
رواية حب وفراق الفصل الخامس عشر15بقلم داليا السيد
حب عمري
طال الصمت وكلا منهما يحاول أن يستوعب ما حدث إلى أن توقف في مكان هادئ وربما تمنى أن يخطفها بعيدا عن العالم كله.
تأملها وهي لا تنظر له وقد كان صمتها يخيفه ..
ترى في ماذا تفكر؟ ليته يخترق عقلها ليعرف أين تسبح أفكارها الآن؟ ولكنه استعاد هدوءه وقال "هاتفي والدك وأخبريه بأنك رحلت"
التفتت له وقد جذبها صوته من الدوامة التي كانت تدور بها وقالت "هل تظن أن منال لن تخبره بما حدث؟ بالتأكيد ستفعل لذا لن أحدثه الآن" هز رأسه وهو يدرك أنها على حق
أبعد نظره عنها والكلمات لا ترضخ له فسمعها تقول "آسفة إن أخذتك من خطيبتك وضيعت عليكم ليلة كهذه، لم يكن من الضرورة أن تتركها وتأتي معي"
التفت لها وواجه الحزن بعيونها وقال بضيق "ليست خطيبتي ملك، أنت ليس لي أي خطيبة أخبرتك بذلك مرارا"
لم تفر من نظراته ولم تستطع تصديق كلماته بعد ما قالته منال وترقرقت الدموع في عيونها من الألم الذي كانت تشعر به وقالت "كاذب وغشاش، ماذا عن تلك المرأة التي كنت معها في الأقصر؟ ومنال؟ كلهم نساء في حياتك أليس كذلك؟ إلى متى ستظل تكذب علي ولماذا؟"
الخواء لم يعد يكفيها والبكاء يزيد من ضياع أنفاسها فنزلت من السيارة واتجهت لسور البحر ولكنه لحق بها وأمسكها من ذراعها وأعادها لمواجهته فالتقى بوجهها الغارق بالدموع فتالم أكثر ولم يرغب سوى بأن تعرف الحقيقة حتى ولو لم تكن تهتم فلابد ان تعرف
أحاط وجهها المغرق بالدموع براحة يديه ولمس رطوبة دموعها تحت يده وأحاطت عيونه عيونها اللامعة من الدموع وقال بكل ما يملك من حنان وحب لها
"امرأة الأقصر هي عمتي وأقابلها سرا خوفا عليها من أهل والدي كي لا يقتلوها لو عرفوا أنها على علاقة بي. ومنال مجرد ابنة اللواء حسين مديري المباشر، هي تظن أننا مرتبطين ولكن صدقيني ليس بيني وبينها أي شيء مجرد مسكن لألم بعادك عني"
سالت الدموع من عيونها واكثر على راحتيه وتمنت لو كان لا يكذب كي يتوقف الألم ولكنها قالت بضعف "لا أصدقك"
نظرة الحنان بعيونه أنستها الدنيا رغما عنها فهي تعشق تلك النظرة وسمعته يكمل "إذا كذبت على العالم كله فلن أكذب عليك ملك، لن أستطيع صدقيني لن أستطيع، ورحمة والدتي الغالية أنا أقول الحقيقة"
هي تعلم مقدار حبه لوالدته ولن يقسم بها كذل لذا ارتاح قلبها ولاحت ابتسامة على شفتيها تمحي الحزن والألم فلم يتمالك نفسها وهو يجذبها إليه ويضمها لصدره بحنان وقوة وهو يهمس
"لا تبكي ملك، أنا لا أريد أن أرى دموعك هذه مرة أخرى فهي تحرقني وتؤلمني اكثر مما تتخيلين"
أسندت رأسها على صدره مستمتعة بنغمات دقات قلبه تحت أذنها ودفء إخضانه التي تمنحها الراحة والأمان، أغمضت عيونها ولم ترد فهمس "ومصطفى"
لم تفتح عيونها بل قالت بلا اهتمام ولكن بصدق "تركته، لم أتحمل رجل آخر سواك بحياتي"
وأخيرا عرف معنى السعادة فتلك الكلمات أغلى عنده من حياته، وجودها بين أحضانه إجابة على كل أسئلته ولا يرغب بأي شيء آخر
أبعدها ونظر بعيونها وقال "إذن لا أريد إلا أن أرى تلك الفتاة الصغيرة المرحة التي كانت تغضبني بتصرفاتها المتهورةد أريد أن أراك وأنت تقطفين الزهور الحمراء من حديقة منزلك أو تجرين وراء قطتك الصغيرة، وأنت تسرعين إلى جامعتك كي لا تتأخرين، وأنت تقفين مع أصدقائك بالكلية بجانب تلك الشجرة الكبيرة سعيدة بصحبتهم، أريد أن أرى تلك السعادة بعيونك عندما ترين نجاحك"
تراجعت في دهشة وهتفت "كيف عرفت كل ذلك؟"
ابتعد عنها ولم يرد فتبعته حتى وقفت أمامه وقالت "زين كيف عرفت كل ذلك عني؟ زين أنت.."
