رواية حب وفراق الفصل السادس عشر16بقلم داليا السيد

رواية حب وفراق الفصل السادس عشر16بقلم داليا السيد
 
ضياع
تابعته بقلب متألم وحنين جارف وخوف لا نهاية له فقد فقدت الأمان والحب والحنان، لقد ضاع حب عمرها وانسابت دموعها كالشلال تواسيها وتداوي جرحها، إلى أن أبتعد من أمام عيونها ولم تعد تراه، أكله الطريق وأبعدته الخلافات، بكت بشدة وظلت تبكي وهي تعلم أنهما عادا إلى الفراق من جديد ولكن على الأقل هي الآن تعلم أنه لها وأن قلبه يحبها 
أغمضت عيونها وهي لا تعلم هل تسعد بذلك أم تتألم أكثر لفراقه؟ ومن داخلها صوت يحاول أن يخبرها أنه ربما تفترق الأجساد ولكن لن تفترق الأرواح أبدا ولابد أن تلتقي القلوب.. 
لم يأخذها والدها إلى منزلهم وإنما انطلق إلى فيلا أخرى في مكان لا تعرفه وهناك رأت رجال حراسة تحيط المكان واندهشت من ذلك ولكن حزنها لم يجعلها تسأل أو تهتم، قادها عبد الهادي إلى الداخل وما أن دخلت ودخل خلفها حتى واجهها بسيل من الاتهامات التي ادعتها عليها منال، لم تدافع عن نفسها وظل الصمت رفيقها وتاهت من الدنيا إلا عن صوته وهو يركض خلفها ويناديها بقوة دون أن تمتلك القدرة على العودة اليه
هزها والدها بقوة فأعادها من دنيتها الحزينة وقال "لم لا تجيبين؟ هل كنت تريدين أن تتركيني وتذهبين معه؟ لم تعودي ابنتي التي تحبني كما كنت تقولين، وهو؟ ألم تدرك أنه شخص وصولي ويستغل صغر سنك وقلة خبرتك؟ ألم تعرفي أنه كان على علاقة بمنال؟ هل تعرفين لماذا؟ لأنه يعلم أنه لن يحصل مني على شيء وإنما منال الأكثر إفادة له، والدها سيتيح له المجال للنجاح في العمل، ولكن أنا لن أسمح له بأن يدمرك لن أسمح لابن الخياطة بأن يحطم حياتنا ولن أخسر حسين بسببه هل تفهمين؟" 
نظرت إليه بألم وحزن ممتزج بالدموع وقالت "أنا لا يهمني كل ذلك، كل ما يهمني أني أحبه دادي، أنت لا تفكر في قلبي ولا مشاعري، كل ما يهمك الفارق الاجتماعي والمظاهر التي لا تفيد بشيء، ولكن رغم كل ذلك أنا أحبه وأريده وكل ما تفعله لن يمنعني من حبه" 
صفعها الرجل بقوة ارتجت لها وتلك كانت المرة الأولى التي يفعل بها ذلك، تألمت وجنتها ولكن أىم قلبها كان أقوى 
هتف بقوة "اخرسي، أنا لن أسمح لك بذلك لن أسمح هل تفهمين؟" 
زاد بكاءها ولم تتحمل البقاء أكثر وكأنما كرهت الدنيا فاستسلمت للدوار الذي أصابها وأغمضت عيونها وسقطت دون أي انذار...
****
تجمع رجال عبد الهادي حول زين ولكنه لم يتراجع وإنما انطلق إليهم كالوحش الكاسر الممتلئ بغضب لا حدود ..
لقنهم درسا لم يتوقعوه وما أن نهضوا من سقتطهم حتى انطلقوا يفرون من أمامه كالجرذان لم يهتم بمطاردتهم وإنما انطلق إلى سيارته وهو يصمم من داخله على أنه لن يتركها، ليس الآن ليس بعد أن أدرك أنها تحبه وقلبها أصبح له... 
