رواية اولاد الباشا الفصل السابع عشر17بقلم شيماء منير
الكون سيحميك من العلاقات السيئة. ولكن عليك أن تكون على استعداد لرؤية العلامات، فقد عرف عقلي ما لم يرغب قلبي في تقبله. ❤️🌹
انفتحت أبواب الطوارئ المزدوجة برزعة عنيفة هزت جدران المستشفى الكبيرة، ودخل طاقم الإسعاف زي الإعصار وهم بيجروا بسرعة جنونية، وراهم نقالة حديد بتزيّ وصوت عجلاتها مالي المكان بالرعب. فوق النقالة، كان جسم فارس ممدد كأنه جثة هامدة، لولا صدره اللي كان بيترفع وينزل ورا بعضه بنَفَس متلاحق ومكتوم يصارع الموت.. كان غرقان في دمه، قميصه متبهدل ومتمزع تماماً، وبقعة الدم اللي بتوسع في صدره اتحولت لشلال بينقط بانتظام على أرضية المستشفى البيضاء، وبيسيب وراه أثر صدمة. وفي ثانية واحدة، المكان كله اتقلب، دكاترة وممرضين اتلموا حواليه واتحركوا بسرعة البرق.. وعلى الفور، اختفت النقالة ورا أبواب غرفة العمليات المعقمة والضوء الأحمر اشتعل فوقها كأنه إنذار بالخطر.
برة في الممر البارد، . وقفت سمية وبنتها بنان اللي كانت بتبكي بهيستيريا وشهقاتها طالعة من وسط ضلوعها، جسمها كله بيتنفض وفستانها اللي متبهدل بدمه شاهد على الكابوس. سمية كانت حاضنة بنتها بكل قوتها، بتكلبش فيها كأنها بتحميها من الدنيا، وهي نفسها بتعيش في موجة من الوجع والخوف والصدمة، دموعها نازلة مغرقة وشها وقلبها بيتعصر على ابن أخوها اللي بتعبره ابنها
بإيد ترتعش وعين مش قادرة تشوف الشاشة من كتر الدموع، طلعت سمية تليفونها المحمول من شنطتها.. ضغطت على الأرقام بنبضات قلب متسارعة
----------------------
في فيلا الباشا، كان الصمت خانقًا، ملوّثًا بدموع مكتومة ونظرات عتاب. وقفت نجوى وعلامات الضيق مرسومة على ملامحها، وبنبرة حزينة ومستنكرة سألت ابنها: «تسافر يا مالك؟ عايز تسافر وتسيبني؟»
زفر مالك بضيق، وعيونه بتبص للأرض هربًا من نظراتها: «محتاج أبعد يا ماما شوية..»
قربت منه نجوى وخدته في حضنها، طبطبت على ضهره بحنان أم حاسة بنار جوة ابنها وقالت: «عارفة يا حبيبي إنك موجوع، بس والله ده ما حل.»
مالك اتنهد بوجع وخرج من حضنها وهو بيهز رأسه بيأس: «عارف، بس محتاج أبعد شوية يا ماما.. مش معقول هي معايا ومش قادر أشوفها ولا أكلمها! هتعمى.. هتجنن
نجوى بصلته بشفقة وهتفت بتصبير: يا حبيبي مفيش حاجة بتفضل على حالها، كلو بيعدي.
تمتم مالك بيقين ضعيف: «يا رب يا ماما.. يا رب.»
فجأة، شق السكون صوت رنين موبايله. طلعه من جيبه وبص للشاشة، وعقد حواجبه باستغراب أول ما شاف الاسم: دي عمتي سمية!
نجوى بقلق غريزي: طيب ما ترد، شوفها عايزة إيه.
فتح مالك الخط وقال: أيوه يا عمتو؟
جاءه صوت سمية متقطع، غرقان في بكاء مرير وهستيري: أيوه يا مالك...
قلب مالك انقبض، ونبرته اتحولت لحدة وخوف: «في إيه يا عمتو؟ ماله صوتك؟»
صرخت سمية من بين دموعها وصدمتها: «في حد ضرب نار على فارس.. وإحنا في المستشفى!»
اتنفض مالك من مكانه كأن صاعقة ضربته، وقف وعينيه متسعة من الصدمة والرعب، وصرخ بذهول: «فارس؟! فارس أخويا؟! مستشفى إيه؟! مستشفى إيه يا عمتو؟!»
في اللحظة دي، نجوى قلبها وقع في رجليها، قربت منه بفزع وهي بتهزه من كتافه وتصرخ: «ماله أخوك؟! ماله أخوك يا مالك؟!»
مالك مكنش سامعها، ركز كل حواسه مع صوت عمتو لحد ما عرف اسم المستشفى، وقفل الخط بسرعة وجسمه كله بيترعش.
نجوى بدموع وخوف حارق: «رد عليا، ابني جرى له إيه؟! أخوك ماله؟!»
مالك بحيرة وقلق بياكل في قلبه، مسك إيدها وشدها: «مش عارف يا ماما، مش عارف.. لازم نروح حالا، يلا!»
