رواية خيوط لاتري الفصل السادس عشر16بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل السادس عشر16بقلم فاطمة مالكي

ا ليلة الزمالك.. صراع التقاليد، جحيم الغيرة، وبداية الوعد الأسطوري
في الطابق العلوي من شقة "ياسين الحكيم" الفاخرة بحي الزمالك العريق، ذلك المسكن المترف الممتد على مساحة طابقين يطلان مباشرة على صفحة نيل القاهرة الساحرة، خُصص الجناح الرئيسي  ليكون مكان قراءة الفاتحة في بيتهن المؤقت وليس في القصر، تأكيداً على هيبتهن.
كانت الأجواء داخل الجناح مزيجاً من التوتر الخانق، والفرحة المرتجفة، ورائحة العطور الباريسية التي تمازجت بعبق البخور الجزائري الأصيل.
وقفت "حنين" أمام المرآة الطويلة تتأمل انعكاسها بفستانها الشيفوني ناعم القوام بلون "اللافندر"، وحجابها الحريري المطرز بخيوط فضية. وبجانبها وقفت شقيقتها "حنان" بكامل حيويتها، ترتدي فستاناً حريرياً بلون الزمرد الأخضر الداكن وحجاباً ذهبياً متألقاً.
دنت منهما الحاجة أمينة (أم العرسان) وعيناها تدمعان فرحاً، واحتضنتهما بحنان قائلة: — "بسم الله ما شاء الله.. قمر الكنانة وقمر الجزائر اجتمعوا في صالون واحد! يا بناتي إحنا عملنا قراية الفاتحة هنا في شقتكم عشان تحسوا إنكم في بيتكم، وليكم كل الإجلال والاحترام اللي تستاهلوه."
فيما كانت رانيا (أخت العريسوان) تدور حولهما وتصفق بيديها قائلة: — "إيه الشياكة دي؟ بجد يا حنين فستانك خيال.. وأنتِ يا حنان طالعة زي الملكات! ياسين ومازن تحت هيتجننوا من الانتظار!"
استدارت حنين ببطء، ومررت يديها الباردتين كالثلج على قماش فستانها، وقالت بصوت متهدج يعكس إعصاراً داخلياً: — "راني خايفة يا حنان.. خايفة بزاف. كل حاجة صرات بسرعة مرعبة. عمي مصطفى وخالتي زليخة، وياسين، والشقة هادي الكبيرة.. واش راح يصير لو نضت من هاد الحلم ولقيت روحي وحدي؟"
أمسكت حنان بيديها بصرامة محبة: — "هذا مش حلم يا قلب أختك، هاد عوض ربي. ياسين راجل وقف قدام الموت علاجالك، انسي الخوف.. الليلة ليلتك."
فجأة، فُتح الباب الخشبي الضخم ودخلت "الخالة زليخة" بكامل هيبتها، ترتدي "القفطان الجزائري" الفاخر من المخمل العنابي المزين بالخيوط الذهبية البارزة (المجبود)، وتحمل في يدها مبخرة نحاسية عتيقة تفوح برائحة العود الملكي.
"صلوا على الهادي شفيع الأمة يا بنات!" زغردت الخالة زليخة زغروطة حادة، طويلة، ومدوية، رجت أرجاء الشقة المترفة، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى فساتين حنين وحنان العصرية بملامح حازمة لا تقبل النقاش. وضعت المبخرة جانباً وقالت بصوت جهوري: — "واش هذا؟ لالا يا بناتي.. الفاتحة لعرايسنا متكونش هكذا بالفساتين هادي! إحنا صح لبستوا (خاتم التقّال) في الجزائر لي يوضح إنكم خلاص لرجال عائلة الحكيم، بصح اليوم الفاتحة وشرطها ومهرها لازم يكون بسبق الهمة والشان!"
التفتت زليخة نحو الخدم الذين دخلوا يحملون أثواباً مطرزة، وقالت بفخر: — "درك (دلوقتي) تغيروا هاد الفساتين. أنا جبتلكم لبسنا التقليدي الأصيل لي يرفع الرأس. حنين تلبس الكاراكو العاصمي المطرز بالفتلة والحرير، وحنان تلبس البلوزة الوهرانية الهمامية.. يلاه يا بنات، العادات عادات وماتتغيرش!"
انبهرت الحاجة أمينة وقالت بترحيب: — "والله عندك حق يا خالة زليخة! الأصول أصول، وأنا كلي شوق أشوف بناتنا باللبس الجزائري الأصيل."