أسرع إلى فيلتهم ولكن بالطبع كان الظلام يحيطها، دق الباب بكل غضب وألم وحزن ولكن ما من مجيب فأدرك أنه رحل بها ليبعدها عنه مرة أخرى ويعود إلى الفراق والضياع
ظل يبحث طوال الليل وإلى نهاية اليوم التالي في كل مكان يمكن أن يفكر فيه وقد عاد إلى فيلتها أكثر من مرة دون أمل وأجرى العديد من اتصالاته ولكن كلها دون أي فائدة إلى أن يأس وفقد الأمل والحزن والألم يقتله على فراقها 
عاد إلى منزله محطما مكسور القلب وقد استنفذ الألم كل قواه ولم يدرك نفسه إلا وهو يلقي بجسده على أقرب مقعد في غرفته والأفكار السوداء تضربه بكل قوتها 
هل ضاعت منه؟
لقد تمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي يسمع فيه كلمة حب منها وعندما جاء ذلك اليوم يكون هو يوم الفراق
أغلق عيونه بألم وهو يرى نظرات الحب بعيونها ويستعيد كلماتها من أن قلبها أصبح له، أي الآلام تلك التي تجتاحه الآن؟ أي أحزان التي سيعود إليها؟ عليه أن يعيش الآن بألم أكبر وجرح أكثر عمقا دون أمل في الشفاء سيبحث عنها عله يصل إليها ويعيدها إليه 
وحتى لو وصل لها لم يعد بإمكانه الحصول عليها، والدها بينهم، لكن هي تركته من أجل مستقبله فهل سيتركها؟ هل من الصواب أن يفترقا؟ هل يبتعد من أجل ألا يبعدها عن عبد الهادي؟ هل هكذا يسدد الدين ولو على حساب قلبه؟.. 
أغمض عيونه من الحيرة الضياع ولم يعد يمكنه أن يفكر، يا الله الهمني الصواب فأنا عبدك الضعيف ليس لي سواك، ساعدني يا رب أنت الذي منحني الصبر سنوات طويلة على بعادها وأنت الذي زرعت في قلبي حبها وأنت الذي فتحت لي باب الأمل الآن، فيا رب يا من ليس لي سواك أدعوك وأرجوك ألا تأخذ الأمل مني مرة أخرى 
يا رب أعدها لي، أعد لي الروح فهي الروح لجسدي، أنت تعلم أني لا أحيا بدونها، أنت الرحيم فارحمني يا رب ودلني على الصواب"
استدعاه حسين إلى مكتبه وقد كان يعلم أنه لابد من المواجهه ولكن الأمر جاء سريعا... 
عندما تقدم من حسين رفع له وجهه وقال بنبرة هادئة لا تحمل أي معاني "اجلس" 
تردد قبل أن يجلس بينما تراجع حسين في مقعده وقال "لا أعلم هل من المفترض أن نتحدث عما حدث أمس أم نتجاهله؟"
أبعد عيونه التي أحاطها السواد من عدم النوم والحزن الذي عاش وما زال يعيش به وقال "كما تشاء سيادتك" 
كان لا يعرف مشاعره تجاه حسين خاصة بعد ما حدث، نهض الرجل فنهض هو الآخر ولكن حسين تقدم وجلس أمامه 
أشار له بالجلوس وهو يقول "أنا أصبحت أعلم مشكلتك مع ملك ولكني أعلم أيضا أن حلها في بعادك عنها، عبد الهادي لن يتركك ولن يوافق على ارتباطك بملك وأنت عليك أن تدرك ذلك، هو يرفضك يا زين وأنا لا أعتقد أنك يمكن أن تنالها دون رضاه أم أني مخطئ؟"
 تأمله بعيونه المنهكة وقال "لا، لن أفعل ولكني لن أكف عن المحاولة" 
تراجع الرجل وقال "لا يا زين لابد أن تكف، ليس من حقك أن تفعل، الفتاه صغيرة ولا تدرك مشاعرها جيدا وعندما تكبر ستدرك أنك لا تناسبها خاصة وأن فارق السن كبير بينكم، هي الآن فقط مأخوذة بشخصيتك التي تجمع بين الرومانسية والقوة في ذات الوقت لكن عندما تكبر ستدرك أنها مجرد أوهام عاشت فيها وستبحث عن من يفهمها، رجل من سنها وجيلها له نفس أفكارها وأحلامها، أفق يا زين أنت تحكم على الفتاة بأن تدمر نفسها إذا كنت تحبها ابتعد عنها ودعها تعيش حياتها بطريقة صحيحة وتتمتع بشبابها" 
طالت نظرته له وهو يدرك أنه لم يفكر أبدا بهذه الطريقة، هل يمكن أن يكون حبها له مجرد نزوة أو انبهار؟ هل ستندم كما يقول؟ وما الذي يقوله قلبها؟...