منحها نظراته القاتمة وقال ولم يعد بإمكانه أن يخفي ما بصدره أكثر من ذلك "أنا ماذا ملك؟ أنا أعرف عنك كل شيء منذ أن كنت في العاشرة من عمرك أو ربما أصغر، لا أعلم، كنت أراك وأنت تكبرين أمامي، أحفظ كل تفاصيل حياتك وأصدقائك، كل شيء ولكني لم أكن أملك إلا أن أراك من خلف الشجرة في صمت لم أجرؤ أن أقتحم حياتك كنت أعلم أنه ليس من حقي أن أنظر لتلك النجمة التي تتألق في السماء أبعد ما تكون عني، ولكنك كنت وما زلت وستكونين حب عمري ملك"
لم تصدق مل ما قاله وهي تقف أمامه وقد رقص قلبها من السعادة وهي التي ظنت أن بحياته سواها ولم تعرف أنها بحياته منذ سنوات هل كانت عمياء كي لا تراه؟و
قالت بحزن "لماذا؟ لماذا أخفيت عني كل ذلك؟ لماذا ضيعت كل تلك السنوات؟ لماذا تركتني أعيش وحدي بدونك؟ أنا لم أجد الأمان إلا معك، لقد كنت أتمنى أن أدخل داخل صدرك هذا وأسمع دقات قلبك وأعلم ما إذا كان لي أم لا"
كان يحتضنها بنظراته وكل الماضي يدور من حوله وقال "هو لك حبيبتي، منذ أن أدركت معنى الحب وأنا وهبت حبي وقلبي لك، أنا لا أرى أي امرأة سواك ولا أتمنى إلا أنت، ولكن كان لابد أن أعيش الواقع.. أنت أبعد ما يكون عني، فأنت الحلم الذي لا يتحقق. النجمة التي لا يمكن الامساك بها، كنت أراك في كل أحلامي، عيونك لا تفارقني أستيقظ عليها وأنام على براءتها، أنت نبض قلبي ملك، بك أحيا ومن دونك أموت ولكني أفيق من الحلم على الواقع أننا لا يمكن أن نلتقي"
زادت دموعها وهي تدرك كلماته وتسعد بها ثم تتذكر الواقع فيعود الخوف والألم، أغمضت عيونها لحظة ثم فتحتها لتتوه بعيونه
ولكن بالنهاية قالت "لا، لا يمكن ان نستسلم لذلك، أنا لا يهمني إلا أنت، لن أعبأ بكل ما تقول، أنا أيضا منذ تركتك وأنا أحلم بك ليل ونهار وأسمع صوتك في كل وقت، زين أنت أصبحت كل حياتي حاولت أن أخرجك منها ولكني فشلت أنت تريدني وأنا أريدك فما المانع؟ لا شيء يمكن أن يفرقنا"
ابتعد وهو يعلم أن الحقيقة توقف سعادته بمشاعرها فقال "ليس أنا أو أنت من بيده الأمر ملك، إنه الفارق الاجتماعي، السن، والدك، كل شيء يسير عكسنا، لن نستطيع أن نسبح ضد التيار أنت أرق من أن تواجهي هذه الصعاب"
أعادته أمامها وقالت بقوة نابعة من قوة حبها له "لو ستظل بجانبي سأواجه الدنيا كلها"
تأمل عيونها الجميلة التي يعشقها وقال بألم "ووالدك؟"
قالت بدون تفكير "ووالدي"
أبعد نفسه من أمامها بصعوبة وتنفس أنفاس ثقيلة وقال "لا، لن أسمح بذلك، لا يمكنني أن أرد الدين بتلك الطريقة، لابد أن تفهمي أني أدين لوالدك بالكثير ولا يمكنني أن أفعل به ذلك"
قالت بألم ورجاء "وهل ستفعل بي أنا ذلك؟ ستتركنى؟ مرة أخرى؟"
ظل ينظر لها بنفس الحزن وقال "لا أعلم حبيتي، أنا لا أعلم ما إذا كنت سأستطيع أن أفعل أم لا، ملك أنا لا أعيش الحياة بدونك، أقذف نفسي وسط الموت دون خوف لأرتاح من ألم بعادك ولكن الموت يأبى أن يأخذني ومع ذلك لا أستطيع إلا أن أفعل ذلك"..
