأسف يا دكتورة، مافيش أي حل غير أنك تنفذي العقد.. يا إما الحبس."
هتفت ألحان بانهيار: ـ "متأكد إن مافيش أي حل خالص؟"
ـ "لو كان في، كنت قلته لك.. المهم، عايزاني أستمر في إجراءات الأرض برضه؟"
ـ "طيب..." قالتها بضعف وأغلقته.
نظرت إليها ليلى بقلق: ـ "باين على وشك الإجابة.. هتعملي إيه؟"
وقفت ألحان بتعب: ـ "أنا مش قادرة أفكر.. تصبحي على خير."
وقبل أن تتحرك، مسكت ليلى بيدها: ـ "انتِ رايحة فين؟ مش هتباتي معايا النهارده؟"
ـ "خليها يوم تاني، أنا بجد مش قادرة.. يلا تصبحي على خير."
خرجت بخطوات متعبة نحو جناحها.
داخل الغرفة، كانت تحاول لمّ شعرها الذي انسدل أثناء تغيير ملابسها. نظرت إلى الساعة لتجد أن الوقت قد تأخر كثيرًا، فتنهدت بصعوبة واتجهت نحو السرير لتنام.
فجأة، انفتح الباب وداخل رحيم بملامح واثقة: ـ "مساء الخير."
تجاهلته ألحان تمامًا وكانت مستمرة في طريقها للسرير، لكنه فاجأها حين أمسك بيدها بقوة وجذبها نحوه بعنفوان: ـ "عندنا هنا، المراة ما ينفعش تنام غير لما جوزها يخلّص كلامه الأول."
حاولت الإفلات منه بضيق: ـ "بقول لك إيه، أنا مش قادرة أتكلم، ممكن تبعد شوية؟"
ضد رغبتها، شدد حصاره عليها وأنزلت يده ببطء حتى استقرت على وسطها، فشعرت بتوتر شديد سرعان ما زاد حين لامس شعرها برقة متسللطة: ـ "هو في عروسة يبقى خلقها ضيق قبل فرحها كده؟ ده أنا حتى عامل لك مفاجأة.. هنروح بكره ننقي أوضة النوم الجديدة."
نظرت إليه بذهول واعتراض: ـ "إيه اللي بتقوله ده؟ ومين قال إن موافقة على الكلام ده أصلًا؟"
ابتسم ببرود وهو يهمس: ـ "أنا قلت.. يبقى أكيد هتعملي اللي قلته وأنتِ ساكتة."
حاولت الإفلات من حضنه بيأس: ـ "بقول لك إيه، انسى الكلام ده خالص لأني زهقت من أم الحوار ده.. بقول لك طلقني، مش عايزة أعيش معاك ولا عايزة اعرف حاجة عن يوسف أصلاً!"
قربها أكثر حتى كادت أن تلتصق به، وهمس بصوت دافئ ومخيف في نفس الوقت: ـ "مستحيل تبعدي عني.. أنتِ خلاص بقيتي حرم رحيم المحمدي."
شعر بتوترها الشديد، فاستغل الفرصة وانحنى ليطبع قبلة قوية على شفتيها بينما حاولت مقاومته بضربات خفيفة على كتفه. وبعد دقائق، تلاشت مقاومتها واستسلمت تمامًا لتلك اللحظة، ليرتسم على شفتيه ابتسامة نصر هادئة.
وفي الجانب الآخر، كانت هدير جالسة في غرفتها تشتعل غضبًا وخوفًا، وهي غير مصدقة فكرة أنها ستتزوج قريباً من صفوان.. ذلك الرجل الذي طالما بث الرعب في قلبها منذ صغرها.. كانت تحاول حبس دموعها، حين قطع حبل أفكارها خبطات خفيفة ومرتبة على باب غرفتها.
مسحت وجهها بسرعة وهي تحاول استعادة ثباتها: "ادخل".
دخل معتصم، وبمجرد أن رأت وجهه، توقعت أن يبدأ بتوبيخها أو إقناعها بقرار رحيم، لكنها تفاجأت بملامحه؛ كانت هادئة تمامًا وتكاد تكون مفعمة بالحنان. أغلق الباب خلفه بهدوء وخطا نحوها ببطء، ثم جلس على طرف الكرسي المقابل لها.
هدير عقدت حاجبيها باستغراب شديد، فهي لم تعتد على هذا الأسلوب منه، وقالت بصوت خافت: "معتصم؟ محتاج حاجة؟"
لم يرد فورًا، بل نظر إليها بنظرة فاحصة مليئة بالشفقة، ثم مد يده وربت على كتفها بحنوٍ أخوي نادر: "عارف إنك خايفة.. وعارف إن اللي بيحصل ده فوق طاقتك."
اتسعت عينا هدير من الصدمة، لدرجة أنها لم تستطع إخفاء ارتباكها: "أنا... أنا مش فاهمة، أنت جاي توافق على اللي بيحصل؟ ولا جاي تقنعني؟"
ابتسم معتصم ابتسامة باهتة ومريحة، ثم تابع بنبرة هادئة: "جاي أقولك إني حاسس بيكي، وعارف إنك أول مرة تشوفي الجانب ده فيا. دايماً كنت بتعامل معاكي بمنطق الطبيب أو الأخ الناصح، بس النهاردة حبيت أكون لك الأخ اللي تسمعيله ويسمعله."
