رواية اولاد الباشا الفصل الخامس عشر15بقلم شيماء منير
وَأَنتَ الَّذي في قَلبِهِ وَمَكانِهِ ... وَأَنتَ الَّذي قَلبي بِحُبِّكَ مُبتَلى
امسك فارس بكتفي عمه صلاح محاولاً كبح جماحه قبل أن يتطور الأمر أكثر، وهتف بنبرة هادئة لكنها حازمة:
لو سمحت بس فهمني يا باشا، في إيه لده كله؟
جذب صلاح ذراعه بعنف من يد فارس، وخطا خطوات واسعة وثقيلة نحو الفراش حيث يرقد مالك في سبات عميق، غير عابئ بالكون من حوله.
صاح صلاح بغضب مكتوم وعروق وجهه تبرز:
كمان البيه معندوش دم! نايم ولا كأنه عمل مصيبة وضيع هيبتنا!
امتدت يد صلاح تهزه بعنف وقسوة، حتى فتح مالك عينيه بثقل، وهو يحاول استيعاب الضوء والضجيج من حوله. اعتدل في جلسته وسأل بنبرة يكسوها الخمول:
في إيه؟ مالكم داخلين عليا كدة ليه؟
قبض صلاح على مقدمة تيشيرت مالك بقوة كادت تمزقه، وجذبه إليه قائلاً بغضب عارم:
كمان بتسأل؟ إيه اللي وداك امبارح تحت بيت خالد يا أستاذ؟ تروح هناك وتنادي على بنته في نص الليل وأنت سكران ومش في وعيك، وتلم علينا خلق الله وتتفوه بكلام فارغ وتقول انك بتحبها
غمض فارس عينيه ومسح على وجهه بتعب حقيقي، وهو يشعر بالخزي والضيق من طيش شقيقه الذي لا ينتهي. اقترب بسرعة من والده وصار يفصل بينهما برفق وهو يبعد يد صلاح عن تيشيرت مالك:
اهدأ بس يا بابا.. استهدى بالله والموضوع هيتحل.
نفض مالك يد والده عنه، وقال بنبرة متحدية وعنيدة رغم تعبه:
أنا بحبها.. وهتجوزها غصب عن أي حد واقف في طريقنا!
التفت إليه صلاح وعيناه تتطايران شرراً:
بطل جنان بقى! مين اللي ضحك عليك وقالك إنك بعد الفضيحة اللي عملتها دي ممكن تطول البنت دي أو تدخل بيتهم تاني؟
في تلك اللحظة، دلفت نجوى إلى الغرفة بعد أن تتبعت أصواتهم المرتفعة، وقالت بنبرة مدافعة عن ولدها:
وإيه يعني يا صلاح؟ الولد بيحبها وهي بتحبه، الحب مش حرام!
التفت صلاح نحوها بغضب أعمى وخطا خطوتين باتجاهها وصاح بحسم:
تعرفي تخرسي خالص وتطلعي برة الموضوع ده؟
تدخل فارس على الفور ووقف كحائل بين أبيه وأمه، وقال برجاء:
اهدأ يا باشا لو سمحت.. هي برضه مش قصدها حاجة، دي بتقول رأيها بس.
صاح صلاح وهو يلوح بيده بعصبية:
تحتفظ برأيها لنفسها! خالد لسه مكلمني حالا وعايز ينهي الحوار ده ويقفل الصفحة دي خالص، وأنا فاهمه كويس وعارف دماغه.. بعد البيه ابنك ما راح كلم البت من وراهم ومادخلش الباب من بابه وعمل الفضيحة دي، مستحيل يقبلوا بيه! هما ناس ليهم كرامتهم.
نزل مالك من على السرير ووقف يتحدى نظرات والده وقال ببرود:
هما مش فارقين معايا في حاجة.. المهم يمنى.
ابتسم صلاح بسخرية لاذعة ومريرة:
ليه؟ هو أنت مفكر إن البنت هتقف قصاد أبوها وأخوها عشان سواد عيونك؟ تبقى بتحلم! دي تربية خالد وأنا عارفهم وعاشرتهم كويس.. البنت مش هتكسر كلام أهلها عشانك. لو كنت راجل بجد وجيت كلمتني من الأول، كنت روحت طلبتها لك وحفظت كرامتك، لكن أنت تصرفاتك تصرفات عيل مش مسؤول!
اندفع مالك قائلاً بعناد أعمى:
أنا مش هتنازل عنها يعني مش هتنازل عنها، وأنا بقولكم أهو..
في تلك اللحظة، بلغت العصبية بذروتها عند صلاح. وبحركة مفاجئة لم يتوقعها أحد، أخرج مسدسه من جيبه وسدده مباشرة نحو رأس مالك، وهتف بصوت هادر أرعب أركان الغرفة:
قسماً بالله.. يوم ما تعمل تصرف تاني يقل من هيبتنا ويهين كرامتنا، لأكون مموتك ودافنك بإيدي دي! سامع ولا لأ؟
صرخت نجوى برعب حقيقي وقذفت بنفسها نحو مالك تحتضنه وتحميه بجسدها وهي تبكي بهستيريا:
ابني! حرام عليك يا صلاح سيب ابني!
أمسك فارس بذراع والده الممسكة بالسلاح وحاول خفضها برفق وجدية:
يا باشا اهدأ بس استغفر الله العظيم! مينفعش كدة خالص.. نزل المسدس ده أرجوك، إحنا في بيت مش في حرب.
نظر صلاح إلى مالك بنظرة أخيرة تقطر غضباً ووعيداً، ثم أنزل سلاحه ودسه في جيبه بعنف، والتفت وغادر الغرفة والفيلا كلها بخطوات تكاد تكسر الأرض من شدة الغيظ.
ارتمت نجوى على صدر مالك وهي تبكي بضعف:
حبيبي أنت كويس؟ عمل فيك حاجة؟
تنهد فارس بضيق وحاول طمأنتها:
اهدئي يا ماما.. بابا مستحيل يعمل كدة، هو بس كان متعصب من الموقف.
ثم التفت إلى مالك بنظرة لوم عاتبة وسأله بحدة:
وأنت كمان.. اتجننت في عقلك؟ إيه اللي وداك هناك بالمنظر ده؟ كنت عايز تثبت إيه؟
رد مالك بقلة حيلة وضيق وهو يجلس على حافة الفراش:
أخوها حابسها ومش بيخليها تخرج.. ومكنتش عارف أشوفها ولا أكلمها بأي طريقة.