وصاحت رانيا بحماس: — "واو! كاراكو وبلوزة وهرانية؟ ده أنا اللي هساعدهم يلبسوا بنفسي.. لازم نزلزل الصالون تحت!"
بالفعل، توجهت الفتيات وخلفهن رانيا وأمينة لتغيير الملابس، وسط توجيهات الخالة زليخة التي تابعت قائلة: — "يا أمينة يا أختي، ويا رانيا يا بنتي.. درك بعد ما يلبسوا وينزلوا للصالون الكبير، الحاج مصطفى والحاج عبد المعز راهم يستنوا. نقراو الفاتحة شرعاً ونتفاهموا على المهر والشرط. وإذا حابين من بعد ديروا حفلة خطوبة هنا في مصر.. حيكون كاين خاتم الخطبة بوحدو ويعاد الفرح، أما سهرة الليل فراهي مخصصة لحفلة الحنّاء على أصولها!"
الجزء الثاني: صالون الزمالك.. واصطدام الثقافات تحت مظلة العشق
في الطابق الأرضي من الشقة، وداخل الصالون الكلاسيكي الواسع المبطن بخشب الماهوجني الفاخر والمطل على النيل، كان الجو مشحوناً بهيبة الرجال.
تصدر الجلسة المهيبة عبد المعز الحكيم، كبير العائلة العائد بقوة ووقار طاغٍ، يرتدي حلة رمادية داكنة ونظراته تشع ببريق الانتصار. وإلى يمينه جلس "ياسين" ببدلة "توكسيدو" سوداء إيطالية الصنع، قميصه ناصع البياض كالثلج، يبدو كتمثال من الجليد الأسود؛ ظاهره بارد وهادئ، لكن النيران تحرق صدره شوقاً لحوريته. وإلى يسار الأب جلس "مازن" يفرك يديه بتوتر وعصبية واضحة، ويعدل ياقة قميصه كل دقيقة من فرط الحماس.
أمام هذا الثالوث، جلس "الحاج مصطفى" بوقاره المعهود، يرتدي العباءة الجزائرية البيضاء التقليدية، ويمسك بسبحة من الكهرمان الأصلي، يمرر حباتها بهدوء وثبات غير عابئ بكل هذا الثراء المحيط به.
اعتدل عبد المعز في جلسته، ونظر إلى الحاج مصطفى، محاولاً التحدث ببعض الكلمات الجزائرية التي تعلمها تقديراً لنسبهم، وقال بنبرة دافئة وقوية: — "يا مرحباً بحبابنا.. شرفتونا ونورتونا في بلدكم التاني يا حاج مصطفى. والله إحنا (توحشناكم) بزاف من وقت ما رجعنا من الجزائر. إحنا النهاردة هنا في شقة البنات عشان نكمّل الأصول اللي بدأناها هناك في وسط أهلكم بعد ما لبسوا الدبل، وجينا درك عشان نقرا الفاتحة لرجالتي ياسين ومازن على بناتكم الغاليين."
أوقف الحاج مصطفى حركة حبات الكهرمان، ثم قال باحترام ممزوج بكرامة لا تلين: — "الشرف لينا يا حاج عبد المعز، والحمد لله على سلامتك. رجالكم ونعم الرجال والمواقف هي اللي تبين معادن الناس. بصح كما تعرف، إحنا عندنا الأصول هي الأصول. الخطبة والتّقال درناهم في البلاد، واليوم الفاتحة هنا لازم تكون على قناعة، ونسمعوا المهر والشرط، ويكون كاين (الطبق) اللي يتقدم للعروسة قدام أهلها."
تبادل مازن وياسين نظرات سريعة. ارتبك مازن قليلاً وسأل باحترام وهو يميل بجسده للأمام: — "إحنا تحت أمرك وفي طوع الأصول يا حاج مصطفى.. بس العفو يعني، عشان نكون على نور، إيه هو (الطبق)؟ إحنا جايبين الشبكة الألماس والدهب من أكبر بيوت المجوهرات، هل فيه حاجة ناقصة إحنا نسيناها؟"
في تلك اللحظة الفاصلة، فُتح الباب الخشبي الكبير للصالون. ودخلت الحاجة أمينة ورانيا يقودان العروستين بجلال؛ فكانت حنين تبهر الأبصار بالكاراكو العاصمي المخملي الأسود المطرز بخيوط الذهب الذهبية، وحنان تتألق بالبلوزة الوهرانية الحريرية المرصعة بالجواهر. وخلفهما خطت الخالة زليخة بخطواتها الواثقة، يتبعها الخدم يحملون بحذر شديد صناديق خشبية مخملية كبيرة، مغلفة بالتل الأبيض والشرائط الذهبية، وتنبعث منها روائح البخور والزهر الزكية.
