رواية خيوط لاتري الفصل السابع عشر17بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل السابع عشر17بقلم فاطمة مالكي


: قناع الطبقة المخملية.. وجرأة الأسد العاشق
الجزء الأول: أفاعي الحرير.. زئير يحرق النخبة
انعكست أضواء الثريات الكريستالية الضخمة المتدلية من سقف قاعة فندق "الماسة" الملكي كشلالات من الماس السائل، لتضيء الوجوه والأجساد التي احتشدت في الحفل السنوي لرجال الأعمال في القاهرة. كانت القاعة تفوح برائحة الثراء الفاحش؛ عطور فرنسية نادرة، فساتين مخملية وحريرية صُممت في دور أزياء عالمية، ومحادثات جانبية تدور حول البورصة، الصفقات  ، وتحالفات السوق. كان كل شيء في تلك الليلة يبدو مثالياً وبراقاً، لكنه بريق زائف يخفي وراءه شبكات من المصالح والمنافسات الشرسة بين حيتان المال والأعمال.
وسط هذا الزخم الصاخب، كان هذا اللقاء يمثل الحدث الأبرز الذي ينتظره الجميع: الظهور الرسمي الأول والعلني لـ "حنين" بصفتها خطيبة إمبراطور الاقتصاد "ياسين الحكيم". كانت تقف كأميرة هاربة من روايات العصور الوسطى، ترتدي فستاناً من الحرير الكحلي الداكن الراقي، المحتشم للغاية بأكمام طويلة، ينساب بنعومة بالغة حول قوامها، وطوقت رأسها بحجاب حريري من نفس اللون أظهر بياض بشرتها الحنطية الصافية وعينيها العسليتين الكحيلتين. ورغم أناقتها التي خطفت الأنظار وجعلت الحاضرين يتساءلون عن هوية هذه الفتاة التي أسرت قلب "الأسد الجليدي"، إلا أنها كانت تشعر باختناق خفي وثقل في صدرها؛ فنظرات الفضول والهمسات المتبادلة بين الحاضرين كانت تلاحقها كسهام غير مرئية أينما تحركت في القاعة الشاسعة.
اضطر ياسين للابتعاد عنها لبضع دقائق لمصافحة وزير الاقتصاد وبعض المسؤولين الحاضرين الذين أصروا على الترحيب به ومناقشة بعض الخطوط العريضة لخطته الاستثمارية القادمة، خاصة بعد انتصاره الساحق على شبكات الفساد وتطهير مجموعته من الخونة والمخربين. قبل أن يخطو خطوة واحدة بعيداً عنها، انحنى نحوها وهمس بصوت دافئ يطمئنها: "مش هغيب عنك أكتر من خمس دقائق يا حبيبتي، خليكي واقفة هنا في المكان ده ومتتحركيش."
استغلت "جاسمين الشرقاوي" هذه الدقائق القليلة؛ وهي فتاة مدللة، ابنة أحد أباطرة المقاولات والعقارات في مصر، وكانت ترى نفسها طوال السنوات الماضية الأحق بلقب "حرم ياسين الحكيم" بنفوذها، ثراء عائلتها الفاحش، ومكانتها الاجتماعية الراقية. لطالما حاولت لفت انتباه ياسين في الحفلات السابقة لكنه كان يتجاهلها دوماً ببرود تام، ورؤيته الليلة وهو يمسك بيد فتاة مجهولة الهوية بالنسبة للمجتمع المخملي أشعلت في قلبها نيران الغيرة والحقد.
اقتربت جاسمين من حنين بخطوات متعالية متعجرفة، تتبعها اثنتان من صديقاتها المقربات اللواتي يشاركنها نفس النظرة الدونية للآخرين. توقفت تماماً أمام حنين، وتفحصتها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بنظرة تقطر دناءة وسخرية، ثم رفعت صوتها قليلاً لتتعمد جذب انتباه المحيطين بهم في هذا الركن من القاعة:
— "أهلاً وسهلاً.. الآنسة حنين، مش كده؟ الحقيقة القاعة كلها مقلوب كلامها من أول ما دخلتوا. كلنا اتفاجأنا باختيار ياسين بيه. كنا دايماً متوقعين إنه لما يقرر يرتبط ويختار ست تظهر معاه في مجتمعنا المخملي، هيختار حد من مستواه.. بنت عيلة عريقة ولها ثقل واسم معروف في السوق المصري، مش مجرد مترجمه مغتربة.. جاية من الجزائر عشان تدور على شغل، مش كده برضه؟"
سادت حالة من الصمت المترقب في الزاوية، وضحكت صديقة جاسمين بخبث لا يقل عنها مرارة، وتابعت مكملة بأسلوب مستفز:
— "معلش يا جاسمين، الأصالة والطبقة الراقية دي جينات بتتورث، ومبتقدرش المليارات تشتريها في يوم وليلة. تلاقيه بس ياسين بيه عطف عليها بعد موضوع الهجوم المسلح اللي حصل في مجموعته.. أصل ياسين بيه معروف بقلبه الطيب في المواقف الإنسانية اللي زي دي، وبيحب يساعد الناس البسيطة!"
