رواية اولاد الباشا الفصل السادس عشر16بقلم شيماء منير
لو تكررت حياتي ألف مرة ،
سأختارك أنت في كل مرة ❤️
بعد يوم مرهق وطويل في الفنادق، لف فيه على رجليه واطمن على كل صغيرة وكبيرة بنفسه، رجع فارس البيت وهو شايل فوق كتافه جبل من التعب والهموم. فارس من نوع الرجالة اللي طبعهم صعب؛ مبيعرفش يغير المكان اللي بينام فيه ولا بيرتاح إلا في سريره وأوضته.
أول ما دخل الفيلا، لقى الهدوء مسيطر على المكان، وكانت والدته نجوى قاعدة مستنياه. قربت منه بخطوات حامدة وقالت بلهفة وحنان:
— "حمد الله على السلامة يا حبيبي.. نورت بيتك."
فارس وهو بيفك زرار قميصه بتعب وإرهاق مالي ملامحه:
— "الله يسلمك يا ماما.. الله يخليكي."
نجوى بقلق أمهات:
— "كله تمام يا حبيبي؟ طمني، عملت إيه في الفنادق؟"
فارس:
— "الحمد لله يا ماما، لحقنا الموضوع وقدرت أسيطر على الأمور قبل ما تكبر."
طبطبت نجوى على كتفه بحنو وفخر:
— "الحمد لله يا قلبي.. طول عمرك قدها وقدود، ده أنت البطل بتاعي. بابا كان متضايق ومنفعل أوي امبارح."
كأن الكلمة فكرت فارس بالحوار اللي دار بينه وبين أبوه، وبحكاية غادة النحاس والشكوك اللي بتلعب في دماغه. ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة وقال:
— "الحمد لله يا ماما كله انحل خلاص.. المهم، كنت حابب أتكلم معاكي في موضوع كدة على انفراد."
نجوى بفضول:
— "خير يا حبيبي؟ في حاجة قلقتك؟"
فارس بهدوء وهو بيراقب تعبيرات وشها:
— "لا مفيش حاجة تقلق.. بس يعني أنا ملاحظ بقالي فترة إنك أنتِ وبابا علاقتكم مش مظبوطة أوي.. في بينكم حاجة كدة أنا مش فاهمها؟"
نجوى حاولت ترسم ابتسامة طبيعية وقالت بسرعة:
— "لا يا حبيبي، مفيش أي حاجة خالص، إحنا كويسين وزي الفل."
فارس بذكاء وصوت هادي:
— "احم.. أصل يعني ساعات بابا بيسيب الفيلا ويروح يبات في الفندق كتير اليومين دول."
نجوى ببرود مصطنع:
— "وعادي يعني إيه المشكلة في كدة؟ ما هو صاحب الشغل وده شغله."
فارس:
— "مش حكاية مشكلة.. بس يعني ليه مثلاً مابتروحيش معاه تقضوا وقت لطيف سوا هناك وتغيروا جو؟"
اتسعت ابتسامة نجوى وقالت بتهرب ذكي:
— "يا حبيبي لما نحب نغير جو ونقضي وقت لطيف نروح أي مكان تاني هادي ونظيف.. ليه نروح الفندق اللي هو كله شغل وصداع؟"
فارس بنبرة ذات مغزى:
—
ــأنا أقصد طالما الباشا راحته واخدة عليه هناك يعني..
قطعت نجوى حواره وطبطبت على إيده بحنان:
— "أنا مش عايزاك تشغل بالك بأي حاجة يا حبيبي.. أنا وبابا متفقين على كل حاجة ومفيش أي زعل، متقلقش علينا أبداً. المهم دلوقتي اطلع أوضتك خد شاور دافي يفك عضمك ده، على ما أخلي الشغالين يحضروا الاكل
انحنى فارس وقبّل كف إيدها ببر وامتنان:
— "تسلميلي يا ست الكل.. ربنا ما يحرمني منك."
طلع فارس غرفته، أخد شاور دافي نزل هموم اليوم من على كتافه، وخرج وهو لابس بنطلون قطني مريح. ولسه بينشف شعره بالفوطة، رن موبايله على الكومودينو. بص في الشاشة لقاها "بنان".
ابتسم تلقائياً وفتح الخط، وقال بنبرة دافية وصوت واطي مليان شو ق:
— "وحشتيني.."
جاءه صوت بنان من الناحية التانية بنبرة فيها عتاب ودلع طفولي:
— "أممم.. بتقول كدة دلوقتي عشان ما أقولكش ماردتش عليا طول اليوم ليه؟"
فارس بصدق وعشق ظاهر في صوته:
— "والله العظيم وحشتيني أوي.. ونفسي دلوقتي حالا أكون جنبك وأخدك في حضني عشان أرتاح من تعب اليوم كله."
بنان بهدوء:
— "شكلك رجعت من الفندق أخيراً؟"
فارس:
— "أيوه.. لسه واخد شاور وخارج حالا."
بنان:
— "أوكي.. حمد الله على سلامتك."
فارس بنبرة قلقة:
— "الله يسلمك يا روحي.. لسه تعبانة وضغطك واطي ولا بقيتي أحسن؟"
بنان:
— "الحمد لله.. بقيت أحسن بكتير."
فارس سكت لحظة وحس بنبرة صوتها المتغيرة:
— "الحمد لله يا رب.. بس ماله صوتك؟ حاسس في حاجة مضايقاكي؟"
بنان بضيق:
— "أبداً مفيش.. خلصت مشكلة الفندق دي؟"
فارس:
— "آه الحمد لله كله تمام وتحت السيطرة."
بنان بنبرة تهكم وسخرية واضحة:
— "كويس.. يارب بقى يكون خالو صلاح باشا ارتاح وهدي باله!"
عقد فارس حاجبيه بضيق طفيف من طريقتها:
— "بنان.. في إيه؟ بتتكلمي بالطريقة دي ليه؟"
بنان بانفعال بدأ يظهر في صوتها:
— "بصراحة بقى مضايقة جداً من أسلوبه وطريقته معاك! مش كفاية شايل الشغل كله على كتافك ومستحملك قسوته، وهو وابنه التاني الطايش ده مش حاطين في دماغهم أي مسؤولية ومقضيينها مشاكل وأنت اللي بتدفع التمن؟!"
فارس بضيق ونبرة بدأت تتوتر:
— "تاني يا بنان؟ هو أنتِ متصله تتخانقي
بنان بعناد:
— "بجد يا فارس أنا مش عارفة أنت إزاي واخد الأمور ببساطة وسهولة كدة وساكت على حقك!"
فارس بحسم وصوت قوي:
— "عشان اللي بتتكلمي عنهم وبتقللي منهم دول يبقوا أبويا وأخويا يا بنان! مسمحلكيش تتكلمي عنهم كدة."
بنان بنبرة حادة ومريرة:
— "هو مضايق من خطوبتنا وأنا متأكدة من كدة يا فارس.. واضح جداً من طريقته وأسلوبه الجاف، وكمان عدم حضوره يوم خطوبتنا كان أكبر دليل على إنه مش طايقني!"
مسح فارس على وشه بتعب شديد وحس إن طاقته بتخلص:
— "في إيه يا بنان مالك؟ قاعدة تدخلي الحوارات في بعضها ليه وتفتحي في القديم والجديد؟"
انفجرت بنان وقالت بتهور وعناد أعمى:
— "على فكرة بقى.. أنا بكره خالو صلاح ده! وبكره تحكمه في كل حاجة وطريقته السخيفة دي!"
هنا فارس فقد أعصابه تماماً، وعينيه اسودت من الغضب وصاح فيها بعصبية هزت أركان الأوضة:
— "إيه الهبل والقلة الأدب اللي أنتِ بتقوليها دي يابت أنتِ؟! اتجننتي؟!"
بنان بعناد وقوة:
— "ده مش هبل دي الحقيقة! ولازم تفهمها."
فارس بغضب أعمى وصوت جهوري:
— "اقفلي السكة يا بنان! أنتِ شكلك بتخرفي اصلا
بنان بحدة وتحدي:
— "ما هو لازم الشعور يكون متبادل يا فارس.. زي ما هو مبيحبنيش أنا وماما وبيتصرف معانا بمنتهى الجمود والتعالي، لازم أكون أنا كمان كدة معاه وما أطيقوش!"
فارس وهو بيجز على سنانه وعروق رقبته هتنطق من الغل:
— "أحمدي ربنا.. أحمدي ربنا بجد إنك مش قدامي دلوقتي.. عشان قسماً بالله العظيم هأديكي قلمين على وشك يفوقوكي من الجنان اللي أنتِ فيه ده!"
في اللحظة دي، انفتح باب الأوضة ودخلت نجوى ومعاها الشغالة وهي شايلة صينية أكل دافية وريحتها تفتح النفس. نجوى كانت سامعة صوت زعيق فارس وعصبيته وهي لسه في الطرقة برة. شاورت للشغالة تسيب الأكل وتمشي فوراً، وفعلاً حطت الصينية وانسحبت وقفلت الباب وراها بسرعة.
على الناحية التانية من الخط، بنان كملت بنبرة باردة ومستفزة:
— "أوكي يا فارس.. براحتك، بس أنا حبيت أعرفك كل اللي جوايا من ناحيته عشان بعد كدة متلومنيش على أي تصرف ممكن يصدر مني تجاهه."
