رواية اولاد الباشا الفصل الثامن عشر18بقلم شيماء منير
ألقى الهاتف على المقعد المجاور له وعيناه تشتعلان بلهيب مفاجئ. لم يكن بحاجة لسماع المزيد من عمته؛ مجرد ذكر اسم "عبد الرحيم عزام" كان كفيلاً بجعله يتخلى عن كل مافي شركته. انطلق بسيارته يلتهم الطريق بتهور وعصبية، بينما كانت سيارة الحراسة التي فرضها عليه "صلاح" تلاحقه بصعوبة لتواكب سرعته الجنونية.
ترجل من السيّارة يغلق بابها بقوة هزت أركان المكان، صعد الدرج بخطوات واثقة مدوية، وضغط على جرس الباب ضغطة مطولة تحمل طابع أمره المطاع.
فتحت "سمية" الباب، وكان وجهها الشاحب وعيناها القلقتان كفيلين بإخباره بكل شيء. دخل "فارس" وعيناه تمسحان الصالة بحدة، لتستقرا فوراً على الجالس ببرود وثقة عمياء: عبد الرحيم عزام.
فارس بنبرة رخيمة هادئة، لكنها تحمل تهديداً مبطناً:
— مساء الخير.
ارتسمت على شفتي عبد الرحيم ابتسامة صفراء ملتوية، حاول جاهداً أن يداري بها ضيقه من هيبة الفتى الواقف أمامه:
— أهلاً.. أكيد أنت فارس الباشا.
تقدم فارس بخطوات بطيئة، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة لم تصل لعينيه الصارمتين:
— كويس إنك واخد بالك.
تنحنح عبد الرحيم بضيق، وظهرت نبرة العتاب الممزوجة بالخباثة الصعيدية في صوته:
— مبروك على الجوازة اللي منعرفش بيها!
التقت عينا فارس بعيني عبد الرحيم في تحدٍّ صامت، وابتسم بامتعاض وهو يجيب بثقة:
— الله يبارك فيك.. إن شاء الله في الفرح هتكونوا موجودين.
ضاق بؤبؤ عين عبد الرحيم، وبدا وكأن كبرياءه قد جُرح، فقال بنبرة حادة:
— ودي الأصول يا ولد الباشا؟ تتجوز بنتنا من غير أعمامها ما يكونوا موجودين؟!
وقف فارس بثبات، شبك يديه خلف ظهره، ونظر إليه بنظرة خارقة تكشف نواياه:
— والصراحة.. إنتوا بتفهموا في الأصول أوي!
تصلب جسد عبد الرحيم، واشتعلت عيناه بالغضب وهو يميل بجسده للأمام:
— تجصد إيه بالكلام ده؟!
مال فارس برأسه قليلاً، وعيناه تلمعان ببرود قاتل:
— يعني المفروض قبل ما تيجي هنا، كنت اتصلت وبلغتنا بميعاد وصولك.. عشان راجل البيت يكون موجود في استقبالك.
ضرب عبد الرحيم على مسند المقعد بكفه، وقال بنبرة غاضبة يحاول كتمانها احترماً للمكان:
— ده بيت أخوي!
وضع فارس يديه في جيبي بنطاله، وتقدم خطوة واحدة كانت كفيلة بفرض سيطرته بالكامل على الغرفة، وقال ببرود جليدي:
— أخوك الله يرحمه.. يعني المفروض دلوقتي في حدود لدخولك البيت ده.
صك عبد الرحيم على أسنانه، واهتزت لحيته بغضب عارم:
— وإنت بقى يا ولد الباشا اللي هتعلمني الحدود دي؟!
لم يرمش لفارس جفن، بل بقيت نظراته مثبتة عليه كالصقر:
— لما تكون في حاجة تخصني.. للأسف، هعمل كده.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، تبادلا فيه نظرات تكاد تحرق الجدران. هز عبد الرحيم رأسه بقلة حيلة وضيق مكتوم، ثم سأل بنبرة يحاول جعلها عادية:
— ويا ترى هشوفها بقى بنت أخوي؟ وإلا ده كمان لأ؟
فارس بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
— لأ عادي، حقك طبعاً.. مش معقول هتيجي لحد هنا وما تشوفهاش.
التفت فارس برأسه نحو عمته التي كانت تتابع الموقف بأنفاس محبوسة، وقال بنبرة لانت قليلاً:
— لو سمحتِ يا عمتو.. خلي بنان تلبس وتخرج تسلم على عمها.
تحركت سمية مسرعة نحو الغرفة. وبعد دقائق انفتح الباب، لتخرج "بنان". كانت ترتدي فستاناً طويلاً بأكمام محتشمة، وقد رفعت شعرها بعناية مبرزة عنقها ورقّتها الفطرية. ما إن وقعت عيناها على فارس، حتى انقشعت غيوم الخوف من وجهها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة قوية، استمدت منها الأمان.
بادلها فارس النظرة باهتزازة خفيفة في عينيه؛ ابتسامة هادئة مطمئنة، لكنها سرعان ما تحولت إلى نظرة ضيق غيورة وعاصفة حين استمع لنبرة صوتها الرقيقة وهي تقول:
— مساء الخير.
اشتعلت غيرة فارس داخل صدره.. تمنى لو يخفي هذه الرقة وهذا الصوت عن العالم، وتحديداً عن هذا الرجل الجالس.
لم يمهلها عبد الرحيم وقتاً؛ انتفض واقفاً وتقدم نحوها بخطوات واسعة، وقبل أن تستوعب بنان، جذبها إلى حضنه بقوة مبالغ فيها وهو يهتف بنبرة مسرحية:
— أهلاً ببنت الغالي!
تصلب جسد بنان تماماً داخل حضنه، بقيت يداها معلقتين في الهواء بجانبها، وارتسمت على وجهها ابتسامة باهتة تشوبها الدهشة والوجوم، وعيناها تبحثان بلهفة عن فارس.