تدخلت الخالة زليخة بصوتها الجهوري المليء بالدفء والفخر وهي تشرف على وضع الصناديق على الطاولة الرخامية: — "الطبق يا وليدي هو جهاز الخطبة والفاتحة، هيبة العروسة وقيمتها اللي متتقدرش بمال! لازم يكون فيه الحناء الأصيلة اللي تتخضب بيها إيديها في سهرة الليل، الحايك الأبيض، الشموع الملونة اللي تنور طريقها، الريحة والعطور، وسنيوة الحلويات الجزائريّة اللي عملتها أنا وأمينة أختي ورانيا من الفجر.. المقروط، البقلاوة، والدزيريات.. مكاش فاتحة بلا بيهم. إحنا بناتنا غاليين، وخطوبتهم ليها هيبة وتقاليد."
ابتسمت الحاجة أمينة بحب وقالت موجهة كلامها لزوجها وأولادها: — "الخالة زليخة بتتكلم صح يا عريس أنت وهو.. دي أصولهم وإحنا نشتريها بعنينا. وأنا ورانيا أشرفنا مع الخالة على كل حاجة عشان ليلة الحنة بالليل تليق بمقام بناتنا."
وأضافت رانيا بضحكة مبهجة مكسرة التوتر: — "يا مازن يا فالح.. الألماظ والشبكة بتاعتكم دي بتتحط (جوه) الطبق الجزائري عشان الزين يكمل والأصول تتنفذ صح!"
نظر مازن إلى الحلويات وأطباق الحناء بذهول وإعجاب، بينما التمعت عينا ياسين بإعجاب حقيقي وتقدير عميق للأصالة التي ترتديها حنين وتفوح من عائلتها.
أومأ ياسين برأسه بهدوء شديد، وأشار بإصبعه لرجاله. ثوانٍ معدودة ودخل حراسه يحملون علباً مخملية زرقاء داكنة تحمل شعار أعرق دور المجوهرات العالمية. تناول ياسين الععلبة الأولى، وفتحها بنفسه أمام الحاج مصطفى؛ كانت تحتوي على طقم ألماس ملكي نادر، يعكس لمعاناً بلون اللافندر الخلاب، صُنع خصيصاً من أجل "حنين". ثم فتح مازن علبته التي احتوت على طقم ساحر من الذهب الأبيض المرصع بحبات الزمرد الأخضر الصافي من أجل "حنان".
عندما وُضعت المجوهرات بجانب أطباق الحناء والحلويات الجزائرية المعجونة بماء الزهر، امتزجت أصالة وعراقة البلدين، الثراء الفاحش مع التراث النبيل، في مشهد دافئ أذاب كل الفوارق في صالون الزمالك.
التقت عيون ياسين بحنين بنظرة طويلة حملت كل وعود الدنيا، بينما بادلته هي ابتساماتها الخجولة التي أعلنت استسلامها لعشقه الجارف.
— "على بركة الله.. نقرا الفاتحة يا حاج، ونسمع شرطكم ومهركم اللي تؤمروا بيه،" قال عبد المعز رافعاً يديه.
قال الحاج مصطفى بوقار وابتسامة حكيمة: "مهرنا هو الستر والرجال يا حاج عبد المعز، وبناتنا عندكم أمانة.. نقراو الفاتحة."
قرأ الجميع الفاتحة في جو عائلي مهيب تتنزل فيه السكينة. وما إن نطقوا بكلمة "آمين"، ومسحوا على وجوههم، حتى انطلقت زغاريد الخالة زليخة المدوية التي هزت أرجاء الشقة المترفة، وشاركتها رانيا بضحكاتها وزغاريدها المصرية الفرحة، معلنة بدء الفرحة الكبرى والاستعداد لليلة الحناء.
مال مازن على أذن ياسين وهمس بابتسامة متوترة: — "الظاهر إننا داخلين على نسايب دمهم حامي، والليل مش هيعدي بالساهل في ليلة الحنة يا وحش."
رد ياسين دون أن ينظر إليه، وعيناه مصوبتان نحو حنين التي أصبحت زوجته شرعاً ورسمياً: — "أنا مستعد أواجه جيش كامل وأحرق الدنيا.. المهم إنها بقت على اسمي وفي حمايتي."
