
رواية خلف أسوار الحماية الفصل الخامس عشر15بقلم ملك أحمد
لحظة واحدة...
توقّف فيها كل شيء.
كأن الزمن قرر أن يمنح تلك اللحظة وحدها حق البقاء.
لا صوت للسيارات...
ولا ضجيج في المكان...
ولا حتى أفكار واضحة داخل عقل ليان.
فقط حقيقة واحدة أصبحت أمام عينيها...
تميم كان مستيقظًا.
لكن كيف؟
ولماذا أخفى عنها ذلك؟
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
Flashback
بعدما أغلق أحمد الاتصال، تنفّس بعمق ثم التفت ليصعد إلى السيارة.
ولكن قبل أن يفتح الباب...
وجد يدًا تمسك باب السياره .
توقّف مكانه، ثم التفت ببطء.
كانت ليان تقف خلفه، تنظر إليه بنظرات لم يستطع فهمها في البداية.
ـ أحمد: حضرتك محتاجة حاجة؟
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم قالت بهدوء:
ـ ليان: أنت كنت بتكلم تميم، صح؟
تجمّد أحمد للحظة.
كانت لحظة قصيرة جدًا...
لكنها كانت كافية لأن تلاحظ ليان توتره.
أخفى ارتباكه سريعًا وقال:
ـ أحمد: لا، مش تميم.
رفعت ليان حاجبها وهي تنظر إليه بشك.
ـ ليان: أنا سمعت كل حاجة.
ساد الصمت.
لم يعرف أحمد ماذا يقول.
ـ أحمد: آنسة ليان، اتفضلي جوه.
ـ ليان: لا.
ـ أحمد: حضرتك...
ـ ليان: قولي الحقيقة الأول.
تنهد أحمد، ثم قال محاولًا إنهاء الحديث:
ـ أحمد: أنا قولت لحضرتك مكنتش بكلمه.
اقتربت منه خطوة.
ـ ليان: طيب وريني الموبايل.
نظر إليها أحمد للحظات، ثم أخرج هاتفه من جيبه.
لم يحتج إلى أن يريها شيئًا.
كان يعلم أنها عرفت الحقيقة بالفعل.
تنهد وقال:
ـ أحمد: طيب... كنت بكلم تميم.
اتسعت عينا ليان.
ـ ليان: تميم؟!
هز أحمد رأسه.
ـ أحمد: بس محدش يعرف إنه فاق.
ظلت تنظر إليه وكأنها تحاول استيعاب الجملة.
تميم...
فاق؟
بعد كل تلك الأيام التي قضتها وهي تظن أنه ما زال غائبًا عن الوعي؟
ـ ليان: أنا هاجي معاك.
ـ أحمد: آنسة ليان...
ـ ليان: مش هينفع تمنعني.
نظر أحمد إليها قليلًا، ثم تنهد باستسلام.
كان يعلم أن إيقافها أصبح مستحيلًا.
ـ أحمد: طيب... تعالي.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
Back
خطت ليان داخل الغرفة ببطء.
كل خطوة كانت تشعرها بأن قلبها يزداد سرعة.
كانت تخشى أن يكون ما سمعته مجرد سوء فهم.
لكن عندما رفعت عينيها...
رأته.
كان تميم امامها وذراعه المصابة ما زالت موضوعة بعناية.
رفع عينيه نحوها.
توقفت ليان مكانها.
لم تعرف ماذا تقول.
فقط ظلت تنظر إليه.
كان أمامها...
حيًا...
مستيقظًا...
وينظر إليها.
قطع تميم الصمت بصوت هادئ:
ـ تميم: إنتِ بتعملي إيه هنا؟
اقتربت منه ببطء.
ـ ليان: ليه خبيت عليا؟
لم يجب.
مد يده إلى هاتفه، وأراد الاتصال بأحمد حتى يأتي ويأخذها من هنا.
لكن ليان أوقفته.
ـ ليان: مش همشي غير لما أعرف الحقيقة.
توقفت يده.
ثم رفع عينيه إليها.
كانت نظراتها مليئة بالعتاب أكثر من الغضب.
ـ ليان: ليه عملت كده؟
صمت.
