رواية خيوط لاتري الفصل الثامن عشر18بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الثامن عشر18بقلم فاطمة مالكي

الفصل الثامن عشر: أسطورة التصديرة.. وتتويج ملكة "الحكيم"
تحت سماء القاهرة الصافية التي تزينت بنجوم تلألأت كحبات الألماس المنثورة على مخمل أسود، كان قصر "الحكيم" يتهيأ لحدث لم تشهده العاصمة من قبل. لم يكن مجرد حفل زفاف عادي، بل كان إعلاناً مدوياً، وتتويجاً لقصة عشق كُتبت بالصبر وتحدي الصعاب. امتد السجاد الأحمر الملكي من البوابات الحديدية الشاهقة التي حُرست باحتراز أمني غير مسبوق، وصولاً إلى قاعة الاستقبال الزجاجية الكبرى التي شُيدت خصيصاً في قلب الحدائق الشاسعة. الأشجار العتيقة لُفت بآلاف الحبال الضوئية الكريستالية، وجداريات الورد الهولندي الأبيض والأحمر كانت تنفث عبيراً ساحراً يمتزج برائحة البخور الكمبودي الفاخر، لتخلق هالة من الفخامة الأسطورية.
توافد الحضور من صفوة المجتمع؛ كبار رجال الدولة، وزراء، ديبلوماسيون، وعمالقة الاقتصاد العربي والأجنبي. وفي الصفوف الأمامية، وبناءً على أوامر صارمة لا تقبل النقاش من ياسين نفسه، جلس الوفد الدبلوماسي الجزائري محاطاً بكل آيات التبجيل والاحترام، كرسالة واضحة بأن أهل عروسه هم أهل الصدارة.
وفي مقدمة المستقبلين عند مدخل القاعة الشاهق، وقف عبد المعز الحكيم، كبير العائلة ومؤسس الإمبراطورية، يتأبط ذراع زوجته وحبيبة عمره، السيدة أمينة. وبجوارهما وقفت رانيا، شقيقة ياسين الصغرى وروح القصر النابضة بالحياة. تألقت رانيا بفستان حريري بلون الزمرد يبرز جمالها الشرقي، وكانت توزع ابتساماتها المشرقة على الحضور. لم تكن رانيا مجرد أخت للعريس، بل أصبحت منذ اللحظة الأولى لدخول حنين وحنان إلى حياتهم بمثابة الأخت والصديقة الأقرب لهما، تحفظ أسرارهما وتشاركهما أحلامهما. كانت رانيا تنظر إلى قمة الدرج بلهفة، وتهمس لوالدتها بين الحين والآخر:
— "أنا مش مصدقة إن ياسين الجليدي بتاعنا أخيرًا هيتجوز.. حنين دي ساحرة يا ماما، غيرته وخلته إنسان تاني خالص."
كان عبد المعز، رغم سنوات عمره التي أضافت له وقاراً مهيباً، لا يزال يحتفظ بتلك الجاذبية والوسامة الرجولية الطاغية التي ورثها عنه ياسين. ارتدى حلة كلاسيكية سوداء صُممت بوقار ملوك الاقتصاد، بينما تألقت أمينة بجواره بفستان سهرة محتشم وراقٍ يليق بسيدة القصر الأولى. كان عبد المعز يرمق ضيوفه بعيون خبيرة تفيض بالهيبة، لكنه بين الحين والآخر كان يميل على أمينة، ينظر إليها بنظرات خاصة تشتعل بالعشق الذي لم يزده الزمن إلا رسوخاً، ويهمس لها بكلمات غزل تسرق حمرتها، مبدياً فخره الشديد بياسين الذي اختار بقلبه كما فعل والده من قبل.
كانت همسات السيدات من المجتمع المخملي لا تتوقف، وعيونهن تلمع بالفضول والترقب: من هي تلك الفتاة الجزائرية التي استطاعت أن تروض "أسد الاقتصاد"؟ من هي التي جعلت ياسين الحكيم، الرجل الجليدي الذي لم تهزه أعتى الأزمات، يطوع إمبراطوريته ويفتح أبواب قلبه الحصين لها؟
عند أسفل الدرج الرخامي العريض المؤدي للحديقة، وقف ياسين الحكيم ومازن. كان ياسين يبدو كإمبراطور إغريقي في كامل جاذبيته الطاغية. ارتدى حلة سوداء (تكسيدو) صُممت له خصيصاً في أعرق دور الأزياء في ميلانو، قصة السترة برزت عرض كتفيه المهيبين وصلابة صدره، والقميص الأبيض الناصع تحتها بدا متناسقاً مع بابيون سوداء كلاسيكية. كانت ملامحه الحادة تشع بهيبة صارمة تجعل الجميع يهاب الاقتراب منه، لكن عينيه الصقريتين كانتا تشتعلان ببريق عاشق يلتهم الثواني.
إلى جواره، كان مازن يتأنق هو الآخر بحلة فاخرة، لكنه لم يكف عن التحرك بتوتر ومسح جبهته، محاولاً تخفيف الضغط الرهيب الذي يشعر به. التفت مازن إلى ياسين ومال عليه هامساً بصوت مصري خفيض:
— "يا ريس، أنا مأمن المكان لدرجة إن النملة لو دخلت القصر هسألها عن بطاقتها والدعوة بتاعتها! فك التكشيرة دي أرجوك، الناس بتبص عليك ومفتكرين إنك داخل اجتماع مجلس إدارة مش فرحك.. إنت عريس يا صاحبي، عريس وملك الليلة!"
ابتسم ياسين ابتسامة جانبية غامضة، ولم يزح عينيه الثابتتين عن قمة الدرج، ثم قال بصوت عميق، خفيض، يملأه الشغف والانتظار:
— "إنت مش فاهم حاجة يا مازن.. دي مش مجرد ليلة زفاف. دي معركتي الأخيرة مع صبري اللي انتهى. الثواني دي بتمر على قلبي كأنها سنين ضوئية. أنا مش مكشر، أنا بحاول أتنفس بالعافية عشان ضربات قلبي مش منتظمة من الصبح."