فارس بعصبية وصدره بيعلو ويهبط بسرعة:
— "قصدك إيه بالكلام ده يعني؟! انطقي!"
بنان ببرود تام:
— "يعني أنا مش هعمل لحد قيمة أكتر من قيمته، ومش هسمح لأي مخلوق يتنطط عليا ويتأمر، وأولهم خالو صلاح!"
هنا فارس الغضب سيطر على عقله تماماً، وفقد السيطرة على لسانه، وأطلق لفظ سوقي (بيئة) دليل على قمة اعتراضه وغضبه الأعمى، وصاح بزئير:
— "قسماً بالله.. أنتِ لو قدامي دلوقتي لأقطع لسانك اللي بيتنطق بالقلة الأدب دي! أنتِ اتهبلتي يا بت ولا جرى لعقلك حاجة؟! أنتِ بتكلميني أنا كدة؟!"
وقبل ما يكمل كلمته، بنان رزعت الخط في وشه وقفت السكة.
بص فارس لشاشة الموبايل بغضب لا يوصف، وحس إن الدم بيغلي في عروقه، ورمى التليفون بكل قوته على السرير.
قربت نجوى منه بسرعة وحطت إيدها على كتفه بتحاول تهديه:
— "اهدأ بس يا حبيبي.. استهدى بالله، في إيه مالكم؟ اتخانقتوا ليه ؟؟
مردش فارس عليها من فرط غيظه، مد إيده بعصبية ومسك ساعته اللي كان خالعها وحاططها على الكومودينو، بص فيها لقاها الساعة ١٠ مساءً.
قام وقف فجأة واندفع ناحية الدولاب وفتحه بعنف وبدأ يدور على لبس خروج عشان ينزل يروحلها.
جرت وراه نجوى ومسكت دراعه بقلق وفهمت هو بيفكر في إيه:
— "بلاش يا فارس.. أرجوك بلاش تروح لها دلوقتي وأنت بالشكل ده وعصبيتك دي، هتروح تخرب الدنيا وتكبر الخناقة أكتر.. اهدأ وبلاش نزول."
ضرب فارس بإيده على ضلفة الدولاب بغضب وقهر فرغ فيه شحنته، ورجع تراجع لورا وقعد على طرف السرير بعصبية، ورجله عمالة تتحرك على الأرض بحركة سريعة ومستفزة تدل على بركان الغضب اللي جواه.
قعدت نجوى جنبه بهدوء وطبطبت على ضهره بحنان أمهات:
— "إيه بس يا حبيبي اللي يوصلك لكل الغضب ده؟ فهمتني إيه اللي حصل؟"
غمض فارس عيونه بقوة وهو بيضغط بقبضة إيده كأنه بيمسك أعصابه بالعافية، وقال بصوت مكتوم ومبحوح:
— "مفيش حاجة يا ماما.. مفيش."
نجوى بنبرة حكيمة ودافية:
— "طيب اهدأ يا قلبي.. كل مشكلة في الدنيا وليها حل بالهداوة. معلش هي لسه بنوتة صغيرة وطبعها طفولي، ولو غطت وقالت كلمة كدة ولا كدة ده بيكون دلع عليك يا حبيبي.. أنت الراجل العاقل اللي لازم يحتويها، وأنت اللي تعلمها الصح من الغلط وتعرفها طبعك وحدودك بالراحة ومن غير عصبية.. بس أنا متأكدة وعارفة ومتأكدة إنها بتعشقك وبتموت فيك."
أخد فارس نفس عميق وتنهد بتعب وإرهاق حقيقي بدأ يهديه شوية.
حست نجوى إنه بدأ يستكين ويهدأ، فقالت بابتسامة حنونة وهي بتشاور على الأكل:
— "تعالى بقى كل لقمة دافية تسند طولك ده."
فارس بقلة حيلة وضيق:
— "مليش نفس خالص يا ماما.. تعبان وعايز أنام وأقفل اليوم ده."
نجوى بصرامة أمهات محببة:
— "لا مفيش نوم من غير أكل! أنا متأكدة إن أكلك في الفندق طول اليومين اللي فاتوا مكنش مظبوط وناشف."
فارس ابتسم ابتسامة باهتة وقال بصدق:
— أنا أصلاً مش فاكر آخر مرة حطيت لقمة في بوقي كانت إمتى عمرك شوفتي واحد بينسا الاكل
شهقت نجوى بصدمة:
— "كمان؟! لدرجة دي مهمل في نفسك وصحتك؟.. تعالى بقى معايا ومسمعش صوتك."
ومسكته من إيده وشدته بلطف عشان يقعد قدام صينية الأكل.
استسلم فارس وقام معاها وبدأ ياكل ببطء وبتعب، لكن عقله وقلبه كانوا في مكان تاني خالص.. دماغه شغالة وبتعيد وتزيد في كلام بنان العنيف، وانفعالها وكرهها الدائم ومهاجمتها المستمرة لعمه صلاح، وهو محتار ومضغوط بين عشقه ليها وبين كرامة وهيبة وأبوه.
ـ_ـــــــــــــــــــــ
لا شكّ أنّ الصّباح هو بعثٌ جديدٌ لحياةٍ جديدةٍ، ومن واجبِ الإنسان أن يطرح ثوبه القديم، ليلبس لصباحهِ المختلف ثوباً آخر، وأن يصحّح كثيراً من أخطائه، ويتخلّى عن كثيرٍ من عاداته، ويتطلّع إلى يومٍ متميّز يكون فيه أكثر صدقاً مع عقله وقلبه
خرجتْ من الشقة بعد أن تناولت وجبة الإفطار مع والدتها في صمتٍ حذر. لم تنطق بحرفٍ واحد عما دار بالأمس في مكالمتها العاصفة مع فارس، فضّلت أن تحتفظ بتلك الغصة لنفسها مؤقتًا.
دلفت إلى الشارع، لتجد سائق فارس الخاص بانتظارها أمام البوابة كالعادة ليوصلها إلى الجامعة. لقد تحول الأمر إلى طقس يومي صارم أمر به فارس، وتحديدًا بعد غياب يمنى الذي تركها وحيدة؛ فلم يقبل فارس أن تذهب أو تعود بمفردها.
ركبت في المقعد الخلفي، لكنها لم تطلب منه الذهاب إلى الجامعة هذه المرة، بل أملت عليه عنوانًا آخر...
ترجلت "بنان" أمام بناية مألوفة، وصعدت بخطوات مترددة إلى الدور الثالث. وقفت لثوانٍ تستجمع شجاعتها قبل أن تضغط على جرس الباب.
انفتح الباب لتظهر "منال" التي اتسعت عيناها بذهول ترحيبي دافئ:
ـ بنان! صباح الخير يا حبيبتي، تعالي اتفضلي.
أجابتها بنان بابتسامة خجولة وهي تخطو للداخل:
ـ صباح النور يا طنط.. آسفة لو جيت بدري كدا وضايقتكم.
أغلقت منال الباب خلفها قائلة بعتاب محب:
ـ عيب عليكي يا بنان، متقوليش كدا أبدًا! وبعدين إحنا بنصحى بدري كدا كدا.. عمك خالد راح المستشفى، وآسر كمان نزل شغله من بدري.
ثم ربتت الحنينة على ظهرها بحنان متسائلة:
ـ قولي لي، ماما عاملة إيه وصحتها إيه دلوقتي؟
ـ كويسة الحمد لله يا طنط، بتسلم عليكي.
غمزت لها منال بابتسامة وهي تشير نحو الممر الداخلي:
ـ طيب ادخلي بقا صحي صاحبتك الانتخة دي، اللي شكلها اتعودت على الكسل!
ابتسمت بنان بخفة، ودخلت الغرفة لتجد يمنى غارقة في نومها. بعد محاولات مشاكسة، نجحت في إيقاظها. جلستا معًا على الفراش، لتفرغ بنان ما في جعبتها من ضيق وتوتر عما حدث مع فارس وعمه صلاح.
قاطعتها يمنى بهدوء عقلاني بعد أن استمعت للقصة:
ـ إنتي غلطانة يا بنان.
انتفضت بنان باعتراض وضيق وكتفاها مشدودان:
ـ لا مش غلطانة! هو الحق دايما بيزعل؟
تنهدت يمنى وحاولت تهدئتها:
ـ مش كدا يا بنان.. بس إنتي مفروض متتدخليش بينهم. واضح إن العلاقة بين فارس وعمه قوية جدًا، وهما متقبلين بعض كدا وطريقتهم كدا من زمان.
لوت بنان شفاهها بزعل طفولي غاضب:
ـ إنتي لو كنتي سمعتيه وهو بيتكلم معاه إزاي بجد كنتي اتضايقتي يا يمنى.. الكلام بجد كان بيجرح، خرج من الموبايل على ودني عل طول!
حاولت يمنى إيجاد عذر قائلة بحيرة:
ـ إنتي مش بتقولي إن كان فيه مشكلة كبيرة في الفندق؟ أكيد عمو صلاح كان مضايق ومشحون بسبب الموضوع ده.
ـ برضه ميتعاملش معاه بالطريقة دي! فارس مش صغير.
ـ يا بنان.. دا عمه واللي مربيه، هما أحرار مع بعض وهو راضي يا ستي ومش بيشتكي.