فارس بنبرة حكيمة وصارمة:
بس ده مبرر يخليك تعمل كدة؟ متستقلش باللي عملته يا مالك.. كل بيت وله طباعه وتفكيره وكرامته، وزمانهم دلوقتي بسبب جنانك ده مكدرين البنت الغلبانة وحابسينها أكتر. فكر في غيرك قبل ما تفكر في نفسك!
بعد يومين..
كان فارس يجلس في مكتبه بالشركة، يتابع سير العمل بجدية، ويقف بجانبه أحد موظفي الشركه والمسؤولين عن التنفيذ.
أشار فارس بإصبعه إلى الأوراق الموضوعة أمامه وسأل بتعجب:
والشغل دا مش كامل ليه؟؟
أجاب الموظف بحذر وتوتر:
في الحقيقة يا فندم.. الأستاذ آسر هو المسؤول المباشر عن استلام الشغل ده ومتابعته، وبقاله ٣ أيام مبيجيش الشركة خالص، ومبلغناش بأي عذر لغيابه، فإحنا مش عارفين نتحرك من غيره ولا عارفين هييجي إمتى.
صمت فارس لثوانٍ، وعلم فوراً في قرارة نفسه أن غياب آسر مرتبط بالتأكيد بالأزمة الأخيرة ويمنى.
أومأ فارس برأسه وتحدث بنبرة عملية:
تمام.. خلي أي حد تاني يمسك مكانه فوراً ويخلص الشغل الواقف ده عشان منخسرش وقت، وأنا هشوف موضوع آسر ده بنفسي وأتصرف معاه.
الموظف بارتياح:
تمام يا فندم، تحت أمرك.
------------
في أواخر النهار، بعد ما فارس خلّص شغله والضغط اللي فيه، قرر يروح مشوار كان شاغل باله من الصبح.
طلع عمارة ، ووقف قدام شقة خالد في الدور الثالث. أخد نفس عميق، ورن الجرس. ثواني والباب اتفتح.. وكان آسر هو اللي واقف. أول ما شاف فارس، اتفاجأ وظهرت الحيرة على وشه، لكنه فضل واقف مكانه ومانطقش بكلمة.
فارس بكل هدوء رمى السيجارة اللي كانت في إيده على الأرض وداس عليها بجزمته، وقال بنبرة هادية ومبتسمة:
— "مساء الخير."
آسر حاول يتدارك الموقف بسرعة وقال:
— "مساء النور.. أهلاً يا أستاذ فارس."
مد فارس إيده يسلم عليه برقي، وآسر بادله السلام بوقار ظاهر.
فارس بنبرة فيها عتاب خفيف ومحبب:
— "بس أنا زعلان منك على فكرة يا آسر."
في الوقت ده، كانت "منال" جاية من الصالة على صوت الباب، وسألت:
— "مين يا آسر اللي على الباب؟"
آسر التفت ورا وقال:
— "ده الأستاذ فارس يا ماما."
منال وشها نور بالترحاب وقربت بسرعة:
— "إزيك يا فارس يا حبيبي؟ عامل إيه؟"
فارس بابتسامة مهذبة وقبل يدها تقديراً:
— "أهلاً يا طنط، إزاي حضرتك؟"
منال:
— "بخير والحمد لله يا ابني."
وبصت لآسر ببعض اللوم:
— "إيه يا آسر؟ هتسيب فارس واقف على الباب كدة؟ اتفضل يا حبيبي ادخل."
آسر وسّع السكة بترحيب مهذب:
— "لا طبعاً.. اتفضل يا فندم، البيت بيتك."
فارس وهو بيمشي لجوة:
— "أنكل خالد موجود؟"
منال:
— "أيوة يا حبيبي في البلكونة، تعالى اتفضل."
دخل فارس وآسر الصالون، ودقايق ودخل عليهم خالد اللي أول ما شاف فارس رحب بيه بحرارة وسلم عليه بحب
. منال اعتذرت ودخلت المطبخ تعملهم القهوة.
جلس فارس، وبدأ الكلام بجدية وصدق وشهامة:
— "طبعاً في البداية يا أنكل، أنا حابب أعتذر بالنيابة عن عيلتي كلها عن أي تصرف سخيف أو غلط عمله أخويا مالك."
خالد ربت على ركبته وقال بنبل:
— "أنت مالكش ذنب يا فارس عشان تعتذر يا ابني.. أنت طول عمرك عاقل. وعموماً اللي حصل حصل، والمهم إن الأخطاء دي متتكررش تاني."
فارس هز راسه بالموافقة، وتوجه بنظراته لآسر:
— "إن شاء الله يا أنكل.. بس أنا بقى زعلان من آسر جداً لأنه مابيجيش الشركة بقاله تلات أيام."
آسر هبطت نظراته للأرض بحرج وقال:
— "أنا أسف جداً يا أستاذ فارس إني مجتش ومن غير ما أبلغ حضرتك كمان."
فارس ضيق عينيه بذكاء:
— "يعني أنت كمان واخد قرار ومقرر متجيش خالص؟"
آسر اتنهد بضيق وقهر مكتوم:
— "معلش يا أستاذ فارس.. أنا مش هقدر آجي تاني الشغل هناك، اعفيني من ده أرجوك."
فارس بنبرة حاسمة ومطمئنة:
— "لو الموضوع بخصوص مالك، ف أنا بأوعدك وعهد رجالة إن مالك مش هيفكر مجرد تفكير إنه يكلمك أو يتعرض لكم، وده على مسؤوليتي الشخصية وضمانتي أنا."
آسر:
— "لا يا فندم مش كدة خالص.. بس صدقني، نفسياً أنا مش قادر أكمل شغل في المكان."
فارس التفت لخالد بذكاء:
— "إيه رأيك يا أنكل في الكلام ده؟ يرضيك؟"
خالد بقلة حيلة ونبرة هادية:
— "والله يا فارس أنا مش عارف أقولك إيه.. بس أنت شايف وعارف إن الموقف حساس وصعب على الكل."
فارس بصدق:
— "عشان كدة أنا جيت بنفسي لحد هنا يا أنكل. أنا محتاج آسر في الشغل بجد، في شغل متعطل واقفة ومعطلة بسببه، وأنا محتاجه والشركة كلها محتاجاه لأنه محاسب متميز وشاطر."
بص آسر لخالد بحرج وحيرة شديدة، فالكلام لمس كرامته المهنية وقدره عند فارس.
تابع فارس بذكاء مستغلاً الموقف:
— "على فكرة يا آسر.. بابا ميعرفش بقرار استقالتك أو قعدتك في البيت دي، ولو عرف هيزعل جداً وهيضايق."