خرجوا من الفيلا زي المجانين، ركبوا العربية ومالك داس بنزين بأقصى سرعة. طول الطريق، نجوى مكنتش بتبطل عياط، وصوت شهقاتها مالي العربية: «أخوك جرى له إيه؟! قولي يا مالك
مالك كان بيحاول يطمنها، بس رعشة إيده على الدريكسيون وقلقه الواضح كشفوه: متخافيش يا ماما.. إن شاء الله هيبقا كويس
نجوى وهي بتفرك في إيدها بانهيار: «رن على أبوك.. رن على صلاح خليه يجيلنا هناك بسرعة!»
مالك طلع الموبيل وهو سايق بيد واحدة وبدأ يرن، بس جاله الصوت الآلي المستفز.. أدا الموبيل لأمه وهو بيقول بضيق: موبيله مقفول
وصلوا المستشفى، ونزلوا من العربية بيجروا. سألوا في الاستقبال وطلعوا فوق جري. أول ما وصلوا الممر، شافوا سمية قاعدة وبنان دافنة وشها في حضنها وبتعيط بمرارة وهيستيريا.
قربوا منهم بلهفة، وأول ما سمية شافتهم، وقفت وحكت لهم بنحيب يقطع القلب عن كل اللي حصل في لمحة بصر تحت العمارة.
نجوى حطت إيدها على بقها وصرخت بوجع زلزل الممر: ابني حبيبي!.. ابني ..
مالك حضنها وحاول يثبتها: اهدي يا ماما.. اهدي بس عشان نفهم.
نجوى زقته بهيستيريا وبكاء حارق: أهدى إزاي؟! أهدى إزاي وأخوك جوة بيموت بين إيدين ربنا؟! أخوك لو جرى له حاجة أنا هموت يا مالك..انا هموت
مالك ودموعه قريبة: يا ماما متخافيش، إن شاء الله هيقوم ويبقى كويس، ادعي له.
نجوى لفت لسمية ودموعها مغرقة وشها، وسألتها بقلة حيلة: بقالو قد إيه جوة يا سمية؟ بقاله قد إيه في الأوضة دي؟
سمية ردت وهي بتمسح دموعها اللي مش راضية تقف: ساعة ونص.. بقاله ساعة ونص جوة.
نجوى صرخت: «ساعة ونص ولسه مخرجش؟! أنا هتجنن.. أنا عايزة أخوك يا مالك.. جيبوا لي ابني!»
مالك بيطبطب عليها وعيونه على الباب: يا ماما اهدي، هتتعبي كدا وضغطك هيعلى.
في الوقت ده، انفتحت أبواب العمليات وقرب منهم الدكتور خالد، وكان لابس لبس العمليات الأخضر وملامحه هلكانة.
نجوى جريت عليه وبكت بقلة حيلة: «فارس يا دكتور خالد.. طمني على فارس أرجوك!»
خالد حط إيده على كتفها بهدوء يطمنها: «اهدي يا مدام نجوى.. أنا كنت لسه في عملية تانية وخارج يدوب غيرت لبسي واتعقمت، وأول ما عرفت بوجود فارس طلعت على طول عشان أشوفه.»
نجوى بترجي: انا عايزة أطمن على ابني.. قولي إنه عايش.
خالد: «اهدي خالص.. أنا هدخل بنفسي جوة أطمن عليه واطلع أطمنك
مالك أخد أمه من إيدها وقعدها على الكرسي بالعافية: اقعدي بس يا ماما، والدكتور خالد هيدخل ويطمنا حالا.
دلف الدكتور خالد لغرفة العمليات المعقمة، كان الجو هادي ومشحون بالتركيز.
دكتور عمر بصله ورفع رأسه: أهلاً دكتور خالد.
خالد بقلق: إيه الأخبار يا عمر؟ طمني.
عمر وهو شغال بمهارة: «دي رصاصة.. بس إيه، كان بينها وبين القلب 5 سنتي بالظبط! معجزة إلهية إنها ملمستش الشريان التاجي.
خالد تنهد وبص للرصاصة اللي متقاسة: معتقدش إنها مشاجرة عادية يا عمر.
عمر هز رأسه بحسم: لا خالص.. لأن اللي ضارب كان محترف وعارف كويس أوي هو بيعمل إيه وضارب فين.. القصد كان قتل عمد.
خالد: وإيه الأخبار دلوقتي؟
عمر: خلاص، أنا خرجت الرصاصة وبقفل الجرح دلوقتي.
خالد: وإيه اخبار المؤشرات الحيوية؟ الضغط والنبض؟
عمر ابتسم بتعب: لا كويسة الحمد لله.. مستقرة جداً. نقدر نقول إن اتكتب له عمر جديد فعلاً.
خرج خالد من غرفة العمليات، وبمجرد ما شافوه، الكل وقف وعلقت عيونهم على وشه. قرب خالد من نجوى وابتسم ابتسامة هادية.
نجوى ببكاء مرير: يعني ابني عايش؟ عايش والله العظيم؟
خالد: يا مدام نجوى متقلقيش، هو خلاص خلصنا العملية وهيخرج دلوقتي حالا، هيدخل بعدها العناية المركزة كام ساعة بس على ما نطمن على إفاقته والمؤشرات كلها. كويسه
نجوى رفعت إيدها للسما بنحيب: ياااارب.. الحمد لله يا رب.
خالد: ألف سلامة عليه يا مدام نجوى، وإن شاء الله يقوم بالسلامة ويرجع وسطكم. عن إذنكم، أنا بس هنزل أطمن على الحالات تحت في الطوارئ، وأنا معاكم هنا ومش هسيب المستشفى لحد ما يفوق ونطمن أكتر.