وفجأة، انقطعت الأوركسترا الكلاسيكية تماماً، وتلاشت الهمسات في القاعة كأن على رؤوس الحضور الطير. انفتحت الأبواب الخشبية المذهبة الشاهقة في أعلى الدرج، لتطل منها حنين... ولم تكن وحدها. كانت حنان تقف بجوارها، تتألق هي الأخرى بفستان زفافها الأبيض. عروستان تسرقان الأنفاس في ليلة واحدة، تتشاركان رهبة اللحظة وفرحتها.
انحبست الأنفاس تماماً في صدور الجميع. كانت حنين تسير كالملاك المنساب من جنات الخلد، بفستانها الأسطوري من الدانتيل الفرنسي المطرز يدوياً بحبات اللؤلؤ، وطرحتها الشفافة المنسدلة كشلال من النور. توسطهما العم مصطفى، ممسكاً بيد حنين من جهة وبيد حنان من الجهة الأخرى، وبدأوا في النزول ببطء.
في الأسفل، كانت القلوب تدق بقوة؛ عينا ياسين كانتا مثبتتين بالكامل على حنين وكأنه لا يرى غيرها، بينما اختفت ابتسامة مازن المرحة المعتادة لتحل محلها نظرة انبهار وعشق خالص وهو يتابع نزول حنان.
وعندما وصلوا إلى منتصف الدرج، توقف العم مصطفى، ونظر إلى الشابين اللذين يقفان في الأسفل كالمسحورين، ثم قال بصوت متهدج   و دافئ:
— "تهلّاو فيهم.. هادو بنات الغالي وقطعه  من قلبي. يا ياسين، حنين أمانة في رقبتك، ويا مازن، حنان نور عيني.. راني نسلمكم أغلى ما نملك قبل ما نكتبو الكتاب."
وضع ياسين يده على صدره بوقار  ، ونظراته تنطق بالاحترام والحب مجيباً بصدق:
— "في عيوني وفي قلبي يا عم مصطفى.. دي روحي، وأمانة في رقبتي ليوم الدين."
وبجانبه، وضع مازن يده على قلبه، وبنبرة جادة وصادقة لم يعهدها أحد منه من قبل، قال:
— "في نن عيني يا عم مصطفى.. دي العوض اللي عمري ما هفرط فيه."
نزلت العروستان آخر درجة، لتقف كل واحدة منهما أمام عريسها. ورغم أن الأصول تمنع الشابين من لمس يد عروستيهما قبل أن يعقد المأذون قرانهما، إلا أن لغة العيون كانت تغني عن ألف تلامس. التقت عينا حنين العسليتان المليئتان بالخجل بعيني ياسين الصقريتين. اقترب ياسين خطوة واحدة فقط، محافظاً على مسافة ا ، وهمس بصوت عميق لم تسمعه سواها:
— "إنتِ مش مجرد عروسة يا حنين.. إنتِ معجزة نزلت من السما عشان تحيي قلب ياسين الحكيم اللي كان ميت. دقايق والمأذون يكتب الكتاب، وساعتها بس هقدر أقول مبروك عليا الجنة اللي دخلتها بسببك."
احمرت وجنتاها بخجل حارق جعلها تبدو كوردة دمشقية، ونكست رأسها قليلاً وهي تهمس :
— "ربي يكمل فرحتنا على خير يا ياسين.. ويقدرني نكون ليك الزوجة اللي تتمناها."
على الجانب الآخر، اقترب مازن من حنان خطوة مماثلة، وعيناه تلمعان بدموع فرحة حقيقية، وهمس لها:
— "أنا طول عمري باخد الدنيا بضحك وهزار، بس إنتِ الحقيقة الوحيدة اللي في حياتي. دقايق وتبقى حرم مازن عبد الرحيم رسمي."
ابتسمت حنان بخجل وردت بصوت خافت:
— "وأنا هستناك."
ولم تطل اللحظة كثيراً، فقد حان وقت قطاف الصبر. بخطوات تحفها الملائكة وتتوسطها الزغاريد، جلس الجميع حول الطاولة الملكية المجهزة لعقد القران. دقائق معدودة، وصدح صوت المأذون يزلزل أركان القصر بالجملة الخالدة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"، ليعلن رسمياً ياسين الحكيم زوجاً لحنين، ومازن زوجاً لحنان.
هنا فقط، تلاشت كل الحواجز. التفت ياسين إلى حنين، وبحركة مليئة بالتملك الطاغي، سحبها إليه برفق، ومد يده ليرفع الطرحة الشفافة عن وجهها الملائكي ببطء شديد. انحنى قليلاً، وهمس أمام شفتيها بصوت دافئ يقطر عشقاً:
— "الله يبارك فيا بيكي يا روحي.. تاج راسي إنتِ."
وعلى الجانب الآخر من الطاولة، لم يكن مازن ليتحلى بنفس هدوء ورزانة ياسين. بمجرد أن أنهى المأذون كلماته، ألقى مازن قلمه جانباً، وبحركة خاطفة ومجنونة خطف حنان بين ذراعيه في عناق ساحق، رافعاً إياها عن الأرض قليلاً وهو يلف بها وسط شهقتها المتفاجئة وضحكات الحضور.
— "أخيراً بقيتي حرمي! ده أنا روحي طلعت عشان اللحظة دي يا جزائرية!"
ضحكت حنان بخجل شديد ووجهها يشتعل حمرة، وهي تضرب بخفة على كتفه محاولة النزول وتقول بلهجتها المفعمة بالدلال:
— هبطني"(نزلني) يا مهبول! واش بيك؟ الناس كامل راهم يشوفو فينا!"
أنزلها مازن ببطء، لكنه لم يفلت خصرها، ونظر في عينيها   بصدق أذاب كل حصونها، وهمس بصوت دافئ محمل بعشق حقيقي :
— "يولعوا الناس! أنا مش شايف حد في القاعة دي كلها غيرك.. مبروك عليا دنيتي الجديدة."