عادت إلى البكاء وكادت تكمل حديثها وتترجاه ألا يتركها مرة أخري فلن تقو على فراقه، ولكن هاتفها رن ورأت اسم والدها يضيء مع رناته
نظر إليها وقال بحزن "إنه الواقع الذي لا يمكن أن نفر منه"
أدركت أنه على حق. توقف الهاتف فنظرت للبحر ولم تعرف ماذا تقول.
رن الهاتف مرة أخرى وهذه المرة كان لابد أن ترد نظرت إليه ثم ردت "ألوو"
جاءها صوت والدها الغاضب "أين أنت؟"
قالت بخوف واضح "أنا.."
أفزعها صوته "معه أليس كذلك؟ أنت تعصين أوامري؟ لماذا تفعلين ذلك بي؟ لم أعد والدك أليس كذلك؟ إلى هذه الدرجة غشك وخدعك ولعب عليك وأنت صدقتيه؟ إنه يطمع في أملاكك وأموالك"
تساقطت الدموع محرقة ومؤلمة وأرادت ان تصرخ به وتوقفه وهي تردد "داد.."
ولكنه لم يتوقف ولم يمنحها فرصة للرد وهو يهتف "عودي الآن ملك، فورا وإلا لن تعودي ابنتي التي أعرفها ولن أتركه هل تفهمي؟ لن أتركه"
انخلغ قلبها من قسوة والدها ومن خوفها من العودة لألم الفراق وهتفت بألم ورجاء وحزن "لا أستطيع أن أتركه دادي، لا أستطيع، غصب عني صدقني"
هتف بنفس القوة والغضب "إذن تحملي نتيجة قرارك"
حاولت أن تثنيه بكلماتها الواهنة "دادي أرجوك.."
ولكنه أغلق الهاتف
أبعدت الهاتف والدموع تنهار كالشلال، أمسكها وقد زاد ألم قلبه لأجلها ولم يحاول معرلة ماذا قال لها عبد الهادي كي يؤلمها هكذا فقد كان يعلم
همس لها بحنان حاول أن يجعله يخفي الم قلبه "يجب أن تعودي ملك، هو والدك أولى الناس بك لا يمكن أن تغضبيه"
بالكاد كانت تراه من بين دموعها وقالت "وقلبي؟ وقلبك؟"
تألم في صمت وهو الآن من يتناول السكين البارد ويطعن به قلبه وقلبها
قال بألم شعرت هي به قبله وارتجف له جسدها وهي ترى دمعة تترقق بعيونه، بعيون رجل الموت، رجل لم يهزمه أحد ولكن الخب والفراق هزموه "ستحيا، قلوبنا ستحيا طالما أنا وأنت على قيد الحياة ربما نلتقي في وقت آخر أو زمن آخر ولكن قلوبنا ستظل عالقة ببعضها البعض في الحياة أو بعد الموت، عودي إليه فأنا لن أقبل إلا بذلك"
أخفضت وجهها وقالت بحزن ممتزج بالألم "تتخلى عني مرة أخرى؟"
لم يتحمل فكرة الفراق مرة أخري فجذبها إليه بقوة وكأنه يريد أن يدفعها بين ضلوعه لتدخل قلبه فيغلق عليها صدره ويخفيها عن العالم كله، زاد من قبضة ذراعيه عليها خشية من أن يأخذها منه أحد وقال بحب وأنين
"لا، أنا لم أعد أستطيع أن أفعل صدقيني، لم أظن أن يوم قربك هو نفسه يوم فراقك ولكن غصبا عني صدقيني"
قالت بألم ورجاء ودموع وشهقات متتالية وهي تدفن رأسها بصدره الذي كان يأن في صمت لا يسمعه سواها "لا تتركني يا زين، أرجوك لا تفعل"
زاد الاحتراق الملتهب داخل قلبه من رجائها ولكنه قتل أمله الأخير وقال "أنت التي لابد أن تتركيني، لابد أن تعودي إليه أرجوك لا تصعبي الأمر علي أكثر من ذلك أنا لم أعد أحتمل"
شهقت مرة أخرى من البكاء وقالت بألم "لا أفعل ولكن لا أستطيع تركك يا زين، لا أستطيع، أنا لم أعرف الحياة إلا معك، ولم أر السعادة إلا بين ذراعيك لا تتركني للمرة المليون زين لا تفعل"
زاد من قبضته عليها ودعته كلماتها إلى التمسك بها أكثر وتراجع عقله أمام قلبه وكاد يجذبها ويرحل بها ولكن فجأة انطلقت صفارات سيارات الشرطة فابتعد الاثنان وهما يشاهدان رجال الشرطة تحيطهم وضابط ينزل ويتجه إليهم
أبعدها زين خلفه ووقف في مواجهة الضابط الذي قال "لو سمحت هذه السيارة تخصك"
هز زين رأسه وقال بجدية "نعم"
قال الضابط "رخصك"
أخرج زين الكارنيه الخاص به فتراجع الضابط بشكل رسمي وقال "آسف يا فندم ولكن عندي أوامر أن أعيد الآنسة التي تركب مع سيادتك .."