مالك قرب من أمه وحضن كتافها: «خلاص بقى يا ماما.. إحنا اطمنا أهو، اقعدي بقى اهدي وارتاحي عشان تقدري تقفي على رجليكي لما يخرج.
نجوى قعدت، وكأنها لسه واخدة بالها دلوقتي من بنان اللي كانت قاعدة جنب سمية وبتعيط بأنين مكتوم يقطع القلب، وجسمها كله مهدود.
قلب الأم حن، فقامت نجوى وقربت منهم، ومدت إيدها وشدت بنان لحضنها بكل قوتها. بنان أول ما دخلت حضن نجوى انفجرت في البكاء بصوت عالي، وشهقاتها زادت.
نجوى همست وهي بتبكي وبتملس على شعر بنان: بيحبك أوي يا بنان.. بيحبك أوي يا حبيبتي.
بنان زادت في البكاء ومسكت في هدوم نجوى كأنها بتستنجد بيها.
نجوى كملت ودموعها بتنزل على كتف بنان: بيخاف عليكي من الهوا والله.. طول الوقت عايز يدخلك جو قلبه وعنيه
سمية وقفت قدامهم ومسحت دموعها بكمها: «اهدي بقى يا نجوى.. هتتعبي كدا الحمد لله إننا اطمنا عليه
نجوى هزت رأسها ببكاء حار: «لا.. مش هطمن ولا قلبي هيرتاح غير لما أشوف ابني، نور عيني، واقف قدامي وبيكلمني والمسه بإيدي ويدخل في حضني.. زي ما متعودة منه كل يوم.
بعد شوية، انفتحت الأبواب وخرج دكتور عمر والممرضين وهم بيجروا نقالة فارس عشان ينقلوه للعناية. الكل جري ورا النقالة، ولمحت نجوى وش فارس الشاحب وهو مغمض عينيه.
نجوى ببكاء: طمني عن ابني بالله عليك يا دكتور.
عمر وقف ثانية وقال بنبرة مريحة: «اطمني يا أمي، ابنك اتكتب له عمر جديد والطلقة أبعد ما يكون عن القلب. هو نزل العناية دلوقتي تحت التخدير، وإن شاء الله الصبح نطمن عليه أكتر.
مالك أتدخل بسرعة: «يا دكتور، لو في أي حاجة ناقصة، أو أي علاج محتاجينه لأخويا مش متوفر هنا، إحنا مستعدين نوفره من برة مصر حالا.
عمر ابتسم: «متقلقش ، كل حاجة هنا متوفرة وجاهزة، وإن شاء الله يقوم بالسلامة. عن إذنكم.» وسابهم ومشي.
بعد مرور عدة ساعات...
كان الجو في الاستراحة اللي قدام باب العناية المركزة هادي ومقبض، الوقت مر تقيل كأنه سنين. الدكتور خالد كان سمح لهم يقعدوا في الاستراحة دي عشان يفضلوا قريبين منه.
مالك كان ساند رأسه على الحيطة ومغمض عينيه من التعب والهم، وفجأة فتح عيونه على صوت نغمة رسالة من موبايله.
طلع الموبيل بسرعة وبص في الشاشة... كانت رسالة من الخدمة بتقول إن (رقم صلاح الباشا أصبح متاحاً الآن).
مالك لف رأسه وبص على أمه؛ لقاها مغمضة عيونها بتعب وهي لسه حاضنة بنان اللي نامت من كتر البكاء، وعمته سمية هي كمان نايمة على الكرسي اللي جنبهم وجسمها مهدود من الصدمة.
بص مالك للشاشة تاني، وداخله صراع وجع وقلق، وقرر يضغط على زرار الاتصال ويرن على أبوه...
----------------
في مكان آخر تمامًا، وبعيدًا عن أجواء المستشفى الكئيبة، وفي إحدى الشقق الخاصة بـ صلاح الباشا، كان ينام بعمق على أحد الأسرة، غارقًا في هدوء المكان.
اقتربت منه غادة بخطوات دلالية ناعمة، وانحنت عليه قائلة برقة: «يلا بقى يا حبيبي اصحى.. هتتأخر على الشغل.»
تمتم صلاح بنعاس وهو يتقلب في فراشه: «سيبيني بس شوية...»
ابتسمت غادة واقتربت منه أكثر، وتسللت ذراعاها لتحتضنه بهمس: «أنت نمت كتير أوي الليلة دي.. شكلك مزاجك حلو.»
فتح صلاح عينيه بابتسامة، وشدها لحضنه بقوة وهو يجيبها بنبرة عاشقة: «أوي يا روحي..»
غادة وهي تملس على كتفه بدلال: «يلا بقى بطل كسل، أنا أصلاً جهزتلك الحمام والبانيو كمان عشان تأخد شاور لذيذ كدا قبل ما تروح الشركة.»
صلاح بنبرة مغازلة وغمزة من عينيه: «هو في ألذ منك يا قمر؟»
في تلك اللحظة، شق صمت الشقة صوت رنين موبايله.