صمتت بنان لثوانٍ، ثم قالت بنبرة قلقة وعيون حائرة:
ـ بس أنا مش هستحمل الطريقة دي.. خصوصًا إننا خلاص هنعيش مع بعض في مكان واحد، مش هقدر أشوف فارس بيتهان وأسكت.
ربتت يمنى على يدها بلطف:
ـ بنان.. متكبريش الأمور كدا ومتنسيش إنه في الآخر يبقى خالك برضه.
ساد الصمت لبرهة، تذكرت فيها بنان أمرًا آخر، فنظرت إلى صديقتها بوجل وتساءلت بنبرة خفيضة:
ـ يمنى.. عرفتي إن مالك هيسافر؟
تصلبت يمنى في مكانها، وشحب وجهها فجأة وهي تهمس برعب:
ـ مين قالك كدا؟!
ـ فارس قال قدامي.. تقريبا هيسافر عند خالو محمود في الامارات.
لم تقو يمنى على الرد، خانتها قواها وتسربت دموعها دافئة وصامتة على وجنتيها لتفضح كل ما تخفيه في قلبها. همست بضعف:
ـ ماشي...
أحست بنان بنغزة في قلبها لأجل صديقتها، فجذبتها إلى حضنها بقوة وهي تحاول مواساتها:
ـ متزعليش.. على فكرة هو مسافر عشانك إنتي.. عشان تعرفي تخرجي وتتحركي براحتك. هو فاهم إنهم مضيقين عليكي ومشددين الرقابة بسببه هو، فحب يبعد عشان يسيبلك مساحتك.
انهمرت دموع يمنى بغزارة أشد، وضمت بنان بقوة أكبر كأنها تتشبث بقشة وسط العاصفة، وراحت تربت على ظهرها بنبرة باكية حنونة:
ـ متعيطيش يا حبيبتي.. أرجوكي، أكيد ربنا هيحلها من عنده.
ابتعدت يمنى قليلًا، ورفعت عينيها الباكيتين اللامعتين نحو السقف، وهمست بصوت مبحوح يملأه الرجاء والرجفة من بين دموعها:
ـ ياااارب...
ــــــــــــ
في المكتب الفخم الخاص بـ فارس داخل مقر شركة الباشا، ساد هدوء مهيب لم يقطعه سوى صوت إغلاق شاشة الحاسوب المحمول بعنف طفيف. زفر فارس بتنهيدة ثقيلة، ملقيًا بجسده إلى الخلف على مقعده الجلدي الوثير، والضيق يرتسم بوضوح على ملامحه الرجولية الحادة.
التقط هاتفه الذكي من فوق المكتب، وطلب رقم السائق الخاص به ليطمئن على خط سير بنان. ما إن أتاه الرد حتى قطب حاجبيه بوجوم؛ لقد علم أنها لم تتوجه إلى الجامعة اليوم، بل طلبت من السائق إيصالها مباشرة إلى شقة صديقتها يمنى.
تردد لثوانٍ في الاتصال بها مباشرة لعتابها، لكنه تراجع؛ لم يكن يريد أن يشعرها بأنه يفرض عليها حصارًا خانقًا أو يراقب أنفاسها. كما أن غياب آسر عن المنزل حاليًا طمأنه نسبيًا، وعلم أن وجودها مع يمنى قد يخفف عنها وطأة الأيام السابقة.
لكن.. كل تلك المبررات لم تكن كافية لإطفاء جذوة الغضب المشتعلة في صدره منذ مكالمتهما العاصفة بالأمس.
قرر فارس أن يوجه دفة الحديث إلى جهة أخرى، فضغط على زر الاتصال بعمته "سمية". لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى أتاه صوتها الحنون:
ـ صباح الفل والياسمين يا حبيبي.
أجابها فارس محاولًا تلطيف نبرته الجافة:
ـ صباح النور يا عمتو.. عاملة إيه؟
ـ كويسة والحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه وأخبارك إيه؟
تنهد فارس بضيق لم يستطع إخفاءه:
ـ في الحقيقة يا عمتو.. أنا مش كويس خالص.
انتقلت نبرة القلق سريعًا إلى صوت سمية:
ـ ليه يا حبيبي كدا؟ كف الله الشر.. هو إنت لسه مخلصتش من مشاكل الفنادق دي؟
ـ لا، مشكلة الفنادق خلصت تمامًا والحمد لله.. مشكلتي الحالية والأساسية دلوقتي مع بنتك!
ساد الصمت للحظة قبل أن تسأله سمية بعدم فهم:
ـ بنتي؟ مالها بنان يا فارس؟ عملت إيه تاني؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة متهكمة وهو يردف:
ـ يعني عايزة تفهميني يا عمتو إنها محكتلكيش أي حاجة عن خناقة امبارح؟
أجابت سمية بنبرة صادقة تمامًا:
ـ والله العظيم ما أعرف حاجه ولا أعرف أصلاً إنها كلمتك امبارح.. هي فطرت الصبح ونزلت على طول على الجامعة، ومتكلمناش في أي موضوع خالص.
شعر فارس بضيق إضافي، فتساءل بنبرة متهكمة:
ـ يعني كمان مقالتش ليكي إنها رايحة تقعد عند يمنى ومراحتش الجامعة أصلاً؟
شهقت سمية بخفة قائلة بدهشة:
ـ لا طبعًا! أنا شفتها بعيني راكبة مع السواق الصبح على أساس كليتها!
صمت فارس لثوانٍ يستجمع فيها ثباته الانفعالي، ثم قال بنبرة جادة وحاسمة:
ـ عمومًا مش دا الحوار الأساسي دلوقتي يا عمتو.. فهميني بس، بنتك مالها؟ واخدة موقف عدائي طول الوقت من عمي صلاح ليه؟ وبأي حق تتكلم عنه بالطريقة دي؟
تساءلت سمية بتوجس وقلق:
ـ ليه؟ هي قالت إيه تاني ونيلت إيه؟
أخذ فارس نفسًا عميقًا، ثم سرد لعمته بلهجة يملؤها العتب والضيق الشديد تفاصيل الكلمات الحادة التي ألقتها بنان في وجهه بالأمس، وكيف تذمرت وتطاولت بحديثها عن عمه صلاح وتدخلها في طريقة تعاملهما معًا.
تنهدت سمية محاولة تلطيف الأجواء وامتصاص غضبه:
ـ يا فارس يا حبيبي.. سيبك منها ومتشغلش بالك ب كلامها، دي لسه عيلة ومش فاهمة حاجة.
قاطعها فارس بصرامة جافة ونبرة حادة لا تقبل الجدال:
ـ متقوليش عيلة يا عمتو.. الكلمة دي مابقتش تنفع خالص دلوقتي! دي بقت مراتي، يعني مسؤولة عن كل كلمة بتخرج من بقها. وأنا مش هقبل أبدًا إنها تتكلم بنصف كلمة مش كويسة عن أبويا أو أخويا، ولا هسمح لها في يوم تقلل من احترامها للراجل اللي رباني وكبرني وعملني راجل!
شعرت سمية بمدى جدية وغضب فارس، فأجابت بنبرة أسفة ومتفهمة تمامًا لغيرته على عائلته:
ـ حقك عليا أنا يا فارس.. متزعلش يا حبيبي.
استطرد فارس بنبرة صادقة وخشنة:
ـ قسماً بالله يا عمتو، أنا لو كنت جيت لها البيت امبارح بالليل وأنا في حالتي دي، كنت هزعلها زعل بجد.. وحضرتك كمان كنتي هتزعلي عليها وتلوميني.
حاولت سمية تهدئته قائلة برجاء:
ـ خلاص يا حبيبي اهدا ومتحرقش دمك.. أنا أول ما ترجع البيت هقعد معاها وهتكلم وأعرف شغلي معاها كويس.
اختتم فارس المكالمة بنبرة آمرة حازمة:
ـ أنا عايزك تعقّليها يا عمتو.. تفهميها إن الأفكار والظنون اللي بتعشش في دماغها دي لازم تتشال فورًا. أنا عايز الأيام دي تعدي على خير ومن غير هبل وقلة عقل عشان أنا مش مستحمل غباء.
ردت سمية بلهجة أمومية حاسمة:
ـ حاضر يا حبيبي.. أول ما ترجع البيت هفهمها هتكلم معها، وربنا يهدي سركم ويصلح الحال.
ـــــــــــــــــــ
في آخر النهار، لم ينتهِ يوم فارس الشاق بانتهاء ساعات العمل في الشركة؛ بل توجه مباشرة إلى الفنادق لمتابعة سير الأمور بعد الأزمة الأخيرة.
دلف إلى المبنى بخطواته الواثقة والمهيبة، ليرى عماد يقف في الردهة. لفت انتباه فارس فورًا ذلك الارتباك الواضح الذي كسا ملامحه وجعل حركاته غير متزنة، لكنه آثر الصمت وتجاوزه متوجهًا إلى مكتبه، ليلحق به عماد على الفور.
جلس فارس خلف مكتبه وسأل بنبرة عملية جافة:
ـ الفوج اتسكن خلاص؟
أجابه عماد بصوت متحشرج وهو يحاول تجميع شتات نفسه:
ـ آه يا باشا.. كله تمام.