ـ ليان: ليه خبيت إنك فايق طول المدة دي؟
تنهد تميم.
ـ تميم: آنسة ليان، إنتِ فاهمة غلط.
نظرت إلى ذراعه المصابة.
لم تستطع منع عينيها من الامتلاء بالدموع.
ـ ليان: أنا آسفة...
نظر إليها.
ـ ليان: آسفة أوي يا تميم... أنا السبب.
ـ تميم: غلط.
هزت رأسها بسرعة.
ـ ليان: لا، مش غلط.
ـ تميم: غلط، مش إنتي
ـ ليان: بس أنا السبب في كل اللي حصل.
ـ تميم: إنتي مجرد ضحية.
رفعت عينيها إليه.
ـ ليان: عارفة...
ثم ابتلعت غصتها بصعوبة.
ـ ليان: بس إنت اتأذيت بسببي.
صمت تميم.
كانت تلك الحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها عنها.
هو يعلم أنها ليست السبب.
لكنها ترى الأمور بطريقة مختلفة.
ترى كل إصابة حدثت له وكأنها نتيجة مباشرة لوجودها في حياته.
ـ تميم: آنسه ليان...
ـ ليان: أنا مش عايزاك تحرسني تاني.
نظر إليها دون أن ينطق.
ـ ليان: مش عايزة حد يحط نفسه في خطر عشاني.
ـ تميم: ده شغلي.
ـ ليان: لا.
كانت نبرتها مختلفة هذه المرة.
ـ ليان: ده مش شغل بس.
توقف تميم.
تابعت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها:
ـ ليان: كل مرة يحصل حاجة... حد بيتأذى.
ثم مسحت دمعة سقطت من عينها.
ـ ليان: أنا مش عايزة أملاك.
ظل تميم ينظر إليها.
ـ ليان: ولا عايزة الفلوس... ولا عايزة أي حاجة.
ـ تميم: هتتخلي عن وصية جدك؟
أغمضت عينيها للحظة.
ـ ليان: أنا تعبت.
ساد الصمت.
ـ ليان: خلاص... مبقتش قادرة أستحمل.
نظر إليها تميم طويلًا.
لم يكن يعرف ماذا يقول.
فقالت:
ـ ليان: أي حد عايز حاجة ياخدها.
ـ تميم: والناس اللي بتحاول توصلك؟
ـ ليان: ياخدوا كل حاجة.
ـ تميم: واللي عايزين يأذوكي؟
رفعت عينيها إليه.
ـ ليان: أنا مش هقدر أمنعهم.
اقترب تميم قليلًا، ثم قال ...
ـ تميم: بس أنا أقدر ده شغلي ...
ـ ليان: إنت بتعرض نفسك للخطر كده، وأنا مش عايزة ده.
ـ تميم: مش هيجرى حاجة
ـ ليان: بس جرى.
لم يرد.
ـ ليان: جرى خلاص يا تميم.
كانت الكلمات بسيطة...
لكنها أصابته في مكان لم يتوقعه.
فهي لم تكن تتحدث عن إصابته فقط.
كانت تتحدث عن الخوف الذي أصبح يسيطر عليها.
الخوف من أن يأتي يوم...
ولا تجد تميم أمامها.
تميم الذي ضحي بحياته لأجلها ...
في تلك اللحظة، فُتح الباب.
دخل أحمد.
نظر إلى ليان ثم إلى تميم.
ـ أحمد: يلا يا آنسة ليان.
لم تتحرك.
ظلت تنظر إلى تميم.
ـ ليان: طيب وإنت؟
ـ تميم: أنا عارف كويس إزاي أقدر أحمي نفسي.
ـ ليان: بس...
نظر تميم إلى أحمد.
ـ تميم: خدها.
ثم عاد بنظره إليها.
ـ تميم: يلا.
ترددت ليان للحظة.
ثم استدارت.
خطت عدة خطوات قبل أن تتوقف.
التفتت إليه للمرة الأخيرة.
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إليه.
ثم خرجت.
وقف تميم مكانه، يتابع أثرها بعينيه.
لم يكن يعرف كيف وصلت إليه.