عقد صلاح حاجبيه مستغربًا: «مين فتح الموبيل؟»
أجابته غادة ببساطة: أنا يا حبيبي، كان فاصل شحن أصلاً وحطيته على الشاحن وفتحته
أمسك صلاح الموبيل ليجد المتصل مالك، ففتح الخط فورًا وجاءه صوت مالك مرهقًا للغاية، يحمل نبرة انكسار وتعب: «أيوة يا بابا.. حضرتك فين؟»
شعر صلاح بنبرة ابنه الغريبة فسأل بقلق: «في إيه؟»
فجر مالك القنبلة بصوت مخنوق: «إحنا في المستشفى.. في حد ضرب نار على فارس إمبارح بالليل!»
انتفض صلاح واقفًا على السرير بفزع والذهول يتملكه، وصرخ بعضب وخوف: «أنت بتقول إيه؟! وإزاي متكلمنيش أول ما دا حصل
مالك بنبرة عتاب مريرة: «حضرتك موبيلك مقفول طول الليل!»
صلاح وهو يتحرك في الغرفة بعشوائية ويبحث عن ملابسه: «ابعت اللوكيشن دلوقتي حالا وأنا جاي.. أخوك عامل إيه؟! جراله إيه؟!»
مالك بأسى: «هو في العناية دلوقتي.»
صلاح بحسم: «أنا جاي على طول!»
بعد وقت مش كبير، كان صلاح الباشا يصل إلى المستشفى وعلامات التوجس والاضطراب واضحة على وجهه. قابله الدكتور خالد في الممر، وطمأنه سريعًا على حالة فارس واستقرار علاماته الحيوية لتهدئة روعه.
بمجرد أن خطى صلاح نحو الاستراحة ولمحت عيناه سمية وبنان، اشتعلت نيران غضبه، واقترب منهما بخطوات واسعة ونبرة هجومية قاسية: «عجبك كدا؟! ارتحتي يا سمية؟! أنتوا السبب.. أنتي وبنتك!»
انقبض قلب بنان وتعلقت في حضن امها بخوف وارتجاف من ملامحه الشرسة، ليتدخل مالك بسرعة واضعًا يده على كتف أبيه: «لو سمحت يا بابا.. مفيش داعي دلوقتي للكلام دا خالص، إحنا في إيه والا في إيه؟»
نجوى مكنتش قادرة تتحمل قسوته في الموقف ده، وقفت بسرعة وقربت من سمية وبنان، وشَدت بنان من بين يدي سمية لتخفيها في حضنها، ووجهت نظراتها لصلاح بغضب عارم دافعًا لعروقها القوة: «مالكش دعوة بيهم! هما مالهمش ذنب في اللي حصل!»
ابتسم صلاح بسخرية مريرة وباردة: «أومال مين اللي له ذنب؟! مش هما اللي جروا رجل الواد؟»
نجوى وهي تزيد من ضمتها لبنان حمايةً لها، هتفت بصوت حاد: «مالكش دعوة بيهم يا صلاح! فارس لو فايق دلوقتي ماكانش هيسمحلك إنك تبصلها كدا حتى، ولا تنطق بنص كلمة تزعلها!»
نظر إليها صلاح بضيق شديد وزفر بغضب
تدخل مالك مجددًا لفض النزاع بنبرة عاقلة: بابا لو سمحت.. إحنا محتاجين نهدا شوية عشان نعرف نفكر ونشوف هنعمل إيه
تراجعت نجوى وجلست على المقعد وهي ما زالت تحتضن بنان المنهارة، وبدأت تبكي بقلة حيلة وتدعو: «إن شاء الله هيقوم بالسلامة.. إن شاء الله ربنا مش هيوجعني فيه أبداً، ده حتة من قلبي.»
ربتت سمية على كتفها بحنو ودموع: «إن شاء الله يا نجوى.. ادعي له.»
فضلوا جميعًا منتظرين على أعصابهم، والوقت يمر كأنه دهر، حتى شارف النهار على الانتهاء.
نظرت نجوى الشفقة إلى بنان وفستانها الملطخ بالدماء الشاهد على الحادثة، فالتفتت لسمية وقالت برفق: «خدي بنان يا سمية وروحي البيت.. على الأقل تغير ملابسها دي عشان عليها آثار دم، وترتاح شوية لأن الموقف كان صعب وفوق طاقتها.
أومأت سمية وتحركت مع بنان المغيبة عن الوعي من كتر الحزن.
بعد ساعات معدودة، بدأت بشائر الفرج تلوح.
بدأ فارس يفوق من تأثير التخدير المعقد ببطء.
خرج الدكتور خالد وعلى وجهه ابتسامة مريحة، وبلغ صلاح ونجوى ومالك بالخبر السعيد.
انفجرت نجوى في البكاء مجددًا، لكنها كانت دموع الفرحة والراحة: «الحمد لله.. الحمد لله يا رب! يعني فاق واتكلم يا دكتور؟»
خالد بهدوء: «هو فاق وفتح عيونه بس.. الكلام ده لسه شوية عليه لما تأثير البنج يروح تمامًا ويهدأ جسمه.»
نجوى برجاء وتوسل: «نفسي أشوفه.. أشوفه بس لو ثانية أطمن بعيني!»
خالد اهدي بس يا مدام نجوى، هتشوفيه وتملي عينك منه، بس لما أحس إن الوقت مناسب طبياً.
سأله صلاح بنبرة يكسوها القلق الأبوي : يعني هو كويس يا خالد؟ تعدت مرحلة الخطر؟
خالد بثقة: متقلقش يا صلاح، فارس قوي وإرادته قوية جداً، وأنا متأكد إنه هيقوم منها بسرعة ويرجع أحسن من الأول. هسيبكم شوية ترتاحوا وهرجعلكم تاني.. عن إذنكم.