وقبل أن يكمل كانت سيارة أخرى قد توقفت ونزل عبد الهادي وحسين ومن خلفهم رجال الحراسة الشخصية لم تراهم هي من قبل وأسرع الجميع إليهما بينما شعر بيدها تتمسك ببدلته من الخلف بقوة
اتجه والدها إليهم وقال بغضب لزين "هل تجرؤ على خطفها؟ أنا سأجعلك تدفع الثمن"
وأشار إلى رجاله الذين تقدموا من زين ولكن هي أسرعت وتقدمت أمام زين لتواجه والدها وقالت "لا دادي هو لم يفعل شيء، أنا التي ذهبت معه برضائي، أرجوك دادي لا تضره"
لمعت عيون الرجل بغضب من ابنته ومن كل ما يحدث وهتف بقوة "هكذا إذن تدافعين عنه و.."
أوقفه حسين الذي أبعد رجال الشرطة قليلا ورجال عبد الهادي وقال "عبد الهادي توقف وهيا لا يجوز هذا نحن بالشارع خذها واذهب الآن"
أسرع زين يقول وهو يجذبها من ذراعها ويعيدها خلفه "لا لن يأخذها أحد، وأنت تعلم أني لا أخاف أحد خذ هؤلاء الرجال وارحل"
ثار عبد الهادي وعاد للصراخ "إذن سأتهمك بخطفها وسأضيع مستقبلك، سأهدك كما بنيتك"
شعرت بالخوف عليه فهي تعلم أن والدها يمكنه أن يفعل فعادت تهرب من يديه لتقف أمامه ورفعت وجهها لتلتقي بعيونه التي عشقتها ومن وراء دموعها قالت برجاء "لا زين سأذهب معهد أرجوك دعني، لن يضيع مستقبلك بسببي لن أتحمل"
أمسكها من ذراعيها ولمعت عيونه بغضب حارق ينذر بتدمير كل ما حوله فقط من أجلها وقال بقوة "أنا لا يهمني أي شيء طالما أنت معي"
حاولت الابتسام من وراء الدموع، تلك الكلمات كانت تحلم بها ولكن ليس بهذا الوقت ولا بذلك الشكل، الآن حيات ومستقبله هو كل ما يهمها لذا قالت "ولكن أنا يهمني وتأكد أنني لن أكون لأحد سواك، قلبي ملكك إلى الأبد فلا تنساني"
كادت تذهب ولكنه زاد من قبضته عليها وقال بقوة "لا ملك، لا تتركيني، أنا كاذب، نعم أنا كذبت عليك فأنا لا يمكنني أن أتركك تذهبين، لا معنى لحياتي بدونك لم أعد اتحمل، لقد تعبت من فراقك أنا لا يهمني ما يمكن أن يفعلوه فقط لا تتركيني أرجوك ملك لا تتركيني الآن، ليس بعد أن أدركت حبك لي ليس بعد أن تحقق الحلم، ملك أنت حب عمري ولن أسمح لأي أحد أن يأخذك مني، سأحارب العالم من أجلك لكن لا ترحلي لا يمكنني أن أتركك سأموت قبل أن تذهبي"
ولكن فجأة جذبها عبد الهادي بشده من بين ذراعيه وعندما أدرك ذلك اندفع ليستعيدها ولكن رجال عبد الهادي هجموا عليه وبدءوا بضربه وهو يرد ضربهم بقوة وعيونه عليها وهو يراها بين ذراعي عبد الهادي الذي كان يجذبها بقوة وهي تصرخ من أجله وعبد الهادي يدفعها إلى السيارة وهى تبحث بعيونها الباكية عن عيونه الغاضبة وشفتيها تنطق باسمه وهو يناديها بألم وحزن وما أن ركبت السيارة حتى أدرك أنها ستذهب مرة أخرى فدفع الرجال بعيدا عنه بقوة وكأنهم لم يكونوا وتناثروا هنا وهناك واندفع هو إلى السيارة التي انطلقت بقوة وبأقصى سرعة وهو يجري خلفها بكل ما أوتي من قوة مناديا باسمها إلى أن ابتعدت السيارة فتوقف وقد أدرك أنها ذهبت مرة أخرى وعادا إلى الفراق...