قبل أن يخطوا خطوتهم الأولى نحو القاعة الزجاجية، انطفأت الأضواء الرئيسية للقصر تماماً، وسُلطت بقع دافئة وناعمة من الضوء الأبيض والوردي على منتصف حلبة الرقص الشاسعة. ساد الهدوء، وفجأة، عبر مكبرات الصوت  ، صدح صوت رجولي أجش، مليء بالإحساس والشجن الجزائري الأصيل، ليعلن افتتاح الحفل بطريقة جعلت حنين تتسمر في مكانها من الصدمة:
"صليت صلاة الاستخارة... باه نستخير ربي أنا فيك...
بيّنلي وعطاني إشارة... يا جيت وتقدمت ليك..."
"بمجرد أن انطفأت الأضواء، وتلاشت الهمسات، لم تتفاجئ حنين بظهوره، فقد كانت تعلم بهذا الترتيب منذ أن تحدث ياسين مع مدير أعماله، لكن وقع اللحظة كان مختلفاً تماماً. رؤيته حقيقةً على المسرح أمام عينيها، وصدى صوته الذي رافق وحدتها وغربتها، جعل قلبها يخفق بجنون.
التفتت إلى ياسين الذي كان يراقبها بابتسامة فخر واعتزاز، وكأنه يقول لها: 'لقد أوفيت بالوعد'. شعرت حنين بدموع السعادة تغرق عينيها، ليس لأنها تفاجأت، بل لأن ياسين استطاع أن يجعل حلمها حقيقة ملموسة، وأن يهديها ليلة ستظل محفورة في ذاكرتها للأبد.
سحبها ياسين برفق وهدوء نحو حلبة الرقص. أحاط خصرها بذراعيه القويتين، بينما وضعت هي يديها المرتجفتين على كتفيه العريضين، وبدأ يتمايل معها ببطء وتناغم ساحر وسط تصفيق حار وهتافات من الحاضرين.
أكمل بلال الصغير الغناء بإحساس طاغٍ، والكلمات تتردد في أرجاء المكان كأنها كُتبت خصيصاً لهما:
"نحمد ربي اللي كتبك ليا... وليتي مرتي وحلال عليا...
يا أجمل يوم في حياتي... هو زواجي بيك إنتيا...
أعطيني يدك ديريها في يديا... ونقولو Adieu للعزوبية...
نديك لدارك الجديدة... ونبدوا حياتنا الزوجية..."
دفنت حنين رأسها في صدر ياسين العريض، مستنشقة عِطره النفاذ، وهمست بلهجتها الجزائرية المخنوقة من فرط مشاعر الفرح:
— "ياسين! مانيش مصدقة وعيني تشوف! جبتلي بلال الصغير حتى لهنا يغني في عرسنا؟ يعطيك الصحة يا راجلي.. يعطيك الصحة يا عمري .. نحبك بزاف، نحبك لدرجة ما تقدرش تتخيلها!"
شدد ياسين من قبضة ذراعيه حول خصرها، مقرباً إياها إليه أكثر حتى التفت أجسادهما تماماً، وانحنى ليقبل رأسها بعمق وهو يهمس وسط الموسيقى :
— "أنا قولتلك قبل كده يا حنين.. مفيش أمنية هتخطر على بالك أو في خيالك مش هحققها. أنا بقيت عايش في الدنيا دي لهدف واحد بس، إني أشوف نظرة الفرحة واللمعة دي في عيونك. إنتِ تؤمري والكون كله تلاقيه  تحت رجليكي."
تراقصا معاً كعصفورين غادرا قفص الغربة، يتمايلان على أنغام الرأي الدافئة، وكان ياسين ينظر إليها وكأنه يستمد الحياة من ملامحها، بينما كانت هي تدور بين يديه بدلال وخفة سحرت كل من في القاعة.
بعد انتهاء رقصة الافتتاح الأسطورية، حان الوقت للحدث الذي انتظره الجميع بلهفة، والذي زلزل أركان القصر وأبهر المجتمع المخملي المصري بجماله وأصالته: طقوس "التصديرة الجزائرية".
اختفت حنين وشقيقتها حنان برفقة الخالة زليخة لبعض الوقت في الغرف المخصصة للتبديل، ولم تفارقهما رانيا لحظة واحدة. في كواليس الغرفة، كانت رانيا تساعد حنين في تعديل أثواب "التصديرة" بانبهار حقيقي، وتمسك بـ "خيط الروح" الذهبي لتضعه على جبهة حنان وهي تضحك وتقول بشقاوة:
— "يا خرابي على الجمال الجزائري! ده إنتو هتعملوا زلزال في القصر النهارده. أنا لو مكان ياسين ومازن كنت خطفتكم من أول طلة ومخليتش حد يشوفكم!"
كانت الخالة زليخة تضحك على خفة دم رانيا وتدعو لها قائلة بلهجتها:
— "ربي يرزقك بوليد الحلال لي يسعدك يا رانيا يا بنتي."
بينما كان ياسين في الخارج يجلس على "الكوشة" الملكية المصنوعة من المخمل العاجي والذهب، وبجواره مازن الذي كان يترقب الأبواب بعيون صقرية، ينتظر ظهور "الطرف الآخر" من المفاجأة.
وفجأة، تغير إيقاع الحفل تماماً؛ انطلقت ألحان آلة "الزرنة" العاصمية القوية والطبول التراثية التي تلهب الحماس، وتلاها انطلاق زغاريد الخالة زليخة   القوية والمدوية (يويويويو) التي هزت جنبات القاعة الزجاجية وجعلت الحضور الأجانب والمصريين يقفون مبهورين.
وما إن انفتحت الأبواب الكبرى، حتى أطلت حنين وبجوارها شقيقتها حنان كلوحتين فنيتين نادرتين نطقتا بالسحر والجمال. والمفاجأة التي صعقت الجميع وخطفت الأنفاس، أن الأختين ارتدتا نفس اللباس تماماً بالتطابق! أطلتا بنسختين متطابقتين من "الكاراكو العاصمي" الفاخر، المصنوع من القطيفة السوداء الثقيلة، والمطرزة بخيوط الذهب الخالص بأسلوب "المجبود" الدقيق، مع سروال الشلقة الحريري المنسدل برقة. وقد تُوجت جبهتاهما بالتاج الذهبي المرصع بالزمرد والمعروف بـ "خيط الروح"، لتبدوا كأميرتين من حكايات القصور العثمانية القديمة.