تصلب جسد حنين تماماً في مكانها، وشعرت بدمائها تغلي في عروقها كإعصار مدمر. الإهانة لم تكن موجهة لشخصها أو لعملها السابق فقط، بل طعنت كرامتها  ، وعزة نفسها، وأصولها التي تفخر بها دائماً في مقتل. اتسعت عيناها العسليتان ببريق ناري عاصف، وضغطت بأصابعها على حقيبة يدها الصغيرة بقوة شديدة حتى كادت أظافرها تمزق الجلد، وكادت أن ترد عليهن بقسوة وكبرياء يليق بها  لتلقن هذه الفتاة المدللة درساً لا تنساه في الأدب والاحترام، لكن فجأة.. تجمد الهواء تماماً من حولهن وتحولت الأجواء الحارة إلى صقيع مرعب.
تردد في أرجاء المكان وقع خطوات منتظمة، ثقيلة، وصارمة، أحدثت قشعريرة فورية وانقباضاً مباغتاً في قلوب المتحدثات قبل أن يلتفتن للخلف.  كان ياسين   يقف خلفهن كطود شامخ، عريض المنكبين، وعيناه الصقريتان تشتعلان بنار غضب شيطاني محرق لو أُطلقت لأحالت القاعة بأكملها ومن فيها إلى رماد. تلاشت في تلك اللحظة ملامح رجل الأعمال الهادئ والدبلوماسي، وظهر وجه الصقر الكاسر الذي يرى ضباعاً تتجرأ وتتقرب من عرينه وأنثاه.
بحركة قوية، حاسمة، وممتلئة بالتملك الصارخ، مرر ياسين ذراعه الطويلة حول خصر حنين، وجذبها إليه بقوة فائقة أرجعت ظهرها ليلتصق تماماً بصدره الصلب العريض كحاجز حماية مطلق لا يمكن اختراقه. ثم صوب نظراته الحادة كخناجر الفولاذ نحو وجه جاسمين التي شحب لونها في ثانية واحدة وتراجعت خطوة للخلف برعب حقيقي. تحدث ياسين بصوت منخفض، خافت، ولكنه كان يحمل زئيراً مخيفاً غطى على أصوات الموسيقى وحبس أنفاس كل من كان قريباً من المكان:
— "جاسمين.. كنت أظن إن والدك مربيكي كفاية وعرف يعلمك إزاي تفتحي بقك ومع مين. بس الظاهر إن فلوسه ودلعه الزيادة بوظوا أخلاقك، وبقيتي محتاجة درس قاسي وجلسة تربية ترجعك لحجمك الطبيعي عشان تعرفي تعيشي في وسط الناس المحترمين."
بلعت جاسمين ريقها بصعوبة بالغة، وشعرت بركبتيها ترتجفان تحت فستانها الفاخر، وتلعثمت الكلمات في حنجرتها ولم تقو على رفع عينيها في مواجهة عينيه المتفجرتين غضباً: "ياسين بيه.. العفو، إحنا كنا بس بنتعرف على خطيبتك والآنسة.."
— "أنا مبسمحش لأشكالك ينطقوا اسمها على لسانهم!" قاطعها ياسين ببرود مميت جعل الدماء تجف في عروقها، وتابع وعيناه تخترقان روحها باحتقار شديد: "البنت اللي واقفة قدامك دي، وبتقلي بأدبك عليها، هي ملكة قصر الحكيم. اسمها لوحده، هيدوس على تاريخ عيلتك كله من أوله لآخره. كرامتها، وفستانها، وظفر إيدها برقبتكم ورقبة عائلاتكم كلكم. ومن اللحظة دي.. الشراكة اللي بين عيلتك ومجموعة الحكيم في مشروع الأبراج الجديد اتلغت تماماً وبلا رجعة. وأي بنك استثماري أو تجاري ليا سهم فيه أو نفوذ على إدارته هيسحب كل التسهيلات الائتمانية والخطوط المالية من أبوكي بكره الساعة تسعة الصبح.. عشان لما تروحي تشتكي له وتبكي، يعرف يربيكي من أول وجديد ويقولك مين هي حرم ياسين الحكيم اللي فكرتي تتطاولى عليها."
التفت ياسين برأسه بحدة وعنف نحو مدير أمن الحفل الذي كان يقف على بعد خطوات يرتجف خوفاً وينتظر الأوامر، وأشار بيده ببرود تام وثقة مطلقة:
— "الأشكال دي تتطرد بره الفندق ده فوراً.. ومش عايز أشوف وشهم في أي مكان يتنفس فيه ياسين الحكيم أو خطيبته، وإلا إنت وعناصر الأمن اللي معاك مش هتشوفوا الشغل في البلد دي تاني."
