
رواية عذبة النخيل الفصل الخامس عشر15 بقلم حنان أحمد ماهر
كانت الليلة ساكنة على غير عادتها، لكن خلف ذلك السكون كانت تختبئ أسرار قادرة على قلب حياة الجميع رأسًا على عقب.
ففي ذلك المنزل البعيد، حيث احتجز مصطفى فاطمة منذ يومين، كانت الحقيقة تستعد للخروج إلى النور بعد سنوات طويلة من الغياب والألم والخداع.
جلست فاطمة أمام النافذة الصغيرة الموجودة في الغرفة، وعيناها شاردتان في الظلام، بينما تتزاحم الذكريات داخل رأسها؛ ذكريات زوجها محمود، وحياتها القديمة، وكل ما حدث بعد ذلك.
وفجأة، انفتح الباب ببطء، فالتفتت فاطمة نحوه، وما إن وقع بصرها على الرجل الواقف أمامها حتى اتسعت عيناها بصدمة، ونهضت من مكانها بسرعة، وهي تقول بصوت مرتجف:
ـ محمود؟!
رفع الرجل عينيه إليها، ثم قال بهدوء:
ـ أيوه يا فاطمة... محمود .
تراجعت فاطمة خطوة إلى الخلف، وهي تهز رأسها بعدم تصديق.
ـ مستحيل... إزاى؟! الكل قال إنك مت في الحادثة!
بعد أن نطقت فاطمة كلماتها، ظلَّت تنظر إليه بعينين متسعتين من الصدمة، وكأنها تخشى أن تختفي صورته في أي لحظة.
تنهد محمود بعمق، ثم قال بصوت هادئ:
ـ ربنا كتبلي عمر جديد يا فاطمة... الحادثة دي مكنتش نهاية حياتي.
نظرت إليه فاطمة بذهول، وقالت:
ـ يعني إيه؟!
أطرق محمود برأسه للحظات، ثم قال:
ـ العربية وقعت بيا، والكل افتكر إني مت، لكن ربنا نجاني. فضلت فترة طويلة بين الحياة والموت، ولما فوقت، واكتشفت إن اللي حصل مكانش مجرد حادثة عادية.
امتلأت عينا فاطمة بالدموع، وقالت بصوت مرتجف:
ـ طب ليه سبتنا السنين دي كلها؟ وليه سبتنا فى أيد اللى مابيرحمش؟
تنهد محمود بعمق، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الغضب:
ـ مكانش ينفع يا فاطمة ارجع وانا ضعيف، ولا كان ينفع اقف قدام عز وانا مش قادر احمي نفسى، ولا احميكى إنتِ وهمس.
التفتت فاطمة إليه، بينما أكمل محمود حديثه:
ـ وقتها خسرت كل حاجة، وكنت بين الحياة والموت. ولو كنت رجعت، كان عز خلص عليا من غير ما حد يعرف الحقيقة وأنه وراء موتى.
خفض محمود رأسه، وقال بصوت اختلطت فيه المرارة بالحزن:
ـ كان لازم أبقى قوي يا فاطمة، كان لازم أقف على رجلي من تاني.
ثم رفع عينيه إليها وأردف:
ـ نحتُّ في الصخر علشان أرجع، وناس كتير وقفوا جنبي وساعدوني، وأصحاب أوفياء ساندوني لحد ما بقيت قادر أواجه عز وأكشف كل حاجة عملها وادوقه من نفس الكأس اللى شربهولى.
ازدادت دموع فاطمة، وهمست:
ـ يعني كنت عايش طول السنين دي كلها وانا مفكراك مع اعداد الاموات؟
أومأ محمود برأسه وقال:
ـ أيوه، وكنت بتابع كل حاجة من بعيد، وقلبي بيتقطع عليكي وعلى بنتنا، بس كنت مستني اللحظة المناسبة.
أجهشت فاطمة بالبكاء، وهي تقول بصوت متقطع:
ـ بس همس ضاعت يا محمود... معرفش عنها حاجة من ساعة ما هربت من جبروت عمها، ولا عارفة هي عايشة إزاي، ولا فين، ولا مين معاها.