نهض وتحرك مبتعدا فقال حسين "زين أنت لست أناني، إذا كنت تحبها حقا اتركها لتعيش حياتها ولا تدمرها وتدمر علاقتها بوالدها" 
ارتفع الغضب داخله والجنون كاد يسيطر عليها ومع ذلك قال "هل حبي لها دمار؟ أنا؟ أنا لا يمكنني أن أتحمل أي أذى يصيبها، أنا أعشقها منذ الأزل وفضلت الصمت حتى لا تتألم أو أكون سببا في أذيتها، الآن بعدما أدركت حبها لي تطلب مني أن اتركها؟ لا يمكنني لن أستطيع"
 قام حسين وتحرك له حتى وقف أمامه وقال "بلى ستفعل من أجلها لابد أن تتركها لتعود إلى حياتها فقط أخرج أنت من حياتها وأنا متأكد أنها ستعود لنفسها"
قال بضعف "أنا بالفعل تركتها عامين، رحلت وتركت كل شيء من أجلها، عشت غريبا في كل مدينة كي أنساها وتنساني، ولكن لا أنا نسيتها ولا هي أخرجتني من حياتها، ما بيننا لا يمكن أن يكون نزوة" 
قال حسين بإصرار "أنت ربما، لكن هي أشك فأنت لم تحاول أن تجعلها تخرجك من حياتها" 
نظر إليه بدهشة وقال "لا أفهم"
أبتعد حسين ولم ينظر بعيون زين وقال "أقصد أنك لابد أن تبدو نذل أو جبان كي تكرهك وتخرجك من حياتها" 
ضاقت عيونه وقال " ولكني لا أريد أن أخرج من حياتها أنا أريد قلبها" 
تعصب حسين وقال "غبى ولم تفهم ما قلته، أخبرتك أنها ستندم عندما تدرك أنها ألقت نفسها بين يدي رجل يكبرها بسنوات طويله وليس من مستواها وستترك أبوها من أجله من يمكنها أن تفعل كل ذلك؟ أفق يا زين ملك ليست بتلك القوة لتصارع من أجلك لابد أن تتركها لا أن تدمرها وأنا سأساعدك"
تراجع من كلمات حسين، ترى هل هو على حق؟ هل هو أناني؟ إنها بالفعل أرق من أن تتحمل كل ذلك وهو لا يريدها أن تتألم ولو كان على حساب قلبه سيفعل من أجلها أي شيء ولكن لا يدعها تتألم لابد أن ينهي أحزانها.. 
ابتعد وقال "وكيف ستساعدني؟"
ابتسم حسين كالمنتصر وقال"أعلن خطوبتك على منال ابنتي وبذلك تدرك ملك أنك نذل وكاذب فتعود لنفسها وتنساك وتخرجك من حياتها وتعود لحياتها الطبيعية" 
التفت له بذهول ومرر يده في شعره الأسود وقال "منال! ولكن أنا لا يمكنني أن أتزوج أي امرأة أخرى، أنا قلبي ملك لامرأة واحدة وسأظلم أي فتاة بزواجي منها الأمر ليس شخصي صدقني" 
ربت حسين على كتفه وقال "أعلم ولكن منال تحبك وأظن أنها ستصبر عليك حتى تداوي جراحك مع الوقت ولم يتحدث أحد الآن عن الزواج أو الحب مجرد خطوبة تبعدك من حياة ملك وتعالج بها جراحك ها ما رأيك؟ وافق يا زين إذا كنت تحب ملك وافق من أجلها"
ظل شاردا بكلمات الرجل الذي بدلت كل أفكاره حتى قال بتردد "ولكن أنا لن يمكنني أن أتوقف عن حب ملك يوما واحدا وسيظل قلبي لها مهما طال بي العمر فهل ستقبل منال بذلك؟ أن ترتبط برجل مثلي قلبه ليس ملكه؟" 
أرتبك حسين لحظة ولكنه قال "ربما كما أخبرتك الوقت يداوي الجراح وتستطيع منال مساعدتك على النسيان فقط امنح نفسك الفرصة"
ابتعد زين وقال بقوة وإصرار "نسيان؟ ومن قال أني أريد أن أنساها؟ أنسى حب عمري؟ أنسى النور الذي يضيء قلبي؟ أنسى أول وآخر حب بحياتي؟ كيف؟ كيف وهي من تفتحت عيوني عليها؟ كيف وهي أول من دق القلب لها ونطق باسمها؟ لقد عشت سنين عمري كلها أتمناها واليوم تقول لي أنسى، أنت تحلم، إذا أردت أن أبتعد فسأبتعد من أجلها هي وليس من أجل أن أنساها، إن حبها يمتد داخل جسدي كالشجرة العجوز تمتد جذورها لسابع أرض، عشقها يجري بعروقي كالدم يحيي قلبي وإذا انقطع مت، إنها ملك، ملك حياتي وعمري كله فلا تطالبني بالنسيان فهو مستحيل" 