لم يحتمل فارس المشهد لثانية إضافية. تحركت خطواته كالفهد، اقترب منهما ووضع يده بحسم على كتف عبد الرحيم، مباعداً بينه وبين بنان بلمسة قوية لا تقبل النقاش، وعيناه تشتعلان بغيرة حاول جاحداً أن يغلفها بنبرة متهكمة.
جذب فارس بنان من يدها برفق ولكن بإصرار، ليجعلها تقف خلف ظهره تماماً، محتمية بجسده العريض، وقال وهو ينظر لعبد الرحيم بنظرة حادة:
— اهدى كده يا حاج.. مش أما نعرفها عليك الأول؟
تراجع عبد الرحيم خطوة للوراء، وعيناه تتأملان قبضة فارس التي تحيط بـ بنان، ثم وجه نظراته لـ بنان من خلف كتف فارس وقال بنبرة مليئة بالاستعطاف المصطنع:
— أنا عمك يا بنتي.. عمك عبد الرحيم. كنا زمانك عارفانا، بس منهم لله اللي كانوا السبب!
قاطعه فارس بنبرة قاطعة كالسكين، التفتت معها أنظار الجميع إليه:
— مفيش داعي لكلام ملوش لازمة يا حاج.
تخطى عبد الرحيم كلمات فارس وتجاهله، مشيراً بيده إلى المقعد المجاور له وعيناه تثبتان على بنان:
— تعالي يا بنتي.. تعالي اقعدي جنبي هنا.
خرجت بنان من خلف ظهر فارس قليلاً، ونظرت إلى فارس بنظرة تساؤل حائرة، تنتظر إشارته وأمره؛ فهي لم تعد تتحرك إلا بضوء أخضر منه.
لم يفت عبد الرحيم لمحة التساؤل في عينيها، وضاق صدره أكثر حين رأى فارس يشير لها برأسه إشارة خفيفة بأن تذهب.
تأخرت بنان في خطواتها، وجلست بجانب عمها، لكنها تركت مسافة أمان واضحة بينهما، وجسدها يميل لا شعورياً نحو الجهة التي يقف فيها فارس.
لاحظ عبد الرحيم جفاءها، فقال بنبرة عتاب مبطنة:
— اوعي تكوني خايفة مني؟ أنا عمك.. يعني في مقام أبوكي.
في تلك اللحظة، تقدم فارس بخطوات واثقة، وجلس على المقعد في الجهة الأخرى لـ بنان تماماً، ومط ذراعه بحركة تملّك صريحة ليضع يده على كتفها، يضمها إليه قليلاً. انخفض برأسه لمستواها، وثبت عينيه في عينيها بنظرة عميقة، حنونة، وحامية في آن واحد، وقال بصوت رجولي هز كيانها:
— مرات فارس الباشا.. عمرها ما تخاف أبداً.
التقت عيناهما، وذابت كل مخاوف بنان في بحر نظراته. ابتسمت بحب حقيقي جرف كل التوتر من حولها، وبقيت عيناها معلقتين بعينيه وكأن الغرفة خلت إلا منهما.
قطع هذه اللحظة الدافئة صوت عبد الرحيم المتحشرج بالضيق، وهو يحاول استعادة هيبته:
— وهي برضه بنت العزامية.. ودول مبيخافوش من حد واصل!
تحولت نظرة فارس فوراً من الحنان الجارف لـ بنان إلى البرود الحاد وهو يوجه كلامه لعبد الرحيم، وشدد من ضغطته على كتفها:
— هي دلوقتي بقت تبع عيلة الباشا.. ومش شايف غير إنها بنان الباشا.
لمح عبد الرحيم في نبرة فارس قراراً غير قابل للتفاوض، فمال بظهره للخلف وقال بابتسامة خبيثة:
— الكلام ده سابق لأوانه!
ضيق فارس عينيه، ونظر إليه بنظرة اخترقت قناعه:
— تقصد إيه؟
عبد الرحيم بنبرة تحدٍّ وعيناه تتنقلان بينهما:
— أقصد يعني إنها دلوقتي خطيبتك.. لسه الفرح.
ارتخت أسارير فارس، وارتسمت على شفتيه ابتسامة برودة قاتمة، حملت وعيداً وثقة مطلقة وهو ينظر لـ بنان ثم لعمها:
— قريب.. هتفرحك.
ساد الصمت مجدداً، ولم يجرؤ عبد الرحيم على فتح أي حديث آخر تحت وطأة نظرات فارس الحارسة لكل حركة ونفس في الغرفة. فضل فارس جالساً، واضعاً يده خلف بنان، يتابع كل تفصيلة حتى أعلن عبد الرحيم انسحابه وغادر المنزل وعلامات الهزيمة المؤقتة على وجهه.
التفت فارس لـ بنان وعمته، واطمأن عليهما بنظراته قبل كلماته، وبعدما تأكد أن الهدوء والأمان عادا للمكان، استأذن وغادر عائداً إلى الفيلا، وعقله ينسج خطوط المواجهة القادمة لحماية "بنان الباشا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الفيلا الباشا
دلف فارس إلى داخل الفيلا بخطوات هادئة، ليدخل إلى غرفة المعيشة (الـ Living room). كان الصمت في الأرجاء ثقيلاً ومطبقاً، لا يكسره سوى صوت التلفاز الذي يبث إضاءته المتذبذبة على وجهي "نجوى" و"صلاح" الجالسين بجفاء متباعد. طاقة المكان كانت مشحونة بتوتر لم يخطئه ذكاء فارس.
كسر فارس الصمت بنبرته الرخيمة:
— مساء الخير.
أجاب الاثنان بصوت واحد خافت وخالٍ من الروح:
— مساء النور.
اعتدل صلاح في جلسته، ووجه نظرة حادة متفحصة نحو ابنه:
— إيه.. كنت فين؟
فارس ببرود وهو يخلع ساعته:
— كنت عند عمتي.