آسر بقلة حيلة:
— "أنا بجد مش عارف أقول لحضرتك إيه يا أستاذ فارس.. كلامك فوق راسي."
فارس ابتسم وطبطب على كتفه:
— "تقول إنك هتيجي الشركة بكرة الصبح وتكمل شغلك وتوقف معانا.. وأنت عارف كويس أوي إن فارس يعرف يحافظ على كرامتك ومكانتك وسط الكل كأنك في بيتك."
في اللحظة دي دخلت منال وهي شايلة صينية القهوة وريحتها قالية المكان:
— "اتفضلوا.. القهوة وصلت."
فارس بامتنان:
— "تعبتي نفسك ليه بس يا طنط؟"
منال بابتسامة دافية:
— "يا نهار أبيض تعب إيه! ده أنت أول مرة تنورنا في بيتنا .. وبعدين دي قهوة يعني مش قصة."
قدمتله الفنجان، فأخده فارس وبدأ يشرب منه وقال بصوت دافي:
— "تسلم إيدك يا طنط.. قهوة مظبوطة وجميلة."
منال بابتسامة:
— "بالهنا والشفا على قلبك يا حبيبي."
خلّص فارس قهوته، واستأذن منهم بكل أدب ونزل، ورجع على الفيلا.
أول ما فارس دخل الفيلا، استغرب الهدوء الغريب والقاتل اللي مسيطر على المكان. طلع السلم للدور التاني، ولسه بيقرب يفتح باب أوضته، سمع صوت زعيق وخناق عالي جاي من غرفة نوم أبوه وأمه.
صلاح كان بيتكلم بغضب وصوت جهوري:
— "أنتِ عايزاني أعمل إيه يعني؟! أطبطب عليه؟!"
نجوى ردت ببكاء وقهر أمهات:
— "أنت تقف جنبه وتحميه! حاول تكلم خالد يا صلاح وتخليه يوافق.. الولد بيحب البنت بجد، وأنا أول مرة في حياتي أشوف ابني مكسور ومطفي بالشكل ده!"
صلاح بسخرية وغضب أعمى:
— "حبه برص! أنتِ بتفكري إزاي وتفهمي منين ها؟! بقولك خالد قفل الحوار ورفض ونهى الموضوع كرمال كرامته، وأنا مستحيل أسمح لابنك إنه يقلل من نفسه أو يقلل مني ومن اسمي قدام أي حد مهما كان هو مين!"
نجوى بدموع ونحيب:
— "يعني يهون عليك ابنك يا صلاح؟ يهون عليك يجراله حاجة؟"
صلاح بنبرة جافة ومنتهى الضيق:
— "تصدقي بالله؟ أنا زهقت منك ومن عيالك ومشاكلكم اللي مابتخلصش!"
وقام وقف بعصبية، وسحب البليزر بتاعه في إيده وكمل بزعيق:
— "أنا خارج وسيبهالك مخضرة ومترنيش عليا سامعة؟ مش بايت في البيت النهاردة!"
فتح صلاح الباب بقوة وخرج وصوت خطواته بيهز السلم وهو نازل لتحت.
في الوقت ده، خرج فارس من غرفته بعد ما كان دخلها هرباً من الموقف، واتجه لغرفة والدته. دخل لقى نجوى قاعدة على طرف السرير، دافنة وشها بين إيديها وبتبكي بحرقة.
قعد فارس على قرفصاء قدامها، ومسك إيديها الاتنين بحنان وقال بصوت دافي وهادي:
— "إيه يا ماما بس؟ مفيش أي حاجة في الدنيا تستاهل الخناق والزعاق ده كله."
نجوى ببكاء مرير وهي بتبص لعيونه:
— "لحد إمتى يا فارس؟ لحد إمتى هيفضل قلبه قاسي كدة على كل اللي بيحبوه؟ ده حتى بيقسى على نفسه وعلينا!"
فارس بهدوء وحكمة:
— "هو مش قاسي يا أمي.. هو بس بيفكر بعقله أكتر، ويهمه اسم العيلة وهيبتنا وسط الناس. وبعدين موضوع يمنى ومالك ده مش وقته الكلام فيه خالص، الدنيا لسه ولعه والنفوس مشحونة."
نجوى بضعف:
— "بس أخوك صعبان عليا أوي يا فارس.. متبهدل."
فارس بحسم طفيف:
— "أخويا غلطان يا ماما، وتصرفه كان متسرع وطايش وميرضيش حد."
نجوى دافعت بتلقائية:
— "غلط عشان بيحبها.. الحب بيعمي."
فارس:
— "يا ماما بابا عنده حق في كل كلمة قالها.. على فكرة أنا كنت هناك عندهم في البيت النهاردة، عارفة ليه؟"
نجوى انتبهت ومسحت دموعها:
— "ليه يا حبيبي؟"
فارس:
— "عشان آسر كان مقرر يسيب شغل الشركة خالص وميجيش تاني بسبب اللي مالك عمله. وبصراحة آسر ولد شاطر جداً ومتميز وخسارة كبيرة للشركة، وكمان بابا لو كان عرف بسببه كان هيهد الدنيا فوق دماغ مالك ومش هيرحمه.. ف أنا حاولت ألم الدور بنفسي، وأصلح الأمور وأرجع الشغل لطبيعته من غير شوشرة."
نجوى بقلة حيلة:
— "يعني أخوك هيفضل كدة؟ ملوش أمل؟"
فارس:
— "يمكن الأمور تهدأ وتتحل بعد شوية والنفوس تطيب.. بس عشان خاطري، بلاش تفتحي السيرة دي مع بابا نهائي الفترة دي، ماشي يا ست الكل؟"
نجوى تنهدت من بين دموعها وقالت:
— "ماشي يا حبيبي.. حاضر."
مد فارس إيده ومسح دموعها بلطف وقال بابتسامه دافية خطفت قلبها:
— "مش عايز أشوف الدموع دي في عيونك تاني أبداً يا قلبي.. أنا عاوز أشوف الضحكة المنورة دي علطول."
ابتسمت نجوى بخفة وراحة وقالت:
— "ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبداً يا فارس يا رب."
فارس بضحكة خفيفة:
— "والله الأوضة كلها نورت بالضحكة القمر دي! وصالحي الباشا بقى لما يرجع."
نجوى بقلة حيلة:
— "سيبه.. هو هيروق لوحده ويرجع، وبعدين أنت سمعته بنفسك وهو بيقولي مترنيش عليا.. لو رنيت دلوقتي هيكمل خناق وهتزيد."