انصاعت الحراسة فوراً للأوامر، وتدخل أربعة من رجال الأمن الضخام ليقودوا جاسمين وصديقاتها إلى الخارج ذليلات منكسرات وسط نظرات الشماتة، الهمس، والذهول من كل الحاضرين في الحفل الذين تابعوا المشهد بقلوب مرتجفة، وأدركوا جميعاً في تلك اللحظة أن حنين ليست مجرد فتاة عادية، بل هي خط أحمر مميت، ومن يفكر في الاقتراب منها أو إيذائها بكلمة يكتب نهاية نفوذوه وثروته بيده.
بمجرد اختفائهن تماماً عن الأنظار، التفت ياسين بكامل جسده الضخم نحو حنين ليتأكد من سلامتها. في ثانية واحدة، تلاشت كل معالم القسوة والجبروت من ملامحه، وحلّ مكانهما قلق جارف وحنان دافئ جياش وهو يرفع وجهها برفق شديد بين كفه الكبيرتين، يتأمل عينيها المترقرقتين بالدموع المكتومة التي رفضت إسقاطها أمام المتنمرات:
— "إنتِ كويسة يا قلب ياسين؟ أنا أسف.. أسف إني سبتك لوحدك ثانية واحدة وخليت العقول المريضة دي تقرب منك."
نزلت دمعة هاربة من عين حنين من فرط التأثر بموقفه الشجاع وحمايته  لها، لكنها رفعت عينيها العسليتين إليه وأمسكت بيديه القويتين المستقرتين على وجنتيها، وقالت   بكل صدق ودون تصنع:
— "أنا  بزاف لاباس مادامني معاك وفي   حضنك يا ياسين.. بصح راك حرقتلهم دمهم وبهدلتهم ! ما توقعتش تكلّمهم بهاد القساوة ڤاع."
ضحك ياسين من أعماق قلبه، ضحكة رجولية دافئة هزت صدره القوي، وانحنى أمام عيون الطبقة المخملية، رجال الأعمال، والوزراء الذين كانوا يراقبونهم بفضول، ليطبع قبلة طويلة وعميقة وممتلئة بالاحترام والعشق على جبهتها:
— "أنا أحرق الدنيا كلها، وأهد ممالك فوق رؤوس الكل، ولا أشوف نظرة انكسار أو زعل واحدة في عيونك يا حنين. إنتِ عندي بالدنيا وما فيها."
وقبل أن يرتد للمتفرجين أنفاسهم، شق صفوف النخبة الملتفة حولهم بخطواته الوقورة هيبة العائلة وكبيرها، "عبد المعز الحكيم". كان يراقب الموقف من بعيد، واقترب الآن ليزيد من ثقل المشهد. رمق مكان انصراف جاسمين بنظرة محتقرة، ثم التفت إلى حنين وابتسم بحنان أبوي خالص، وربت على كتفها بلطف شديد. رفع صوته الجهوري،  ليُسمع كل من تسول له نفسه بالهمس في القاعة:
— "حنين مش بس خطيبة ابني.. دي بنتي الغالية، وتاج عيلة الحكيم. اللي يمسها بكلمة، كأنه مسني أنا شخصياً، وحسابه هيكون معايا أنا قبل ما يكون مع ياسين."
التفت عبد المعز للحضور بنظرة تحمل تحذيراً مبطناً لكل من في القاعة، ثم عاد ليبتسم لحنين المبهوتة من هذا الدعم الكاسح. أحست حنين بفيض من الأمان، وابتسمت بامتنان لهذا الأب العظيم الذي يعوضها عن غياب عائلتها ويقف كجبل شامخ يحميها من أنياب هذا المجتمع.
الجزء الثاني: مكالمة منتصف الليل.. والجرأة الفاضحة
بعد انقضاء ليلة الحفل العصيبة، عاد الهدوء ليتسلل إلى أرجاء القاهرة تحت سكون الليل. في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، كانت حنين تجلس بمفردها في غرفتها الهادئة بشقة ياسين بعد ان اصر العم مصطفى. والخاله زليخه على انه لا يصح وجودهم معا تحت سقف واحد وخاصه بعد زوال الخطر ..  كانت الأفكار تتلاطم في رأسها كأمواج البحر؛ فميعاد الزفاف اقترب كثيراً، وتحول حياتها من فتاة مغتربة تبحث عن الأمان إلى زوجة لأكثر رجال الأعمال نفوذاً في مصر بات أمراً واقعاً يفصلها عنه أيام معدودة. كانت ترتدي بيجامتها القطنية الدافئة بلونها الوردي الهادئ، وشعرها الحريري الطويل ينساب بحرية فوق كتفيها بعد أن تحررت من قيود الحجاب والفساتين الرسمية.
فجأة، قطع صمت الغرفة الاهتزاز المتتالي لهاتفها الموضوع على الطاولة الخشبية الصغيرة. نظرت إلى الشاشة لتجد اسماً يسرع نبضات قلبها بمجرد رؤيته: "ياسين". ولم تكن مكالمة صوتية عادية، بل كان اتصالاً مرئياً عبر الفيديو (Video Call). استجمعت أنفاسها المبعثرة، وعدلت من جلستها فوق السرير  ووضعت حجابها ثم ضغطت على زر القبول.