ولم يفهم لماذا شعر...
بالراحة...
منذ اللحظة التي رآها فيها أمامه.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في المنزل...
صعدت ليان إلى غرفتها فور عودتها.
أغلقت الباب خلفها، ثم اتجهت نحو الأريكة وجلست عليها.
ظلت تنظر أمامها دون تركيز.
كل ما حدث خلال الساعات الماضية كان يمر داخل رأسها مرة أخرى.
تميم مستيقظ.
تميم كان يعلم أنها لا تعرف.
تميم أخفى الأمر عنها.
ورغم كل ذلك...
عندما رأته أمامها، لم تشعر بالغضب.
شعرت فقط براحة غريبة.
وضعت يدها على صدرها وأخذت نفسًا عميقًا.
ثم تمتمت:
ـ ليان: الحمدلله...
لأول مرة منذ أيام...
شعرت أن شيئًا واحدًا على الأقل أصبح بخير.
لكنها لم تكن تعلم...
أن ما ينتظرها لم يكن بخير أبدًا.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في غرفة سارة...
كانت سارة تجلس فوق الأريكة تقرأ كتابًا، وقد رفعت شعرها إلى أعلى.
كان القصر هادئًا بصورة غير مريحة.
الهدوء الذي يجعل أي صوت صغير يبدو وكأنه شيء ضخم.
قلبت صفحة الكتاب.
ثم توقفت.
رأت ظلًا يتحرك أمام النافذة.
اتسعت عيناها.
وقفت بسرعة.
ـ سارة: مين؟
لم يجب أحد.
اقتربت من النافذة قليلًا.
لم تجد شيئًا.
ابتلعت ريقها.
ـ سارة: أكيد أنا بتخيل.
لكنها لم تقتنع.
وضعت الكتاب جانبًا، ثم فتحت باب غرفتها.
خرجت إلى الممر.
كان القصر غارقًا في الظلام.
شغلت كشاف هاتفها، وبدأت تمشي ببطء.
خطوة...
ثم أخرى...
كان صوت أنفاسها واضحًا في المكان.
وصلت إلى الباب الخلفي للمطبخ.
فتحته بحذر.
خرجت إلى الخارج.
نظرت حولها.
لا شيء.
لكن فجأة...
شعرت بيد تسحبها للخلف.
كادت تصرخ.
لكن اليد وضعت على فمها.
تجمدت للحظة.
ثم سمعت صوتًا منخفضًا:
ـ أحمد: ششش...
اتسعت عيناها عندما رأته.
أبعد أحمد يده.
بدأت سارة تتنفس بسرعة.
ـ أحمد: في إيه؟
ـ سارة: في... في حد كان بيمشي من عند شباك أوضتي.
نظر أحمد حوله.
ـ أحمد: متأكدة؟
هزت رأسها.
أخرج أحمد سلاحه بحذر، ثم بدأ ينظر حول المكان.
تقدم عدة خطوات.
لم يجد شيئًا.
عاد إليها.
ـ أحمد: مافيش حاجة.
ـ سارة: أنت متأكد؟
ـ أحمد: أيوه.
أعاد سلاحه إلى مكانه.
ـ أحمد: اتفضلي جوه.
هزت سارة رأسها وصعدت بسرعة.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
ثم جلست على السرير.
ظلت تنظر إلى الباب.
لكن عقلها لم يتوقف.
ماذا لو لم يكن الظل مجرد وهم؟
ماذا لو كان هناك شخص فعلًا داخل القصر؟
وضعت يدها على وجهها.
ـ سارة: طيب ولو حد جه قتلني أعمل إيه؟
سكتت للحظة.
ثم وقفت بسرعة.
ـ سارة: لا... أنا مش هنام لوحدي.
خرجت من غرفتها واتجهت مباشرة إلى غرفة ليان.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في غرفة ليان...
كانت ليان تجلس أمام المرآة وتقوم بروتين العناية ببشرتها، محاولة إبعاد عقلها عن كل ما حدث.
فجأة...
فُتح الباب.
التفتت.
ـ ليان: في إيه يا سارة؟
دخلت سارة وأغلقت الباب خلفها.