تغيرت ملامح صلاح فوراً، وضيق عينيه متسائلاً:
— في جديد؟
أخذ فارس نفساً عميقاً، ثم ألقى بقنبلته بهدوء:
— أيوة.. عبد الرحيم عزام كان هناك النهاردة.
انتفض صلاح واقفاً في مكانه كمن لدغته أفعى، وصرخ بنبرة هادرة امتزج فيها الخوف بالغضب:
— وإزاي تروح هناك من غير ما تعرفني؟!
حافظ فارس على ثباته، ونظر لوالده بعينين عاتبتين:
— أنا رنيت على حضرتك كتير.. موبايلك كان مغلق، وكمان مجيتش الشركة النهاردة.
هنا، التفتت نجوى بوجع وضيق طفح به الكيل، وقالت بنبرة لاذعة متهكمة:
— طبعاً يا حبيبي.. إحنا بقينا بنشوف بابا بالصدفة!
اتسعت عينا فارس بدهشة وهو ينظر لوالدته؛ فالجو كان "مكهرباً" تماماً بين أبويه، والأمر يتعدى مجرد نقاش عابر.
التفت صلاح لزوجته، وعيناه تشتعلان بغضب مكتوم، وصاح بها:
— ما تتكلمي عدل إنتي كمان! في إيه؟!
وقفت نجوى ب كبرياء مجروح، ونظرت إليه بضيق وعينين تلمعان بالدموع:
— كلامي مش عاجب حضرتك؟ تمام.. أنا أصلاً طالعة أنام، دي بقت عيشة تقرف!
تحركت خطواتها سريعة غاضبة، وصعدت الدرج تاركة وراءها صمتاً مذهولاً. نظر فارس في أثرها بدهشة، ثم التفت يراقب رد فعل والده.
أما صلاح، فقد تظاهر بالثبات، وأخذ نفساً عميقاً كأن شيئاً لم يكن، ثم نظر لفارس وقال بنبرة جافة هرباً من الموقف:
— إيه اللي حصل هناك بالتفصيل؟
جلس فارس، وسرد لوالده كل ما دار بينه وبين عبد الرحيم عزام، ونظرات التحدي، ومحاولة العم فرض سلطته على بنان.
استمع صلاح بتركيز شديد، ووجهه يزداد تجهماً، ثم قال بحسم:
— تمام.. متروحش هناك تاني إلا لما تعرفني، وإياك.. إياك تخرج أو تمشي من غير عربية الحرس.
فارس بنبرة واثقة:
— تمام.
شدد صلاح على كلماته وهو يفرك جبهته بقلق:
— أنا متأكد إنهم هما اللي ضربوا عليك نار.. دول عندهم الدم ساهل!
ارتسمت على شفتي فارس ابتسامة تحدٍّ صغيرة:
— متقلقش.. أنا مصحصح لهم ومركز أوي.
نظر إليه صلاح بنظرة أب مرعوب على ولده، وقال بنبرة تحذيرية حارة:
— بس خد بالك.. دول غدارين أوي يا فارس. أنا حذرتك منهم بس أنت ماسك ومتبت فيها!
صمت فارس، واكتفى بتوجيه نظرة عميقة لوالده تحمل إصراراً لا يلين؛ فبنان خط أحمر.
شعر صلاح بعدم جدوى النقاش في هذه اللحظة، فتنحنح وحول نظره نحو الدرج بحيرة وتشتت بدا واضحاً في عينيه:
— عموماً.. الكلام ده ملوش لازمة دلوقتي. أنا هطلع أنام.
لمح فارس الحيرة المرتسمة على وجه أبيه، وفهم فوراً أنه محتار في كيفية مراضاة والدته، فافترت شفتاه عن ابتسامة ذكية ماكرة.
لمح صلاح ابتسامته، فضاق صدره وقال بنبرة حانقة:
— بتضحك على إيه؟!
اختفت ابتسامة فارس فوراً، وحافظ على ملامحه الجادة:
— لا عادي.. مش بضحك.
صلاح بقلة صبر:
— طيب يلا.. اطلع نام.
فارس وهو يتحرك نحو غرفته:
— تمام.. تصبح على خير.
صلاح:
— وأنت من أهله.
ما إن أعطى فارس ظهره لوالده، حتى اتسعت ابتسامته بقوة؛ كان المشهد مسلياً بالنسبة له وهو يرى "صلاح الباشا" بكل نفوذه، محتاراً وضعيفاً بين امرأتين (نجوى، والأخرى التي تسببت في غلق هاتفه وغيابه).
في الأعلى، دلف صلاح إلى غرفة نومه بخطوات حذرة.
كانت نجوى مستلقية على الفراش، وقد وضعت الوسادة فوق وجهها بالكامل، في إعلان صريح عن رغبتها في العزلة.
اقترب صلاح من الفراش، وقف يراقبها للحظات، ثم قال بنبرة هادئة مداعبة:
— ماتعمليش نفسك نايمة.
رفعت نجوى الوسادة عن وجهها بزهق وضيق شديد، ونظرت إليه بنظرة حادة، قبل أن تعيد الوسادة فوق وجهها مرة أخرى بتأفف.
كان صلاح يمسك بسيجارة مشتعلة في يده، نفث دخانها في الهواء بزفير طويل، ثم قال بنبرة لائمة:
— وبعدين؟ إيه شغل العيال ده؟
انتفضت نجوى جالسة على الفراش، وعيناها تشتعلان بالضيق، وأشارت ليده بغضب:
— أولاً.. اطفي السيجارة اللي في إيدك دي! أنت عارف إني مش بحب ريحة الأوضة تكون سجاير.
تنهد صلاح بقلة حيلة، وتوجه نحو المنفضة ليتخلص من السيجارة فوراً:
— معلش.. نسيت.
قالت نجوى بنبرة حملت عتاباً مريراً ومعاني مبطنة:
— أنت بقيت تنسى كتير يا صلاح!