وقعت عينا فارس فجأة على شيء لم يكن يتوقع رؤيته؛ مجموعة مفاتيح مميزة ملقاة على طرف المكتب... مفاتيح عمه صلاح الشخصية.
رفع فارس عينيه ببطء وصوب نظرة حادة نحو عماد متسائلاً بنبرة حملت شكًا مفاجئًا:
ـ هو الباشا هنا ولا إيه؟
ابتلع عماد ريقه بتوتر بدا جليًا عليه، وأجاب بصوت خفيض:
ـ أيوه يا باشا.. هنا.
قطب فارس حاجبيه وسأله بحدة:
ـ من إمتى؟
ـ بقى له ساعتين...
أرجع فارس ظهره إلى الوراء ساندًا إياه على مقعده الوثير، وأخرج دخان سيجارته ببطء من فمه ليصنع غيمة رمادية تلاءمت مع الغموض والشك الذي يلف المكان. نظر إلى عماد بتمعن يثير الرعب، وعيناه تضيقان عليه كصقر يدرس فريسته، ثم سأل بنبرة هادئة لكنها تخفي عاصفة:
ـ هو فين؟
ارتعشت أطراف عماد وهو يشعر بوطأة تلك النظرات، فأجاب بضياع:
ـ موجود هنا يا باشا..
تغيرت نبرة فارس فجأة لتصبح غاضبة وخطيرة:
ـ يعني فييييين هنا؟! خلصني!
ظل عماد صامتًا من الخوف، عاجزًا عن النطق وهو يرى ملامح فارس تزداد قسوة.
لم يتمالك فارس غضبه؛ ضغط السيجارة بعنف في المطفأة الزجاجية بجواره حتى انطفأت تمامًا، ثم انتفض واقفًا بخطوات سريعة كالبرق. وقبل أن يستوعب عماد ما يحدث، قبض فارس بقوة على مجامع قميصه من عند صدره، ودفعه بعنف للخلف حتى ارتطم جسد عماد بالحائط بقوة كادت تخلع كتفيه.
اقترب فارس منه حتى تلاقت أنفاسهما الغاضبة، وضغط على شفتيه بغيظ مزمجرًا:
ـ فين بالظبط؟! انطق!
شعر عماد في تلك اللحظة أن روحه تفر من بين ضلوعه، وأن الموت بات أقرب إليه من حبل الوريد، فقال بخوف ورعب حقيقي وهو يحاول إبعاد يدي فارس القويتين عنه:
ـ يا باشا.. أنا بنفذ أوامر صلاح باشا والله!
ضغط فارس بيده أكثر على عنق قميصه، وظهر شرر الغضب واضحًا جليًا في عينيه وهو يصرخ به بصوت مكتوم حاد:
ـ انطق بدل ما أطلع روحك في إيدي دلوقتي!
تحدث عماد بتردد وخوف شديد وهو يغلق عينيه نصف إغلاقة:
ـ مدام غادة.. تبقى مِرات صلاح باشا! وهي بتيجي تقعد هنا في الفندق كل فترة.
تصلب فارس في مكانه، وارتخت قبضة يده قليلاً وهو ينظر إليه بعدم تصديق وصدمة شلت تفكيره لثوانٍ:
ـ إيه الهبل اللي أنت بتقوله ده؟! مِرات مين؟!
تراجع عماد خطوة للخلف وهو يستنشق الهواء بصعوبة، وأردف مؤكدًا بنبرة مرتعشة:
ـ دي الحقيقة يا باشا والله.. وصلاح باشا مكانش عايز حد يعرف الموضوع ده خالص.
ترك فارس قميص عماد بإهمال وقرف، وتراجع خطوتين وهو يحاول استيعاب تلك الصدمة التي نزلت عليه كالصاعقة. عمه.. الرجل الذي يعتبره قدوته وأباه، متزوج في السر من امرأة تدعى غادة ويأتي بها إلى الفندق!
حاول عماد استجماع شتاته وتعديل قميصه وهندامه بـأصابع مرتعشة.
استدار فارس بظهره، محاولًا إخفاء علامات الذهول والغضب التي اجتاحت وجهه، ثم قال بصوت متحشرج حاول جاهدًا أن يجعله طبيعيًا وقاسيًا في آن واحد:
ـ أنا هطلع أطمن على الشغل.. وأول ما الباشا ينزل، تبلغني فوراً.
هز عماد رأسه بسرعة وخوف وهو يتنفس الصعداء لنجاته من بين يدي فارس:
ـ حاضر يا باشا.. تحت أمرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في شقة سمية، كان الجو مشحونًا بالتوتر وصوت النقاش المحتدم يتردد بين جدران الصالة. كانت بنان واقفة ومربعة إيديها بعناد، ملامحها متشنجة وكلها إصرار، في حين كانت سمية قاعدة وبتبص لها بضيق ونفاذ صبر وهي بتحاول تسيطر على أعصابها.
بنان بنبرة قاطعة:
ـ برضه مش هغير تفكيري يا ماما!
سمية بضيق حاد وهي بتلوّح بإيدها:
ـ وبعدين معاكي بقى؟ متبقيش عنادية كدا وتنشفي دماغك على الفاضي!
بنان وهي بتتحرك في الصالة بضيق:
ـ أنا مش بعاند.. أنا بس مش هسمح لأي حد يقلل مننا يا ماما، وخالو صلاح دي طريقته وأسلوبه مع الكل، وأنا مش هقبل الطريقة دي عليا وعليكي
سمية بنظرة استنكار وصوت عالي شوية:
ـ وهو جه جنبك يا بت؟! حد كلمك ولا داسلك على طرف؟
بنان بحدة وتحدي:
ـ بالنظام ده والأسلوب اللي شفته بيه، هييجي في يوم ويعملها.. فتبقوا عاملين حسابكم من دلوقتي إني مش هسكت، ومش هعدي الكلمة!
سمية بغضب حقيقي وهي بتخبط على رجلها:
ـ وإنتي يعني فاكرة لما مش هتسكتي وتعملي فيها سبع الرجالة، فارس هيعديها لك؟! فارس مش هيقبل تقلي أدبك على عمه يا بنان!
بنان بعناد أعمى وهي بترفع راسها:
ـ اللي يحصل يحصل! ما عاش ولا كان اللي يقلل من كرامتنا.
سمية بضيق وحسرة وهي بتهز راسها يمين وشمال:
ـ شكلك غبية.. وهتخسري كل حاجة من بدري بغبائك ده!
سمية كملت كلامها وهي بتقوم وتقف قدامها:
ـ فارس لسه مكلمني الصبح، وكان على آخره منك ومن كلامك بتاع امبارح.. قسماً بالله يا بنان لو ما عقلتي وهديتي لولا هتشوفي منه وش عمرك ما شوفتيه
بنان سكتت للحظة، وحست بقرصة في قلبها لما عرفت إن فارس كلم والدتها، لكنها كابرت وحاولت تبان قوية ومستسلمتش بسهولة.
ـــــــــــــــــــــــ
انتهى فارس من متابعة ما تبقى له من أعمال في الفندق، وتوجه على الفور نحو مكتب الإدارة ليواجه عمهلكنه فوجئ بأن صلاح قد غادر المكان بالفعل.
وقف فارس أمام عماد وشرر الغضب يتطاير من عينيه:
ـ أنا مش قايل لك أول ما الباشا ينزل تعرّفني؟!
أجابه عماد برعب وتلعثم وهو يرجع للخلف خطوة:
ـ يا باشا والله أنا نزلت أدور عليه لقيت عربيته مشيت
وهو مش موجود!
نظر إليه فارس بصمت مطبق، نظرة جافة أرعبت عماد، ثم تجاوزه دون كلمة واحدة، وخرج من الفندق يركب سيارته وانطلق بها وعقله يغلي بالأفكار.
وصل الفيلا بعد وقت ليس بطويل، لكنه شعر وكأن الطريق امتد لساعات؛ فباله مشتت تمامًا، ويفكر كيف سيواجه صلاح بهذا السر الصادم، وكان يود لو يتجنب المواجهة تمامًا في وجود والدته "نجوى" حتى لا يجرح مشاعرها.
دلف إلى صالة الفيلا بخطوات هادئة، ليتفاجأ بصلاح ونجوى يجلسان معًا بانسجام تام أمام التلفاز. اقترب منهما بهدوء وألقى السلام:
ـ السلام عليكم.
التفتت إليه نجوى بابتسامتها الأمومية المعتادة:
ـ وعليكم السلام يا حبيبي.. تأخرت ليه كدا؟ كنت عند بنان؟
سلط فارس نظراته عليهما لثوانٍ؛ كان صلاح يجلس مريحًا جسده ويحاوط كتفي نجوى بذراعه في مشهد ينم عن مودة بالغة. استغرب فارس بشدة كيف يمتلك هذا الرجل تلك القدرة الرهيبة على الثبات والظهور بهذا الهدوء وكأن شيئًا لم يكن!
تجاوز فارس دهشته وجلس على المقعد المقابل لهما قائلًا:
ـ لا يا ماما، كنت بطمن على الشغل في الفنادق..