اقترب محمود منها ببطء، ثم وضع يده على كتفها بحنان، وقال بصوت هادئ:
ـ متقلقيش يا فاطمة... همس بخير، وفي مكان آمن، وقريب أوي هتشوفيها.
رفعت فاطمة رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بلهفة، وهي تقول:
ـ صحيح يا محمود؟!
ابتسم محمود ابتسامة صغيرة، وقال:
ـ أيوه، والحمد لله إنها خرجت من بيت عز قبل ما يقدر يأذيها أكتر من كده.
تعلقت عينا فاطمة بعينيه، ثم قالت بسرعة:
ـ يعني إنت عارف مكانها؟! طيب هى فين خدنى عندها يا محمود .
صمت محمود للحظات، ثم قال:
ـ أعرف إنها بخير، وده كفاية دلوقتي، وقريب اوى هخدك عندها اصبرى شويه كمان.
عقدت فاطمة حاجبيها، وقالت في حيرة:
ـ وليه متقوليش هي فين؟
تنهد محمود بعمق، ثم أجابها:
ـ علشان سلامتها يا فاطمة. عز لسه بيدور عليها في كل مكان، ولو عرف أي خيط يوصلها، عمره ما هيسيبها في حالها، وهتهدى كل اللى حولت ابنيه فى السنين اللى فاتت.
أغمضت فاطمة عينيها، وانسابت دموعها من جديد، وهمست:
ـ بنتي تعبت أوي يا محمود... شافت اللي محدش يقدر يستحمله.
ارتسم الحزن على وجه محمود، وقال:
ـ عارف... وعارف كمان إن عز حرمها من أبسط حقوقها، وسرق منها سنين من عمرها، لكنه هيدفع تمن كل حاجة عملها.
كانت كلمات محمود كفيلة بأن تهدم سنواتٍ طويلة من القهر والحزن، فلم تعد فاطمة قادرة على التماسك أكثر من ذلك.
أطلقت شهقةً مكتومة، ثم اندفعت نحوه دون تفكير، وألقت بنفسها في حضنه وهي تبكي بحرقة، كأنها تُخرج كل ما اختزنته روحها من وجع طوال تلك السنوات.
ضمها محمود إليه بحنانٍ بالغ، وربت على ظهرها برفق، بينما كانت دموعه هو الآخر تلمع في عينيه رغم محاولته إخفاءها.
قال بصوتٍ مبحوح: ـ خلاص يا فاطمة... انتهى زمن الوجع. أوعدِك إن كل حاجة هترجع زي الأول... وهمس هترجع لحضنك، اوعدك بده.
هزت رأسها وهي ما زالت تبكي، وتمسكت به أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي من أمامها مرةً أخرى.
همست بين دموعها: ـ أوعى تسيبني تاني يا محمود... كفاية اللي شوفناه فى بعدك.
أغمض محمود عينيه لثوانٍ، ثم قال بحزم ممزوج بالحنان: ـ المرة دي... مستحيل أسيبكم. المرة دي رجعت علشان أفضّل جنبكم لآخر العمر... وعلشان أخلي عز يندم على كل لحظة ظلم فيها حد مننا.
ساد الصمت للحظات، لكنه كان صمتًا مختلفًا... صمتًا يحمل بداخله بداية أملٍ جديد بعد سنواتٍ من الألم.
ــــــــــــــــــــــ
وعند همس...
كانت شمس العصر ترسل خيوطها الذهبية فوق حديقة السرايا، فتنعكس على الزهور بألوانٍ ساحرة، بينما كانت همس تقف أمام أحواض الورد، تحمل مرش الماء الصغير وتسقي الزهور برفق، وكأنها تخشى أن تؤذي بتلاتها الرقيقة.
نسمة هواء خفيفة داعبت خصلات شعرها، فارتفعت بعضها حول وجهها، لتزداد براءتها وجمالها.
في تلك اللحظة...
خرج فارس إلى الحديقة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى توقف مكانه.
ظل ينظر إليها بصمت...
وكأن الزمن توقف من حوله.
كانت بالنسبة إليه أشبه بلوحةٍ فنية رسمها أمهر الرسامين، لوحة لا ينقصها شيء.
ابتسم دون أن يشعر، وأخذ يقترب منها بخطوات هادئة.
أما همس، فلم تنتبه لوجوده، وظلت منشغلة بسقي الورود، حتى انعكس ظله أمامها.