تقدم صلاح وجلس على حافة الفراش بجانبها، ومال برأسه نحوها قائلاً بنبرة هادئة:
— وبعدين معاكي؟
التفتت إليه بكامل جسدها، وقالت بمرارة:
— أنت اللي وبعدين؟ حياتنا بدأت تتلخبط.. يوم زي النهاردة لا رحت الشركة، ولا اتغديت معايا، وجاي العصر وموبايلك مقفول!
مد صلاح يده ببطء، ولف ذراعه حول كتفيها، وجذبها إليه ليضمها إلى صدره بحنان يحاول به امتصاص غضبها، وهمس في شعرها:
— حقك عليا.. بس والله اليوم اتلخبط غصب عني. موبايلي كان فاصل شحن، ونمت محستش بنفسي غير قبل ما أجي بنص ساعة.
استسلمت نجوى لحضنه، لكنها بقيت صامتة تماماً، عيناها مثبتتان على الفراغ بشرود وجفاء.
شعر بجفائها، فرفع وجهها إليه وقال بنبرة دافئة:
— أنتِ عارفة إن مش بيهون عليا زعلك.
نظرت في عينيه مباشرة، وقالت بصدق موجع:
— لا.. بيهون يا صلاح.
تنهد صلاح وقال محاولاً تلطيف الأجواء:
— أبداً والله.. لو عايز أزعلك بجد كنت زعلتلك وأنتِ متعصبه عليا تحت قدام فارس.
تراجعت نجوى قليلاً، وظهر التوتر في نبرتها:
— بصراحة اتضايقت.. أنت أصلاً من وقت ما فارس عرف وأنت قلبك جمد، ومعادش فارق معاك حاجة!
ضاق صدر صلاح من كلماتها، وأجاب بنبرة حادة حملت كبرياءه الذكوري:
— يا سلام! على أساس إنني بخاف منه مثلاً؟
فركت نجوى يديها بتوتر ملحوظ، وحاولت تدارك كلماتها:
— مش قصدي كده.. بس بقيت واخد راحتك على الاخر
رد صلاح بنبرة جافة التفت فيها للماضي:
— افتكري إن دي كانت رغبتك أنتِ.. لكن أنا كنت عايز أعرفهم من الأول خالص.
قاطعته نجوى بنبرة قلقة، وكأنها تذكره بحدود الخطر:
— مالك لسه ميعرفش حاجة على فكرة.
صلاح ببرود لا مبالٍ:
— عادي.. بكره يعرف.
حاولت نجوى تغيير مجرى الحديث لتهرب من هذه السيرة، فقالت بعتاب طفولي:
— وبعدين؟ طلبت منك نروح أي مكان نغير جو أسبوع.. وكبرت دماغك!
زفر صلاح بضيق، وفرك وجهه بيده:
— مش كبرت دماغي.. بس الوقت مش مناسب مش هينفع أسافر وأسيب فارس في الجو ده.. ابنك فتح النار علينا بسبب جوازه من بنت سمية!
لوت نجوى شفتيها بامتعاض:
— هما اللي ناس بتوع مشاكل.
صلاح بنبرة لائمة:
— يبقى كنا نبعد عنهم بقا من الأول!
نظرت إليه نجوى بعاطفة الأمومة والدفاع عن رغبة ابنها الأكبر:
— هو بيحب بنان من سنين، وهي أمنيته الوحيدة في الحياة.. صعب أوي إني كنت أقف قصاده.. كفاية التاني يا حبيبي مجروح!
تصلبت ملامح صلاح، وظهرت الصرامة في عينه لينهي هذا النقاش المعقد الذي يفتح أبواباً يفضل إغلاقها، وقال بنبرة قاطعة لا تقبل الجدال:
— قفلي على الحوار ده!..
ـــــــــــــــــــــ
بعد مرور يومين..
في منزل "خالد"، كانت الأجواء هادئة ظاهرياً، لكن داخل الغرفة كان يدور حوار مشحون بالتردد والخوف. وضعت "بنان" علبة هدايا أنيقة مغلفة بعناية على الفراش، ونظرت إلى "يمنى" بنظرات محملة بالرجاء.
تراجعت يمنى خطوة للخلف، ونظرت إلى العلبة وكأنها قنبلة موقوتة، ثم رفعت عينيها القلقتين نحو بنان وقالت بنبرة حاسمة تحاول إخفاء ارتعاشها:
— مش هقدر آخد الهدية دي يا بنان.
خطت بنان نحوها، وأمسكت بيديها تحاول طمأنتها، وقالت بنبرة منخفضة وهادئة:
— يا بنتي، هما هيعرفوا منين إن مالك هو اللي باعتها؟ بس هو مصمم يبعتهالك بمناسبة عيد ميلادك.. مرداش يفوّت اليوم ده من غير ما يفرحك.
هزت يمنى رأسها برفض قاطع، ولمعت عيناها بدموع حائرة وهي تتذكر قسوة جدران هذا البيت:
— تاني يا بنان؟ أنا مش قد مشكلة مع أبويا وأخويا.. أنتِ عارفة اسر لو عرف ممكن يعمل إيه؟ لأ.. مش هينفع آخدها، رجعيهالو لو سمحتِ.
زفرت بنان بقلة حيلة، ونظرت إلى العلبة الأنيقة ثم أعادت نظرها لـ يمنى، وقالت بنبرة توسل طفولية تحاول بها تخفيف التوتر وتوريط يمنى بلطف:
— خلاص بقى يا يمنى.. أنا مش هعرف أخرج بيها من هنا وأرجع له بيها!
نظرت إليها يمنى بصمت طويل، صمت تجمعت فيه كل مشاعر الحيرة، والاشتياق المخفي، والخوف من المجهول. كانت تتأمل العلبة، وقلبها يتنازع بين رغبتها في الاحتفاظ بشيء من ريحته، وبين رعبها من بطش عائلتها.
لمحت بنان هذا التردد في عينيها، فدفعتهما برفق قائلة بابتسامة ومشاكسة لتكسر جمود الموقف:
— عشان خاطري خديها بقى.. ده زهقني يا شيخة وزنّ عليا لحد ما وافقت أجيبها!