فارس وهو بيقوم وبيمسح على شعرها:
— "براحتك يا أمي.. المهم عندي إن الزعل ده مايطولش بينكم."
ــــــــــــــــــــ
بعد مرور أسبوع كامل..
رجع فارس من شغله وهو هلكان وتعبان من ضغط اليوم، طلع السلم بخطوات رتيبة وهو بيفك كرافتته.
لكنه اتفاجأ بالباب المفتوح لغرفة أخوه مالك.. وقف وبص جوة لقى مالك واقف بيرتب هدومه في الشنط.
فارس بابتسامة خفيفة ونبرة فيها لوم دافي:
— "ياااه.. أخيراً شوفتك! ده أنت بقالك أسبوع مابتظهرش."
مالك بصتله بنظرة هادية وتكلم بنبرة خالية من أي انفعال:
— "اتعود على كدة بقى.. عشان بعد كدة مش هتشوفني كتير."
فارس بمرح وهو بيسند ضهره على الباب:
— "ليه يا عم؟ هتهاجر ولا إيه؟"
مالك وهو بيطبق قميص وبيرصه في الشنطة:
— "مش بالظبط.. بس أنا مسافر الإمارات لعمو محمود."
اختفت ابتسامة فارس وحل مكانها الذهول والاهتمام، دخل خطوتين جوة الأوضة وسأله:
— "أنت بتتكلم جد يا مالك؟"
مالك من غير ما يبص له:
— "أيوة جد.. وجد جداً كمان."
فارس وهو بيقرب منه وبيضيق عينيه:
— "أنت بتهرب بقى!"
وقف مالك وحط القميص من إيده، وبص لأخوه بملامح جادة وجريئة:
— "أنت عارف كويس إني مش بتاع هروب، وعارف إني أقدر أعمل حاجات كتير أوي.. بس أبوك هو اللي كتفني ومنعني، ومبقاش قدامي حل تاني."
فارس بتعقل وهو بيحاول يهديه:
— "يا مالك، في أمور في الدنيا بتحتاج العقل والحكمة، مش الاندفاع."
مالك ابتسم بسخرية ووجع:
— "لو كل حاجة في الدنيا بتمشي بالعقل والمنطق يا فارس.. كنت أنت أول واحد بعدت عن بنان بعد خناقات العيلة دي كلها."
سكت فارس لحظة وكأن الكلمة لمست جرحه، وبعدين قال بنبرة هادية وبشبه ابتسامة:
— "يعني أنت كدة عايز تغلبني بالكلام وتوقعني؟"
مالك رجع يكمل ترتيب الشنطة وقال بتنهيدة تعب:
— "لا يا فارس.. أنا مش فايق للكلام ولا للخناق أصلاً. وبعدين أنا فكرت ولقيت إن أكتر واحدة متضررة في الليلة دي كلها هي يمنى.. حابسينها في البيت، ورافضين يخلوها تخرج تروح محاضراتها ولا تروح في أي مكان بسببي أنا وجناني. فيمكن لما يعرفوا إني سفرت وبعدت عن البلد كلها، النفوس تهدأ ويحسوا بالأمان ويسبوها تخرج تعيش حياتها."
فارس بصله بتقدير خفي لنضجه المفاجئ، وقال بنبرة قلقة:
— "ده أنت واخد قرارك بجد ومخطط لكل حاجة بقى.. بس أنت عارف ماما لو عرفت بالقرار ده ممكن تروح فيها من زعلها عليك؟"
مالك تنهد بحزن وأخد نفس عميق:
— "أنا هقعد معاها وهكلمها بالراحة.. هفهمها إن ده لمصلحتي ومصلحة الكل، وأني بجد محتاج أبعد شوية عشان أعرف أتنفس وأرتب حساباتي من جديد."
ــــــــــــــــــــــــــ
"دع كل إرهاقك يذوب في حبي 👼🏻💕"
ثاني يوم، كان فارس في مكتبه بالشركة بيتابع بعض الأوراق والملفات، لكن تفكيره كان مشتتًا. قطع تركيزه رنين تليفونه، وبص في الشاشة لقى المتصل "سمية".
فتح الخط بسرعة ونبرته هادية:
— "صباح الخير يا عمتو."
جاءه صوت سمية من الطرف الآخر مجهداً وواضحاً عليه التعب والقلة في النوم:
— "صباح النور يا حبيبي.."
انقبض قلب فارس وقال بقلق:
— "إيه يا سوسو ماله صوتك؟ تعبانة ولا إيه؟"
سمية بتنهيدة مليانة إرهاق:
— "والله يا فارس ما نمت من امبارح طول الليل."
فارس عدل وقفته وسألها باهتمام:
— "ليه؟ في حاجة حصلت؟"
سمية بقلة حيلة:
— "بنان.. من بعد ما أنت مشيت امبارح وهي حالتها مش عجباني خالص، دايخة ومابتفصلش ترجيع ومش مظبوطة أبداً."
وقف فارس فجأة من ورا مكتبه، وعروقه اتشدت وقال بنبرة لائمة ومحببة:
— "ومكلمتنيش ليه يا عمتو من وقتها؟! إزاي تسيبها كدة؟"
سمية:
— "يا حبيبي الوقت كان متأخر أوي ومارضيتش أقلقك، أنا بس كلمتك دلوقتي عشان هلبس وأخدها المستشفى القريبة مننا دي أكشف عليها وأطمن."
بدأ فارس يلم حاجته بسرعة ويسحب البليزر الكحلي يلبسه وهو بيتكلم بحسم:
— "لا مستشفى إيه اللي تروحوها لوحدكم! استنيني أنا جاي فوراً أوديها بنفسي."
سمية بتردد:
— "لا يا فارس بلاش عشان شغلك يا حبيبي، مش عايزة عمك صلاح يعرف ويعمل حكاية ويتكلم كالعادة."
فارس بنبرة غاضبة وقاطعة:
— "يغور الشغل على اللي فيه! بنان أهم من أي حاجة في الدنيا."
سمية بشفقة:
— "والله يا ابني لو كان ينفع أأجلها لآخر النهار كنت أجلت، بس البنت متبهدلة خالص، ومش قادرة تقف على رجليها وما نامتش غير من ساعة واحدة بس."
فارس وهو بيقفل أزرار البليزر وبياخد مفاتيح عربيته:
— "خلاص يا عمتو اقفلي دلوقتي، جهزيها وأنا مسافة الطريق وهكون عندكم."