انفتحت الشاشة ليظهر وجه ياسين الوسيم بملامحه الرجولية الحادة. كان يجلس خلف مكتبه الضخم في جناحه الخاص بالقصر، وقد تخلص من سترته الرسمية السوداء، وفك الأزرار الثلاثة الأولى لقميصه الأبيض متخلياً عن رابطة العنق، وبدت خصلات شعره الأسود مبعثرة قليلاً مما أضفى عليه جاذبية مفرطة وطبيعية. ساد الصمت لثوانٍ خطفت فيها عيناه الصقريتان تفاصيل وجهها المشرق بالخجل، ثم ابتسم بنبرة صوت منخفضة ورخيمة تحمل بحة تعب مغلفة بالشغف:
— "منمتيش ليه لحد دلوقتي يا ملكة قلبي؟ عيونك العسلية دي مش لازم تسهر وتتعب بالشكل ده."
ابتسمت حنين بخجل خفيف وحاولت سحب أطراف غطائها لتداري صدرها بتلقائية عفوية، وأجابت بصوتها العذب الذي يقطر رقة:
— "ما جانيش النوم يا ياسين.. راني غير نخمم في الصوالح تاع العرس، والوقت راه يجري بينا بزاف، ما بقاش  بزاف .. قيس ما نوجدو رواحنا."
اعتدل ياسين في جلسته الجدية، واختفت ملامح الإرهاق من وجهه لتحل مكانها نظرة مكرة، جريئة ومستفزة، لمعت في سواد عينيه بوضوح. اتكأ بمرفقيه على المكتب واقترب من الشاشة قليلاً، وتابع بنبرة ذات مغزى صريح تسببت في هبوط قلبها بين ضلوعها:
— "كويس جداً إنك بتفكري في صوالح العرس وتفاصيله.. عشان تبقي عارفة، بكره الصبح جدولنا كله مخصص للشوبينغ، وعايزك من دلوقتي حالا تسيبي أي حاجة في إيدك، وتكلمي الخالة زليخة وحنان وتوصيهم يركزوا معاكي جداً على قمصان النوم واللانجري.. وأهم حاجة عندي في الليلة دي، تركزوا على اللونين الأحمر والأسود."
تجمدت حنين في مكانها، واتسعت عيناها العسليتان بصدمة عارمة. شعرت بموجة من الحرارة الشديدة تجتاح جسدها بالكامل، واشتعلت وجنتاها باللون الأحمر القاني حتى أحست بأن أذنيها تسخنان من فرط الحياء والارتباك من قوله المباشر والصريح. شهقت بخفوت ووضعت يدها فوق فمها تحاول استيعاب جرأته، ثم تمتمت بصوت مرتجف يحاول إظهار الغضب:
— "ياسين! واش هاد الهدرة؟ حشّم شوية تعيش.. كيفاش تقولي هاد الصوالح هكذا في التليفون!"
لم يتراجع ياسين خطوة واحدة أمام خجلها، بل اتسعت ابتسامته  التي تظهر جانبه اللعوب كعاشق لا يعرف الخطوط الحمراء مع أنثاه خلف الأبواب المغلقة. انخفض صوته أكثر ليصبح همساً عميقاً يخترق الشاشة ويسري كقشعريرة كهربائية في عمودها الفقري:
— "مش هحشم يا حنين.. أنا بكلم مراتي اللي هتبقى في بيتي وفي حضني بعد أيام قليلة. وبقولهالك بالحرف ومن دلوقتي عشان تعملي حسابك.. اللونين دول بالذات، الأحمر والأسود، هيبقوا عليكي طلقة يا بطل! ومش عايز أشوف الخجل  ده كله لمل تكوني في حضني."
— "يا يما عليك.. إنت هبلت ڤاع وجنت رسمي! (لقد جننت تماماً)" صرخت حنين بنبرة مخنوقة ممتلئة بالحياء الشديد الذي جعلها عاجزة عن مواجهة نظراته المتفحصة عبر الهاتف. وبحركة سريعة وفوضوية، ضغطت على زر إنهاء المكالمة لتغلق الخط بسرعة البرق دون أن تنتظر منه حرفاً آخر.
ألقت الهاتف على السرير كمن يمسك بجمرة نار، ثم دفت وجهها المشتعل بالكامل تحت وسادتها الكبيرة وهي تتنفس بصعوبة وتسحب الهواء لصدراها الذي يعلو ويهبط بعنف. كان قلبها ينبض بضربات متتالية وسريعة من فرط جرأته الفاضحة والوقحة التي لم تعتد عليها أبداً من رجل كان طوال أشهر يمثل أمامها دور "الرجل الجليدي الصارم"، وظلت تتقلب في فراشها طوال الليل وعقلها يعيد كلمته الحارقة (دول حيبقوا عليكي طلقة يا بطل)، وهي تتساءل برعب كيف ستملك الشجاعة لتنظر في عينيه غداً في الصباح.