انسحب خالد، وتركهم في الاستراحة يتنفسون الصعداء لأول مرة منذ تلك الليلة الصعبه
ــــــــــــــــــ
في بيت الدكتور خالد، كان القلق يخيم على الأجواء، والحديث لا يدور إلا عن الحادثة التي هزت الجميع.
جلس آسر وهز رأسه بحزن حقيقي بائن في نبرته: «زعلت أوي على الأستاذ فارس.»
أجابت منال وهي ترفع يديها بالدعاء: «ربنا يقومه بالسلامة يا رب، ويطمن أهله عليه.»
تدخلت يمنى في الحديث :بنان اللي هتجنن عليه.. كلمتها دلوقتي وكان صوتها يقطع القلب، كانت بتعيط بهيستيريا ومش قادرة تنطق جمله كاملة
تنهدت منال بأسى وقالت: ربنا يصبرهم ويربط على قلوبهم في المصيبة دي.. الموقف مكنش سهل على البنت.
تابع آسر بنبرة تحمل الكثير من الحيرة والوجع: «سبحان الله.. الإنسان الكويس دايماً يحصل له كدا الاستا فارس دا محترم اووي وجدع مين ممكن يعمل معه كدا
عقبت منال بإيمان وهدوء تحاول بثه في المكان: «ده قدر ربنا يا بني.. والحمد لله إن الطلقة مجتش في مقتل، ربنا يقومه بالسلامة ويرجع لبيته. واكيد بنجاحه دا ليه اعداء
نظرت يمنى نحو الباب وقالت بتخمين: «أكيد بابا مش هيرجع البيت الليلة دي غير لما يطمن عليه تماماً ويفوق ويخرج من العنايه
أومأت منال برأسها بالموافقة وقالت: أكيد طبعاً، فارس غالي عند أبوكي ومستحيل يسيبه في حالة زي دي.. شوية كدا وهبقى أرن عليه وأطمن منه على آخر الأخبار.
ـــــــــــــــــــــــ
في إحدى غرف العناية المركزة بالمستشفى، كان الهدوء يسود المكان، ولا يُسمع فيه سوى الصوت الرتيب للأجهزة الطبية. وقف الدكتور خالد بجانب الفراش، وتحدث بنبرة هادئة ومطمئنة: حمد الله على السلامة يا فارس.
فتح فارس عينيه ببطء شديد، وعلامات الإرهاق تكسو ملامحه الشاحبة، وتحدث بصوت خافت يملؤه التعب: الله يسلمك...
خالد برفق: أنا هدخلك ماما تتطمن عليك، بس ياريت نحاول مانتكلمش كتير عشان متجهدش جرحك، اتفقنا؟
هز فارس دماغه بالإيجاب بضعف مستسلمًا لتعليماته.
خرج خالد وعاد بعد ثوانٍ ومعه نجوى، التي ما إن رأته حتى جرت عليه بلهفة وشوق أم، ودموعها انهمرت بغزارة وهي تنحني فوقه: حبيبي.. عامل إيه؟ طمني عليك يا نور عيني؟
فارس بصوت متعب ومكتوم: أنا كويس يا ماما... متقلقيش.
أتدخل الدكتور خالد بابتسامة عتاب حانية: إيه يا مدام نجوى؟ مش قولنا هنبص بس ومش هنتكلم كتير؟
مسحت نجوى دموعها بسرعة وهي تحاول التماسك: خلاص.. خلاص والله مش هتكلم، بس كان نفسي أسمع صوته بس ويطمن قلبي.
تخرّجت الكلمات من بين شفتي فارس بصوت متحشرج ومتعب للغاية، يحمل كل قلقه وشوقه: بنان يا ماما؟؟.. بنان كويسة؟
ارتسمت على وجه نجوى ابتسامة واسعة دافئة من بين دموعها لتزيح عن قلبه الهم، وقالت بنبرة مطمئنة: كويسة يا حبيبي.. كويسة والله ومحافظة لك عليها في عيوني لحد ما تقوم بالسلامة، هي بس روحت مع عمتك تغير لبسها وزمانها جاية في الطريق تاني.
تنفس فارس الصعداء، وغمض عيونه بتعب وكأن إجابته أراحت روحه الوجلة.
خالد ملتفتًا لنجوى: كفاية كدا يا مدام نجوى لو سمحتي، لازم يرتاح دلوقتي تمامًا.
نظرت نجوى إلى فارس بنظرة أخيرة مليئة بالاشتياق والحنان، وخرجت مع خالد بخطوات هادئة والراحة بدأت تتسلل إلى قلبها.
ـــــــــــــــــــــــــــ
في شقة سمية، كان الحزن لسه مخيم على جدران المكان، والبيت هادي ومقبض بعد الليلة المرعبة اللي عاشوها.
سمية تبص لبنتها بحسرة على حالها وقالت بتعب: يلا يا حبيبتي ريحي شوية، جسمك محتاج يرتاح.
بنان هزت رأسها بالرفض وعيونها مدمعة: لا يا ماما أنا عايزة أرجع المستشفى لفارس، مش هقدر أقعد هنا وهو هناك.