قفل فارس مع سمية ونزل زي الإعصار، ركب عربيته وطار بيها لحد ما وصل تحت بيت عمتو سمية. رن عليهم، وثواني وكانوا نازلين؛ سمية بتسند بنان اللي كانت باهتة وضعييفة ومش قادرة تمشي.
أخدهم فارس وبأقصى سرعة وصل للمستشفى اللي كانت على بعد شارعين بس من العمارة.
بعد الكشف والفحوصات السريعة، الدكتور طمنهم وقال إن ضغطها واطي جداً وده اللي مسبب لها الدوخة والهبوط الحاد، وطلب يعلق لها محاليل عشان تعوض الهبوط ده.
فضلوا قاعدين جنبها في المستشفى حوالي ساعتين، فارس عينيه مش مفارقة وشها الباهت ومقعدش ثانية واحدة من قلقه، لحد ما المحاليل خلصت وبدأت بنان تفوق وعينيها تلمع بشبه صحة. الدكتور كتب لها على الروشتة وشوية فيتامينات تلتزم بيها، وخرجوا ورجعوا بيهم على البيت.
أول ما دخلوا الشقة، بنان اتنهدت براحة وحست إنها بقت أحسن بكتير من الأول.
سمية بحنان أمهات وهي بتوجهها للداخل:
— "تعالي يا بنوبونة ادخلي جوة ريحي على السرير شوية كمان يا حبيبتي."
بنان بملل طفولي:
— "كفاية بقى يا ماما أرجوكي.. أنا بقالي يومين لازقة في السرير ده لما ضهري وجعني!"
تدخل فارس وهو بيغمز لها بمزاح وخفة دم:
— "يا بخته السرير ده والله.. يا ريتني كنت مكانه!"
سمية ضربته على كفه بخفة وهي بتضحك:
— "بس يا ولد احترم نفسك!"
بنان ضحكت بخفة وراحت قعدت على الركنة المريحة اللي في الصالة، وفردت جسمها بتعب محبب.
سمية:
— "طيب أنا هدخل المطبخ أعملك حاجة دافية تشربيها تظبط ضغطك ده، وفي طريقي هجهز الأكل."
سمية سابتهم ودخلت المطبخ. فارس استغل الفرصة، قلع البليزر الكحلي ورماه على طرف الكرسي، وبقى لابس التيشيرت الأسود الضيق اللي كان مجسم على جسمه وبارز عضلات كتافه وصدره الرياضي بشكل ملفت
.
بنان بصتله وابتسمت بخفة، وتأملت تفاصيله بإعجاب حقيقي مكنتش قادرة تداريه.
قرب فارس وقعد جنبها على الركنة، ولمسافة مفيش، مد ذراعه الطويل وحاوط أكتافها وضمها لحضنه برقة دفّت برودة جسمها.
فارس بنبرة دافية وهمس قريب من ودنها:
— "ألف سلامة عليكي يا بنبوناية قلبي.. خضيتيني عليكي النهاردة."
بنان ميلت راسها على كتفه بابتسامة خجولة:
— "الله يسلمك يا فارس.."
فارس وهو بيبوس راسها بعمق:
— "إن شاء الله التعب كله يجي فيا أنا وأنتي لا يا روحي."
بنان رفعت عينيها وبصت في عيونه بصدق وأحاسيس كانت مكبوته جواها السنين اللي فاتت دي كلها:
— "لا بعد الشر عنك متقولش كدة بجد.. أنا النهاردة وسط التعب ده اكتشفت إني من غيرك ولا حاجة يا فارس.. بجد ماليش وجود."
مسك فارس إيدها الصغيرة بإيده التانية الكبيرة، ورفعها لشفايفه وقبل كفها برقة ونظراته بتخترق عينيها بشغف وحب سنين:
— "ده أنا اللي حياتي كلها ملهاش أي طعم ولا معنى من غيرك يا أجمل بنان في الدنيا دي كلها."
بنان بملامح ندمانة وطفولية:
— "بجد أنا كنت هبلة أوي.. إزاي مكنتش واخدة بالي السنين دي كلها من حبك وعشقك ده؟ كنت دايماً مفكرة إنك بتعمل كل ده وبتهتم بيا لمجرد إنك أخويا الكبير.. يمكن عشان أنا ماليش أخوات صبيان فأتمنيت ده ومشوفتش حبك الحقيقي."
قرب فارس منها أكتر، ومشاغبة وعشق طفولي لمس أرنبة مناخيره بمناخيرها بحركة رقيقة ومداعبة:
— "أنا أخوكي، وجوزك، وحبيبك، وأبوكي، وكل حاجة تتمنيها في حياتك يا قلب فارس من جوة."
ابتسمت بنان بسعادة حقيقية خلت وشها ينور ويرجعله الورد تاني بعد الشحوب.
فارس كمل بنبرة جدية وصادقة وعينيه بتلمع:
— "عارفة يا بنان.. أنا كل حاجة في حياتي تقريباً اتفرضت عليا.. من أول البيت اللي عايش فيه، لشغلي ، لحاجات كتير أوي مكنش ليا رأي فيها.. إلا أنتِ! أنتِ الحاجة الوحيدة اللي اخترتها بكامل إرادتي وبكل قلبي في الدنيا دي، ومستحيل أتنازل عنك أبداً حتى لو كان فيها موتي."
بنان بفرحة غامرة لمعت في عينيها وصوتها طلع دافي:
— "أنا بحبك أوي يا فارس.. أوي."
فارس بهمس داب وسط شفايفها:
— "وأنا بعشقك يا أجمل بنان خلقها ربنا."
قطع اللحظة الدافية دي صوت خطوات سمية وهي خارجة من المطبخ وشايلة صينية عليها عصير فريش ومشروبات دافية.
سمية وهي بتقرب منهم:
— "يلا.. اشربوا العصير ده عشان يفوقكم."
فارس بابتسامة ومشاكسة:
— "طيب تمام.. هي بنان تعبانة وضغطها واطي وعملتلها عصير.. أنا بقى فين قهوتي يا سوسو؟ ده أنا جاي على ملا وشي من الشركة!"
سمية بضحكة:
— "اشرب بس العصير ده الأول يهديك شويه من الحر، وبعدها فوراً هعملك أحلى قهوة من إيدي."
فارس بغمزة:
— "عشان خاطرك يا سوسو، وعشان العصير من إيدك بس هعديها."