ثم وجه نظراته الحادة مباشرة نحو عمه صلاح وأردف بنبرة ذات مغزى:
ـ حتى حضرتك كنت هناك.. مش كدا برضه؟
أخذ صلاح نفسًا من سيجارته، ثم أطفأها ببرود وهدوء في المطفأة المجاورة له وهو يرد بنبرة واثقة:
ـ أيوه، ما أنا شوفت عربيتك واقفة هناك.
ـ مظبوط.. وأنا نزلت على طول بس لقيت حضرتك مشيت بسرعة.
أجابه صلاح بملامح خالية من التعبير:
ـ اممم.. كنت مستعجل، ماما كانت منتظراني على العشا.
رفع فارس حاجبيه بذهول وانبهار من تلك القدرة على المناورة، وتمتم متهكمًا:
ـ طيب.. كويس.
لاحظت نجوى التوتر الكامن في نبرة ابنها، فسألته بقلق:
ـ مالك يا حبيبي؟ في حاجة مضيقاك؟
التفت إليها فارس وقال بنبرة جادة:
ـ لو سمحتِ يا ماما.. سبينا أنا والباشا لوحدنا شوية.
انتفضت نجوى واقفة بقلق وضيق:
ـ في إيه يا فارس؟ هو إحنا مش هنخلص من المشاكل بقا؟!
هنا تدخل صلاح، وظل مستلقيًا في جلسته بمنتهى البرود، وقال بنبرة ساخرة متهكمة:
ـ لا.. ده فارس باشا شكله عايز يحاسبني.. ها، اتكلم سامعك
نظر إليه فارس بصرامة:
ـ يعني حضرتك عارف أنا عايزك في إيه بالظبط؟
هز صلاح رأسه بهدوء وثقة:
ـ آه.. وسامعك، اتكلم وقول اللي عندك.
نظر فارس إلى والدته الواقفة بوجل، وقال لعمه بضيق:
ـ طيب مش من الأفضل إننا نتكلم لوحدنا يا باشا؟
قاطعه صلاح بنبرة قاطعة:
ـ أنا مش بخبي أي حاجة عن نجوى.
لم يجد فارس بدًا من إلقاء القنبلة مباشرة، فضغط على أسنانه وسأل بضيق وعينين مشتعلتين:
ـ طيب.. إيه علاقتك بـ غادة النحاس يا باشا؟
ثبت صلاح نظراته القوية في عيني فارس دون أن يطرف له جفن، وأجابه بكلمة واحدة هزت أركان الغرفة:
ـ مراتي!
تجمدت الدماء في عروق فارس، واتسعت عيناه بصدمة مروعة، والتفت بتلقائية نحو والدته نجوى التي كانت واقفة في مكانها، لكن الصدمة الأكبر لفارس كانت ملامح نجوى؛ لم تكن متفاجئة، بل كانت تبدو مرتبكة فقط من مواجهة فارس بالأمر!
قرب فارس خطواته من نجوى وسألها بذهول وعدم تصديق:
ـ مراتك إزاي؟!
ثم التفت لنجوى وصرخ بصوت مكتوم:
ـ مراته إزاي يا ماما؟! إيه التهريج ده؟!
أجاب صلاح بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ مراتي على سنة الله ورسوله.. ومتجوزين بقالنا سنتين.
نظر إليه فارس بتوتر وضياع:
ـ يعني أنت متجوز على أمي؟!
تدخل صلاح بصرامة لينهي النقاش في هذه النقطة:
ـ أيوه.. ونجوى عارفة وموافقة، وإحنا متفقين على كل حاجة من الأول.
التفت فارس لوالدته بنظرة يملؤها العتب والتساؤل المرير:
ـ وإنتي قابلة بكدا عادي يا ماما؟! بالبساطة دي؟!
وقف صلاح بوقاره المعتاد، وعدل سترته ثم قال بهدوء:
ـ أنا هطلع أرتاح فوق.. وهسيبكم تتكلموا براحتكم.
وبالفعل استدار صلاح وصعد درجات السلم بخطوات واثقة تاركًا إياهما خلفه.
نظر فارس لوالدته التي تنهدت بحزن مشوب بالراحة لأن السر قد انكشف أخيرًا، وقالت له بصوت حنون دافئ:
ـ تعالى يا فارس.. تعالى نتكلم في الجنينة بروقان.
ذهبا معًا وجلسا في الحديقة تحت خيوط الليل الهادئة، فجلست نجوى بجواره وربتت على يده قائلة بصدق:
ـ بص يا حبيبي.. لما أبوك الله يرحمه توفى، جدك صمم ووقف الدنيا كلها على رجل عشان عمك صلاح يتجوزني.. كان كل همه إنك تتربى وسطنا ومتبعدش عن العيلة. وقتها، عمك صلاح كان بيحب غادة، كانوا زمايل وأصحاب من أيام الجامعة وكانوا راسمين حياتهم مع بعض، بس جدك أصر وضغط عليه، وصلاح وافق وتجوزنا عشانك.
صمتت نجوى لثوانٍ ثم تابعت بنبرة ممتنة:
ـ كنت عارفة إنه بيحبها، بس برغم كدا عمره ما قصر معايا في كلمة أو معاملة.. كان بيعاملني بكل احترام، وبيعاملك أنت بالذات كأنك ابنه من صلبه وأكتر. حتى هو لحد النهاردة بيقول إنه عاش معاك مشاعر الأبوة اللي عجز يعيشها مع مالك ابنه. غادة وقتها كانت اتجوزت وشافت حياتها، وإحنا عشنا في هدوء وحياة متفاهمة، وخلفنا مالك، وكبرتوا وبقيتوا
أخذت نجوى نفسًا عميقًا وأردفت:
ـ من سنتين بس، جوز غادة توفى.. صلاح جالي وبمنتهى الرجولة والوضوح طلب مني إنه يتجوزها، خصوصًا لما اتواصل معاها ولقاها موافقة. بصراحة يا فارس.. أنا مقدرتش أرفض، ومكنتش عايزة أعمل أي دربكة في البيت أو أخلق فجوة بيني وبينه تضيع سنين العشرة دي كلها.. ويكفي إنه لما فكر يعمل كدا، جيه قالي ومجاش من ورا ضهري ولا غفلني.
شعر فارس بالدهشة تسري في عروقه، وسألها بحيرة:
ـ طيب طالما الموضوع كدا ومفيش مشاكل.. ليه خبيتوها علينا كلنا؟
ابتسمت نجوى بأسى:
ـ أنا اللي كنت مصممة وصلاح وافقني.. مكنتش عايزة صورتنا تتهز في عيونكم، وكنت حابة أحافظ على هدوء البيت وكيانه اللي تعبت سنين عشان أبنيه ليكم.
نظر إليها فارس بامتنان بالغ وعاطفة جياشة:
ـ عمري في حياتي ما شوفت ولا هشوف ست وعقل زيك يا ماما.. مش أي حد يقبل بالوضع ده أبدًا! ده إنتي لو كنتي رفضتي بس، كنا هنكون في ضهرك وعمرنا ما كنا هنسيبك ولا نوافق على اللي عمله.
ربتت نجوى على كفه بحنان وابتسامة صادقة:
ـ عارفة يا حبيبي والله وعمري ما شكيت في ده.. بس صدقني، اللي أنا عملته هو الصح وعين العقل عشان المركب تمشي.
تنهد فارس محاولًا تصفية ذهنه:
ـ بصراحة أول ما عرفت الموضوع من عماد كنت هتجنن! وكنت متخيل إني لما هواجه الباشا هينكر ويلف ويدور.. بس الموقف طلع غير كدا خالص!
ضحكت نجوى بخفة:
ـ لا يا حبيبي.. أنا عارفة وموافقة ومتأقلمة مع الوضع تمامًا ومتقلقش عليا.
سألها فارس بدهشة مستمرة:
ـ بس الغريبة إننا عمرنا ما حسينا بده! ولا حسينا أبدًا بغيابه أو إن في حد تاني في حياته.
أجابته نجوى بذكاء وثقة:
ـ لأنه برغم الجواز ده، عمره ما بات بره الفيلا دي ليلة واحدة! وده كان تاني شروطي عليه لما وافقت.. وهو احترم شرطي ومنفذه بالحرف، مفيش غير المرة الوحيدة اللي اتخانق معايا فيها بسبب مشكلة مالك وساعتها بات بره، وكنت عارفة ومتاكدة إنه هيكون عندها.
ضحك فارس بدهشة حقيقية وهو يهز رأسه:
ـ أنا حاسس إني بسمع قصة فيلم هندي مش حقيقة خالص!
ضحكت نجوى معه بقوة:
ـ لا حقيقة يا سيدي.. أهو بيكمل جنان عيلة الباشا!
انحنى فارس وقبّل يدها برقة واحترام شديد:
ـ بس على فكرة بقى.. إنتي أجمل وأعظم أم في الدنيا دي كلها، وإنتي أكتر واحدة بتتعبي وتضحي عشان البيت ده يفضل واقف على رجليه وبأحسن مظهر قدام الناس.
مسحت على شعره بحب:
ـ يا حبيبي إنتوا حياتي كلها.. ونفسي أشوفكم أحسن ناس في الدنيا.
تذكر فارس معاناته وعناد بنان، فقال برجاء حاسم:
ـ طيب بمناسبة العقل ده بقى.. عايزك تقعدي مع البت بنان شوية، تفهميها وتنزلي عقلها في راسها وتخليها تعقل زيك كدا.