سمية تنهدت بحنان: يا حبيبتي أنت وشك أصفر خالص من قلة النوم والتعب، وأنا قولت لنجوى أول ما يفوق تكلمنا على طول وتطمنا.
بنان بدأت تبكي بحرقة ورفعت إيديها: يا رب يفوق.. يا رب قومه بالسلامة.
قربت سمية منها وخدتها في حضنها، وهي عارفة ومقدرة إن الموقف كان صدمة كبيرة وفوق طاقتها، وطبطبت عليها: هيفوق إن شاء الله، فارس طول عمره قوي.
بنان سألت من بين بكائها وشهقاتها بوجع: ليه خالو صلاح قال إحنا السبب؟ هو إحنا كنا هنعرف يا ماما إنه هيحصل كدا؟ إحنا مالنا؟
سمية حبت تقفل السيرة عشان بنتها متهلكش أكتر: مش وقته كلام يابنتي، بعدين لما فارس إن شاء الله يفوق نبقى نتكلم في كل حاجة، ارتاحي أنتِ دلوقتي.
بنان استسلمت بتعب: تمام.
فضلت سمية تمسح على شعرها بحنو وهدوء لحد ما بنان راحت في النوم من كتر التعب والضغط. وبعد شوية، تليفون سمية رن وكانت نجوى، وبلغتها بالخبر السعيد إن فارس فاق واتكلمت معاه واطمنت عليه، فحمدت سمية ربنا وراحت هي كمان ترتاح.
تاني يوم، صحيت بنان وفتحت عيونها، وبصت حواليها بفزع أول ما لقت نفسها في أوضتها، والرعب رجع لقلبها تاني. خرجت من الأوضة بسرعة وبتجري، لقت سمية واقفة في المطبخ بتجهز حاجة.
بنان سألتها بلهفة وخوف: إحنا الساعة كام يا ماما؟ النهار طلع؟
سمية لفت ليها بابتسامة هادية: صباح الخير يا حبيبتي.
بنان سألتها علطول ومنتظرتش: طنط نجوى كلمتك؟ طمنتك عليه؟
سمية: أيوه يا حبيبتي كلمتني، والحمد لله فارس فاق واتكلم وكويس وبقى أحسن بكتير.
بنان لامت نفسها بضيق: ليه يا ماما سبتيني نايمة كل ده؟ إزاي مصحتنيش
سمية بشفقة: صعبتي عليا يا حبيبتي، أنتِ كنتِ هلكانة، ده أنا دخلت الأوضة عليكي كذا مرة ومحستيش بيا خالص من كتر نومتك التقيلة.
بنان مسكت في إيدها: طيب إحنا مش هنروح نطمن على فارس دلوقتي؟ يلا بينا.
سمية: حاضر، افطري بس الأول وبعد كدا هننزل نروح له.
بنان دارت وشها: ماليش نفس خالص يا ماما، مش قادرة أبلع لقمة.
سمية حطت الأكل قدامها على الترابيزة وبأمر حاني: لا، اعملي حسابك مش هنمشي من هنا غير لما تأكلي، لازم تقوي جسمك عشان تقدري تقفي جنبه.. لا كولي يلا.
--------&&&&--------
بعد ساعتين في المستشفى، كان فارس يستريح في فراشه والملامح الشاحبة بدأت تتراجع عن وجهه قليلًا، نظر إلى نجوى التي كانت تقف بجانبه ترجوه بنظراتها، وتحدث بتعب: كفاية كده يا ماما، مش قادر أكمل.
وضع نجوى طبق الطعام من يدها بيأس حانٍ: يا حبيبي ده أنت مأكلتش حاجة خالص، لازم تتغذى عشان تقدر تقف على رجليك.
تنهد فارس وسألها بهدوء: معلش كفاية كده.. هو موبايلي وحاجتي فين؟
أجابت نجوى بابتسامة: تقريباً الحاجة كلها مع بنان، شالتها معاها وهي ماشية.. وزمانهم جايين في الطريق دلوقتي.
وفعلاً، لم تمضِ دقائق حتى طرق الباب طرقات خفيفة، وانفتح لتدخل بنان ومعها سمية. بنان أول ما خطت عتبة الغرفة، اتجهت عيناها نحو فارس بلهفة حارقة، وهو أيضًا نظر إليها بنظرة دافئة طمأنت قلبها المرتجف.
سمية دخلت وقالت: مساء الخير.
ردت نجوى بترحيب: مساء النور، كويس إنكم جيتوا في وقتكم.. تعالي بقى يا بنان، خدي الطبق ده يمكن يرضى يأكل معاكي أنتِ.
ابتسم فارس وقال بمرح: إيه يا ماما؟ هو أنا عيل صغير عشان حد يأكلني!
ضحك الجميع في الغرفة، وتبددت أجواء الحزن قليلاً.
قربت بنان من الفراش بخطوات متهيبّة وقالت بنبرة خافتة: حمد الله على السلامة.
فارس بابتسامة حنونة: الله يسلمك..
فتحت بنان حقيبتها وأخرجت منها المحفظة والمفاتيح والموبايل، ووضعتهم بجانبه وهي تقول: حاجتك اهي اللي كانت معايا.
فارس بنبرة هادئة: هتروح فين يعني ..شكرا
نظرت نجوى إلى سمية وحبت تسيب لهم مساحة يتكلموا براحتهم، فقالت: طيب أنا هاخد سمية وننزل نشرب قهوة تحت، لأني مصدعة شوية ومحتاجة أرتاح.