سمية ضيقت عينيها وبصت على إيد فارس اللي لسه محاوطة أكتاف بنان وضمها ليه قدامها، فقالت بنبرة حازمة بس فيها ضحكة:
— "وبعدين ما تحترم نفسك وتلم إيدك دي؟ شيل إيدك اللي حاططها على أكتاف البنت دي قدامي يا ولد!"
فارس شدد على ضمتها أكتر وضحك بصوت عالي:
— "الله! جرى إيه يا سوسو؟ دي ممتلكاتي الخاصة على فكرة!"
سمية حطت إيدها في وسطها وقالت بتهديد مضحك:
— "لا يا اخويا.. دي ممتلكاتي أنا طول ما هي في بيتي وتحت سقفي. لما تروح عندك إن شاء الله ابقى امتلكها زي ما أنت عايز!"
ضحكوا هما الثلاثة من قلبهم، وضجت الصالة بضحكاتهم الدافية اللي طردت أي تعب أو هم، وبنان كانت بتبص لفارس بعيون كلها لمعة حب واكتفاء حقيقي.
رن موبايل فارس فجأة ليقطع اللحظة الدافئة تماماً. حط إيده في جيبه وسحب التليفون، وبص في الشاشة لقى اسم أبوه "صلاح باشا" منور الشاشة.
اتعدل فارس في قعدته فوراً، واتشدت ملامحه بوقار واحترام وجدية، وفتح الخط:
— "أيوة يا باشا.. صباح الخير."
جاءه صوت صلاح عبر السماعة، هادراً، عصبياً، والنبرة تقطر غضباً عارماً كالعادة:
— "أنت فين يا سي فارس؟!"
فارس بهدوء بيحاول يحافظ عليه:
— "أنا في مشوار يا باشا وجاي على الشركة.. في حاجة حصلت؟"
صلاح بعصبية وزعيق سمعه اللي في الصالة:
— "آه في مصيبة حطت فوق دماغنا! طبعاً ما سيادتك مش فاضي وبتتسرمح وسايب الشغل في الوقت دا. وأكيد طبعاً مقضيها عند الهانم خطيبتك وناسي إن وراك مسؤوليات وشركة
فارس اتضايق جداً وبص لـ بنان اللي ملامحها اتغيرت فجأة، فوطى صوت الموبايل بسرعة وقام من جنبها وخرج بخطوات سريعة ناحية البلكونة عشان يبعد عن مسامعهم، وقال بنبرة واطية ومكتومة:
— "ممكن حضرتك تهدأ بس وتفهمني في إيه؟ مفيش أي داعي للكلام ده دلوقتي."
صلاح بزعيق هز السماعة:
— "هدوء إيه وزفت إيه! روح شوف بيتنا اللي اتخرب وشغلنا اللي بيضيع!"
فارس بضيق حقيقي ونفاد صبر:
— "أروح فين طيب؟ فاهمني إيه اللي حصل بالظبط؟"
صلاح بعصبية:
— "سلسلة الفنادق حصل فيها ماس كهربائي، وفي غرف كاملة ولعت وحصل فيها حريق محترم! وسيادتك نايم في العسل ومش دريان بالدنيا!"
نزلت الكلمة على فارس كالصاعقة، واتسعت عينيه بصدمة:
— "ماس كهربائي وحريق؟! ده إزاي حصل ده؟!"
صلاح بغل:
— "أنت لسه بتسألني إزاي؟! روح هناك فوراً وشوف الكارثة دي وحلها!"
وقفل السكة في وشه بعنف.
وقف فارس ثواني يستوعب الصدمة، تنهد بضيق وقفل تليفونه، ودخل الصالة بسرعة. سحب البليزر بتاعه ومفاتيح عربيتة بلهفة وهو بيتكلم بجدية واستعجال:
— "أنا لازم أمشي حالاً."
سمية وقفت بقلق وسألته:
— "في إيه يا حبيبي؟ طمنا في مشكلة كبيرة؟"
فارس وهو بيلبس البليزر بسرعة:
— "في مشكلة وحريق في الفنادق.. هروح أشوف في إيه وألم الدور هناك."
وبص لـ بنان اللي كانت قاعدة ملامحها حزينة ومكسورة والضيق باين على وشها لأن تليفون فارس كان قريب منها وسمعت كلام صلاح القاسي وتجريحه فيها، قرب منها فارس وطبطب على كتفها بحنان وهمس:
— "بنان.. خدي العلاج في مواعيده بانتظام يا حبيبتي، أنا مش عارف بجد هخلص هناك إمتى وممكن أجيلك تاني إمتى."
هزت بنان راسها بالإيجاب من غير ما تنطق بكلمة، والدمعة حائرة في عينيها.
سمية مشيت وراه لحد الباب وهي بتطمنه:
— "متقلقش يا حبيبي على بنان.. عيني عليها، أنت بس روح شوف شغلك وطمنا عليك أول ما توصل."
فارس وهو بيفتح الباب:
— "حاضر يا عمتو.. مع السلامة."
نزل فارس، ركب الأسانسير وطار على عربيته، وساق بأقصى سرعة جنونية يقدر عليها في شوارع القاهرة. في أقل من ربع ساعة كان واصل الفنادق
أول ما وصل، لقى عربيات الشرطة واقفة قدام الفندق، والنزلاء برة في حالة هرج ومرج. دخل بسرعة ووشه خالي من أي تعبير غير الحزم. قعد مع ضباط الشرطة والمعاينة الجنائية، وطبعاً اتعمل محضر بالواقعة وبدأوا يدرسوا مسببات الحريق. وفهم فارس من تقرير المعاينة المبدئي إن الكارثة بدأت من فيشة كهرباء في واحدة من الغرف حصل فيها قفلة، والمصيبة الأكبر إن أجهزة إنذار الحريق ورشاشات المياة التلقائية كانت متعطلة وماشتغلتش!
بعد ما الشرطة خلصت إجراءاتها ومشيت، التفت فارس لمدير الفندق "عماد" وعينيه بتطلع شرار من الغضب، وصاح فيه بصوت مرعب ومكتوم:
— "إزاي؟ إزاي جهاز الإنذار والسيستم كله يكون عطلان يا عماد؟! أنت بتعمل إيه هنا بالظبط؟!"
عماد برعب وجسده بيترعش:
— "والله.. والله يا فندم ما أعرف إزاي ده حصل!"
فارس قاطعه بزعيق وعصبية:
— "أومال أنا اللي أعرف؟! أنت وظيفتك إيه هنا في المكان ده؟!"