نظرت إليه هدير بتركيز، كأنها تحاول استيعاب التغيير المفاجئ في نبرته. استطرد معتصم: "هدير، رحيم مبيعرفش يغير قراراته، والعادات هنا سيف بحدين.. بس اللي عايز أقولهولك، إن مهما كان اللي هيحصل، أنا موجود. مش هسيبك لوحدك في المواجهة دي، حتى لو اضطريت أقف قدام الكل عشان أضمن إنك تكوني بخير."
دمعت عينا هدير من هذا الكلام غير المتوقع، وشعرت لأول مرة أن هناك شخصًا في هذا البيت يمكن أن يكون سندًا لها ضد هذا الزواج المرعب.
قالت بصوت متقطع: "أول مرة أشوفك كده يا معتصم.. أول مرة تحس بيا بجد."
مسح بيده على شعرها بلطف: "أنا دايماً حاسس بيكي يا هدير، بس أحياناً الدنيا بتفرض علينا نلبس أقنعة قوية عشان نعيش.. بس دلوقتي، مفيش أقنعة. نامي وارتاحي، وبكرة لينا كلام تاني."
نهض معتصم وخرج من الغرفة بهدوء، تاركًا هدير في حالة من الذهول والراحة النفسية التي لم تكن تتوقعها، بينما ظلت تفكر في كلماته وما إذا كان هذا التغيير في معتصم هو طوق النجاة الوحيد لها.
وفي الجناح، كان رحيم نايم جنبها على السرير وعاري الصدر، بينما كانت ألحان عاطية له ضهرها وبتلف جسمها كويس بغطاء السرير وهي بتعيط بصوت مكتوم وخنقة عشان ما تحسسوش بصوتها.
بس بحكم قربه وصحصحته، شعر بحركة السرير واهتزازه البسيط مع شهقاتها المكتومة. فتح عيونه بقلق، وعدّل قعدته بسرعة، وبص عليها لقاها بتعيط.
قال بصوت مليان قلق واستغراب: ـ "ألحان.. مالك؟ بتعيطي ليه؟ فيكي إيه وجعاكي؟"
حاول يمد إيده عشان يلفها ليه، لكنها زقّت إيده بعنف وقالت بصوت متحشرج ومليان غضب وضعف: ـ "ابعد عني.. ما تلمسنيش!"
تعصب رحيم من طريقتها ورفضها المستمر، فمسكها بالعافية وثبت حركتها بين إيديه رغم مقاومتها، ونام فوقيها على السرير تماماً عشان يمنعها من الهروب منه. بص في عيونها مباشرة وقال بحدة وتوعد: ـ "إياكي في يوم تقوليلي 'ابعد عني' دي تاني.. فاهمة ولا لا؟!"
دموعها نزلت بغزارة أكتر، وقالت بوجع وقهر وهي بتكح من كتر البكاء: ـ "مش أنت عملت اللي أنت عايزه؟! خلاص سيبني بقى في حالي!"
ابتسم ببرود وتحدٍ، وهو بيبص لها بنظرة تملُّک قال: ـ "أيوه عملت.. ولسه، لسه لما تجيلي الواد اللي نفسي فيه وتربطينا ببعض بجد."
كلمته دي نزلت عليها زي الصاعقة، فعيطت بجنون أكبر، وقالت بصوت مكسور وهي بتضغط على كل كلمة: ـ "حتى لو أنا حامل.. مستحيل هسيب لك ابني، وههرب بيه منك لآخر الدنيا!"رحيم بحدة ونظرة كلها وعيد: "ابقي اعمليها.. عشان ساعتها هقتلك بإيدي."
خافت ألحان من نبرته المرعبة وقسوة عيونه، وسكتت وهي بتبتلع غصتها. مد إيده وشدها بحركة سريعة اتعدل بيها وسحبها لحضنه بقوة، وقال بصوت حاد قاطع: "نامي."
دفن راسه في رقبتها وهو حاضنها بتملُّك وغمض عينيه. أما هي، فبينما كانت نايمة في حضنه، كانت جواها نيران والشرر بيطير من عينيها؛ كان نفسها تقوم حالا تجيب السكينة وتغرسها في قلبه عشان تخلص من كابوسه، لكن جسمها اللي كان مهلوك من التعب والتفكير خانها، فغمضت عينيها بغصب عنها وراحت في نوم عميق مليان بالقهروالدموع.
وفي الجانب التاني، كانت ليلى قاعدة في جناحها مش جايلها نوم، الفضول والقلق على ألحان كانوا ماكلين قلبها. تقلبت كتير في السرير لحد ما زهقت، وقررت تنزل تتمشى شوية في جنينة القصر يمكن هواء الليل يهدي دماغها شوية.
نزلت بهدوء وفتحت الباب وخرجت للحديقة الواسعة، وأثناء ما كانت ماشية بخطوات بطيئة، لمعت عينيها بشخص قاعد لوحده على الكرسي الحجري في الضلمة النسبية.. اقتربت بخطوات هادية واكتشفت إنه معتصم.
تعليقات



<>