ضحكت نجوى برنين دافئ:
ـ بنان؟! يا واد بنان دي أرق بنوتة في الدنيا يا فارس، ولو بتقول حاجة تزعلك فهي بتدلع عليك مش أكتر.
تنهد فارس بابتسامة غلبتها العاطفة:
ـ عنيدة أوي يا ماما وتعباني.. بس بموت فيها ومقدرش على زعلها.
ـ ربنا ما يحرمكم من بعض أبدًا يا حبيبي ويسعدكم.
همس فارس برجاء صادق ونبرة دافئة:
ـ يارب يا ماما.. أنا من كتر ما بحبها، بقيت بخاف تروح مني في أي لحظة.
طمأنته نجوى بحنان:
ـ ومين بس يقدر ياخدها منك؟! خلاص دي بقت مراتك وحبيبتك ومكتوبة باسمك.
في تلك الأثناء، كان صلاح واقفًا في شرفة غرفته بالطابق العلوي، يراقب حوارهما الهادئ ونظراتهما المتبادلة. رأى ضحكاتهما الصافية وانسجامهما، وكان يعلم بداخله مدى رجاحة عقل نجوى، وأن فارس رغم عصبيته يمتلك عقلية عاقلة وناضجة تشبه عقليته تمامًا.
تلاقت الأعين فجأة عندما رفع فارس رأسه للأعلى ونظر إلى عمه صلاح.
ألقى صلاح عقب السيجارة التي كانت بيده بهدوء من الشرفة، واستدار ليدخل غرفته متظاهرًا باللامبالاة.
تبسم فارس بتهكم وداعبة خفيفة وهو يوجه كلامه لأمه:
ـ بس إيه ده.. الباشا طلع عنده قلب وبيحب بجد كمان!
ابتسمت نجوى بخفة وغمزت له قائلة:
ـ والله يا فارس صلاح ده مفيش أطيب من قلبه.. بس هي مشكلته الوحيدة إنه مبيعرفش يعبر عن حبه أبدًا، ولما يحب يحافظ على الناس اللي تهمه ويسيطر عليهم.. بيقسى عليهم.
ــــــــــــ
في تلك الغرفة الهادئة، كان فارس يقف بجوار نافذة مكتبه، يراقب حركة الشارع الصاخبة بالأسفل بينما يمسك بهاتفه المحمل بنبرة رجاء مألوفة. على الطرف الآخر، كان صوت عمته سمية يأتي محملاً بدفء الأمومة
— "مش جاي يا عمتو.. متحاوليش."
قالها فارس بنبرة قاطعة، خالية من أي مواربة، وهو يضع يده الحرة في جيب بنطاله
تنهدت سمية تنهيدة طويلة عبر الهاتف، وبلهجة عاتبة ممتزجة بالحب قالت:
— "ليه بس يا فارس؟ كدا هزعل منك بجد.. و زعل عمتك مش هين عليك."
تحرك فارس خطوتين في مكتبه، وتسللت الحدة إلى صوته:
— وهي عبرتني أصلًا يا عمتو؟ حتى تبعت رسالة اعتذار بسيطة عن الكلام اللي قالته.. العند عندها واصل لسابع سما.
سمية بمحاولة لتهدئة روعه، ومستندة على معرفتها العميقة بابنتها:
— "ما أنت عارفها وعارف طبعها.. بنان عنيدة يا فارس، وأنت اللي بتقدر تستوعبها."
رد فارس بابتسامة مريرة تفتقر إلى المرح:
— "على نفسها.. خلي العند ينفعها بقا، ونشوف هيوصلها لإيه.
حاولت سمية اللعب على أوتار رزانته ونضجه، فقالت بصوت هادئ:
— "يا فارس أنت أكبر منها.. وهي لسه صغيرة ومبتعرفش توزن الأمور صح."
هنا، تقطعت خيوط صبره وصاح بضيق مكتوم:
— "أنا بتعصب لما بتقولي الكلمة دي بالذات! كلمة 'صغيرة' دي مش مبرر لقلة الذوق."
شعرت سمية بنبرة الغضب الحقيقية في صوته، فقررت استخدام ورقتها الرابحة؛ مكانتها في قلبه:
— "طيب عشان خاطري أنا.. تعالى نتكلم ونصفّي النفوس، بقولك عشان خاطر عمتك يا فارس، هتهون عليك؟"
صمت فارس لثوانٍ، يتصارع فيه كبرياؤه مع حبه الكبير لعمتك، قبل أن يتنهد مستسلمًا:
— "ماشي يا عمتو.. هاجي. بس لو طولت لسانها تاني أو غلت في الكلام، هزعلها، وقدامك وبدون تردد."
انفرجت أسارير سمية وقالت بلهفة:
— "طيب بس تعالى أنت الأول وكل حاجه هتهون.. مستنياك."
نظر فارس إلى ساعة يده وقال وهو يستعد لإنهاء المكالمة:
— "طيب، قدامي ساعة بالظبط أخلص فيها شوية ورق وأرجع البيت أغير هدومي وأجيلكم.. إيه رأيك نتعشى برة؟ نغير جو بالمرة."
سمية بترحاب:
— "تمام يا حبيبي، زي ما تحب وتشوف."
فارس:
— "خلاص، اجهزوا وأنا هعدي عليكم علطول."
أغلق فارس الهاتف، ووضع حدًا لأفكاره المشتتة ليركز في إنهاء معاملاته المتبقية.
.............
بعد ساعة ونصف تقريبًا، كانت سيارة فارس تقف أسفل بناية عمته. صعد الدرج بخطوات واثقة، وضغط على زر الجرس. لم تمضِ ثوانٍ حتى فتحت سمية الباب، لتستقبله بابتسامة واسعة أضاءت وجهها المتعب.
— "تعالى يا فارس.. خطوة عزيزة يا حبيبي."
اقترب فارس بخطى دافئة، واحتضنها بقوة، مستنشقًا رائحة الأمومة التي تذيب غضبه دائمًا، وبادلته هي الأخرى الحضن بلهفة حقيقية. تراجعت سمية قليلًا ونظرت إلى ملامحه ببعض العتب الجميل:
— "وحشتني يا وحش.. كل ده غياب؟"
ارتسمت على شفتيه ابتسامة واثقة ومرحة وهو يعدل ياقة قميصه:
— "بذمتك يا سوسو.. الجمال ده كله ويتقال عليه وحش؟"
ضحكت سمية برقة وقالت وعيناها تلمعان بالفخر:
— "قمر يا حبيب عمتك.. عريس مفيش زيك في الدنيا كلها، ربنا يحميك ويحفظك من كل عين."
انحنى فارس وقبّل يدها برفق:
— "تسلميلي يا سوسو.. ويخليكي لينا." ثم التفت يمينًا ويسارًا، وأكمل بنبرة ماكرة ومرحة: "أومال فين 'العاصفة' بتاعتي؟ مش باينة يعني."
سمية بضحكة مكتومة:
— "بتجهز جوة في الأوضة عشان تهب علينا بكامل أناقتها."
فارس:
— "طيب يلا بينا عشان نلحق نستمتع بالوقت والجو هادي."
سمية ببعض التردد، وهي تنظر إلى هندامها:
— "أنا جاهزة.. بس كنت بقول تخرجوا أنت وبنان لوحدكم وتتفسحوا، وبلاش أنا عشان تاخدوا راحتكم."
رفض فارس الفكرة فورًا بلهجة حاسمة وودودة:
— "لا طبعًا.. هتيجي معانا وتغيري جو، الخروجة مش هتكمل من غيرك يا سوسو."
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة الداخلي، وخرجت بنان.
كانت أشبه بلوحة فنية مرسومة بعناية؛ ترتدي فستانًا من اللون الزيتي الرقيق الذي يبرز قوامها المتناسق، وقد تركت خصلات شعرها الناعم والأسود كليل داكن تنسدل بحرية على ظهرها لتصل إلى ما بعد كتفيها. كانت ملامحها هادئة، مشوبة ببعض الخجل والترقب.
وقفت ونظرت إليهما وقالت بصوت هادئ:
— "مساء الخير."
تسمرت عينا فارس عليها لثوانٍ، مسحورًا بطلتها التي سحبت البساط من تحت غضبه، وقال بذهول مغلف بالمرح:
— "طيب بذمتك.. هخرج مع القمر دي إزاي والناس هتاكلنا بعيونها؟"
ابتسمت بنان بخفة، وطأطأت رأسها دون أن تجيب، مظهرة حياءً نادرًا.
علقت سمية بابتسامة فخورة:
— "ما هي خارجة معاك أنت.. ومحدش هيجرؤ يبصلها وطول ما أنت جنبها."
نظر فارس إلى عمته بنظرة تفيض بالود:
— بتثبتني أنتِ كدا يا سوسو.. ماشي يا ستي تمام
ضحكت سمية بخفة، وتحرك الجميع نحو الباب:
— "طيب يلا بينا عشان منتأخرش."
هبطوا إلى الأسفل واستقلوا سيارة فارس الفارهة. كان الصمت اللطيف يلف مقصورة السيارة، تتخلله بعض التعليقات العابرة حتى وصلوا إلى مطعم فاخر يطل على النيل، يتميز بأجوائه الكلاسيكية الهادئة.