عماد بخوف وهو بيبلع ريقه:
— "والله يا باشا أنا علطول المهندس المسؤول معايا وبنعمل 'تشيك' وبنشيك على كل حاجة بانتظام، مكنتش أعرف إن في عطل مفاجئ كدة!"
فارس ضحك بضيق ساخر ومرير:
— "واضح.. واضح فعلاً إنكم شايفين شغلكم على أكمل وجه ومقضينها تمام! لولا ستر ربنا كانت الغرف دي هتبقى مقبرة للناس!"
بص عماد في الأرض بخزي وضيق وهو مش قادر ينطق بكلمة.
فارس هدي نبرته وبقت حادة وقاتلة وسأله بذكاء:
— "ومين بقى العبقري اللي اتصل بصلاح باشا وبلغه باللي حصل؟"
عماد بتوتر ولجلجة وهو بيبص يمين وشمال:
— "أنا.. أنا يا فندم."
فارس ضغط على سنانه وقرب منه خطوة:
— "وأنا مش قايل لك ميت مرة قبل كدة.. أي مصيبة أو أي حاجة تحصل هنا، ترن عليا أنا أول واحد ومتكلمش الباشا خالص؟!"
عماد برعب:
— "آه يا فندم والله عارف.. بس أنا لما لقيت الشرطة داخلة والناس بتصرخ، ارتبكت ومبقتش عارف أتصرف إزاي وعقلي وقف، فلقيت تليفوني بيرن على صلاح باشا تلقائي من الخضة!"
فارس بنبرة غاضبة حاسمة:
— "ليه؟ وأنا هنا مش عاجبك ولا مش مالي عينك عشان متكلمنيش؟!"
عماد بتلعثم وخوف:
— "لا والله يا فندم.. العفو والله، بس غصب عني من خوفي وربكتي والله يا باشا مكنتش واعي بعمل إيه!"
أخد فارس نفس عميق وبيحاول يسيطر على رغبته في إنه يضربه، وقال بنبرة وعيد واضحة ومخيفة:
— "ده آخر تحذير ليك يا عماد.. المرة الجاية متلومش غير نفسك على اللي هعمله معاك، وهتبقى التالتة ثابته والباب يفوت جمل، سامع؟!"
عماد بسرعة:
— "حاضر يا فندم.. حاضر تحت أمرك."
مسح فارس بإيده على وشه وشعره بتعب وإرهاق شديد، وكمل بأوامر عسكرية صارمة:
— "تنهي حالاً عقد المهندس المسؤول عن صيانة الحريق وتشوفلي مهندس تاني محترم وجديد يمسك الصيانة هنا. والاتلافات اللي حصلت تبدأوا فيها من بكرة الصبح، أي غرف اتأثرت تتوضب وتتظبط تاني وتخلص 'برفكت' ميكونش فيها غلطة واحدة.. والحمد لله إن الغرف دي مكنش فيها نزلاء وقت الحريق وإلا كانت هتبقى كارثة وفضيحة ...
عماد:
— "حاضر ياباشا، كل أوامرك هتتنفذ حالاً."
فارس:
— "وعايز كشف كامل وجاهز حالاً بكل أسامي النزلاء اللي موجودين في الفندق دلوقتي."
عماد:
— "أمرك يا باشا.. دقايق ويكون عندك."
فارس بحسم:
— "امشي من قدامي دلوقتي."
تحرك عماد بسرعة وجري ينفذ الأوامر.
أما فارس، فقرر إنه مش هيروح الفيلا ولا هيمشي من الفندق الليلة دي؛ قعد في مكتبه وتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه وبات هناك عشان يشرف على بدء التصليحات ويتأكد إن كل حاجة ماشية زي الألف، وهو بيفكر في تراكم الضغوط عليه مابين والده ومالك وبنان اللي حاسس بالذنب من ناحيتها
تاني يوم الصبح.. في مكتب الفندق.
كان فارس قاعد وساند ضهره على الكرسي، ملامحه يكسوها الإرهاق من قلة النوم، ماسك فنجان القهوة السادة بيشرب منه عشان يقدر يركز.
خبط الباب، ودخل عماد بعد ما فارس أذنله بالدخول.
قرب عماد بخطوات حذرة وقدم ورقة لفارس:
— "حضرتك.. ده كشف كامل بكل النزلاء المقيمين في الفندق حالياً."
مسك فارس الكشف، وفضل يبص في الأسامي بتركيز وعينيه بتتحرك على السطور ببطء، لحد ما وقفته حاجة. نفث دخان سيجارته في الهوا وسأل وعينيه لسه على الورقة:
— "الجناح اللي فيه غادة النحاس.. هي مقيمة لوحدها؟"
عماد بتوتر غريب بدأ يظهر عليه وحاول يداريه بابتسامة باهتة:
— "أيوة يا باشا.. لوحدها."
فارس وهو بيحط الكشف على المكتب:
— "تمام.. إحنا هنطلب منها ننقلها لغرفة تانية تكون أصغر شوية، لأننا محتاجين الجناح ده دلوقتي عشان نوفر مساحة في الظروف اللي إحنا فيها دي."
عماد بخوف وقلق من الفكرة:
— "بس يا باشا.. دي عميلة مهمة جداً عندنا، وممكن تتضايق وتعمل مشكلة بسبب حوار زي ده."
فارس ببرود وثقة:
— "أنا هكلمها بنفسي وأكيد هتتفهم الموقف والظروف اللي الفندق بيمر بيها."
عماد بتلجلج:
— "طيب يا باشا بس.."
قاطعه فارس بحدة ونظرة غاضبة خرسته تماماً:
— "ماترغيش معايا كتير يا عماد! الكلمة اللي أقولها تتسمع وتتنفذ فوراً ومن غير نقاش."
عماد وهو بيبلع ريقه:
— "حاضر يا باشا.. تحت أمرك."
فارس:
— "شوفها هي فين دلوقتي، وبلغها إني عايز أقابلها في موضوع مهم."
عماد بسرعة:
— "هي بتفطر في المطعم بتاع الفندق دلوقتي يا فندم."
قام فارس وقف وظبط البليزر بتاعه:
— "تمام أووي
خرج فارس بخطوات واثقة وراح على المطعم. أول ما دخل، عماد اللي كان ماشي وراه من بعيد شاورله على الترابيزة اللي قاعدة عليها.
قرب فارس منها.. كانت امرأة في أوائل العقد الرابع من عمرها، ملامحها هادية، محجبة وترتدي ملابس فضفاضة وأنيقة.
فارس بنبرة مهذبة:
— "صباح الخير."