الجزء الثالث: الصدمة في المتجر.. والخط الموازي "قليلي الحياء"
اشرقت شمس الصباح حاملة معها حركة نشطة في شوارع القاهرة. نزلت حنين من بوابة البناية وهي تحاول جاهدة رسم ملامح الهدوء والبرود على وجهها، تتبعها الخالة زليخة التي كانت ترتدي عباءتها ا الأنيقة، وحنان التي كانت تتحرك بحماس كبير ممسكة بحقيبتها. كانت حنين تظن في مخيلتها أن سياق الأمس سيتكرر؛ حيث ستجد السائق الخاص أو مازن بانتظارهن ليقلهن إلى المجمع التجاري في الزمالك.
ولكن الصدمة الكبرى كانت تقف بالمرصاد عند حافة الرصيف. لم تكن هناك سيارة الحراسة العادية، بل كانت سيارة ياسين الرياضية الفاخرة السوداء تتلألأ تحت أشعة الشمس، وياسين نفسه يستند بجسده الضخم وعريض المنكبين على بابها، يرتدي قميصاً كاجوال أسود يبرز عضلات صدره وبنطالاً رمادياً، ويضع نظارته الشمسية السوداء التي تخفي عينيه الصقريتين. وإلى جانبه مباشرة، كان مازن يقف بطلة أنيقة للغاية بملابس متناسقة ومبتسم  كالعادة.
تسمرت حنين في مكانها، وشعرت بركبتيها تكادان تخونانها بمجرد رؤيته، وتذكرت فوراً مكالمة منتصف الليل الفاضحة. التفتت بسرعة نحو حنان وجذبت ذراعها تهمس برعب وارتباك:
— "يا حوجي أنا! هاد الراجل واش جابه هنا الصباح؟ قالي البارح في التليفون هدرة كبييييرة وقليلة حيا، واليوم جاي يسوق بينا ! كفاش راح نشوف في وجهه درك؟"
غمزت حنان بوقاحة ومرح ، وضحكت بخفوت وهي تدفعها للأمام:
— "يا بنتي هذا راه طايح فيك لشوشتو (واقع واقع ودايب) الأسد مش راح يرخيلك الحبل الليلة هذي، وجاي يشرف على الصيد بنفسه ويتأكد إن البطلراح يخير  الألوان اللي على  قوسطوه (مزاجه).شدي روحك (اجمدي كده) ومتفضحيناش!"
 تقدم ياسين نحوهم بخطوات وثيقة وصارمة تحمل هيبته المعتادة. استقبل الخالة زليخة بمنتهى الأدب والاحترام وانحنى قليلاً يقبل يدها برقي، متمنياً لها صباحاً سعيداً، ثم التفت ببطء نحو حنين. خلع نظارته الشمسية ببطء لتلتقي عيناه الصقريتان الساخرتان بعينيها العسليتين الهاربتين لأسفل. انحنى بمستواها قليلاً ونطق بصوت منخفض للغاية، دافئ ومستفز، لم تسمعه سوى أذنها:
— "صباح الورد الجوري .. جهزتي نفسك وجبتي الشجاعة عشان نشتري اللي  طلبتو امبارح يا حرمي المصون؟"
كادت حنين أن يغشى عليها من فرط الخجل، واشتعل وجهها مجدداً ، ولم تجد قوة للرد عليه؛ بل سارت بخطوات سريعة متجاوزة إياه ودخلت إلى المقعد الخلفي للسيارة محتمية بالخالة زليخة، بينما أطلق ياسين ضحكة رجولية خافتة ممتلئة بالانتصار والرضا وسار ليتولى القيادة بنفسه.
بمجرد وصولهم إلى المجمع التجاري الفاخر في منطقة الزمالك، تبين حجم النفوذ والسيطرة؛ فقد تم إغلاق المتجر بالكامل بناءً على أوامر صارمة من ياسين، ومُنع دخول أي زبائن آخرين لتوفير الخصوصية المطلقة. بمجرد الدخول، انقسمت المجموعات بشكل مدروس؛ أخذ ياسين يد حنين بقرار حاسم وتوجه بها مباشرة نحو الجناح  الراقي المخصص لملابس النوم واللانجري للعرائس، تاركاً الخالة زليخة تجلس في صالون الاستقبال الفخم، في حين انطلق  في الاتجاه الآخر  مازن وحنان نحو الأقسام الأخرى ليختار مازن بدلة زفافه وتختار حنان فستان سهرتها.
في الجناح الداخلي، ساد الهدوء وتصاعدت أنفاس حنين المتوترة وهي تسير بين المعروضات الفاخرة. توقف ياسين تماماً أمام رف مخملي يعرض أحدث التصاميم الفرنسية من الحرير الطبيعي. امتدت يده الطويلة بدقة ليلتقط طقماً من الحرير الأسود الشفاف، عاري الظهر بالكامل بفتحات جانبية جريئة وقصير للغاية يتجاوز حدود الركبة بكثير، ومعه طقم آخر باللون الأحمر الناري المثير. التفت نحو حنين ووضعهما أمام جسدها النحيل، وتأمل وجهها بابتسامة تفيض بالشغف:
— "أعتقد كلامي في التليفون امبارح كان واضح جداً ومش محتاج ترجمة.. الطقمين دول بالذات مش هسيبهم هنا في المحل، لازم أشوفهم عليكي في جناحنا الأسبوع الجاي."