تنهدت يمنى باستسلام، وتقدمت ببطء نحو الفراش، ومدت يدها المرتجفة تلتقط العلبة بعناية، ثم التفتت لـ بنان وقالت بنبرة جادة تحمل رجاءً حاراً:
— ماشي يا بنان، هاخدها.. بس عشان خاطري قوليله ماعدش يبعت حاجة تاني . أنا ببعد عن المشاكل ومش حمل أي مشكله
أومأت بنان برأسها دلالة على الموافقة والارتياح، لكن في داخلها كانت تشفق على حالهما.. حال مالك الذي ينزف حباً في الخفاء، ويمنى التي تعيش مكبلة بخوفها.
ـــــــــــــــــــــ
كانا يجلسان في أحد المطاعم الراقية، يتناولان طعام الغداء في أجواء هادئة. زفرت بنان براحة وارتسمت على وجهها فرحة طفولية نابعة من أعماقها:
— أخيراً خرجنا!
رفع فارس عينيه عن طبقه، ونظر إليها بابتسامة دافئة فيها لمحة تساؤل متهكم:
— إيه.. يعني إحنا مش بنخرج خالص؟
لوت بنان شفتيها بدلال، وقالت بنبرة عتاب رقيقة:
— أيوة.. أنت شغلك واخد كل وقتك ومبقتش بتفضى لي.
اتسعت ابتسامة فارس الحائرة، وهز رأسه يميناً ويساراً وهو ينظر إليها بحب جارف:
— يا ربي عليكِ يا بنتي.. أنتِ مش عايزاني أشتغل خالص بقا!
مالت بنان بجسدها للأمام، وضعت ذقنها على كفيها وقالت بعينين تلمعان بالمشاكسة:
— امممم.. وبعدين مش أنت متفق معايا تعلمني السواقة؟
فارس ببرود وهو يرتشف من كوبه:
— أمك مش موافقة.
تأففت بنان بضيق طفولي:
— يوه بقى! دي حجة.. أنت لو عايز تعلمني هتعلمني بجد.
فارس بمراوغة:
— ربنا يسهل.
ربعت بنان يديها أمام صدرها، وضققت عينيها بضيق وإصرار:
— لأ.. قولي على وقت محدد هتعلمني فيه دلوقتي.
تنهد فارس، ونظر في عينيها بعمق وابتسامة تذوب لها القلوب:
— بجد مش عارف يا قلبي.. بس متستعجليش، وبعدين أنا أصلاً هعلمك عشان تسوقي في الطوارئ كدا وبس، لكن السواق هيكون معاكِ على طول ومش هسيبك لوحدك.
بنان بنبرة متسائلة وهي تذكرّه بوعد قديم:
— مش أنت وعدتني هتجيب لي عربية زي بتاعتك بالظبط؟
فارس بثقة وفخر:
— ولسه عند وعدي.. وأحسن منها كمان.
صممت بنان برأسها العنيد:
— لأ.. أنا عايزاها زيها بالظبط ونفس اللون.
ارتخت ملامح فارس بالكامل أمام عنادها اللذيذ، وقال بنبرة مليئة بالتدليل:
— حاضر يا قلبي.. اللي أنتِ عايزاه هعملهولك.
رفع فارس يده وأشار للنادل، ثم أخرج (الفيزا) من جيبه. نظرت إليه بنان ب تفاجئ
— إيه؟ هنمشي دلوقتي؟
فارس وهو يقف:
— أيوة.. هنروح نشرب أي حاجة في كافيه هادي.
بنان بابتسامة:
— أوكي.
وبدأت تلملم حقيبتها وأغراضها بسرعة. اقترب النادل، فناوله فارس الفيزا ليقتطع الحساب، لينحني النادل باحترام:
— نورتنا يا فندم.
فارس بخطواته الواثقة:
— شكراً.
امتدت كف فارس العريضة لتحيط بيد بنان الصغيرة، متملكاً إياها، وأخذها وخرجا معاً.
استقلا السيارة وصلا إلى كافيه هادئ وراقٍ يحمل طابعاً كلاسيكياً. ترجلا من السيارة، فنظرت بنان حولها بفضول:
— إيه الكافيه ده؟
فارس وهو يفتح لها الباب بفروسية:
— عادي.. ده كافيه باجي أوقات أشرب حاجة فيه لما بكون مخنوق أو عايز أركز.
دخلا إلى الداخل، واختارا طاولة في زاوية مميزة. اقترب النادل وسجل طلباتهما وغادر.
استغلت بنان الهدوء، وعادت لتفتح الموضوع بعينين تترجيانه:
— يوم الجمعة بقى.. علمني السواقة.
فارس بقلة صبر مصطنعة وضغطة خفيفة على أرنبة أنفها:
— يا بت بطلي زن بقى!
بنان برجاء حار وهي تشبك يديها أمام وجهها:
— عشان خاطري يا فارس.. قولي إنك هتبدأ معايا الجمعة دي وبلاش تأجيل.
ابتسم فارس أمام حصارها اللطيف:
— شوية طيب.. أكون ظبطت وقتي في الشركة.
بنان براحة:
— أوكي.
قرب النادل ووضع المشروبات أمامهما، وبدأ يرتشفانها بهدوء، حتى قطعت هذا الصمت خطوات أنثوية واثقة تقترب من طاولتهما.
كانت فتاة ترتدي بنطالاً من الجينز الضيق وعليها بلوزة مكشوفة الكتفين (بكت) باللون الأحمر الناري، وتفرد شعرها الطويل وراء ظهرها. توقفت أمام الطاولة، وقالت بنبرة صوت عالية تملؤها المفاجأة والدلال:
— أهلاً.. فارس الباشا بنفسه هنا؟! ده الكافيه نور!