رفعت رأسها، وما إن رأته حتى ارتبكت، وابتسمت بخجل.
ابتسم فارس ابتسامة دافئة، وقال وهو يتأملها: ـ هو الورد فتح لما لمستيه... ولا وجودك خلي المكان جميل كده؟
احمر وجه همس، وخفضت بصرها وهي تعبث بطرف عباءتها بخجل.
قالت بصوتٍ منخفض: ـ انت بتبالغ أوي على فكره.
هز فارس رأسه مبتسمًا: ـ بالعكس... أنا لأول مرة أوصف اللي شايفه وبس من غير مبالغة.
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفاتي همس، بينما شعر قلبها يخفق بسرعة لم تستطع إخفاءها.
تقدم فارس خطوة أخرى، ثم انحنى قليلًا، وقطف وردة بيضاء متفتحة، ونظر إليها قبل أن يناولها لهمس.
قال بهدوء: ـ الوردة دي جميلة... لكن صدقيني، جمالها ميجيش حاجة جنب ابتسامتك.
اقترب فارس منها ببطء، وعيناه لا تفارقان ملامحها الهادئة.
رفع يده قليلًا وهو يقول بابتسامة دافئة:
ـ ممكن...؟
نظرت إليه همس باستغراب ممزوج بالخجل.
ابتسم فارس، ثم رفع الوردة البيضاء برفق شديد، وأزاح خصلةً صغيرة من شعرها كانت قد داعبتها نسمات الهواء، قبل أن يثبت الوردة خلف أذنها بحركةٍ رقيقة، وكأنه يخشى أن يزعجها.
تجمدت همس في مكانها، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجنتيها، بينما تسارع خفقان قلبها بصورة لم تعهدها من قبل.
ابتعد فارس خطوة صغيرة، وأخذ يتأملها للحظات، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة إعجاب صادقة.
ثم تذكر سبب مجيئه، فاعتدل في وقفته وقال بنبرة هادئة:
ـ همس... كنت عايز أطلب منك طلب.
رفعت عينيها إليه باهتمام.
ـ اتفضل.
ابتسم وقال: ـ ممكن تروحي عند آيات شوية؟ اطمني عليها
همست همس باستغراب، وهي تعقد حاجبيها في حيرة:
ـ آيات؟! مين آيات دي يا فارس؟
ابتسم فارس ابتسامة هادئة، ثم قال:
ـ دي خطيبة حمزة، وبقالهم فترة بيمروا بشوية مشاكل مع أبوها، وحمزة كان عايز يطمن عليها،بصى هبقى احكيلك،بس دلوقتي حمزه هيتجنن ويطمن عليها.
أومأت همس برأسها في تفهم، ثم قالت:
ـ حاضر، مفيش مشكلة.
ثم ترددت قليلًا قبل أن تضيف:
ـ بس أنا هروح لوحدي، اصل يعنى مافيش حد فيهم يعرفني.
وما إن أنهت كلماتها، حتى اقترب فارس منها بخطوة واحدة، ومد يده ممسكًا بكفها برفق، ثم قال بنبرة حازمة امتزجت بالاهتمام:
ـ لا يا فرستى، مش هتروحي لوحدك.
ارتبكت همس من قربه، ونظرت إلى يده التي تحتضن كفها، ثم رفعت عينيها إليه بخجل
ابتسم فارس، وقال:
ـ لأن الحاجة أمينة هتروح معاكي.
ـ هتروح تعزمهم على كتب كتابنا، حلو كده.
اتسعت عينا همس، ثم شهقت بخجل:
ـ كتب كتابنا؟!
هز فارس رأسه وهو يضحك بخفة.
ـ أيوه، هتبقى حرم فارس الدمنهوري؟
خفضت همس رأسها بسرعة، وهمست بصوت خافت:
ـ مغرور اوى .
فمال فارس برأسه قليلًا نحوها، وقال بنبرة دافئة:
ـ فعلاً علشان هتبقى بتاعتى وعلى اسمى.
ازدادت دقات قلب همس، فحاولت التهرب من نظراته، لكنها فشلت، إذا كانت عيناه مثبتتين عليها وكأنه يحاول أن يحضن ملامحها جوه قلبه.