قبضت حنين بأصابعها المرتجفة على يديه القويتين الممسكتين بالقماش، وحاولت سحبهما للخلف وهي تلتفت يميناً ويساراً بذعر، وقالت بلهجة متلعثمة ومشتعلة من فرط الحياء 
— "ياسين تعيش.. واش هاد قلة الحيا ! إنت ما تحشمش ڤاع؟ هاد الشي قصير بزاف وعريان كتر من اللازم.. أنا مستحيل نلبس هاد الصوالح قدامك، والله ما نقدَر، غير نحّيها من بالك وما تزيدش تحكي فيها!"
ضحك ياسين ضحكة عميقة  وهو  يرى في عنادها وخجلها قمة متعته. وبحركة سريعة ومباغتة، تقدم خطوة واحدة للأمام ليحاصر جسدها الرقيق تماماً بين حافة صدره العريض  وبين الرف الخشبي للملابس، قاطعاً عليها أي طريق للتراجع. انحنى بوجهه  أمام وجهها المشتعل، وأمسك خصرها بيد واحدة ثبتتها مكانها، وهمس أمام شفتيها المرتجفتين بأنفاس حارة خدرت إرادتها:
— "أنا قولتلك إني اتجننت  بيكي فعلاً يا حنين.. وفي أوضتنا المقفولة مفيش حاجة اسمها مستحيل أو ما أقدرش. الفستان الأسود بتاع الخطوبة منعتك تلبسيه عشان مفيش راجل يلمح تفصيلة من جسمك.. لكن  في مملكتنا إنتِ ملكي وعيوني هي الوحيدة اللي ليها الحق تشوف الجمال ده كله. الطقم الأسود والأحمر دول هشوفهم عليكي.. يعني هشوفهم، برضاكي أو بعنادي وإصراري."
انحنى وقبّلها قبلة خاطفة على شفتيها سلبتها ما تبقى من أنفاسها وجعلت الأرض تدور من تحت قدميها، لتستسلم تماماً وتأخذ الأطقم الحريرية بيديها المرتجفتين وتدخل بسرعة إلى غرفة القياس بجسد يرتجف عشقاً وخجلاً لا يوصف.
على الجانب الآخر من المتجر الكبير، كانت الأجواء مختلفة تماماً وصاخبة؛ حيث كان الخط الموازي بين مازن وحنان يشتعل بأسلوبهما الخاص  دون أي اعتبار للرسميات أو الخجل.
وقفت حنان تمسك بفستان سهرة من الدانتيل الأحمر الناري، مجسم للغاية بطريقة تبرز تفاصيل الجسد ومفتوح الصدر بشكل جريء، ورفعت صوتها عالياً وهي تلوح به أمام مازن الذي كان يقف على بعد خطوات يراجع بعض البدلات الرسمية:
— " مازونا.. خليك مالكوستيمات (البدلات) ضرك وارواح (تعال)  شوف! أنا راح ندي (اخذ) الفستان الأحمر هذا باش  نرقص لك بيه فيشقتنا بعد العرس كي نسكرو الباب علينا.. وش رايك فيه؟"
اتسعت عينا مازن بصدمة ، واقترب منها بخطوات سريعة يمسك بأطراف الفستان ويغمز لها بوقاحة  أمام البائعات اللواتي كتمت ضحكاتهن:
— "يا نهار أسود! ده إنتِ لو لبستي البتاع ده يا حنان في الشقة، أنا مش هسيبك تخرجي من أوضة النوم لمدة شهر كامل!  لتجيبه بوقاحه اعتاد عليها منها «ده عز الطلب»   ليكمل مازن كلامه «بس بقولك إيه.. الصدر ده عريان زيادة عن اللزوم ومحتاج يقفل شوية قدام الناس في الفرح عشان معملش جناية، لكن في الشقة.. اقلعي الفستان كله مش فارق معايا، أنا موافق ومرحب جداً بالتفكير المنحرف ده!"
ضربته حنان بقوة ودلال على كتفه العريض وأطلقت ضحكة رنانة هزت أرجاء المكان:
يا قليل الحيا! الناس راهي واقفه  تتفرج علينا؟ بصح عجبني تفكيرك  ، ندي منو زوج وبألون مختلفة باش  نخرجلك عقلك
صاحت الخالة زليخة من بعيد، والتي كانت تتابع تفاصيل حوارهما الفاضح بقلة حيلة وضيق مرح، وراحت تضرب كفاً بكف وتهز رأسها مستنكرة جرأتهما الزائدة:
— "يا يما على هاد الذراري (الأولاد)! ما تحشموش ڤاع قدام العباد والناس؟ هاد المازن وحنان هبلوا خلاص)، ياسين وحنين ميتين بالحشمه ومخبيين رواحهم، وهادو مبهدلينا في وسط الحانوت بكل قلة حياهم !"
