
رواية حب وفراق الفصل الرابع عشر14بقلم داليا السيد
اشتقت إليك
استعدت للحفل فهي منذ زمن طويل لم تحضر حفل وعندما انتهت نزلت لوالدها الذي نظر إليها بإعجاب وابتسامة سعادة وفخر وقال "ما هذا الجمال ملك؟ لقد زدت فتنة، الآن أخشي عليك من عيون الرجال"
ابتسمت مجاملة لوالدها وقالت "داد لا تبالغ"
قبلها بجبينها وقال "لا أفعل حبيبتي، أنا أقول الحق"
قالت بآلية "شكرا داد، هيا كي لا نتأخر"
كانت الفيلا كبيرة ومزينه وصوت الموسيقي يملأ الأجواء، عندما دخلت مع والدها كان هناك مدعوين كثيرين لم تعرف منهم أحد لأن الجميع من رجال الشرطة كما قال والدها
تقدم منهم رجل كبير بشعر أبيض ذا جسد يافع وقوي وملامحه التي ظهر عليها تجاعيد العمر منحته عمر مماثل لوالدها، كان يفتح ذراعيه وهو يتجه لوالدها ويقول بسعادة "عبد الهادى أخيرا أتيت"
احتضن الرجلان بعضهما وقال والدها "حسين، أنا سعيد أني أراك لقد مر وقت طويل على آخر لقاء لنا"
هز حسين رأسه وقال وهو ينظر لملك "نعم. لا تقول أن هذه ملك ابنتك الصغيرة؟"
ابتسم عبد الهادى بفخر وقال "بلى هي، الصغيرة والوحيدة، كبرت أليس كذلك؟"
حياها الرجل وقال "إنها بالفعل جميلة، تشبه والدتها رحمها الله أحييك على جمالك يا ملك"
ابتسمت برقة واحمرت خجلا وقالت "شكرا لذوق حضرتك كل سنة وأنتم طيبين"
ابتسم وقال "وأنت طيبة، منال ستنزل حالا، تعلمين دلع البنات" هزت رأسها ولم ترد...
تركها والدها وانضم إلى حسين ووجدت نفسها وحيدة، تحركت إلى الفراندة وأعجبها منظر الورود الملونة ورائحتها الذكية فتناست ما حولها ولم تشعر إلا بصوت أنثوى يقول
"أنا رأيتك من قبل"
عندما استدارت ألجمتها المفاجأة، ولم تصدق أنها أمام تلك المرأة التي كانت معه في الندوة، يا الله هل الدنيا صغيرة إلى هذا الحد...
لم ترد فعادت منال تقول وعيونها تتجول على ملامح ملك وجسدها وملابسها وكأنها تتفحصها "ألست تلك الفتاه التي تحدثت بوقاحة مع زين في الندوة واتهمتيه بالغش والخداع"
رددت ملك الكلمات بطريقة مستنكرة "وقاحة، غش وخداع من أنت؟ و ما دخلك بالأمر؟"
قالت منال بطريقة سيئة "أنا صاحبة المنزل ولي كل الدخل، فأنا وزين في حكم المخطوبين، لذا كل ما يخصه يهمني خاصة إذا كان من امرأة، هيا أخبريني من أنت ولماذا تحدثت معه هكذا؟"
احترق جسدها واشتعلت النيران بقلبها وارتفع الالم لذروته، خطيبته، هل يمكن؟
ابتعدت من أمامها كي لا ترى الألم الذي ارتفع بقلبها منعكسا في عيونها وقالت "أليس خطيبك؟ لم لا تسأليه؟"
أعادتها منال أمامها من ذراعها وقالت "ولكني أسألك أنت من أنت؟ وما هي علاقتك بزين؟"
صمتت قليلا ثم قالت "لا توجد أي علاقة، ليس أكثر من علاقة معجبة بالكاتب الذي تحب رواياته، ربما أنتقده وأنتقد أسلوبه وهذا أمر يخصني وحدي ولا يستطيع أحد أن يمنعنى منه"
ضاقت عيون منال وكأنها لا تصدقها ثم قالت "لا أعلم لماذا أشعر أنك كاذبة، وأن هناك شيء يربطك به، ولكن تأكدي أني سأعرفه"
منعت غضبها من ان يزداد فقط ابتعدت وقالت "فالتعرفيه ولكن بعيد عني ثم، ألا تثقين في خطيبك أم أن حبه لك مثار للشك؟ أو ربما هناك العديد من النساء بحياته لذا ظننت أني إحداهن؟ فالتبحثي ولكن بعيدا عني لأنك لن تصلي معي لشيء"
ظلت كلا منهما تحدق في الأخرى بكل جرأة إلى أن ابتعدت منال إلى الداخل وأغلقت هي عيونها وترنحت وكأنها تهوي من برج عالي إلى أن تماسكت وهي تتألم مما اكتشفت وهي تدرك أنها تلك المرأة هي خطيبته !