دلفوا إلى الداخل، واختاروا طاولة مميزة على أطراف الصالة. وما إن استقروا في مجالسهم، حتى تجمدت ملامح فارس فجأة. على بعد طاولات قليلة، كان يجلس والده "صلاح" برفقة زوجته الثانية "غادة".
شعر فارس بلحظة من الارتباك الشديد؛ فالموقف مشحون بظلال الماضي والتعقيدات العائلية، ولم يكن يدري كيف يتصرف في وجود عمته وبنان.
لكن صلاح بادر بقطع الشك باليقين؛ لمحهم، فنهض من مقعده وتقدم نحوهم بخطوات وقورة ليلقي التحية. ما إن رآه فارس يقترب، حتى انتفض واقفًا احترامًا وهيبة لوالده.
أقبل صلاح، فصافحه فارس بحرارة، وانحنى يقبل يده بتقدير كبير:
— "أهلاً يا بابا."
صلاح بنبرة غلبت عليها الدعابة الوقورة:
— "إيه.. أهرب منك في البيت، ألاقيك في المطعم؟"
فارس بابتسامة مرحة حاول بها تلطيف الأجواء:
— "والله يا باشا مش عارف مين فينا اللي بيهرب من مين."
في تلك الأثناء، وقفت سمية مستبشرة بوجود أخيها، واقتربت منه تعانقه بحرارة بادلها إياها بنفس الدفء والاشتياق:
— "عامله إيه يا سمية؟" سألها صلاح بنبرة حنونة.
سمية بابتسامة راضية:
— "الحمد لله يا أخويا.. في فضل ونعمة من ربنا."
التفت صلاح ببصره نحو بنان، وقال بنبرة هادئة:
— "إزيك يا بنان؟"
وهنا، تجسد العناد في أسوأ صوره. ربعت بنان ذراعيها أمام صدرها، ولوت فمها بضيق معلن، وقالت بنبرة حادة وجافة:
— "كويسة." ثم أدارت وجهها بالكامل إلى الناحية الأخرى متجاهلة وجوده.
ساد وجوم مفاجئ على الطاولة. اتسعت عينا سمية بدهشة وحرج شديدين، وظهر الضيق جليًا على ملامح صلاح وهو ينظر إلى ابنة أخته من الأعلى إلى الأسفل بنظرة تحمل الكثير من التقييم والأسف، ثم نقل نظراته الصارمة إلى فارس.
شعر فارس بالدم يغلي في عروقه من تصرف بنان غير المسؤول وإحراجها لوالده تقدم نحوها بخطوات ثابتة، وأمسك بمعصمها بقبضة قوية وجذابة، جاعلاً إياها تقف مجبرة بمواجهة صلاح. نظر في عينيها مباشرة وحرك رأسه بحزم وصرامة لا تقبل الجدل؛ إشارة واضحة فهمت بنان مغزاها المرعب فورًا.
اهتز كبرياء بنان وتملكها التوتر أمام نظرات فارس الآمرة، فابتلعت ريقها، وانحنت ببطء وقبلت يد خالها صلاح، ثم تراجعت خطوة للخلف وقالت بصوت متهدج:
— "إزيك يا خالو.. عامل إيه؟"
صلاح بنبرة جافة وخالية من المشاعر:
— "كويس.. اسيبكم تاخدوا راحتكم في العشا."
فارس بمحاولة لإنقاذ الموقف ودعوتهم:
— "لو حابب تيجي تقعدوا معانا يا بابا، اتفضلوا الطاولة واسعة."
صلاح وهو يشير بيده نحو طاولته:
— "لا يا حبيبي، خليكم على راحتكم.. غادة مستنياني هناك."
انسحب صلاح بوقار عائدًا إلى مقعده. وبمجرد أن ابتعد، جلست بنان بعنف وهي عاقدة حاجبيها، وملامحها تنطق بالانفجار.
انحنى فارس نحوها قليلًا، وتحدث بصوت منخفض أشبه بفحيح الأفعى، يحمل تهديدًا حقيقيًا صدمها:
— "أنا المرة دي شديت إيدك وعديتها بمزاجي.. المرة الجاية إيدي دي هتزعلك زعل مش هتحبيه، والكلام ده بقوله قدام عمتي اللي هي أمك عشان تكون شاهدة."
نظرت سمية إلى بنتها بنظرات تفيض باللوم والتقريع الصامت، بينما وقف فارس وقال ببرود:
— "على ما الأكل يجهز.. هروح التواليت وأرجع."
سمية بنبرة خافتة:
— "ماشي يا حبيبي.. اتفضل."
ما إن ابتعدت خطوات فارس وتوارى عن الأنظار، حتى التفتت سمية لابنتها بملامح يكسوها الغضب والضيق الشديد:
— "أنتِ اتجننتي؟! إزاي تعاملي خالك الكبير بالطريقة دي وكمان قدام فارس
بنان بنبرة متمردة ولا مبالية، وهي تدير وجهها:
— "أهو دي طريقتي.. وإذا كان عاجبكم."
سمية وهي تضغط على أسنانها لكبح صراخها في المكان العام:
— "بقولك إيه يا بنان.. أنا صابرة عليكي وسايباكي تدلعي بمزاجي، لكن تصرفاتك دي هتخلي الناس والكل يقولوا 'سمية معرفتش تربي'.. لا، لحد هنا ووقفي، دا أنا أفوقلك بقا وأربيكي من أول وجديد!"
بنان بضيق وضجر:
— "أنتِ مكبرة الموضوع كدا ليه؟ كل ده عشان سلام وعادي يعني!"
سمية بحدة
— "يا بنتي دا خالك الكبير.. وكبير العيلة كلها، وليه هيبة واحترام غصب عن الكل!"
كادت بنان أن ترد وتواصل عنادها، لكنها صمتت فجأة عندما رأت فارس يعود إلى الطاولة بخطواته الرزينة. جلس مكانه بهدوء تام، ولم تمضِ دقائق حتى حضر النادل يحمل الأطباق الشهية، فوضعها أمامهم وغادر.
بدأوا تناول الطعام بصمت مطبق، سادته أجواء متوترة، حتى قطعت بنان هذا الصمت وهي تنظر بطرف عينها نحو طاولة صلاح، ثم وجهت كلامها لفارس بنبرة تحمل الخبث والتساؤل:
— "أنت مش ملاحظ حاجة؟ أبوك قاعد مع واحدة تانية وبتعشا معاها برومانسية."
رفع فارس عينيه عن طبقه، ونظر نحو والده ثم التفت إليها وابتسم ابتسامة خفيفة وباردة:
— "آه.. ما هي دي مراته."
سقطت الكلمات كالصاعقة على مسامع بنان. اتسعت عيناها بذهول حقيقي وقالت بشهقة مكتومة:
— "مراته؟! مراته إزاي يعني؟!"
نظر فارس إلى عمته سمية التي كانت تتابع الحوار بهدوء، وقال بابتسامة عاتبة:
— "إيه يا عمتو.. مشوفتكيش اتخضيتي زيها؟"
سمية بابتسامة متفهمة وهادئة:
— "أنا استغربت برضه في الأول.. بس لما شوفتك بتتعامل معاه عادي وبمنتهى الهدوء، حسيت إنك عرفت الموضوع
فارس وهو يرتشف من كأسه:
— "أنا لسه عارف من يومين بالظبط.. بس أنتِ كمان خبّيتي عليا يا سوسو."
سمية بأسف ودفاع عن النفس:
— "يا بني ده كان بناءً على رغبة نجوى.. هي اللي طلبت كدا."
تدخلت بنان بنبرة حادة ومتفاجئة:
— "بجد؟! إزاي ده يحصل؟ طنط نجوى القمر دي في حد ممكن يتجوز عليها؟! وبعدين أنت عادي كدا؟ معندكش أي مشكلة مع الموضوع ده؟!"
فارس وهو يضع شوكته بهدوء، ناظرًا في عينيها بنظرة عميقة:
— "دا موضوع طويل ومعقد.. هبقى أحكيلك عليه بعدين. كملي أكلك دلوقتي."
بعد أن انتهوا من عشائهم، غادروا المطعم عائلين. قاد فارس السيارة وعاد بهم إلى بناية عمته. أوقف السيارة عند المدخل، والتفت إلى الخلف حيث تجلس سمية:
— "بعد إذنك يا عمتو.. هاخد بنان نتمشى بالعربية شوية ونرجع."
نظرت سمية إلى فارس، ورأت في عينيه رغبة صادقة في حل الخلاف بذكاء واحتواء بعيدًا عن الأعين، فابتسمت وقالت:
— ماشي يا حبيبي.. بس متتأخروش عشان مقلقش ع
فارس مطمئنًا إياها:
متخافيش يا سوسو.. نص ساعة بالظبط ونكون هنا.
فتحت سمية باب السيارة ونزلت وهي توصيه بابتسامة أمومة دافئة:
— "حاضر.. وسوق على مهلك يا فارس."
فارس:
— من عيوني.
أغلقت سمية الباب وصعدت إلى شقتها، بينما تحرك فارس بالسيارة مستسلمًا لهدوء الليل. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يكن يقطعه سوى أنغام هادئة من مسجل السيارة، وصوت الهواء الخارجي. قاد فارس بهدوء حتى وجد حافة طريق جانبي هادئ يطل على مساحة خضراء ساكنة، فأوقف السيارة وأطفأ المحرك.