وفي تلك اللحظة، دوى صوت الحاجة أمينة من خلفهما:
ـ يا ولاد!
التفت الاثنان إليها بسرعة، فابتسمت وهي تنظر إلى همس، ثم قالت:
ـ ياله ياحبايبى الغداء جاهز.
في المساء...
كانت شمس النهار قد اختفت تمامًا خلف الأفق، وحلَّ الليل بهدوئه فوق عزبة النخيل، بينما أضاءت أنوار البيوت والسرايا الطرقات الضيقة، وتسللت رائحة العشاء من بعض البيوت، ممزوجة بنسمات الهواء الهادئة.
وصلت الحاجة أمينة وبرفقتها همس إلى بيت الحاج عبد الرحيم.
كانت همس تجلس بجوارها بخجل، طوال الطريق تفكر في آيات، وتتساءل عن حالها، خاصة بعد أن أخبرها فارس أن هناك بعض المشاكل بينها وبين والدها.
وما إن توقفت السيارة أمام البيت، حتى نزلت الحاجة أمينة أولًا، ثم التفتت إلى همس ومدت لها يدها.
ـ يلا يا حبيبتي.
نزلت همس وهي تعدل من حجابها بخجل، ثم سارت بجوار الحاجة أمينة حتى وصلتا إلى الباب.
طرقت الحاجة أمينة الباب طرقات خفيفة، وبعد لحظات فُتح الباب، وظهرت أمامهما أم آيات، الحاجة عائشة.
وما إن وقعت عيناها على الحاجة أمينة حتى تهللت أساريرها، وقالت بفرحة:
ـ يا ألف مرحبًا بالحاجة أمينة! نورتينا والله.
ابتسمت الحاجة أمينة وردت عليها بحب:
ـ البيت منور بأهله يا أم آيات.
ثم وقعت عينا عائشة على همس الواقفة بجوارها، فتأملتها للحظات، قبل أن تبتسم بإعجاب واضح.
ـ مين العروسة الحلوة اللي جارك دى ياحاجة امينة؟
ابتسمت همس بخجل، وأطرقت برأسها، بينما قالت الحاجة أمينة:
ـ دي همس... عروسة فارس.
اتسعت ابتسامة عائشة، وقالت وهي تقترب منها بحفاوة:
ـ ما شاء الله! ما شاء الله على العروسة... زينة ومليحة، وكيف البدر المنور! ربنا يحفظها من العين.
ازدادت حمرة وجه همس، وقالت بخجل:
ـ ربنا يخليكي يا حاجة.
أمسكت عائشة بيدها بحنان، وقالت:
ـ دي مش عروسة... دي قمر نازل يمشي على الأرض.
ضحكت الحاجة أمينة وقالت:
ـ والله ياام آيات فارس ذوقه حلو.
ضحكت عائشة وهي تقول:
ـ واضح جدًا... ربنا يهنيهم ويسعدهم ويجمع بينهم على خير.
ثم قالت وهي تشير إليهما:
ـ اتفضلوا يا حبايبي، البيت بيتكم.
دخلت الحاجة أمينة وهمس إلى غرفة الضيوف، وجلستا بينما أسرعت عائشة إلى المطبخ لتُحضر الضيافة.
وبعد دقائق، عادت وهي تحمل صينية كبيرة عليها الشاي والقهوة وبعض الحلويات، ووضعتها أمامهما.
ـ اتفضلوا... دي حاجة بسيطة كده.
قالت الحاجة أمينة بابتسامة:
ـ تعبتي نفسك ليه يا عائشة؟
ردت عائشة وهي تجلس بجوارهما:
ـ تعب إيه بس؟ ده أنتم ناس أهل كرم وغالية علينا والله.
بدأت الحاجة أمينة في الحديث معها، وبعد قليل وضعت فنجانها جانبًا وقالت بابتسامة:
ـ على فكرة أنا جاية النهاردة على شان اعظمك انتى والحاج عبد رحيم.
نظرت إليها عائشة باهتمام:
ـ خير يا حاجة؟.
ابتسمت الحاجة أمينة، وقالت:
ـ إن شاء الله خير ... إحنا جايين نبلغكم إن فارس حدد معاد كتب كتابه على همس يوم الخميس.