تغيرت ملامح فارس، ووقف بتهذيب واعتدال، وارتسمت على وجهه ابتسامة مجاملة ترحيبية:
— منور بيكي. إزيك يا سلمى؟ عاملة إيه؟
(سلمى صاحبة الكافيه)
سلمى بابتسامة واسعة وعينين تتأملانه بإعجاب لم تخطئه عين بنان:
— كويسة طول ما أنا شوفتك يا باشا.
اكتفى فارس بابتسامة صامتة التزاماً بالحدود. لكن سلمى تابعت بنبرة حزينة مصطنعة وهي تقترب خطوة إضافية:
— عرفت بموضوع الحادثة اللي حصلتلك وبجد زعلت أوي.. حاولت أتواصل معاك كتير لكن معرفتش أوصل لرقمك الجديد، وكمان حاولت أزورك في المستشفى بس عرفت إنهم كانوا مانعين الزيارة عن الكل.
فارس بنبرة هادئة ورسمية:
— أيوة معلش.. كأنك جيتي بالظبط، تسلمي.
سلمى بتأفف وهي تضرب بقديمها الأرض بلطف:
— بجد مين الحقود اللي ممكن يعمل معاك كدا؟ أنت متستاهلش كدا أبداً يا فارس!
في تلك اللحظة، شعر فارس بـ "الخطر"؛ التفت ب توتر ملحوظ نحو بنان.
كانت بنان قد ربعت يديها بقوة أمام صدرها، وجسدها مشدود ب تشنج، وعيناها تشتعلان بـ غيظ وجمر حارق وهي تنظر إليهما كمن يوشك على ارتكاب جريمة.
حاول فارس إنهاء الحوار سريعاً قبل الانفجار:
— يلا.. حصل خير، الحمد لله.
سلمى بابتسامة حالمة التفتت بها للماضي:
— الحمد لله إنك كويس.. طول عمرك من أيام الجامعة جدع وراجل في مكانك.. فاكر لما كنا مع بعض في سكشن الـ...
لم تتحمل بنان حرفاً واحداً آخر. قاطعتها بنبرة حادة ممتلئة بالضيق والغيظ المكتوم، وعيناها تطعنان سلمى:
— ياريت تتفضلي تقعدي وتفكرينا بالذكريات كلها طالما واقفه كدا!
التفتت سلمى بنظراتها نحو بنان، وكأنها انتبهت لوجودها للتو. رفعت حاجبيها ب تصنع وقالت ببرود مستفز:
— سوري.. مأخدتش بالي!
انتفضت بنان واقفة في مكانها بعيون متسعة وغضب عارم كسر كل هدوئها الرقيق:
— ليه.. شفافة يعني ومش باينة قدامك؟!
تراجعت سلمى خطوة للخلف بنعومة، ووجهت نظرة تساؤل حائرة ومستنكرة نحو فارس، كأنها تستنجد به من هذه "الفتاة الهجومية".
تقدم فارس مسرعاً، ووقف بجانب بنان، وأمسك كفها بقبضته يهدئ من روعها، وتلاقت عيناه بعيني سلمى وهو يقول بنبرة حاسمة ومعلنة:
— دي بنان.. خطيبتي وكتب كتابي كمان.
صدمت سلمى، واتسعت عيناها ب ذهول حقيقي:
— أنت خطبت امتى وفين؟!
فتح فارس فمه ليرد، لكن بنان كانت أسرع، وأسرع بكثير!
التفتت بنان نحو فارس، واقتربت منه بـ دلال مبالغ فيه ومتعمد، وتعلقت بذراعه بقوة وهي تقول بنبرة "مائعة" مصطنعة كيدا في الأخرى:
— كدا يا بيبي؟ كدا متعزمش أصدقاء الجامعة القدام على كتب كتابنا؟ زعلتني منك!
عض فارس على شفته السفلية، محاولاً بكل قوته كتمان ضحكة هاربه كانت ستنفجر من صدره بسبب طريقتها الهجومية اللذيذة وتحولها المفاجئ.
أما سلمى، فقد تاهت الكلمات من فمها، ونظرت إليهما بدهشة ممتزجة بزعل وانكسار حاولت مداراته بصعوبة، وقالت بجفاف:
— ألف مبروك..
بنان بابتسامة انتصار عريضة ونبرة تقطر كيداً نسائياً:
— الله يبارك فيكِ..
ثم تابعت وهي تنظر لملابس سلمى وأحمر شفاهها بنظرة فاحصة من الأعلى للأسفل:
— متزعليش يا طنط.. أنا في الفرح بنفسي هبعتلك الدعوة لحد عندك!
تصلب وجه سلمى تماماً، واشتعلت عيناها بالغيظ الحارق، ورددت بصوت منخفض جداً يكاد يسمع من بين أسنانها:
— طنط؟!
أدرك فارس أن المعركة النسائية بلغت ذروتها وأن الأجواء ستتحول لساحة حرب، فشد على يد بنان وقال وهو يومئ برأسه لسلمى:
— إحنا هنستأذن بقى.. سلام.
سحب فارس بنان من يدها ب حزم وهو يكتم ضحكاته، وخرجا سريعاً من الكافيه وسط نظرات سلمى المشتعلة. فتح لها باب السيارة وأدخلها، ثم التف وركب في مقعد القيادة.
ما إن أغلق الباب، حتى التفتت إليه بنان بضيق شديد وهي تعدل فستانها بعصبية:
— إيه بالراحة شوية! كنت هتوقعني وأنا داخلة من سرعتك!
نظر إليها فارس بضيق حازم يحاول به السيطرة على الموقف:
— أنتِ غلطتِ في الست جوة يا بنان.. طنط إيه وطريقة إيه دي؟!
اشتعلت بنان مجدداً، وصاحت بغيظ وغيرة أعمتها:
— ليه؟ هو أنا قولت حاجة غلط؟! ما هي طنط فعلاً وعايزة تعمل نفسها نوغة وصغيرة وتعيد ذكريات الجامعة!