الجزء الثالث: نزول الملكات.. وتوقف الزمن أمام إعلان الأسد
انتقلت العائلة إلى الحديقة الشاسعة التي تم تحويلها، بفضل أكبر شركات تنظيم الحفلات في الشرق الأوسط، إلى أسطورة حية تنبض بالجمال. كانت طاولات الرخام الأبيض تتوزع بانتظام هندسي دقيق، مزينة بتنسيقات ضخمة من زهور اللافندر والياسمين التي عبق عطرها في الأجواء الليلية الساحرة. الإضاءة الذهبية الخافتة انسدلت من فروع الأشجار العالية كخيوط من السحر الخالص، بينما كانت فرقة أوركسترا ضخمة تعزف مقطوعات كلاسيكية راقية تليق بهيبة الحضور الذي ضم وزراء، سفراء، وحيتان الاقتصاد في مصر والوطن العربي، الذين جاؤوا محملين بالفضول لمشاهدة عودة عبد المعز الحكيم للحياة، وخطوبة ابنه المهندس مازن.
وقف ياسين ومازن أسفل السلم الرخامي العريض المنحني الذي يربط القصر بالحديقة. فجأة، وبإشارة متفق عليها، سكتت الموسيقى الكلاسيكية، وبدأ العازفون في عزف مقطوعة هادئة، رومانسية، ومترقبة تخطف القلوب.
عند قمة السلم، ظهرت الأختان.
تقدمت حنان أولاً، كفراشة ربيعية، فستانها الزمردي يتلألأ تحت الأضواء مع كل خطوة، وابتسامتها الواسعة أضاءت وجهها. كاد مازن أن يبكي من فرط تأثره، فقد رأى فيها الحياة، الشغب، والشقاوة التي طالما افتقدها في حياته.
لكن الأنظار كلها، وتحديداً عيون ياسين الصقرية الحادة، كانت مثبتة، مسمرة، ومغروزة في من تقف خلفها.
نزلت حنين ببطء. كان فستان اللافندر يتحرك معها كأمواج هادئة في محيط من السحر، يغلف جسدها بحشمة تامة، ولكنه يبرز قوامها المتناسق وخطواتها الواثقة المترددة في آن واحد بطريقة تسلب العقول. كانت ترفع طرف الفستان بيدها النحيلة، وتنظر إلى الأسفل بخجل أذاب قسوة العالم، بينما أحاط الحجاب بوجهها الملائكي كإطار للوحة فنية نادرة لا تقدر بثمن.
بالنسبة لياسين، توقف الزمن تماماً. اختفى صوت مئات الحاضرين، تلاشت الأضواء المبهرة، تبخرت الوجوه، ولم يعد يرى في الكون بأسره سوى تلك المرأة التي تمشي نحوه. شعر بقبضة عنيفة تعتصر قلبه، ليس ألماً، بل من فرط العشق والامتنان. كان رجلاً يملك المليارات، يتحكم في مصائر شركات ضخمة بكلمة منه، لكنه في هذه اللحظة، كان مجرد عاشق متيم يقف مبهوراً، عاجزاً عن استيعاب حجم النعمة التي هبطت عليه. تذكر كيف كانت حياته قبلها؛ خردة من المشاعر الميتة، وصحراء قاحلة من الثأر، حتى جاءت هيلتعيد  النبض لقلبه.
لم يستطع الانتظار. تقدم ياسين خطوتين للأمام، كاسراً كل البروتوكولات والأعراف. صعد درجات السلم بخطوات واسعة نحوها. عندما وقفت أمامه، التقت عيناهما المظلمة والعسلية في حوار صامت فاق كل لغات الأرض. مد يده القوية، الكبيرة والصلبة، فارتجفت يدها الصغيرة وهي تضعها بخجل داخل راحته. أحكم قبضته عليها وكأنه يثبت ملكيته الأبدية، وانحنى ببطء بالغ ليطبع قبلة عميقة، طويلة، ومقدسة على ظهر يدها أمام مئات الحاضرين، غير عابئ بشهقات الانبهار وعدسات المصورين.
رفع رأسه، واقترب حتى لامست أنفاسه الحارة وجهها المحمر، وهمس بصوت خشن ومبحوح لم يسمعه غيرها:
— "قولتلك اللافندر هيجنني عليكي.. طالعة زي الحلم اللي كنت خايف ما يتحققش. إنتِ بقيتي خطيبتي قدام ربنا والناس.. من اللحظة دي، إنتِ في ذمة الأسد وفي عرينه يا حنين، ومفيش قوة على الأرض هتقدر تبعدك عني."