نظر إليه حسين وربما لم يجد كلمات يرد بها عليه وتساءل بين نفسه أحقا هناك مثل ذلك الحب؟ أزاح الأفكار من رأسه ثم قال "ربما يكون حبك هذا مثل الروايات الخيالية ولكن من يدرى إلى أين ستأخذنا الأقدار، نحن نجتهد في الحياة والقدر في النهاية له القرار، ماذا قررت الآن؟ أنا ربما أبدوا أمامك غريب لأني أخطب لابنتي ولكن هذا لأني أعرفك، أنا لست مثل عبد الهادي لا أبحث عن المظاهر والشكليات أنا أريدك يا زين لأنني أعرفك.. أنت رجل من زمن الرجولة الحقيقية؛ ضابط ناجح وله سمعته وشاعر متألق يعشقه الملايين فلا مانع من أن أخطب لأبنتي رجلا مثلك بالتأكيد سيحسدها الناس عليه"
أبتعد وقال "كل ذلك ليس له معنى أمام قلب ميت لا حياة فيه أنا أخشى أن أظلم ابنتك"
ابتسم حسين وقال "لا تقلق هي تحبك وأنا متأكد أنها ستتحمل أي شيء من أجلك فالحب يذيب الموانع ويحلي المر ويفتح أبواب المستحيل" 
نظر إليه ولم يرد... هو ليس بحاجة لمن يخبره عن الحب..
****
"أخبرتك يا عبد الهادي أن ملك إنسانة حساسة ولابد من أن تعاملها بحرص شديد فكيف تركتها تنهار وتضيع هكذا مرة أخرى ؟ "
قال عبد الهادي بغضب "أنا لم أفعل هي التي فعلت ذلك بنفسها هي التي لم تسمع كلامي ولم تطيع أوامري" 
جلس الدكتور أمامه وقال "ليست العلاقة بينكما أوامر أنت والدها ومن لها ولابد أن تفهم أن فتاة مثلها تحتاج إلى الحب والحنان " 
قال عبد الهادي بغيظ "اللعنة على الحب، أنا لم أبخل عليها بأي شيء، كله من ذلك المدعو زين الذي عض اليد التي امتدت له لم أكن أعلم أنه سيفعل بي ذلك، آمنته على عرضي وهو الذي انتهكه" 
رفع الدكتور رأسه بانتباه وهتف "ماذا!؟ ماذا تقصد بكلماتك هذه؟ ملك بها شيء؟ هل .."
أسرع عبد الهادي يصحح خطأ كلماته وهو يقول "لا، لا ليس كما فهمت وإنما هو لعب بقلبها وجعلها تحبه ابن الخياطة كيف يجرؤ وينظر لأسياده كيف؟ هو الذي جعلها تتعلق به والآن كما ترى تنهار لأني أبعدها عنه" 
قال الدكتور "مثل تلك الأمور لا تعالج هكذا، ابنتك إذا كانت تحبه فإبعادها عنه يعني الدمار لها وإذا ضغط عليها فستنهار أكثر ووقتها ربما لا يمكننا إنقاذها لابد أن تفكر في طريقة تجعلها تكرهه هي وتخرجه من قلبها بإرادتها لا أن تجبرها وتكرهك أنت.." 
تراجع عبد الهادي وهو يفكر في صمت "ربما أنت على حق ولكن كيف؟" 
هز الرجل كتفيه وقال "لا أعلم كيف ولكن لا تحاول أن تقتل الحب بيدك وإلا قتلك أنت حبها، هيا لابد أن أذهب سلام" 
ولم يكن يعلم أن تلك الجملة تحمل في طياتها حقيقة سيعلن عنها المستقبل 
لا تحاول إن تقتل الحب بيدك وإلا قتلك انت حبها
ألقى الرجل نفسه على مقعده وهو يفكر، ترى ما الحل الذي يمكن من خلاله أن تكره ملك زين وتعود إليه؟ بالتأكيد هناك حل ولابد أن يصل إليه 
أخرج هاتفه واتصل، انتظر الرنين إلى أن رد صاحب الرقم فقال هو " أهلا حسين أسمع..." 

تعليقات



<>