وفي تلك اللحظة المهيبة التي تسمرت فيها العيون عليهما، التفت النجم بلال الصغير إلى فرقته الموسيقية مبتسماً إعجاباً بهذه الطلة، وأشار لهم بيده لتغيير الإيقاع فوراً لتتويج هذا المشهد. وبمجرد أن خطت العروستان أولى خطواتهما الملكية داخل القاعة، انطلقت ألحان أغنية "لالة لعروسة" بإيقاعها الهادئ والعميق الذي يحرك الوجدان.
رفع بلال الصغير الميكروفون، وبصوته الشجي والدافئ، صدح بتلك الكلمات الساحرة التي تلامس القلوب، مردداً:
"بريشة ملاك تكتّب مكتوب... يا ولاقى بين دروب" "يا وجمع بين القلوب... يا وجمع بين الروح"
وبينما تتقدم حنين وحنان بخطوات متزنة ورشيقة جنباً إلى جنب، والقطيفة السوداء بخيوطها الذهبية تعكس الأضواء مع كل حركة، ارتفع إيقاع الأغنية ليغني بلال المقطع الذي أشعل القاعة:
"وهايلي يايلي... وكاس البلار منك غار" "وهايلي يايلي... وكلشي بزينك جاب لخبار" "ولالة لعروسة... واليوم جاك سيد الناس" "ولالة لعروسة... وجاي يديرك فوق الراس
"بهت الحضور تماماً أمام هذه الطلة الملكية المزدوجة التي دمجت بين الفخامة والجمال العربي الأصيل. اتسعت عينا مازن بصدمة كوميدية وانبهار شلّ حركته، فمال على ياسين الذي كان هو الآخر يبتسم بفخر عارم وانبهار أذاب صرامته، وهمس مازن بالعامية المصرية:
— "إيه ده يا ياسين؟ أنا نظري ضعف ولا أنا شايف اتنين؟ إيه الجمال المزدوج اللي بيضرب في الوش ده؟ أنا حاسس إني في حلم مش عايز أصحى منه.. الجمال ده مش قانوني يا صاحبي، قسماً بالله مش قانوني!"

تمايلت القاعة بأكملها مع هذا المزيج الساحر، وتعالت الزغاريد الجزائرية المدويّة من كل حدب وصوب لترافق إيقاع الأغنية. لقد اكتملت اللوحة تماماً؛ تناغمت فخامة المخمل والذهب مع رقة وعذوبة كلمات "لالة لعروسة"، في مشهد مهيب واستثنائي سيبقى محفوراً في ذاكرة كل من حضر ليلة العمر.
نهض ياسين بهيبته المعتادة وتقدم نحو حلبة الرقص ليستقبل ملكته. أمسك بيد حنين متأملاً التناقض الساحر بين خجلها الرقيق الطاغي وفخامة الكاراكو الأسود والذهبي الذي أضفى عليها هيبة الملكات، وهمس لها وعيناه تلتهمان تفاصيل وجهها:
— "إيه الجمال المرعب ده يا حنين؟ الأسود والدهبي عليكي عملوا فيا جناية.. إنتِ خطفتي عقلي وروحي باللبس ده."
ابتسمت حنين بفخر واعتزاز بأصلها، وقالت بصوتها الجزائري الناعم:
— "هادا الكاراكو العاصمي يا ياسين.. لبسة الهمة والشان عندنا في الدزاير، وحبيت أنا وحنان نكونو كيف كيف اليوم، باش نفرحوا قلب ماما زليخة ونوروا للناس قاع همة اللبسة نتاعنا."
ولم تقتصر المفاجأة على الكاراكو؛ فخلال الحفل، توالت الإطلالات المبهرة للأختين كنسختين متطابقتين سلبتا العقول. ظهرتا بـ "الشدة التلمسانية" الأثرية الثقيلة باللؤلؤ والمجوهرات المتراصة والتاج الشامخ، حيث تقدم ياسين ليحيط خصر حنين بذراعه الصلب ليسندها تحت ثقل اللباس، وهمس في أذنها بشقاوة محببه: "لو المجوهرات دي كلها تقيلة على جسمك الرقيق، أنا مستعد أشيلك إنتِ والمجوهرات طول العمر وماتعبش ثانية واحدة."
ثم ظهرتا بـ "الجبة القبائلية" بألوانها النابضة بالحياة والمزينة بالفضة الأمازيغية العتيقة، وصولاً إلى "الفرقاني القسنطيني" المصنوع من القطيفة العنابية والمطرز بخيوط الذهب (الفتلة)، والذي برز أنوثة حنين الطاغية المحتشمة، وجعل ياسين يعض على شفته السفلية غيرةً من نظرات الانبهار التي لاحقتها من الحضور، متمنياً أن ينتهي الحفل في تلك اللحظة ليغلق عليها أبوابه.
بينما كانت التصديرة تشعل الأجواء، كان هناك زلزال آخر يحدث في الجانب المقابل من القاعة. مازن لم يعد قادراً على السيطرة على مشاعره وهو يرى حنان تتبختر بكل تلك الأناقة والدلال. في منتصف الحفل، وعندما توجهت حنان نحو ممر جانبي هادئ خلف الأعمدة الكريستالية لتعديل تاج "خيط الروح"، تفاجأت بظل ضخم يحاصرها.
التفتت لتجد مازن يقف أمامها، وعيناه تشتعلان بشغف وجنون لم يعد قادراً على كبحه. أسند ذراعه القوية على الحائط خلفها، محاصراً إياها برفق ، واقترب منها حتى اختلطت أنفاسهما اللاهثة، وقال بصوت  مبحوح:
— "إنتِ ناوية على إيه يا بنت الناس؟ النهارده إنتِ بتعذبيني بالبطيء! كل فستان بتلبسيه بيخليني عايز أطرد المعازيم دول كلهم، وآخدك من إيدك  دلوقتي حالاً! أنا فقدت عقلي خلاص يا حنان.. ارحمي قلبي شوية، أنا مش ياسين الحكيم جبل الجليد، أنا خلقي ضيق وممكن أخطفك دلوقتي وأهرب بيكي!"