خرجت نجوى وسمية وأغلقتا الباب وراءهما.
جلست بنان على المقعد المجاور للفراش، ونظرت إليه والدموع تتجمع في عيونها: الحمد لله إنك كويس وبخير.. أنا أصلاً مش مصدقة إني قاعدة معاك وبكلمك دلوقتي.
مد فارس يده وتحدث بنبرة مطمئنة: إيه يا حبيبي في إيه؟ مش عايز أشوف دموعك دي أبداً.. عمر الشقي بقي، وأنا قدامك أهو بخير.
مسحت دموعها برقة: أنا كنت هتجنن من الموقف واللي حصل فجأة.
فارس: أنا عارف إن الموقف كان صعب عليكي وفوق طاقتك.
وضعت بنان يدها على يده وضغطت عليها برجاء: فارس.. عشان خاطري خد بالك من نفسك بعد كدا، أنا من غيرك هضيع ومش هتحمل بعدك عني.
لم يحتمل فارس رؤية حزنها، فجذبها إلى أحضانه برفق مراعاةً لجرحه، وبدأ يلمس على شعرها بحنان ويطمنها: يا روحي أنا.. متعيطيش خلاص، أنا جمبك وعمري ما هسيبك.
خرجت بنان من أحضانه وهي تمسح بقايا دموعها، وسألته بحيرة: مين ممكن يكون عمل كدا معاك؟ وكمان خالو صلاح...
قطع كلامها دخول صلاح الباشا بهيبته المعتادة. وقفت بنان بسرعة وبتوتر، وتراجعت خطوة للخلف.
صلاح بجمود: مساء الخير.. معلش كنت مفكر نجوى هي اللي معاك.
فارس رد بهدوء: عادي حضرتك يا بابا، اتفضل.
قرب صلاح من الفراش وعيونه تتفحص ابنه: عامل إيه دلوقتي؟
فارس: كويس الحمد لله.
سابتهم بنان تماماً، وذهبت لتقف بجانب النافذة تتطلع إلى الخارج هرباً من نظرات صلاح.
في الوقت ده، نجوى وسمية طلعوا تاني ودخلوا الأوضة، ومعاهم الدكتور خالد الذي دخل ليطمئن على استقرار حالة فارس الطبية.
خالد قال بابتسامة واسعة ومبشرة: الحمد لله.. كدا كويس أوي.
فارس: يعني أقدر أرجع البيت؟
هز خالد رأسه بالرفض: أنت شكلك هتبقى مريض متعب ومش هتاخد فترة نقاهة كويسة.. أنت محتاج ترتاح على فكرة.
نجوى أتدخلت بسرعة: قوله يا دكتور هو متعب اصلا مش بيريح نفسه
خالد: لا يبقا الشركة محتاجاك فعلاً، بس برضه هترتاح يا فارس.
الكل ضحك على مزاح الدكتور خالد الذي أضفى بهجة على الأجواء.
بعد شوية، طلب صلاح من الجميع الخروج من الغرفة، لأن هناك وفدًا من النيابة العامة وصل للتحقيق في ملابسات الحادث. وفعلاً خرجوا جميعًا، ودخل وكيل نيابة اسمه عامر ومعه كاتب، وكان عامر زميل دراسة قديم لفارس في المرحلة الثانوية.
قرب عامر من الفراش بنبرة ودية: ألف سلامة عليك يا فارس.
فارس بابتسامة خفيفة: الله يسلمك يا عامر.
عامر جهز الأوراق: نبدا المحضر؟
فارس: تمام.
بدأ عامر يوجه الأسئلة، وفارس يجيب عليها برصانة ووضوح، ورغم كدا، لم يوجه الاتهام لأي شخص أو جهة.
أغلق عامر المحضر وبص للكاتب وطلب منه ينتظره بالخارج لثوانٍ.
التفت عامر لفارس وقال بنبرة عتاب وصداقة: أنا مقدر طبعاً الموقف اللي أنتوا فيه، بس في الحقيقة، عدم اتهامك لحد في موقف صعب زي دا ممكن يؤدي لمشاكل كتير.
فارس رد باقتضاب: إحنا ملناش أعداء.
عامر استغرب: إزاي يافارس؟ طيب دا أنتوا لو حد مش بالمكانة دي عشان كدا ماشي، لكن شغلكم اللي في كل مكان دا واسمكم.
صلاح أتدخل بحسم: بس إحنا فعلاً منعرفش مين اللي عمل دا ومش بنتهم حد.
عامر تنفس بقوة وقام وقف: اللي يريحكم، بس ياريت لو في جديد تعرفوني.
فارس: تمام.
عامر: ألف سلامة عليك يا فارس وربنا يتمم شفاك على خير.
فارس بابتسامة: تسلم ياصاحبي.
تحرك عامر اتجاه الباب، فافسح له صلاح الطريق وقال: نورت ياعامر بيه.
عامر: تسلم ياصلاح باشا.
بعد يومين من الرعاية والمتابعة، غادر فارس المستشفى بعد الاطمئنان التام عليه، وعاد إلى الفيلا ليبدأ فترة التعافي بين أفراد عائلته
ـــــ$ـــ$$$$$$$
في منزل الدكتور خالد، كان الهدوء يسود المكان قبل أن يفتحه آسر بحديثه عن العمل.