ـ سارة: ليان...
لاحظت ليان الخوف في عينيها.
ـ ليان: مالك؟
ـ سارة: أنا خايفة.
تنهدت ليان.
ـ ليان: خايفة من إيه؟
اقتربت سارة وجلست بجانبها.
ـ سارة: ممكن حد يقتلني.
نظرت إليها ليان لثوانٍ...
ثم ابتسمت.
ـ ليان: إنتِ بتفكري كتير.
ـ سارة: لا والله، أنا شفت حد.
ـ ليان: الحراسه هنا مشدده ..
ـ سارة: بس أنا متأكدة.
ـ ليان: القصر محروس كويس أوي، محدش هيقربلك.
ـ سارة: ولو؟
ـ ليان: مافيش "ولو".
ـ سارة: أنا هنام عندك النهارده.
ـ ليان: لا.
ـ سارة: عشان خاطري.
ـ ليان: سارة...
ـ سارة: النهارده بس، أتطمن على الأقل.
تنهدت ليان.
ـ ليان: ماشي... النهارده بس.
ابتسمت سارة فورًا.
ـ سارة: عارفة إنك أحسن واحدة؟
ـ ليان: عارفة.
ضحكت سارة.
ـ ليان: طيب تعالي نامي.
ـ سارة: لا.
نظرت إليها ليان باستغراب.
ـ ليان: أمال هتعملي إيه؟
جلست سارة على السرير.
ـ سارة: هسألك شوية أسئلة.
ـ ليان: لا ...
ـ سارة: إنتِ بتحبي يا ليان؟
توقفت يد ليان.
ـ ليان: إيه؟
ـ سارة: بتحبي؟
ـ ليان: أنا؟ لا.
ابتسمت سارة بخبث.
ـ سارة: كدابة.
ـ ليان: لا مش كدابة.
ـ سارة: طب بصي في عيني وقوليها.
رفعت ليان عينيها إليها.
ـ ليان: بقولها... أنا مش بحب.
ضحكت سارة.
ـ سارة: واضح أوي.
ـ ليان: سارة!
ـ سارة: خلاص خلاص.
ثم اقتربت منها وقالت:
ـ سارة: بس في حد شاغل بالك.
توقفت ليان.
لم تعرف لماذا جاء اسم واحد فقط إلى عقلها.
تميم.
أبعدت الفكرة سريعًا.
ـ ليان: مافيش حد.
ـ سارة: تمام.
ثم تمددت على السرير.
ـ سارة: بس أنا مش مصدقاكي.
ـ ليان: نامي يا سارة.
ـ سارة: حاضر.
أطفأت ليان الضوء.
لكنها لم تنم.
كانت تفكر في شيء آخر تمامًا.
في نظرة تميم إليها.
وفي كلماته.
وفي تلك الراحة الغريبة التي شعرت بها عندما رأته.
لم تكن تعرف لماذا...
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد.
وجوده أمامها جعل خوفها يهدأ.
@@@@@@@@@@@@@@@@@@@
في صباح اليوم التالي...
استيقظت ليان مبكرًا.
لم تنم جيدًا طوال الليل.
ارتدت ملابسها بسرعة، ثم غادرت المنزل متوجهة إلى الشركة.
كانت سارة ما زالت نائمة، لذلك لم تأتِ معها.
بعد وقت قصير، وصلت ليان إلى الشركة.
دخلت المبنى، ثم صعدت إلى مكتبها.
كان كل شيء طبيعيًا.
الموظفون يتحركون في أماكنهم...
والجميع منشغل بعمله.
فتحت ليان باب مكتبها.
فتحت ليان باب مكتبها.
لكنها توقفت فجأة.
اتسعت عيناها.
ـ ليان: تميم؟
كان تميم يقف أمامها.
ولكن...
لم تكن المفاجأة في وجوده.
المفاجأة الحقيقية...
كانت في الشخص الذي يقف بجانبه.
شخص لم تتوقع ليان رؤيته هنا.
توقفت أنفاسها للحظة.
نظر تميم إليها بثبات.
أما الشخص الآخر...
فابتسم ابتسامة هادئة.