رفعت حنان حاجبها الأسود المصقول، وتلاقت عيناها الجريئتان المليئتان بالتحدي بعينيه، وابتسمت بشقاوة ودلع  خالص أطاح بما تبقى من ثباته. مدت يدها الرقيقة وعبثت بياقة قميصه الفاخر ببطء وجرأة مفاجئة، وقالت بلهجته مفعمة بالغنج:
— "واش بيك يا مازن؟ واش بيه قلبك الرهيف طاح من أول كاراكو؟ هادي غير التصديرة نتاع العرس، مزال ما شفت والو يا سيدي! لازم تصبر وتتعلم الصبر، ولا الدزايريات واعرات بزاف   ومتقدرش عليهم؟"
اقترب مازن أكثر حتى لم تعد تفصلهما سوى مليمترات، وقال وهو ينظر لشفتيها:
— "واعريين؟ ده أنتم دمار شامل وقنبلة موقوتة! بس وقسماً بالله، أنا قد الواعر . إنتِ بتاعتي يا حنان، فاهمة؟"
ضحكت حنان بصوت أنثوي رنان، وبحركة خاطفة وسريعة كالغزال، طبعت قبلة رقيقة ومفاجئة على شفتيه، ثم أفلتت نفسها  من بين ذراعيه وركضت بخفة وهي تلتفت إليه بدلال : "مالا ورينا شطارتك يا مازونا!"، تاركة إياه متصلباً في مكانه، يضع يده على موضع قبلتها بذهول، وابتسامة بلهاء ترتسم على وجهه وهو يهمس : "يخرب بيت جنونك.. بس وربنا لتدفعي تمن المرمطة دي غالي أوي في بيتنا!"
وفي تلك الأثناء، عاد بلال الصغير ليمسك الميكروفون مجدداً، وأشار لفرقة العزف ليتغير الإيقاع إلى موسيقى الرأي الحماسية السريعة التي تزلزل القلوب. غنى رائعته الرومانسية الكبرى "قصة غرام"، موجهاً كلماته مباشرة للعروسين وسط الساحة:
"فرحت منين ربي كتبني ليك... عرفت النسا بصح نتي unique...
تكوني معايا... انا نصلي ونتيا مورايا...
نعيش معاك قصة غرام... c'est à dire ma femme...
تستاهلي ندير معاك livret de famille... كل صباح نشوفك ڨدامي..."
وفي منتصف الأغنية، وعلى طريقة أعراس الرأي الجزائرية الأصيلة التي تشعل الحماس في الصدور، أوقف بلال العزف لثانية، وصرخ عبر الميكروفون بكلمات تشجيعية (ديديكاس) هزت القاعة:
— "أيا تو لموند معايا! وهذي في خاطر العرسان الغاليين... في خاطر ياسين ومازن... وحرمهم المصون! واللي يبغينا ويبغي العرسان يبان هنا ويزيد في التصفيق!"
اشتعلت القاعة بالمعنى الحرفي للكلمة! كسر الوفد الدبلوماسي الجزائري وقاره الرسمي وبدأوا بالتصفيق الحاد والرقص، بينما اندفع مازن وحنان إلى وسط ساحة الرقص. حاول مازن تقليد رقصة الظهر والكتف الجزائرية الشهيرة على إيقاع الراي بشكل كوميدي وحماسي أضحك الجميع، بينما كانت حنان ترقص أمامه بخفة ودلال، وتصلح له حركاته وهي تضحك قائلة : "لا لا يا مهبول! مش هكذا، أرواح نوريلك كفاش يشطحو الرأي درك!".
حتى ياسين، تخلى عن صرامته الأسطورية، وشارك حنين الرقص وسط هتافات أصدقائهما ورجال الأعمال، لترتسم لوحة فنية رائعة امتزجت فيها خفة الدم المصرية بالشهامة والأصالة الجزائرية، في زفاف سيبقى محفوراً في ذاكرة القاهرة لسنوات طويلة.
وبعيداً عن صخب الشباب وسط ساحة الرقص، كان عبد المعز يقف مع أمينة في زاوية هادئة ومظلمة قليلاً بالشرفة الزجاجية الفاخرة التي تطل على القاعة، يراقبون سعادةالعرسان بابتسامة رضا عميقة تملأ وجهيهما. التفت عبد المعز إلى أمينة، ولمعت عيناه بشقاوة وجرأة  لم تفارقه قط رغم الشيب الذي زين صدغيه. وبحركة مباغتة وحاسمة، مد يده القوية وأحاط خصرها برفق، ساحباً إياها إليه ليلتصق ظهرها بصدره العريض تماماً ، بعيداً عن أعين المتطفلين في القاعة.
شهقت أمينة بخجل   وحاولت التملص منه قليلاً وهي تهمس بارتباك  وتتلفت حولها بنظرات قلقة:
— "عبد المعز! إحنا في وسط الناس، والولاد ممكن يشوفونا.. كبرنا على الحركات دي وعيب في سننا وقدام ضيوفنا!"
ضحك عبد المعز بصوته الرخيم ، وانحنى ليهمس بجوار أذنها بنبرة م محملة بعبق ذكريات عشقهما الملتهب الذي لم يشب أبداً:
— "كبرنا إيه بس يا أمينة؟ ده أنا كل ما بشوفك بحس إني لسه الشاب الطايش اللي خطفك من الدنيا كلها وتحدى العالم عشانك. الجمال ده كله بيحلي كل يوم أكتر من اللي قبله."