بدأت بنان تعدل خصلات شعرها بأنامل مرتجفة، تعيدها خلف أذنها في محاولة واهية لتهدئة التوتر الذي يسري في عروقها، فهي تعلم يقينًا أن هذا اللقاء سيفتح أبوابًا لحديث طويل مؤجل.
لم يترك فارس تلك المساحة بينهما؛ تقدم خطوة، ومد يده برفق ليعيد خصلاتها إلى الأمام مجددًا وهو يهمس بنبرة دافئة: كدا أحلى.
تسمرت نظراتها على كف يده القريبة، والارتباك يغزل خيوطه حول قلبها، لكنه لم يمنحها فرصة للتفكير حين تلاقت عيناه بعينيها، لينطق بصدق جارف: بعشقك يا بت.. وبعشق كل حاجة فيكي.
اضطربت أنفاسها، وضغطت على شفتيها بخجل ووجنتيها تشتعلان حمرة. وحين قارب المسافة أكثر، طبع قبلة رقيقة هادئة على شفتيها، فاستسلمت بنان وأغلقت عينيها، مأخوذة بسحر اللحظة. ظل فارس على قربه اللصيق، يهمس هامسًا: إيه بقى اللي مضايق حبيبي؟
فتحت عينيها، وامتزج خجلها بفتيل من الغضب المكبوت وهي تجيب: براحتك.. أنا كنت بزعل عشانك، مضايقة من تعامله معاك بجد.
تسللت يد فارس حول خصرها، يضمها إليه برفق وحسم، متمتمًا: ممكن تسمعيني؟
حاولت بنان الابتعاد قليلًا، وشعور الحرج يتملكها من جرأة حركته، لكن قبضة يده الدافئة لم تترك لها مفرًا. واصل فارس حديثه بنبرة هادئة ومقنعة: أنا عارف إنك سمعتي كلامه يوم ما كنت عندكم.. يوم الحريق اللي كان في الفندق، ومقدر زعلك.. بس أنا هقولك على حاجة، الموضوع بصراحة يستاهل عصبيته. لما يبقى في فوج سياحي جاي وإحنا في الموقف دا، ومتفقين وفلوس مدفوعة، يبقى إحنا بنخسر شغلنا وتعبنا. بصي يا بنان.. إحنا شغلنا معندناش غير حاجتين لو خسرنا واحدة بس منهم يبقى عليه العوض؛ وهو اسمنا وسمعتنا، فعشان كدا أنا مش بزعل منه لأنه بيبقى خايف على دا، وبعدين الخسارة مش بتبقى سهلة لا ماديًا ولا معنويًا.
لم تقتنع بنان تمامًا، وسألته بنبرة عاتبة: وليه مش بيحاسب ابنه كمان؟ والا كل حاجة أنت وبس؟
أجابها فارس باعتراف واقعي: «أيوه فعلاً كل حاجة أنا، ومالك ميعرفش أصلاً يشيل الشغل لوحده، والمفروض إنك تفرحي لما تلاقيني ليا مكانتي. وعلى فكرة، أنتي لو قعدتي معايا ساعة في الشغل مش هطيقيني.. ميغركيش وأنا معاكي كدا.
صمتت بنان، ونظرت إليه بعينين حائرتين، فما كان منه إلا أن جذبها إليه أكثر، تائهًا في ملامحها: أنا بموت فيكي يا بت، ومش عايز أخسرك في أي حال من الأحوال.
ولم ينتظر ردًا، بل التهم شفتيها في قبلة طويلة وعميقة، يعبر فيها عن كل مشاعره المتقدة وهو ما زال يطوقها بين ذراعيه.
أخيرًا، ابتعد قليلًا ليلتقط أنفاسه، لكنه ظل قريبًا من وجهها، وتابع بنبرة تحذيرية حانية: وعايزك تكبسي كل اللي حواليكي، مش عايزك بعنادك دا تخسري حد أو تعاديه، وخصوصًا صلاح الباشا.. أنا عارفه كويس، قلبتُه وحشة.
أومأت بنان برأسها بتوهان، مستسلمة لنبرته الساحرة، فطبع فارس قبلة رقيقة أخرى مداعبًا: «بحبك يا أحلى بنوبوناية في الدنيا.»
ردت بنبضات قلب متسارعة: «أنا كمان بحبك أوي.»
فارس:أنا بعشقك والله، بعشق التراب اللي بتمشي عليه.بنان:وأنا يا فارس بعشق كل حاجة فيك.
قطع تلك الحالة الشاعرية صوت رنين هاتف فارس. أخرجه من جيبه ليجد اسم "سمية" يزين الشاشة.
أجاب متسائلاً بنبرة مرحة: «إيه يا سوسو.. اتأخرنا والا إيه؟»
جاءه صوت سمية مخنوقًا، يحمل نبرة قلق غير مبررة: «تعالوا بقى.. حتى لو مخلصتوش كلام تعالوا يا فارس هنا كملوا، أنا مش عارفة قلبي واجعني ليه!»
انقبضت ملامح فارس وتحولت نبرته إلى الانتباه والوجل: «مالك يا عمتو؟ تعبانة والا إيه؟»
تابعت بنان ملامحه بقلق متزايد، بينما أكملت سمية بضيق نفس: «لا يا حبيبي، بس تعالوا بقى، ولو عايز تبات هنا للصبح بات وابقى امشي براحتك.»
أجابها مسرعًا: «طيب.. إحنا جايين على طول.»
أغلق الخط وشغل محرك السيارة، وانطلقا يسبقان الوقت. لم يمر الكثير حتى كانت السيارة تقف أمام بنايتهم.
التفتت إليه بنان قائلة: «على فكرة.. ممكن أطلع لوحدي عادي.»
نزع فارس بليزر بدلته وهو يجيب بحسم: «لا طبعًا.. هوصلك.»
ابتسمت بنان بوجل وهي تتأمله: «على فكرة بيبقى شكلك قمر أوي بالتيشرتات.. سو كيوووت.»
رفع حاجبيه بذهول ساخر: «نعم؟ كيوت؟ ليه أنتي بتكلمي ابن أختك؟»
ضحكت بخفة: «أقصد أمور يعني..»
ترجل من السيارة متبسمًا: «أنتي اللي قمرين.»
رفع فارس رأسه نحو الأعلى، فلمحت عيناه جسد سمية القابع في الشرفة: «أمك واقفة فوق قلقانة.»
علقت بنان وهي تنظر مع نظرته: «يعني.. أول مرة نخرج مع بعض.»
أغلق فارس السيارة بإحكام، وامتدت يده لتقبض على كف بنان الدافئ، وتحركا معًا بخطوات هادئة نحو مدخل العمارة، يشعران بالدفيء والأمان.
لكن الأمان لم يدم... فجأة، شق السكون صوت جهوري حاد، جاء كالصاعقة من خلفهما:
«فارس يا ولد الباشا!»
تصلبت خطوات فارس، والتفت بجسده غريزيًا نحو مصدر الصوت، لتلحقه العبارة التالية كحكم إعدام قاطع:
«اتشاهد على روحك!»
انشق سكون المكان فجأة بصوت طلقة حادة ومفاجئة، دوّت زي الصاعقة المرعبة في وسط الليل. في نفس اللحظة، جسم فارس اترج جامد في مكانه كأنه أخد زقة عنيفة من حد مجهول، وقبل ما يستوعب إيه اللي بيحصل، رجع خطوة تقيلة لورا ووقع على الأرض.
طلع من جوة صدره زفير طويل ومكتوم، كأنه مش مصدق المباغتة.. وفي ثواني معدودة، بدأت بقعة صغيرة غامقة تظهر على قميصه، وسرعان ما بدأت الدماء تتدفق منها بغزارة وهي بتعمل خطوط حمراء صبغت هدومه كلها. سقط على الأرض وجسمه سايب تماماً، وفي لحظات بدأت بركة دم غامقة تتفرش وتحته، وعينيه الاتنين فضلوا مفتوحين بذهول بيبصوا للسما وكأنه مش مصدق إن دي النهاية.
في اللحظة دي، الدنيا اسودت في عين بنان.. قربت منه بجنون وجسمها كله بيتنفض، ورمت نفسها جنبه على الأرض من غير ما تهتم بفستانها اللي ناله جزء من الدماء الدافة. بدأت تصرخ بهيستيريا زلزلت المكان وهي بتنادي باسمه ومش مستوعبة اللي حصل: «فارس!.. فارس لأإأإأ لاااا!».. كانت بتهزه بإيدين بترتعش وعقلها واقف تماماً عن استيعاب الكابوس ده.
أما سمية، فمبقتش دريانة بالدنيا.. متعرفش هي نزلت على السلم إزاي بالسرعة الجنونية دي، رجليها كانت بتسبق رعب قلبها اللي صدق حدسه. وصلت لمدخل العمارة ونفسها مقطوع، والدم اتجمد في عروقها أول ما شافت المشهد؛ صراخ بنان اللي يقطع القلب، وفارس مرمي في بركة دمه. صرخت صرخة هزت الحيطان ورمت نفسها عليه، صرخة أم بتشوف حتة من روحها بتروح منها في ثانية.......