هبط بها إلى المنصة المزينة بالورود وسط تصفيق الحضور الذين اعتقدوا أنه مجرد ترحيب استثنائي بشقيقة العروس. لكن ياسين، الذي لا يرضى بأن يكون في الظل، أشار بيده لفرقة الأوركسترا لتتوقف تماماً. أمسك بالمكروفون، ووقف بشموخ طاغٍ يجذب الأنظار كالمغناطيس، ووجه نظره للحشود المتسائلة، بينما يده الأخرى تحكم قبضتها على خصر حنين:
— "ضيوف عائلة الحكيم الكرام.. الكل حاضر النهاردة عشان يشاركنا الفرحة بخطوبة أخويا وسندي المهندس مازن. لكن، عائلة الحكيم مبتعرفش تفرح نص فرحة! النهاردة فرحتنا فرحتين.. قدامكم كلكم، وقدام العالم كله، أنا بعلن خطوبتي رسمياً على الآنسة حنين.. حورية الجزائر اللي خطفت قلب الحكيم، وأنقذتني من ضلمتي.. وبعلن إن الشركة، والقصر، وتاريخ عيلة الحكيم، بقوا من اللحظة دي تحت أمر ملكتهم الجديدة!"
ضجت الحديقة بآهات الذهول، وتفجرت موجة من التصفيق الحار والمفاجأة المدوية التي زلزلت الأرجاء، فقد تحول العرس فجأة إلى خطوبة مزدوجة أسطورية قلبت كل الموازين.
الجزء الرابع: دموع خلف الكواليس.. حوار دافئ بين عبد المعز وأمينة
على بُعد خطوات من المنصة الصاخبة، بعيداً عن أضواء الكاميرات وزحام المهنئين، كان عبد المعز يقف بجانب زوجته ورفيقة دربه "أمينة"، يراقبان المشهد بقلوب تعتصرها السعادة المطلقة.
كانت دموع الفرح تلمع في عيني أمينة، تنحدر بصمت على وجنتيها وهي تستند بثقلها على ذراع زوجها، وكأنها تستمد منه اليقين بأن هذا كله ليس حلماً. همست بصوت متهدج، يرتجف من فرط العاطفة:
— "مش مصدقة عيني ياحبيبي .. حاسة إني في جنة. ابني رجعتله الروح.. شوف بيبصلها إزاي؟ شوف بيحميها بعنيه إزاي؟ بقالي خمس سنين بشوفه زي الصخر، مبينطقش، ولا بيحس، ولا بيبتسم من قلبه. كأن الموت سكن قلبه من يوم ما غبت عننا. كنت بشوفه بيموت بالبطيء وسط  شركاته."
التفت إليها عبد المعز، وعيناه تفيضان بالدموع التي كتمها طويلاً. رفع يده، وربت على يدها الممسكة بذراعه بحنان شديد، قائلاً بنبرة أبوية دافئة تحمل ثقل السنين وعمق الندم:
— "الولد ده شال حمل يهد جبال يا أمينة.. حمل مفيش شاب في سنه يقدر يشيله. كان بيحارب طواحين الهوا، وبيصارع حيتان السوق لوحده عشان يحميكم، ويحافظ على اسمي، ويجيب حقي من اللي غدروا بيا. قسى على نفسه عشان يقدر يقسى على أعدائه. بس ربنا كريم وعادل.. بعتله الغزاله دي عشان تذوب جبال الجليد اللي اتبنت في قلبه. حنين مش بس خطفت قلبه، دي رجعتلي ابني اللي أعرفه.. ياسين اللي بيحب، وبيغار، وبيخاف، وبيبتسم. العيلة دي رجعت تتنفس بوجودها، وبوجودكم."
الجزء الخامس: جحيم الغيرة.. خطوة انتحارية لمهندس بقلب ميت!
وسط الأجواء الاحتفالية الراقية، والمباركات التي تنهال على العرسان، وبينما كان ياسين يقف كدرع بشري بجانب حنين لا يفلت يدها للحظة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
استغل المهندس شريف (رجل اعمال )، ذلك الشاب الوسيم، النرجسي،  المعروف بغروره المبطن، زحام المهنئين. كان شريف يضمر إعجاباً كبيراً بذكاء وجمال حنين منذ أن كانت مدققة مالية في الشركة، وقد صُعق كغيره بإعلان ياسين المفاجئ. ولكن بدلاً من أن ينسحب كأي رجل عاقل، قرر اتخاذ خطوة مجنونة، متهورة، وانتحارية بكل المقاييس، مدفوعاً  غروره الأعمى.
تقدم شريف بخطوات واثقة ومستفزة، يشق الصفوف، حتى توقف أمام ياسين وحنين مباشرة، وبجانبهم الحاج مصطفى .