فكرت، بالتأكيد عندما لم يصل معها لأي شيء بحث عن الأفضل، بنت اللواء، لم يضيع وقت ولكن؛ هل هو كذلك؟ بالتأكيد لا، ما الأمر إذن؟ فتحت عيونها وحاولت أن تتماسك، لابد أن تذهب من هنا لأنه بالتأكيد سيأتي لخطيبته وهي لن تجرؤ على مواجهته وهو في ذراع تلك الفتاة لن تتحمل أكثر من ذلك ولن تعرف ماذا سيكون رد فعلها لذا ستذهب ولن تبقي هنا..
كان الحفل أمر يثير الضيق بالنسبة له ليس له في مجال الحفلات والدي جى الذي تهواه منال. اشترى لها هدية ووصل إلى الفيلا وقرر ألا يطيل البقاء..
وجد العديد من الزملاء حياهم ووقف معهم قليلا إلى أن شعر بالصداع من الموسيقى الصاخبة، لم يجد اللواء ولم يرى منال فقرر أن يخرج إلى الفراندة إلى أن يأتي الجميع ولكن ما أن دخل حتى اصطدم بامرأة
ارتبك من المفاجأة وأسرع يعتذر لولا أن رفعت رأسها إليه فارتج جسده من عنف دقات قلبه، وارتفعت أنفاسها واتسعت عيونها عندما رأته.. كلا منهما لا يصدق أنه أمام الآخر هل حانت لحظة اللقاء أو ربما عودة إلى الفراق.
تمنى أن يطيل البقاء،
تمنت لو تختفي الأجواء..
تمنى لوضمها وطار بها فوق السحاب ،
تمنت لو عادت إلى الصحراء
وعاشت معه مرة أخرى تلك الأجواء،
تمنى لو قال أحبك من زمان.
تمنت لو قالت "لم أعيش بعد الفراق"
تمنى لو قال "تعالي نعيد الزمان لتكوني لى رغم موانع الزمان"
تمنت لو قالت "خذني فأنا ملكك ولن يمنعني إلا الموت من اللقاء"..
كانت ذراعيه تمسك بذراعيها بقوة لدرجة أنها تألمت منها فأفاقت وتراجعت فأفاق هو الآخر وأبعد ذراعيه وقال "هل أنت بخير؟"
لا لم تكن بخير ولكن كيف تخبره؟
أخفضت عيونها فعاد الظلام لقلبه الذي أضاء لرؤيتها وقالت "نعم أنا بخير"
وفجأة وبدون أن يدري كيف قال ذلك وجد نفسه يهمس "اشتقت لك"
ظن أنها لم تسمعه ولكن كيف وقلبها هو الذي يسمعه فانتفضت وعادت عيونها له، لم يبعد عيونه عنها فقد اشتاق لهم من كل قلبه ولا تعلم كيف صدقت نظرته وتساءلت؛ حب هذا الذي تراه بهما؟ حنين أم ألم من كثرة الأحزان
كاد يتراجع فربما شعر أنه أخطأ فأسرع يقول "أقصد أنا .."
ولكنها همست أيضا دون وعي "وأنا أيضا"
لم يصدق ما سمعه ولكنه عاد ينظر إليها بل واقترب منها وكأنه يريد أن يتأكد، فرأى نفسه يحدق في أجمل عيون، تلك العيون التي يعيش بها ولها
رفع يده ليمررها على وجهها قبل أن يقول "أنت ماذا؟"
كان الظلام الذي أحاط بهما يعزلهما عن أي شيء، كما أن مشاعرهم صنعت لهما حاجزا يفصلهم عن العالم، أما الحب فنصب نفسه قمرا يضيء لهم ظلام الليل كي يرى كلا منهما الآخر فقط
همست وهي تنظر بعيونه وقد نست كل ما كان ولم تتذكر آلا أنها الآن معه "اشتقت لك كثيرا"
لم يكتفي بأن يلمس وجنتها وإنما وجد نفسه يجذبها إليه فكم اشتاق إليها وكم تمنى تلك اللحظة وكم هو الآن سعيد بها، ولن يسأل نفسه كيف تخلى عن حرصه وكيف ضعف وأفصح عن مشاعره، لم يعد يهمه إلا أنه معها وأنه يضمها بين ذراعيه، فقد أفقده بعدها كل القوة والحرص ولم يعد يتحمل إلا أن يأخذها بين أحضانه ويضمها لقلبه كي يتنسم عبيرها ويشبع قلبه منها وازداد سعادة عندما شعر بذراعيها تحيطه كما لو كانت تمنحه الموافقة على ما فعل...
دفنت رأسها في صدره تلتمس الحنان والأمان كما اعتادت منذ عرفته، ربما تنسى الأحزان وتشفى الألآم وهي تسمع دقات قلبه وتشتم رائحة عطره لتتأكد أنه معها ولها، نعم لقد كان قلبها على حق فهو يحبها مثلما أحبته...
وأخيرا عاد كلا منهما إلى الواقع، وهدأت الأشجان وانتظمت الأنفاس فابتعد الاثنان وأخفضت عيونها خجلا وقالت وهي تبتعد وترفع يدها لترتب شعرها "أنا، أنا لا أعرف ماذا حدث"
ابتعدت ولكنه لن يتركها ليس بعد ما كان لم يعد يستطيع إبعادها ولا إخفاء حبه لقد نطق لسانه بما يشعر به قلبه...