ضحك مازن بصوت عالٍ وتوجه نحو الخالة زليخة يحيط كتفها بذراعه بمحبة ومزاح علني:
— "يا خالة زليخة يا عسل، الجواز مفيش فيه خجل وإحنا بنحب نكون على المكشوف ومن غير قناع! شوفي بس حنين وياسين هناك مستخبيين وميتين في خجلهم إزاي، سيبيهم يتعلموا مننا شوية فكي شويه عشان الحياة تمشي!"
انتهى يوم الشوبينغ الطويل والمثير؛ توازنت فيه الأجواء بين رومانسية وجرأة ياسين الطاغية التي هزت  حنين اط وجعلتها تدرك أن ليلتها القادمة معه ستكون مليئة بالشغف الذي لا يرحم خجلها، وبين 1جرأة مازن وحنان "قليلي الحياء" الذين أضفوا جواً من البهجة الصاخبة على التحضيرات. عاد الجميع إلى البيوت والقلوب تدق بعنف.. انتظاراً لليلة الألف ليلة وليلة التي ستجمع العشاق تحت سقف واحد.
الجزء الرابع: تراتيل العهد.. وخطوات نحو المجهول السعيد
مرت الأيام القليلة المتبقية على موعد الزفاف كأنها ثوانٍ معدودة في سباق مع الزمن. كان قصر الحكيم في ضواحي القاهرة أشبه بخلية نحل لا تهدأ ولا تنام؛ فالمهندسون، وعمال الديكور، ومنسقو الزهور العالمية الذين تم جلبهم خصيصاً من هولندا، كانوا يعملون ليل نهار لتحويل الحديقة الشاسعة للمقاطعة إلى أسطورة حية تجسد ليلة من ليالي ألف ليلة وليلة. كانت الأوامر الصادرة من ياسين واضحة وصارمة: "أريد زفافاً يتحدث عنه التاريخ، زفافاً يليق بملكة قلبي."
في الجانب الآخر من المدينة، وفي شقة العم مصطفى، كانت الأجواء لا تقل حماساً ودفئاً، ولكن بنكهة مغايرة تماماً تفيض بالأصالة والتقاليد العريقة. كانت الخالة زليخة تدير شؤون التحضيرات الجزائرية بكل حزم وعاطفة أمومية جياشة، تساعدها "حنان" التي لم تترك حنين للحظة واحدةفي غربتها. كانت الغرف تعبق برائحة البخور العاصمي الفاخر، وأصوات الأغاني التراثية والراي تنبعث ببطء من مكبر، ممتزجة بضحكات الفتيات وأصوات النقاشات حول تفاصيل الفساتين والزينة.
كانت حنين تجلس في غرفتها وسط كومة من الأقمشة الفاخرة؛ الساتان، الدانتيل، والمخمل المطرز بخيوط الذهب والفضة. كانت تتأمل "الكاراكو العاصمي" بلونه الأسود الملكي وتطريزه الذهبي "المجبود" الدقيق الذي صنعته أنامل أمهر الحرفيين في الجزائر وتم شحنه على عجل بناءً على طلب خاص من ياسين. لم يكن الكاراكو مجرد فستان ليلة الزفاف بالنسبة لها، بل كان قطعة من روح وطنها، تفوح برائحة شوارع الجزائر العريقة، وتحمل معها بركة دعاء والدتها الراحلة.
امتدت يد الخالة زليخة لتربت على كتف حنين الحائرة ببركة وحنان دافئ:
— "يا بنتي، شوفي الله يبارك كفاش خرج عليك هاد التطريز. ياسين ما خلاّ في قلبك حتى  حاجة، ڤاع(كل) الصوالح (الحاجات) اللي طلبتيهم والتقاليد اللي حكيت عليها جابهوملك حتى لعندك. هاد الراجل يحبك بزاف يا حنين، وراه شاري خاطرك بالدنيا وما فيها. ديري بالك عليه، وكوني له السكن والأمان."
تنهدت حنين بعمق، وشعرت بدموع دافئة وتلقائية تتجمع في محاجر عينيها، وقالت بصوت متهدج من فرط المشاعر المختلطة بين الفرح بالزواج والخوف من المسؤولية الجديدة والشوق لأهلها:
— "والله يا خالتي زليخة راني خايفة بزاف.. الفرحة راهي كبيرة بصح المسؤولية أكبر. ياسين راجل قايم بيا ودارلي فوق حسابه، بصح ساعات نخاف من هاد الجبروت والنفوذ اللي عنده. نخاف ما نكونش في مستوى الثقة هادي ولا نغلط في كاش حاجة تزعفو( تزعله) مني."
ضحكت حنان التي كانت تدخل الغرفة حاملة صينية الشاي بالنعناع والحلويات الجزائرية التقليدية "المقروط" و"البقلاوة"، وقالت بلهجتها المرحة المعتادة لتلطيف الأجواء الطاغية:
—وشمن "مسؤولية وشمن  وخوف  يا حنين يا بنتي! هذا ياسين الحكيم اللي مكاش راجل في مصر يقدر يشوف في عينه، كان واقف لمبارح قدامك كيما التلميذ المؤدب مستني الآنسة حنين تكمل شوبينغ! الراجل هذا لوكان يقدر  يجيبلك نجمه من السما يجيبها. إنتِ برك حبسي التخمام هذا، وافرحي بليلتك، وشوفي مازن اللي هبلني هذا وش راه داير في الترتيبات مع الحراسة بره."