رفعت غادة عينيها وبصتله، وارتسمت على وشها ابتسامة هادية وواثقة وقالت:
— "أهلاً يا فارس.. صباح النور."
دهش فارس جوا نفسه من معرفتها السريعة بيه، والأكتر إنها شالت التكليف واتكلمت باسمه علطول من غير ألقاب. سحب الكرسي المقابل ليها وقال بابتسامة ذكية:
— "طالما عارفاني وشايلة التكليف كدة.. تسمحيلي أقعد؟"
غادة بضحكة خفيفة:
— "أنت خلاص قعدت! وبعدين في حد هنا في الفندق كله ميعرفش فارس الباشا؟ ده أنت وجودك من إمبارح هنا عامل ربكة للمكان كله، والكل ماشي على العجين مايلخبطوش خايفين منك."
فارس بابتسامة ساخرة وهو بيسند إيديه على الترابيزة:
— "ليه؟ هو أنا بَعوّض
غادة بنبرة ذات مغزى:
— "لا.. بس بتجازي علطول ومابتفوتش غلطة."
فارس هز راسه ودخل في الموضوع مباشرة:
— "أممم.. تمام. طيب في الحقيقة أنا جاي أتكلم معاكي بخصوص الجناح اللي أنتِ مقيمة فيه.. كنت حابب أطلب من حضرتك فضلاً يعني تتنقلي لمكان تاني يكون أصغر شوية، لأننا بصراحة محتاجين الجناح الكبير ده الفترة دي لحد ما نخلص تصليح الغرف اللي اتضررت من الحريق.. وحضرتك كدة كدة مقيمة لوحدك ومش هتحسي بفرق."
غادة عقدت حاجبها باستغراب مبالغ فيه وسألته بفضول:
— "وصلاح يعرف الموضوع ده؟.. أقصد صلاح باشا."
ضيق فارس عينيه بشك حقيقي، وسألها بنبرة باردة ومركزة:
— "وإيه علاقة صلاح باشا بالموضوع؟ وأنتِ إيه علاقتك بيه عشان تسألي السؤال ده؟"
حست غادة بإنها اتسرعت، فظهر عليها شوية توتر حاولت تداريه بسرعة وهي بتعدل قعدتها:
— "أصل.. أصل لما جيت الفندق هنا صلاح باشا كان موجود بنفسه واستقبلني.. إحنا معرفة قديمة يعني."
فارس بابتسامة غامضة:
— "ماشي.. تمام على رأسي، بس أنا بكلمك دلوقتي بصفتي المسؤول هنا، وده طلب اعتبريه رجاء شخصي بطلبه منك عشان نعدي الأزمة دي."
غادة بتهرب:
— "تمام.. هشوف كدة وأفكر وأرد عليك."
وقف فارس وظبط جاكيت البليزر وقال بحسم:
— "تمام.. بس ياريت متتأخريش عليا في الرد."
غادة:
— "أوكي."
سابها فارس ورجع على مكتبه وعقله شغال تفكير.. مين غادة النحاس دي؟ وإيه حكايتها مع أبوه؟
بدأ يراجع الشغل شوية، وبعدها طلع يشوف الغرف اللي بدأت فيها عمليات التصليح هو وعماد عشان يتابع كل حاجة بنفسه.
فارس وهو بيبص على العمال:
— "أيوة كدة.. أنا عايز كل حاجة تمشي بنظام وبأعلى دقة."
عماد بمجاراة:
— "حاضر يا باشا.. اقل من أسبوع وكل حاجة هترجع زي الأول وأحسن كمان."
في اللحظة دي، رن موبايل فارس. خرجه من جيبه وبص فيه لقى المتصل "صلاح باشا".
فتح الخط على طول:
— "أيوة يا باشا."
جاءه صوت صلاح حاد وقاطع ومن غير مقدمات:
— "أيوة يا فارس.. أنت بتطرد غادة النحاس من جناحها ليه؟ وبأي صفة تطلب منها كدة؟"
وقفت الكلمات في زور فارس من الصدمة والدهشة، وبص لعماد بنظرة مرعبة، ورجع رد على أبوه بفضول وشك:
— "وهو مين اللي لحق يقول لحضرتك؟"
صلاح بصوت جهوري وعصبي:
— "متطلعش حد من مكانه يا فارس! سيب كل نزيل في غرفته ومكانه.. وبالذات غادة النحاس سبها في مكانها
فارس بنبرة تملؤها الدهشة والشك الصريح:
— "تهم حضرتك أوي كدة يعني؟"
صلاح بنبرة آمرة لا تقبل نقاش:
— "نفذ اللي بقولك عليه وأنت ساكت يا فارس!"
فارس بيحاول يشرح وجهة نظره العملية:
— "يا باشا الفكرة إن في أفواج سياحية هتيجي يوم الخميس الجاي، وكنت بحاول أوفر أكبر عدد من الأماكن عشان منخسرش الحجوزات.."
صلاح قاطعه بقوة:
— "زود عدد العمال وخليهم يخلصوا الغرف المحروقة في أسرع وقت، وسيب كل عميل في مكانه.. غادة مش هتتنقل من الجناح، مفهوم؟"
فارس بكظم غيظ:
— "ماشي يا باشا.. مفهوم."
قفل فارس السكة، والتفت لعماد وعينيه بتطق شرار، وقرب منه ومسكه من ياقة قميصه وقال بفحيح مرعب:
— "أنت كلمت الباشا تاني يا عماد؟!"
رعش عماد وحلف برعب حقيقي:
— "والله العظيم يا باشا ما كلمته ولا فتحت بوقي بكلمة زي ما حضرتك أمرتني! أنا ماليش دعوة والله العظيم!"
سابه فارس ورجع خطوة لورا وهو بيفكر بعمق وغضب مكتوم، وعيونه مثبتة على عماد:
— "طيب قولي.. إيه علاقة اللي اسمها غادة النحاس دي بأبويا بالظبط؟ انطق!"
عماد ضرب على صدره بخوف ورجاء ودموعه قربت تنزل:
— "أبوس إيدك يا فارس بيه.. سيبني أكل عيش! أنا عندي كوم لحم وأولاد بربيهم وماليش في المشاكل دي.. أنا مش قد صلاح باشا ولا قد غضبه لو عرف إني اتكلمت في خصوصياته، أبوس رجلك اعفيني!"
بص له فارس بنظرة ثاقبة وباردة، وحط إيديه في جيوبه وقال بنبرة هادية ومليانة وعيد خفي:
— "تمام .. انا هعرف بنفسي و بطريقتي."