— "ياسين بيه، مبروك المفاجأة دي، الحقيقة محدش كان يتوقعها،" قال شريف بصوت مستفز، وعيناه مسلطتان على تفاصيل وجه حنين بطريقة صريحة ووقحة تجاوزت كل الحدود، ثم التفت فجأة إلى الحاج مصطفى، وقال بجرأة لا تُصدق، وكأنه يلقي بنفسه في فوهة بركان نشط:
— "يا حاج مصطفى، أنا المهندس شريف، من كبار المهندسين في مصر ومن عيلة معروفة. الحقيقة، أنا كنت ناوي أطلب إيد الآنسة حنين الليلة لنفسي، وتفاجأت بإعلان ياسين بيه من دقايق. بس في الأصول، الآنسة لسه مالبستش دبلتها، ومفيش حاجة رسمي اتوثقت. وأنا بطلب إيدها منك قدام الكل، وبقلب جامد، ومستعد أقدم أضعاف أضعاف اللي اتقدم، ومستني نصيبي حتى لو كان المنافس هو ياسين الحكيم نفسه!"
في تلك اللحظة، تجمد الدم في عروق كل من سمع الحوار. توقفت الأنفاس، واتسعت عينا مازن برعب حقيقي وهو يهمس لنفسه: "يخرب بيتك يا شريف.. إنت بايع عمرك وجاي تموت هنا!"
شهقت حنين برعب وتراجعت خطوة للخلف لا شعورياً، بينما ساد صمت مميت، ثقيل، وخانق حول المنصة، صمت يسبق إعصاراً مدمراً.
أما ياسين.. فقد تحولت ملامحه في جزء من الثانية إلى عاصفة من الجحيم الخالص. اختفت الهيبة الهادئة، والابتسامة الرسمية، وتلاشت هالته الدبلوماسية لتفسح المجال لوحش كاسر كُبل لسنوات. برزت عروق رقبته بشكل مخيف، واسودت عيناه حتى أصبحتا كبئرين من الظلام.
في حركة خاطفة لم يستطع أحد إيقافها، أفلت ياسين يد حنين، وتقدم خطوة واحدة كانت كفيلة بأن تجعل شريف يدرك، متأخراً جداً، حجم الكارثة التي أوقع نفسه فيها.
أمسك ياسين بياقة بدلة شريف بقبضة حديدية، خارقة، وكاد يرفعه عن الأرض من شدة الغضب. جذبه إليه حتى تلاقت أنفاسهما، وهمس بصوت يشبه فحيح الأفاعي قبل اللدغ، صوت جهنمي مسموع فقط لمن حولهم:
— "إنت شكلك بايع عمرك يا شريف.. جاي لحد عندي، وفي بيتي، ووسط عيلتي، وتتجرأ تطلب إيد روحي؟ إنت حقيقي فاكر إن فيه راجل على وجه الأرض يقدر ينطق حروف اسمها، أو يرفع عينه فيها، ويفضل واقف على رجليه يتنفس؟"
حاول الحاج مصطفى التدخل بهدوء لفض الاشتباك وتجنب الفضيحة: "يا بني صلي على النبي، استهدى بالله.."
لكن ياسين قاطع الجميع وهو يرمي شريف للخلف بقوة عنيفة جعلته يترنح ويكاد يسقط على الطاولات، وأشار لحراسه الشخصيين الذين تقدموا كالسياج الحديدي، وقال بصرامة مرعبة لا تقبل النقاش:
— "الراجل ده يتشال من هنا حالاً.. يترمى بره أسوار القصر. ومن بكره الصبح، اسهم شركتو حيتساوو بالبلاط. إنت انتهيت يا شريف، واسمك اتلغى من سوق العمل كله."
انسحب شريف مرعوباً، مهاناً، يحيط به الحراس، بينما التفت ياسين إلى حنين التي كانت ترتجف بخفة من شدة الموقف. لم يكترث لنظرات الناس، بل سحبها بقوة حنونة لتلتصق بصدره العريض أمام الجميع، كإعلان سيطرة وتملك مطلق لا يقبل التحدي، وهمس لها وهو يدفن وجهه في حجابها يستنشق عطرها ليهدئ من روعه:
— "قولتلك.. أنا أسد، والأسد مبيسمحش لغريب، مجرد غريب، يشم ريحة منطقته. إنتِ ملكي يا حنين.. ملك ياسين الحكيم وبس."
الجزء السادس: التخطيط للفرح الأسطوري.. وصدام التقاليد الفكاهي
بعد انتهاء الحفل في ساعة متأخرة من الليل، ومغادرة آخر الضيوف، تجمعت العائلة المصغرة في الصالون الداخلي الدافئ للقصر لتناول الشاي بالنعناع الذي أعدته الخالة زليخة لتهدئة الأعصاب بعد أحداث الليلة.