ثم لوحت بيدها وهي تقلد نبرة صوت سلمى بطريقة ساخرة ومضحكة:
— طول عمرك راجل وجدع.. فاكر.. فاكر لما كنا مع بعض... دمها سم
لم يستطع فارس الصمود أكثر من ذلك؛ انطلقت ضحكته الرجولية القوية لتهز أرجاء السيارة، ونظر إليها بعينين تلمعان بالسعادة والاتساع:
— تموتي لو متكلمتيش وطلعتي اللي جواكي
بنان وهي ترفع رأسها بكبرياء وعناد:
— آه طبعاً! مش هسيب حقي.. أنا بدافع عن حقي وبحميه!
توقفت ضحكة فارس ببطء، وحلت محلها ابتسامة دافئة عميقة، ومال برأسه نحوها يسألها بنبرة منخفضة ممتلئة بالحب:
— يعني أنا حقك؟
التفتت إليه، ونظرت في عينيه بثبات وثقة مطلقة دون تراجع:
— طبعاً.. وإلا عندك مانع؟
اتسعت ابتسامة فارس بسعادة غامرة لم يشعر بها منذ زمن، وانطلق بالسيارة وهو يقول بنبرة عاشقة:
— لأ طبعاً.. معنديش مانع .
قاد فارس السيارة وعقله وقلبه يحلقان فوق السحاب بسبب غيرتها اللذيذة التي أثبتت له مكانته في قلبها. وصل بها إلى منزلها، واطمأن على دخولها، ثم التفت وعاد إلى الفيلا، والابتسامة لا تفارق وجهه
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في منزل خالد
كانت يمنى تجلس أمام مكتبها، تحيط بها الكتب والمذكرات من كل جانب، محاولة الهروب من واقعها، حتى دلفت والدتها "منال" الغرفة، وقفت بجانبها وسألتها بنبرة هادئة مترقبة:
— قولتي إيه؟
التفتت إليها يمنى، وظهر التوتر الجليّ في عينيها المتسعتيضن بدهشة حاولت مداراتها:
— يا ماما أنا داخلة على امتحانات، ومش معقول هفكر في موضوع زي ده دلوقتي
تنهدت منال، واقتربت خطوة وهي تشبك يديها:
— باباكي قاله بعد الامتحانات هنرد عليه.. بس أنا بتكلم معاكي دلوقتي وبشوف رأئيك
فركت يمنى أصابعها بقلق، وقالت بنبرة متحشرجة تحاول جعلها طبيعية:
— بس أنا أفضل دلوقتي إني أركز في مذاكرتي ومستقبلي.. وبعد كدا ربنا يسهل.
هزت منال رأسها بتفهم، لكنها تابعت بنبرة مشجعة زادت من اختناق صدر يمنى:
— ماشي.. بس الولد على حسب وصف باباكي كويس ومفهوش غلطة، ودكتور محترم معاهم في المستشفى.
أومأت يمنى برأسها بالإيجاب في صمت مكسور، وبلعت غصتها وهي تشير لوالدتها أنها تريد العودة للمذاكرة، وما إن أغلقت والدتها الباب حتى أسندت يمنى رأسها على كفيها وتنهدت بوجع.
بعد مرور اسبوع
خرجت الفتاتان من قاعة الامتحانات، كانت الأجواء صاخبة من حولهما، لكن الصمت كان يخيم على يمنى.
بنان بنبرة محاولة لتلطيف الأجواء:
— الامتحان كان كويس الحمد لله.. عدى على خير.
أجابتها يمنى بنبرة خافتة خالية من الروح، وعيناها مثبتتان على الأرض:
— آه.. اهو عدى.
توقفت بنان في مشيتها، ولاحظت شحوب وجه صديقتها وهالات الحزن المحيطة بعينيها، فسألتها بقلق:
— مالك يا يمنى؟ فيكِ إيه؟
توقفت يمنى، ورفعت عينيها المليئتين بالانكسار نحو بنان، وقالت بصوت يرتجف:
— في عريس.. دكتور مع بابا في المستشفى وعايز يتقدملي.. وتقريباً كلهم في البيت موافقين ومرحبين بيه جداً.
صدمت بنان، وضاق صدرها وقالت بضيق مستنكر:
— إزاي طيب؟! ومالك؟ مالك مستني الأمور تهدى خالص وباباكي ينسى المشاكل وهيجي لعمو خالد على طول!
في تلك اللحظة، لم تستطع يمنى الصمود؛ تجمعت الدموع في عينيها بغزارة، وقالت بنبرة يائسة تقطر وجعاً:
— شكلها كدا مش هتهدى يا بنان.. أخويا آسر مش بينسى بسهولة،ط واخد موقف وحش أوي من مالك ومش هيسامحه.
خطت بنان نحوها وأمسكت بذراعيها قائلة بلهفة:
— طيب ما ترفضي! قولي مش موافقة!
مسحت يمنى دمعة متمردة سقطت على وجنتها، وابتسمت بمرارة وسخرية من واقعها:
— هرفض ليه؟ معنديش سبب مقنع أقوله للرفض.. الولد دكتور ومفهوش غلطة، والسبب الوحيد هو حبي لمالك.. وده طبعاً مستحيل ينفع أقوله قدام بابا وآسر، إنتي عارفة ممكن يعملوا إيه!
دمعت عينا بنان شفقة على حال صديقتها، فربتت على كتفها بحنان وقالت بنبرة تحاول بث الأمل فيها:
— إن شاء الله هتتحل.. ربنا مش هيعمل إلا الخير.
تنهدت يمنى بعمق، ونظرت في عيني بنان بنظرة رجاء حارة خائفة، وشددت على يدها:
— إن شاء الله.. بس أرجوكي يا بنان، متقوليش حاجة قدام مالك ! مش عايزاه يعرف أي حاجة عن الموضوع ده دلوقتي.