ثم أدارها ببطء لتواجهه، ونظر في عينيها بلمعة ماكرة   أذابت أطرافها، وتابع بصوت خافت ومثير:
— "بقولك إيه.. الولاد اتجوزوا وشايفين حياتهم خلاص وطاروا من العش، ما تيجي نعيد أمجادنا إحنا كمان؟ نسيب لهم القصر والشركة يكسروا فيها براحتهم، ونخطف بعض ونسافر نعمل شهر عسل جديد.. إنتِ وحشتيني، وعايزك ليا لوحدي بعيد عن دوشة العيال دي كلها والمسؤوليات."
احمرت وجنتا أمينة كفتاة في العشرين، وضربته بخفة ودلال على صدره العريض وهي تضحك بقلبٍ نابض بالحب والخجل  :
— "أنت مجنون يا عبد المعز! ومفيش فايدة فيك طول عمرك، دايماً بتعرف تثبت كلامك!"
أمسك يدها الرقيقة التي ضربته بها وقبل باطن كفها برقة، وأجاب وعيناه تفيضان بالهيام:
— "مجنون بيكي من يوم ما شفتك.. جهزي شنطتك النهارده بالليل، عشان تذاكر إيطاليا محجوزة أصلاً، والطيارة الخاصة مستنيانا بكرة الصبح."
انتهى الحفل الأسطوري مع بزوغ الخيوط الأولى للفجر. ودعت حنين شقيقتها حنان والخالة زليخة بدموع الفرح وعناق طويل مليء بالمشاعر، قبل أن يتوجه بها ياسين نحو الدرج الداخلي الضخم المؤدي للجناح الملكي. ولم ينتظر ياسين أن تمشي بخطواتها المتعبة بفعل فساتين التصديرة الثقيلة؛ بل انحنى فجأة وحملها بين ذراعيه القويتين وسط شهقتها المفاجئة وخجلها.
حاولت النزول وهي تهمس بلهجتها العذبة: "ياسين.. تعيش خليني ننزل، الناس تشوفنا!"، لكنه أجابها بنظرة حاسمة وعميقة ومصرية: "الناس مشيوا.. وإنتِ خلاص بقيتي في مملكتي، ومحدش ليه كلمة عليكي غيري."
صعد بها الدرج وفتح الباب الخشبي العتيق المنحوت يدويًا، ليدخلا إلى الجناح الملكي. كان الجناح يغمره ضوء الشموع الدافئ الخافت، وتفوح في أرجائه رائحة اللافندر والفانيليا المهدئة للأعصاب، بينما غُطيت الأرضية الحريرية ببتلات الورد الأحمر القاني. بمجرد أن أُغلق الباب الثقيل خلفهما، عُزلا تماماً عن العالم الخارجي؛ انقطع ضجيج المهنئين، ولم يعد يُسمع في المكان سوى صوت أنفاسهما المتسارعة ونبضات قلوبهما.
أنزلها ياسين برفق في منتصف الغرفة. وقفت حنين بفستانها الأبيض، تتنفس بارتباك وترتجف كعصفور بلله المطر، يمتزج داخلها تعب اليوم الخرافي بخجل أنثوي شديد من اللحظة الحالية. التفت إليها ياسين، ولم يندفع نحوها بشهوة عمياء، بل ظهرت في عينيه تلك الرحمة والوقار التي تميز الرجال الحقيقيين. اقترب منها، وأمسك يديها الباردتين المرتجفتين بين كفيه الدافئين، ونظر في عينيها وقال بصوت عذب، عميق يملأه الأمان المصري:
— "حنين.. حبيبتي. إحنا عشنا أيام صعبة وتحدينا حاجات كتير عشان نوصل للحظة دي. وقبل ما نبدأ أي حاجة في حياتنا الجديدة تحت سقف واحد، وقبل ما نكون لبعض، لازم نكون لله. عايز نبدأ ليلتنا برضا ربنا سبحانه وتعالى، عشان يبارك في جوازنا ويحفظك ليا طول العمر وميحرمنيش منك أبداً. هنيئاً ليا بيكي كزوجة، ويشرفني نكون مع بعض في الحلال."
نظرت إليه حنين، وفي تلك اللحظة بالذات، ذابت كل مخاوفها وتبخر ارتباكها، وحل محله فيضان من الحب والسكينة والامتنان لهذا الرجل الذي يقدم رضا الله على كل شيء. أومأت برأسها بدموع تلمع في عينيها وقالت بالدرجة الجزائرية:
— "نعام يا راجلي.. هادا هو الصح."
ساعدها ياسين برفق شديد وحنانه المتناهي في فك طرحة الزفاف ومجوهراتها الثقيلة التي أرهقت كاهلها. توجهت حنين نحو الحمام وتوضأت، وارتدت إسدال الصلاة الأبيض الحريري الساتر الذي أضفى عليها نوراً فوق نورها، بينما نزع ياسين سترته السوداء وفك أزرار قميصه العلوية وتوضأ هو الآخر.
وقف ياسين في مقدمة الغرفة متجهاً نحو القبلة، ووقفت حنين خلفه بخطوة، في مشهد يجسد أسمى معاني السكن والمودة. كبّر ياسين بصوته الرخيم العميق، وبدأ في الصلاة. كان يقرأ القرآن بترتيل يملأ الغرفة خشوعاً وسكينة. كانت حنين تصلي خلفه وقلبها يخفق بالحمد والشكر لله الذي عوض صبرهما خيراً.
وما إن سلّم ياسين عن يمينه وشماله، حتى التفت إليها. تقدم نحوها وهو لا يزال جالساً على سجادة الصلاة، واقترب منها حتى دنت جبهتها من صدره. رفع كفه العريض والدافئ، ووضعه برفق على مقدمة رأسها (ناصيتها)، وأغمض عينيه واستحضر كل صدق مشاعره، ودعا بالدعاء المأثور بصوت متهدج من فرط التأثر:
— "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه... اللهم بارك لي في زوجتي واجعلها مباركة عليّ، واجعلني مباركاً عليها.. اللهم اجعلها لي سكناً واجعلني لها سكناً، واجمع بيننا في خير وصلاح."