ضحكت حنين من قلبها وتلاشت غيوم قلقها بفضل مرح حنان، واسترجعت في مخيلتها تفاصيل مواقف ياسين الغيورة والجريئة، وشعرت بيقين تام في قلبها أن هذا الرجل، رغم قوته وجبروته الخارجي أمام الأعداء والمجتمع، يملك قلباً من ذهب خالص لا ينبض إلا لها وباسمها فقط.
وفي تلك الأثناء، في الطابق السفلي من قصر الحكيم، كان عبد المعز يجلس على مقعده الوثير في المكتب الفخم، يراقب بفخر واعتزاز ابنيه؛ ياسين الذي كان يراجع اللمسات الأخيرة لبروتوكول الحماية والاستقبال، ومازن الذي كان يبدو عليه الإرهاق والتوتر الشديد من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه كرئيس للعمليات والتنظيم في هذه الليلة التاريخية.
وضع مازن الملفات على المكتب وتنهد بقلة حيلة ومزاح:
— "يا ساتر يا ياسين بيه.. أنا نظمت مؤتمرات اقتصادية دولية وحفلات لوزراء خارجية ومحستش بالرعب ده! الحراسة مشددة على كل المداخل، الطاقم الطبي جاهز تحسباً لأي ظرف، والوفد الدبلوماسي القادم من السفارة الجزائرية تم تأمين وصوله وتخصيص أماكنهم في الصفوف الأمامية زي ما أمرت بالظبط. بس فاضل موضوع واحد.. المطرب."
رفع ياسين عينيه الصقريتين عن الأوراق الحسابية، ونظر إلى مازن باهتمام وبرود قاطع:
— "ماله المطرب؟ بلال الصغير وصل القاهرة ولا لسه؟"
أومأ مازن برأسه بسرعة: "وصل يا فندم، الطيارة الخاصة اللي بعتها جابته مع فرقته الموسيقية ووصلوا الفندق من ساعتين، والرجالة مأمنين مكانهم وجاهز للأداء. بس أنا مستغرب.. يعني إمبراطور الاقتصاد ياسين الحكيم، يسيب كل مطربين الصف الأول في مصر والوطن العربي، ويطلب مطرب جزائري بالاسم عشان يغني أغنية معينة في رقصتنا؟ الناس هتقول إيه؟"
قام ياسين من مقعده الجلدي الفخم، وتقدم نحو النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على الحديقة الملكية والأنوار الشاسعة التي تُجهز، ووضع يديه في جيبي بنطاله، وقال بنبرة هادئة، عميقة، وتحمل وزناً وثقة لا تتزعزع:
— "الناس تقول اللي تقوله يا مازن، أنا ميهمنيش رأي حد في الدنيا دي غير حنين. حنين سابت بلدها، وأهلها، وتاريخها، وقبلت تقعد  هنا عشاني. الأغنية دي والمطرب ده بيمثلوا حتة من ذكرياتها وأصالتها اللي بتعشقها. أنا مش بس هعملها فرح أسطوري يبهر مجتمع القاهرة، أنا هجيب لها الجزائر لحد عندها في ليلتها عشان متتحسش بغربة أو نقص ثانية واحدة وهي في بيتي . الفرح ده عشانها هي.. مش عشان الناس."
هنا تدخل عبد المعز، ووقف ليقترب من ابنه. ربت على كتف ياسين العريض بفخر، وعيناه تلمعان بالدموع المكتومة ، وقال بصوته الأبوي الدافئ:
— "أصيل يا بني.. كبرت وبقيت راجل يوزن بلد. الست الأصيلة زي حنين، اللي وقفت جنبك وجنبنا في أزمتنا واستحملت غدر السوق، تستاهل إنك تفرشلها الأرض حرير. اللي بيحترم أصول مراته وأهلها بيكبر في عينها وعين الناس كلها. أنا فخور بيك يا ياسين، ومطمن على عيلتنا ومستقبلها طول ما إنت وحنين ماسكين إيدين بعض بالحب والاحترام ده."
نظر مازن إلى اخيه   وإلى عمه عبد المعز بإعجاب شديد، وابتسم قائلاً: "طول عمركم كبار، وفعلاً حنين تستاهل كل الحب ده.. ربنا يتمم لكم على خير يا صاحبي."
انتهى اليوم الطويل وأغلق ياسين عينيه ليرتاح لبضع ساعات قبل بزوغ فجر اليوم المنتظر، اليوم الذي سينتقل فيه من مرحلة العشق السري والمطاردات والحروب، ليقيد اسم الفتاة الجزائرية العنيدة برباط أبدي مقدس،ويجعلها تحمل اسمه وصورته كملكة متوجة على عرش الحكيم إلى الأبد.

                   الفصل الثامن عشر من هنا
تعليقات



<>