تهللت أسارير عائشة، وقالت بفرحة:
ـ بجد؟! يألف نهار ابيض يألف مبروك يا حبيبتي!
ثم التفتت إلى همس، وقالت:
ـ مبروك يا عروسة، ربنا يتمم لكم على خير ويجمع بينكم في الحلال، ويبعد عنكم شر الحاسدين و الحاقدين يارب ويجعل ايامكم كلها فرح وهنا.
خفضت همس رأسها بخجل، وابتسمت ابتسامة صغيرة:
ـ الله يبارك فيكي يا حاجة.
ثم سألتها الحاجة أمينة باهتمام : هي فين أيات؟
نظرت إليها عائشة بحزن حولت تدريه وقالت:
ـ في أوضتها... من ساعة العصر وهي قاعدة لوحدها.
تغيرت ملامح همس، وظهر القلق في عينيها.
ـ ممكن أدخل لها؟
نظرت الحاجة أمينة إليها بابتسامة، ثم أشارت عائشة بيدها نحو الممر وقالت:
ـ روحي يا حبيبتي، أوضتها آخر الممر على إيدك اليمين.
نهضت همس بسرعة، ثم التفتت إلى الحاجة أمينة وقالت:
ـ عن إذن حضرتك ياتيتا.
ابتسمت أمينة وقالت:
ـ روحي يا حبيبتي، وخليكي معاها شوية... يمكن تكون محتاجة حد تتكلم معاه.
أومأت همس برأسها، ثم اتجهت نحو الغرفة بخطوات سريعة.
كانت تشعر بشيء غريب في قلبها...
لم تكن تعرف آيات جيدًا، لكنها منذ أن سمعت من فارس أنها تمر بمشاكل مع والدها، شعرت تجاهها برغبة قوية في الاطمئنان عليها.
وقفت همس أمام باب الغرفة، ثم رفعت يدها وطرقت طرقات خفيفة.
لم يأتِها رد.
طرقت مرة أخرى، وقالت بصوت هادئ:
ـ آيات؟... أنا همس.
ساد الصمت للحظات...
ثم جاءها صوت آيات من الداخل، ضعيفًا ومليئًا بالحزن:
ـ ادخلي يا همس...
فتحت همس الباب ببطء، ودخلت...
وما إن وقعت عيناها على آيات، حتى توقفت مكانها للحظة.
كانت آيات تجلس على طرف السرير، وملامحها شاحبة، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء.
اقتربت منها همس بخطوات هادئة، وقالت برقة:
ـ آيات؟ انا خطيبه فارس وبعتنى علشان حمزة عايز يطمن عليكى وقلقان .
رفعت آيات عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:
ـ أنا كويسة... متقلقيش، اتفضلى ياهمس .
جلست همس بجوارها، وأمسكت يدها بحنان.
ـ لا... إنتِ مش كويسة.
نظرت آيات إلى يدها التي تمسك بها همس، ثم أطلقت تنهيدة طويلة، وكأنها كانت تنتظر فقط شخصًا يمنحها الأمان كي تنهار أمامه.
وبالفعل...
لم تستطع آيات أن تتمالك نفسها، وانهمرت دموعها من جديد.
اقتربت منها همس أكثر، وقالت بصوت دافئ:
ـ احكيلي... أنا معاكى ..... متقلقيش.
رفعت آيات عينيها إليها، وقالت بصوت مرتجف:
ـ أنا خايفة يا همس... خايفة أخسر حمزة....أنا بحبه اوى ومش هقدر اعيش من غيره.
حاولت همس تبث فى قلبها الطئنينة. وحمزة بيحبك اوى على فكرة ومستحيل يبعد عنك ده هيتجنن عليكى وعايز
يطمن عليكى بأى طريقة اقولك!
وفتحت شنتطها وطلعت منه تليفون . خدى ياستى كلميه
وطمنيه عليكى واطمنى عليه وبعدها تحكيلى إيه الحكايه
وان شاء الله هنلاقى حل.
وفي الجهة الأخرى من السرايا، كان حمزة يقف في شرفته، وعيناه معلقتين بالطريق المؤدي إلى بيت آيات، بينما يتمتم في قلق:
ـ يا رب تكون بخير.و......