فأسرع وأمسكها وأعادها إليه وقال "ملك ما حدث كان لابد أن يحدث منذ زمن ولكن الأقدار.."
نظرت إليه بألم وقالت وكأنها لم تسمع ما قال "لماذا تركتني؟"
لامس وجنتها بيده وقال "لم يكن بيدي، صدقيني لم أملك إلا أن أفعل ذلك"
ابتعدت وهي تتذكر كلمات والدها عن زين فقال "ولكن صدقيني لم تكن لحياتي أي معنى بدونك، ملك أنا.."
التفت وقالت تقاطعه "ومنال؟"
وكأن صاحبة الاسم أتت على ذكر اسمها، حيث سمع الاثنان منال وهي تقول "كنت أعلم أني سأجدك هنا.."
نظر الاثنان إليها وتراجعا من وجودها المفاجئ وهي تقترب منهما إلى أن وقفت بينهما ونظرت إليه وقالت "ألن تقدمني للآنسة؟ من الواضح أنها عزيزة عليك لدرجة أنك تخفي علاقتك بها عن الجميع"
قال بضيق "منال لا تتحدثى هكذا عنها، إنها ابنة الاستاذ عبد الهادي الرجل الذي رباني وأدين له بالكثير وصديق والدك"
ابتسمت بسخرية وقالت "وبماذا تدين لها هي؟"
قال بغضب "منال كفى"
نظرت إليها بغضب وقالت "وابنة عبد الهادي بيك تختلي بخطيبي في مكان مظلم بعيدا عن الجميع؟ ترى ماذا تفعل معه؟ تحل الكلمات المتقاطعة"
قالت ملك بغضب "أنا لا أسمح لك بهذا التلميح المهين"
بدأ الجو يزداد توتر وهو يعلم أن ملك الرقيقة لن يمكنها مجاراة منال فقال "منال كفى، أنا أيضا لن أسمح بذلك لا مجال هنا لجنونك هذا"
نظرت منال إليه بحدة وغضب وقالت "تسمح بماذا إذن يا زين؟ أن تتركني أنا وتقف هنا معها وحدكم؟ ما الذي يربطك بها؟ أنا أريد أن أعرف والآن قبل أن يتملكني الغضب أكثر من ذلك ولا أعلم ما الذي سأفعله وقتها"
قال بغضب "سبق وأخبرتك ما لدي فتوقفي عن أفعالك هذه وكلامك الذي لا معنى له"
قالت بنفس الغضب "وإلا ماذا؟"
قال دون اهتمام بغضبها "لا شيء، سأذهب من هنا لترتاحي وتقري عينا وتكفي عن التصرفات الغريبة والغير لائقة والتي لا معنى لها"
تراجعت منال ونظرت إلى ملك وقالت "تذهب وتتركني من أجلها؟ إذن الأمر أكبر من كونها ابنة عبد الهادي"
عاد وقال "إذن لن تكفي"
نظرت إليه وهي تحاول أن تكتم غضبها وقالت "سأفعل يا زين سأفعل ولكن هي لابد أن تذهب "
نظر إلى ملك بنظرات قوية معترضة ثم عاد لمنال وقال "أنت مجنونة؟ ما الذي تتحدثين عنه؟"
عقدت ذراعيها أمامها وقالت بإصرار " أتحدث عنها زين وعن أني لا أريدها ببيتي"..
تحركت ملك لتذهب فلن تتحمل إهانات أكثر من ذلك ولكنه قبض على يدها فجاة وهي حدقت بيده وسمعته يقول "ملك انتظري، سآتي معك، لن تذهبي وحدك"
أمسكته منال بدورها وقالت وقد غامت عيونها وتحولت نبرتها لضعف "لا، زين انت لن تذهب، أنت لي أنا، لن تتركني"
التفت لها بغضب من كلماتها وأبعد يدها وقال بنفس الغضب "منال احذري بكلمات وأعرفي من أنا فأنا لست لأحد"
وتحرك جاذبا ذراعه ولكن منال أمسكته بقوة وهى تقول برجاء "لا زين انت لن تذهب وتتركني، كيف تفعل بي ذلك؟ ومن أجل فتاة كهذه لا تسوى شيء"
لم يشعر بنفسه والغضب سيطر على عقله وتفكيره وهو يلتفت لها وتسقط يده على وجهها بقوة كادت تسقطها وقال بنفس الغضب "اخرسي، كلمة أخرى ولا أعرف ماذا يمكنني أن أفعل بك"
ونزع ذراعه من يدها ولم يهتم بما فعله بها وهو يقود ملك إلى الخارج برقة من ذراعها رغم غضبه من منال وتحرك بملك عبر الحديقة إلى سيارته، أركبها وجلس بجانبها وقاد في صمت دون أن ينتبه هو إلى نداء منال الغاضب بين دموعها الغزيرة.. ولا ملك التي تركت والدها بالخلف ..