بدأ مازن الحديث بحماس شديد، محاولاً كسر التوتر المتبقي وهو يفك ربطة عنقه:
— "بصوا بقى يا جماعة، الفرح لازم يكون ضرب نار! حاجة متعلمتش قبل كده. هنجيب تامر حسني وعمرو دياب يحيوا الليلة للصبح. وهنعمل زفة إسكندراني بالمشاعل، وزفة مصري بالطبل البلدي، وفي نص الفرح، العروسة تنزل من السقف في هودج مضيء مليان ليزر وحركات! حاجة كده تخلي مصر كلها تحلف بيها عشر سنين قدام!"
لم تكد حنان تضحك على أفكار مازن المجنونة، حتى وضعت الخالة زليخة فنجان الشاي بقوة على الطاولة الزجاجية، ووقفت واضعة يديها على خصرها في وضعية هجومية استعداداً لمعركة التقاليد:
— "يا وليدي واش هاد الكلام اللي  راك تقول فيه؟ عروسة تنزل من السقف؟ علااااه؟ سبايدرمان هي ولا باتمان؟" ضج المكان بضحكات الجميع، بينما أكملت الخالة بحزم وعصبية محببة: "لا لا، اسمعوني مليح باش نكونوا على نور. العرس لازم يكون فيه (التصديرة الجزائرية) كاملة مكملة! العروسة لازم تبدل الفساتين؛ تبدأ بالكاراكو العاصمي، ومنبعد  القفطان المجبود، والجبة القبائلية، والملحفة الشاوية،  الروبه النايليه بالسخاب وتختم بالشدة التلمسانية المكللة بالذهب الصافي من ساسها لراسها! والزفة لازم تكون بالزرنة والبندير، والعروسة تخرج تحت جناح عمها بالبرنوس الأبيض!"
اتسعت عينا مازن بصدمة حقيقية، وسقط فكه السفلي وهو ينظر لياسين طلباً للنجدة:
— "ست فساتين في ليلة واحدة ةالفستان الابيض يبقو سبعه ؟! يا خالة زليخة، ده إحنا كده هنقضي الفرح في غرف اللبس والمكياج، والناس هتنام في القاعة وتصحى تفطر وتستنى العروسة تخلص! إيه التصديرة دي، ده إحنا كعرسان مش هنلحق نشوفهم ولا نرقص معاهم!"
تدخل الحاج مصطفى مهدئاً الأجواء بابتسامة وقورة: "يا ابنيهدي عاداتنا وتقاليدنا، العروسة لازم توري زينها وتقاليد بلادها وتفرح بأصولها."
في تلك الأثناء، كان ياسين يراقب النقاش الفكاهي بصمت تام. التقت عيناه بعيني حنين التي كانت تضحك، لكنه بحدسه العاشق، رأى في عينيها حنيناً خفياً، شوقاً دفيئاً لوطنها، لأغانيها، لطقوس زفاف حلمت بها منذ طفولتها في شوارع الجزائر العتيقة. أدرك ياسين في تلك اللحظة الحاسمة أن كل أمواله، ونفوذه، وقصوره في مصر، لن تعوضها عن دفء جذورها ورائحة وطنها، إلا إذا جلب لها هذا الوطن إلى هنا.
الجزء السابع: المفاجأة الكبرى.. والوعد على نغمات الراي
نهض ياسين فجأة من مكانه، وخطا بثقة ليقف في منتصف الغرفة. وضع يده في جيب بنطاله، وقال بنبرة هادئة ولكنها تحمل سلطة لا تقبل النقاش، أنهت كل الجدال:
— "الفرح هيكون الأسبوع الجاي.. وهيكون مزيج أسطوري ملوش مثيل في أي مكان. هيكون فيه زفة مصرية أصيلة عشان دي أرضي وبلدي، وهيكون فيه (التصديرة الجزائرية) بالسبع فساتين اللي قالت عليهم الخالة زليخة وبكل تفاصيلها، عشان دي جذور ملكتي وأصولها اللي أنا بفتخر بيها قدام الدنيا كلها."
ثم التفت ياسين إلى مازن، وأخرج هاتفه المحمول الأنيق، وأصدر أمراً صاعقاً:
— "مازن، إلغي أي حجز مع تامر حسني أو عمرو دياب أو أي مطرب مصري للفقرة الرئيسية."