لم تتمالك حنين نفسها، وانهمرت دموعها بصمت وسكينة، دموع أمان خالص انزاح معه ثقل السنين والغربة. انحنى ياسين ومسح دموعها بإبهامه بحنان بالغ، ثم قبل جبينها قبلة عميقة وطويلة استمرت لثوانٍ، كأنها ختم ميثاق غليظ لا ينفصم. نهض ياسين، وغمز لها بابتسامة رجولية لعوب ممتلئة بالشغف والوسامة وقال بمصرية ماكرة:
— "أنا هدخل أغير هدومي دي.. ولما أخرج، أتمنى ألاقي ملكة قصر الحكيم استغنت عن الخجل الجزائري ده شوية.. الأكياس اللي جبناها من المتجر في باريس موجودة جوه على السرير.. وأنا زي ما إنتِ عارفة، مبحبش الانتظار خالص."
دخل ياسين إلى الحمام، وهنا، وقفت حنين في منتصف الغرفة تنظر لأثر خطواته. شعرت فجأة بجرأة غريبة تسري في عروقها، وقررت أن تلقي بكل مخاوفها وخجلها خلف ظهرها. الليلة هي زوجته شرعاً وقانوناً أمام الله والعالم، وهذا الرجل استحق أن يرى منها الأنثى التي خبأتها عن عيون الجميع.
توجهت نحو السرير، وفتحت الأكياس الفاخرة. اختارت طقم الحرير الأسود؛ قميص نوم قصير ومثير من الحرير الخالص، ينساب على جسدها بتفاصيل   تبرز مفاتنها ونعومة بشرتها البيضاء، ومعه رداء (روب) شفاف من الدانتيل الناعم ينسدل على كتفيها. خلعت إسدال الصلاة، وارتدت الطقم، ثم فكت خصلات شعرها البني الطويل الكثيف، ليتناثر على ظهرها وكتفيها كشلال حريري ليلي جذاب. وضعت لمسات سريعة من عطرها الفرنسي الساحر برائحة المسك والفانيليا النفاذة، ورشت منه على عنقها ونحرها.
ولزيادة أجواء الإثارة والجرأة، توجهت نحو نظام الصوت الذكي في الغرفة وشغلت موسيقى "راي" هادئة جداً ورومانسية، إيقاعها بطيء ودافي ينبض بالشغف. وقفت في منتصف الغرفة، وبدأت تتمايل بخفة دلال قاتل مع الموسيقى، وعيناها مثبتتان على باب الحمام.
انفتح الباب، وخرج ياسين. كان يرتدي بنطالاً قطنياً مريحاً باللون الرمادي فقط، تاركاً صدره العريض وعضلات بطنه المقسمة والبارزة عارية تماماً، وشعره الأسود مبللاً بالماء. توقف ياسين في مكانه كمن صُعق ببرق. تيبست أطرافه واتسعت عيناه بصدمة وانبهار تام؛ لم يكن أمامه الفتاة الخجولة المرتجفة التي يعهدها، بل كان يقف أمام أنثى طاغية الفتنة، تتلوى بدلال وغنج أطاح بكل ذرة عقل في رأسه. قميص الحرير الأسود وشعرها المنسدل وعطرها الذي ملأ الغرفة خلقوا مزيجاً مدمراً للحواس.
— "واش بيك يا ياسين؟ حبست في بلاصتك كأنك شفت جنّ؟"
قالتها حنين بنبرة صوت مفعمة بالغنج والدلال والجرأة ، وهي تنظر إليه بعيون ذابلة ومشتعلة بالتحدي، وبدأت تتقدم نحوه بخطوات بطيئة، مستغلة تأثير أنوثتها عليه.
بلع ياسين ريقه بصعوبة بالغة، وشعر بدماء جسده كلها تفور وتتجه نحو عروقه، وعيناه تلتهمان كل تفصيلة في جسدها كوحش كسر أقفاص جوعه، وقال بصوت مبحوح، لاهث، يكاد يخرج من صدره:
— "إنتِ.. إنتِ بتعملي فيا إيه؟ إيه الجرأة والدلع ده كله؟ إنتِ نويتي على موتي الليلة دي يا حنين؟ الحشمة راحت فين؟"
وصلت حنين إليه حتى أصبحت تقف أمامه مباشرة، وشعرت بحرارة جسده الطاغية تلفحها. رفعت ذراعيها النحيفتين ببطء، ولفتهما حول عنقه العريض، ووقفت على أطراف أصابع قدميها لتقترب من أذنه، و لامست شفتيها الدافئتين شحمة أذنه بأنفاس حارة ومثيرة، وهمست بنعومة تذيب الحجر:
— "بعيد الشر على راجلي وحبيب قلبي من الموت.. أنا غير حبيت نوريلك بلي جبل الجليد نتاعك أنا لي نذوبو بيديا الليلة.. وبلي حنين مش غير حشمة وخجل وخوف.. حنين أنثى كاملة خلقت من ضلعك، وتخلق ليك إنت برك .. واش ما عجبكش الزين نتاعي الليلة يا سيدي؟"
انقطع في تلك اللحظة آخر خيط من خيوط السيطرة الأسطورية لياسين الحكيم. تلاشت كل الحصون، وانهارت القوة والبرود أمام هذا الطوفان. زمجر ياسين بصوت خفيض وعميق كزئير أسد استسلم لآسرته، وبحركة عنيفة ومفاجئة، لف ذراعيه القويتين حول خصرها النحيل، وسحبها إليه بقوة كاسحة حتى التصق جسدها الناعم بصدره العاري.
انحنى وانقض على شفتيها الكرزيتين في قبلة عنيفة، شغوفة، وعميقة جداً؛ قبلة اختصرت جوع وحرمان شهور طويلة من الانتظار، قبلة تملك واحتواء تلتهم كل ذرة في كيانها. تفاجأت حنين بجنون قبلته، لكنها لم تتراجع؛ بل تخلت عن آخر قيودها وتجاوبت معه بإحساس طاغٍ زاد من جنونه، تخللت أصابعها الرقيقة في خصلات شعره الكثيف المبلل وهي تضمه إليها أكثر وتئن بنعومة تحت سيطرته الفتاكة.