بنان بتساؤل:
— ليه؟
يمنى بخوف حقيقي ارتجف له جسدها:
— لأنك عارفة إنه متسرع ومجنون.. وممكن يتصرف بتهور ويبهدل الدنيا، وأنا مش حمل مشاكل جديدة معهم في البيت
هزت بنان رأسها بقلة حيلة وقلق حقيقي ينهش صدرها، وهمست بصوت خافت:
— ده لو عرف.. هيتجنن فعلاً
ـــــــــــــــــــــ
كان يخرج من بوابه الشركة بخطوات متعبة بعد يوم عمل طويل. اقترب من سيارته، وفتح الباب بهدوء وهو يستعد للمغادرة، لكن حركته تجمدت عندما تناهى إلى مسامعه صوت مشادة حادة، وكأن هناك من يتشاجر في مكان قريب.
التفت برأسه فوراً باتجاه مصدر الصوت، لتتسع عيناه بذهول.. كانت رحمة!
وكان هناك شاب غريب يقف أمامها بملامح متبلدة، ويحاول جذب يدها عنوة.
دون تفكير، أغلق آسر باب السيارة بقوة أصدرت صوتاً مدوياً، واتجه صوبها بخطوات واسعة وعيناه تشتعلان غضباً.
في تلك الأثناء، كانت رحمة تحاول التملص منه وهي تصرخ باختناق:
— ابعد بقا يا أخي عني! في ايه؟!
كان الشاب، ويُدعى سامح، يصر على ملاحقتها وهو يقول بنبرة تملك مستفزة:
— مش هسيبك!
حاول سامح الإمساك بيدها مجدداً، فدفعته رحمة بقوة بكل ما أوتيت من عزم وهي تصرخ في وجهه:
— بقولك ابعد بقا عني!
في هذه اللحظة، وصل آسر ووقف كحائل بينهما، وهتف بحدة وعينين صقريتين:
— في ايه؟ انت عايز منها ايه؟!
التفت إليه سامح ببرود وتحدٍ، وقال بنبرة واثقة:
— انت مالك انت أصلاً؟ ومين وبتدخل ليه بيني وبين مراتي؟!
وقع الكلمة على آسر كالصاعقة. تجمد مكانة، والتفت ينظر إلى رحمة بصدمة حقيقية تملكت ملامحه.
لمحت رحمة نظرة الشك والصدمة في عيني آسر، فهتفت بصرامة وعيون تملأها الدموع:
— كداااااب! مش مراته!
تقدم سامح خطوة أخرى نحوها وهو يبتسم بخبث:
— بقى أنا كداب يا رحمة؟ دا الحتة كلها شاهده!
لم ينتظر آسر سماع المزيد؛ مد يده وحرك رحمة بخفة لتصبح خلف ظهره تماماً، يحميها بجسده، ثم التفت لسامح وقال بنبرة هادئة لكنها شديدة الحسم:
— اهدى يا وحش.. وخد بعضك وامشي من هنا.
شعر سامح بالإهانة، واقترب بتهديد وهو يجز على أسنانه:
— بقولك ايه.. وسع من قدامي بدل ما أندمك على حياتك!
رفع آسر حاجبه باستهانة، ولم يتحرك إنشاً واحداً من مكانه:
— والمفروض إني أخاف مثلاً؟
لم يتكلم سامح، بل مد يده إلى جيبه بسرعة وأخرج سلاحاً أبيض (مطواة) لمع نصلها تحت ضوء الشارع، وقال بفحيح:
— أنا مش بهدد!
شهقت رحمة بفزع حقيقي، وتشبثت بملابس آسر من الخلف وهي ترتجف.
رغم المفاجأة، حافظ آسر على ثباته ولم يرمش له جفن، وقال باحتقار وهو ينظر للسلاح:
— بقولك خد بعضك وامشي، واوعى تفكر إني هخاف من البتاعة اللي في إيدك دي.
هتف سامح بجنون وهو يحاول الالتفاف حوله:
— بقولك سيبها وامشي.. دي تخصني!
رد آسر بصرامة وهو يغلق عليه كل المنافذ:
— وهي مش معترفة بدا، يبقى تاخد بعضك وتمشي.
فقد سامح صوابه وحاول الاندفاع بقوة ليمسك برحمة من وراء ظهر آسر، لكن آسر كان أسرع؛ قبض على ذراعه التي يحمل بها السلاح بقوة هائلة، ودفعه بضربة حاسمة إلى الوراء، ليفقد سامح توازنه ويسقط أرضاً.
اشتعلت عينا سامح بغلّ أعمى، ونهض من على الأرض كالمجنون. وبحركة غادرة وسريعة لم يتوقعها أحد، وجه السلاح مباشرة نحو بطن آسر، وغرسه بقوة.
انطلقت من حنجرة رحمة صرخة مدوية هزت أركان المكان، صرخة رعب حقيقي وهي ترى آسر يترنح، قبل أن يسقط على الأرض وعيناه تتثاقلان.
تراجع خطوتين إلى الخلف ويداه تندفعان تلقائيًا نحو بطنه وكأنه يحاول إمساك شيء يتهاوى. اخترق الس.لاح الأبيض جسده لكن الأثر كان مدمرًاسقط على ركبتيه بينما بدأت بقعة دافئة داكنة تتسع بسرعة مرعبة على قميصه متموجة بين طيات القماش.....كان الدم يتدفق بغزارة لزوجته الحمراء تسيل بين أصابعه المشدودة على الجرح في محاولة يائسة لمنع أحشائه من الاستسلام. انفرجت شفاهه عن صرخة مكتومة لم تخرج وتحول لون وجهه في لحظات إلى شحوب المو..ت بينما زاغت عيناه وتثبتتا في الفراغ، وهو يهوي بجسده كاملًا على الأرض يئن بلوعة وكل أنفاسه تخرج متقطعة كحشرجة
ارتمت رحمة بجانبه على ركبتيها والدموع تعمي عينيها، بينما التفت سامح حوله بذعر عندما رأى الدماء تتدفق بغزارة، وتراجع للخلف خطوتين، ثم ولى دبره وجرى بسرعة خارقة هرباً من فعلته.