استغرب مازن وقطب حاجبيه بذهول: "ليه يا ياسين؟ أومال مين هيغني في فرح بالحجم ده؟ هنجيب دي جي؟"
ابتسم ياسين ابتسامة واسعة، ورفع عينيه لتلتقي بعيني حنين المترقبة. لم يكن ينظر لأحد غيرها وهو يضغط على زر الاتصال في هاتفه، ويقول لمدير أعماله الخاص الذي أجاب على الفور:
— "ألو، حاتم . جهز طيارتي الخاصة فوراً، تاخد تصريح إقلاع وتتجه لوهران الليلة. مهمتك تجيبلي المطرب الجزائري (بلال الصغير) بفرقته الموسيقية بالكامل، وتدفعله أي رقم خيالي يطلبه، وتجيبه على مصر بطيارتي."
صمتت القاعة تماماً وكأن على رؤوسهم الطير. اتسعت عينا حنين بذهول غير مصدق، وتوقفت أنفاسها، بينما شهقت الخالة زليخة واضعة يدها على فمها.
أكمل ياسين مكالمته وعيناه لا تفارقان دموع الفرح التي بدأت تتجمع وتلمع في عيني حنين:
— "بلغ بلال الصغير إن ياسين الحكيم طالبه بالاسم، وقوله يجهز أغنية (صليت صلاة الاستخارة) عشان دي الأغنية اللي هرقص عليها الرقصة الأولى مع مراتي. الفرح ده مش بس مصر اللي هتتكلم عنه.. ده الوطن العربي كله هيتكلم عن ليلة زفاف ملكة الجزائر على أسد الحكيم."
أغلق الهاتف. لم تستطع حنين تمالك نفسها للحظة  أخرى. وقفت واندفعت نحوه دون تفكير في من حولهما، ودفنت وجهها في صدره العريض وهي تبكي بنشيج خافت من فرط السعادة والامتنان. لم يختر لها مطرباً عربياً شهيراً ليتباهى به أمام كبار الشخصيات، بل اختار المطرب الذي يعلم أن صوته يحمل رائحة وطنها وذكرياتها، اختار كلمات أغنية تعبر بالضبط عن قصتها.. فتاة اغتربت، خافت، ثم استخارت ربها، فوجدت في هذا الرجل العملاق عوضاً عن الدنيا وما فيها.
أحاطها ياسين بذراعيه القويتين، ودفن وجهه في حجابها اللافندر، لا يكترث لمازن الذي كان يصفر بصفير عالٍ ومرح، ولا لزغاريد الخالة زليخة التي انطلقت مجدداً تشق عنان السماء.
— "نوعدك يا حنين،" همس ياسين في أذنها بصوت يفيض بالعشق ، العشق الذي شُفي به من كل جراحه: "نوعدك إن ليلة فرحك هتبقى أسطورة تتورثها الأجيال. هجيبلك الجزائر كلها تحت رجليكي هنا في مصر، وهثبتلك كل يوم إن الاستخارة اللي صليتيها.. كانت أجمل إجابة ربنا بعتهالي، وأعظم هدية في حياتي كلها."
تذكر ليله الاعتراف  كيف ابتعدت عنه بصعوبة حينها، تلتقط أنفاسها اللاهثة ووجنتاها تشتعلان خجلاً كحبة كرز. ورغم العشق الصريح الذي كان يفيض من عينيها، إلا أنها تراجعت خطوة إلى الخلف، وقالت بصوت يرتجف ولكنه يحمل صلابة فتاة تعرف حدودها: — "أنا ثان  نحبك يا ياسين.. قلبي راه ليك وعمري ما حسيت بالأمان غير معاك. .بصح(لكن ( الزواج ميثاق غليظ، وأنا لازمني نصلي صلاة الاستخارة الأول قبل ما نعطيك كلمتي والموافقة النهائية، باش ربي يبارك في طريقنا."
تذكر كيف تضخم عشقه واحترامه لها في تلك اللحظة لمئات الأضعاف. ابتسم لها بحنان، وتركها تتوضأ وتصلي ركعتي الاستخارة في غرفة الاستراحة الملحقة بالمكتب. راقبها من بعيد وهي تناجي ربها، وحين انتهت وخرجت إليه، كانت ملامحها تشع بسلام داخلي عجيب، وابتسامة رضا رقيقة زينت ثغرها، لتومئ له برأسها في موافقة صامتة أطفأت نيران قلقه للأبد.
عوده 
رفعت حنين وجهها المبلل بدموع  ، وابتسمت ابتسامة أضاءت عتمة روحه للأبد، لتبدأ من هنا، استعدادات أسطورية لليلة العمر، ليلة التصديرة، وليلة رقصة الأسد على أنغام الراي، معلنة انتصار الحب على كل الفروق، وكل المخاوف، وكل جدران الجليد.

تعليقات



<>