جلس آسر واعتدل في جلسته وهو يوجه كلامه لوالده بنبرة تحمل التقدير: والله يا بابا الشركة مش زي ما يكون موجود الأستاذ فارس، مكانه وتأثيره واضحين جدًا وغيابه مأثر على الشغل.
أجابه الدكتور خالد بهدوء وهو يرتشف من فنجانه: ربنا يرجعه بالسلامة، أزمة وتعدي وإن شاء الله يرجع لصحته وشغله قريب.
تدخلت منال داعية بنبرة حانية: اللهم آمين يا رب.. ثم التفتت إلى آسر مكملة بجدية: المهم، فكرت في اللي قولتلك عليه؟
تنهد آسر بقلة حيلة وابتسم بضيق طفيف: إيه يا ماما؟ هو حضرتك مش بتزهقي من الموضوع ده؟
منال بنبرة عاتبة وأمومة ملحة: أزهق إزاي بجد؟ مفضلش حاجة ناقصاك، كبرت واستقريت ومش ناقصك غير إنك تتجوز وأفرح بيك.
آسر حاول التملص برقة: يا ماما أنا لما أحس إني عايز آخد الخطوة دي ومستعد ليها هقولك علطول.
منال مدافعة عن رأيها: ومالها رؤى؟ دي بنت أمورة ومؤدبة ومتربية هنا معانا في العمارة، والكل بيشهد بأخلاقها.
آسر باقتضاب: بس مش دي اللي في تفكيري يا ماما.
منال رفعت حاجبيها باهتمام: ومين بقى اللي في تفكيرك وشاغلة بالك؟
شعر آسر بتوتر مفاجئ، ولم يدرِ لِمَ قفزت صورة رحمة في مخيلته وتملكت عقله في تلك اللحظة بالذات، لكنه سرعان ما نفض الفكرة وتحدث بارتباك: مفيش حد.. لو سمحتي سيبيني على راحتي دلوقتي.. عن إذنكم.
ونهض مسرعًا واتجه إلى غرفته هربًا من المزيد من الأسئلة.
التفتت منال نحو زوجها وقالت بعتاب: ساكت يعني وماتكلمتش؟ مش عاجبك حال ابنك؟
خالد رد برصانة وهدوء: أصل بصراحه حوار الجواز دا لازم يكون بمزاجه واختياره هو، م ينفعش نضغط عليه.
منال بضيق: ابنك مش بتاع حوارات ولا مثلاً هيبص لوحده ويختار ويجي يقولنا، على الوضع كدا هيفضل طول عمره مش متجوز وقاعد جنبنا.
خالد بطمأنينة: اهدي بس يا منال، مش بالطريقة بتاعتك دي والموضوع مش بييجي بالعند.
منال بحزن: أنا غلطانة يعني إني بدخل في حاجة وعايزة أفرح بيه وأشوف أولاده؟
خالد ابتسم وربت على يدها: خلاص طولي بالك بقى، أنا هبقى أتكلم معاه براحة ونشوف إيه اللي في دماغه
ــــــــــــــــــ
بعد أسبوع من تلك الأحداث...
مسكت سمية الموبايل في الصباح، وضغطت على الأرقام لتتصل بفارس لتطمئن على صحته.
سمية بنبرة دافئة: صباح الخير يا حبيبي.
جاءها صوت فارس جادًا وقويًا: صباح النور يا عمتو.
سمية بتوجس: إيه يا حبيبي.. أنا صحيتك من النوم والا إيه؟ صوتك مش صوت حد نايم.
ضحك فارس بسخرية ممتزجة بالتعب: لا، أنا في الشركة دلوقتي.
سمية دهشتها كانت كبيرة، وهتفت بملامح معاتبة: شركة إيه يا فارس؟! برضه نفذت اللي في دماغك ونزلت؟! يا ابني ارتاح شوية، الجرح لسه ملمش تمامًا والدكاترة محذرينك!
فارس تنهد بضيق وهو ينظر إلى الأوراق أمامه: والله رجعت لقيت كل الشغل مش مظبوط، والدنيا واقفة.
سمية بحيرة: ليه؟ ومالك وعمك فين من كل ده؟
فارس بنبرة حادة وساخرة: مالك دا باشا في نفسه، شاطر يتأمر على خلق الله بس في الرايحة والجاية، وأخوكي صلاح من يوم ما عرفنا بحوار جوازه التاني بقيت بشوفه صدفة أصلاً! أنا سألت عليه أربع مرات لحد دلوقتي، وبيات هناك في الشقة التانية ولسه مجاش الشركة ولا فكر يبص على الشغل.
كانت سمية على وشك أن ترد عليه وتواسيه، لكن قطع حديثها صوت جرس الباب وهو يرن بقوة في أرجاء الشقة.
سمية: خليك معايا يا فارس ثواني، هفتح الباب وأشوف مين.
فارس بتساؤل: مين جاي في الوقت ده؟
سمية وهي تتحرك نحو المدخل: هشوف أهو.
تقدمت سمية وفتحت الباب، لتتسمر في مكانها وتتسع عيناها بصدمة وذهول من هوية الشخص الواقف أمامها على العتبة، والذي ابتسم بنبرة غريبة قائلاً: أهلاً يا مرت أخويا.. عاملة إيه؟