لم يكتفِ ياسين بالشفتين، بل أخذ يطبع قبلاته الساخنة والمتلاحقة على طول فكها وعنقها، هابطاً بنهم نحو نحرها، وهمساته اللاهثة تخرج بين القبلات:
— "إنتِ دمرتيني يا حنين.. مفيش جليد ومفيش عقل ومفيش حد في الكون ده كله دلوقتي غيري أنا وإنتِ.. الليلة دي ليلتي أنا وبس."
وبحركة سريعة ومباغتة، انحنى وحملها بين ذراعيه بالكامل كأنها لا تزن شيئاً، دون أن يقطع اتصاله وجنونه  معها. توجه بها بخطوات لاهثة نحو السرير الوثير، وألقاها برفق فوق الحرير الناعم المتناثر عليه بتلات الورد، واعتلاها في ثانية واحدة، مستنداً بذراعيه القويتين بجانب رأسها، محاصراً إياها بجسده الضخم.
نظرت حنين إلى عينيه الصقريتين اللتين كانتا تلمعان بعشق وهيام غير محدود، ورأت وجهه يتصبب عرقاً من فرط مشاعره. ابتسمت بدلع ومدت يدها لتمسح جبهته، فقبّل كفها بعمق، ثم انحنى ليبدأ فصلاً جديداً من الانصهار؛ تلاقت الأجساد والأنفاس في رقصة عشق مقدسة وعنيفة، حيث غاب العالم الخارجي تماماً، وانغلقت الأبواب على حكاية عشق سيخلدها قصر الحكيم، حكاية أثبتت أن الأسد الطاغية لا ينحني إلا لملكة ملكت وريده، وأن الخجل  إذا ذاب.. تحول إلى بركان من الشغف لا ينطفئ أبداً.
ومع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تتسلل عبر شقوق الستائر المخملية للجناح، كان الهدوء يسكن المكان، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما الهادئة المتناغمة، حيث غفت حنين داخل حضن زوجها وحبيبها ، يحيطها بذراعيه كأثمن كنز يملكه في الوجود، واضعاً ذقنه فوق رأسها، وعيناه مفتوحتان يتأمل وجهها الملائكي في نومها، هامساً بوعد أبدي: "وعد عليا يا روحي.. هخلي كل أيامك الجاية  فرح. وسعاده. ربنا يخليكي ليا يا ملكة قلبي."
بعد أن انفض الحفل وغادر آخر المدعوين، كان مازن في حالة غليان من نوع خاص. لم يستطع منذ انتهاء الحفل أن يرفع عينيه عن حنان، التي كانت تلمع جمالاً . سار خلفها بخطوات واثقة حتى دخلا جناحهما الخاص. وبمجرد أن أغلق الباب خلفهما، لم ينتظر مازن أي مقدمات؛ ألقى بـ "الجاكيت" الخاص بحلته بعيداً، وخلع ربطة عنقه بحركة عصبية تدل على مدى توتره وشوقه.
كانت حنان تقف في وسط الغرفة بفستانها الأخير من التصديرة، وتنظر إليه بتحدٍّ وابتسامة خجولة، لكنها قوية. اقترب مازن منها ببطء، وعيناه لا تفارقان عينيها، حتى حاصرها بينه وبين طاولة الزينة المذهبة. وضع يديه على طرفي الطاولة، محيطاً إياها بجسده، وقال بصوت خافت ومبحوح:
— "أخيراً.. بقيتي لوحدك معايا. كان ناقص يغمى عليا وأنا بشوف نظرات الناس ليكي طول اليوم. كنت عايز أقول لكل واحد فيهم: 'دي مراتي أنا.. دي ملكي أنا'، بس الحمد لله إني مسكت أعصابي."
ضحكت حنان بخفة، وقالت بدلال :
— "وواش كان حا يصرى لو قلتها؟  "
اقترب مازن أكثر حتى لم تعد تفصلهما سوى أنفاسهما، وقال:
— "كنت هعمل أكتر من كده! أنا مازن عبد الرحيم، مفيش حد بيشاركني في اللي بحبه.. وإنتِ، بقيتي أغلى ما عندي في الدنيا."
مدت حنان يدها برقة، ولامست ذقنه، قائلة بنبرة مليئة بالحنان والجرأة:
— "يا مجنون.. راني هنا، وراني ليك برك. ما كانش سبب للغيرة هادي كامل."
لم يعد مازن قادراً على الصبر، انقض عليها بقبلة طغت عليها مشاعر الشوق والتملك، قبلة كانت بمثابة إعلان رسمي لبداية حياتهما المشتركة. ابتعد عنها قليلاً وهو يلهث، وهمس بابتسامة غامزة:
— "إنتِ عارفة إن الليلة دي مش هتعدي بالساهل؟ أنا بقالي شهور بحلم باللحظة دي، وبحلم باليوم اللي أشوفك فيه مراتي رسمي."
حاولت حنان أن تتملص بخجل، لكنه شدد من قبضته حول خصرها، ونظر إليها بعينين تشتعلان بالحب والجنون:
— "لا يا ست الحسن، مفيش هروب. النهارده، حنان الجزائرية لازم تعرف إن مازن المصري مش بس بيهزر، ده بيعشق بجنون."
حملها مازن بين ذراعيه وسط ضحكاتها الخجولة، واتجه بها نحو السرير الذي نُثر عليه الورد. ومع كل حركة، كان يهمس لها بكلمات الغزل التي لم يسبق له أن قالها لأحد، كلمات خرجت من قلب رجل وجد ضالته أخيراً.
لم تكن ليلتهما مجرد ليلة زفاف تقليدية، بل كانت رقصة عشق فريدة امتزج فيها جنون كبرياء حنان بتهور مازن، وتحولت الغرفة إلى عالم خاص بهما، حيث لا وجود للجمهور، ولا للكاميرات، ولا للتحديات. فقط هو وهي، في حكاية حب بدأت بالشقاوة، وانتهت بعهد أبدي بالبقاء معاً، ليبدأ "مازونا" - كما تحب أن تسميه - حياته الحقيقية مع ملكة قلبه الجزائرية.

تعليقات



<>