
رواية زينة اسد الصعيد الفصل الثامن عشر18بقلم فاديه النجار
مرت أيام ثقيلة على الكل، حتي مر حدود شهرين
اتخلطت فيها مشاعر الارتياح بعد ما حق زينة رجع وبنتها شفت بعد نقل النخاع هي وخالها والحج حماد، بمرارة الأسى والشرخ اللي عملته الچريمة في العيلة، الچريمة اللي كانت رقية السبب فيها من زمان.
الحاج حماد خرج من المستشفى بعد ما حالته تحسنت والأطباء سمحوا له يرجع السرايا، أما الطفلة الصغيرة لين فتنقلت لقسم الرعاية اللاحقة بعد ما مؤشرات جسمها بدأت تبشر بإنها تقبلت نخاع العظام اللي اتبرع بيه خالها مروان.
الابتسامة اترسمت لأول مرة من سنين على وش زينة، بس كان فيه حزن استخبى في نظراتها كل ما عينها تيجى على أسد.
أما أسد... فكان بيمر بأصعب فترة في
حياته. ساكت، شايل فوق كتافه تقْل يهد جبال. بيبعد بعينه عن الكل كسرة وإحراج، وقاضي أغلب وقته بين متابعة أرضه وبين إنه يطمن على حالة عمه من ورا الأبواب.
كان الجو حر وناشف، والهوا بيطير التراب في كل مكان. وقفت عربية أسد قدام المبنى الخرساني الكبير اللي أسواره عالية ومتغطية بالسلك الشائك.
نزل أسد من العربية بخطوات تقيلة كأنه بيجر سلاسل حديد. كان لابس جلابية غامقة، ووشه دبلان ودقنه خفيفة كبرت من قلة النوم والأرق.
وقف لحظة قدام باب الزيارة، غمض عينه وأخد نفسه بصعوبة. لقاء أمه مكنش سهل أبداً، ده كان اختبار بيقطع روحه بين الواجب والدم والكسرة.
كمل الإجراءات الرسمية، ولحد ما قاده واحد من الحراس في ممرات ضيقة ورطبة ريحتها جير ومطهرات، لحد ما وصل بيه لغرفة الزيارات المقفولة. الغرفة كان فيها ترابيزة خشب
عريضة مقسومة بحاجز سلك، وكرسيين قصاد بعض.
قعد أسد على الكرسي الخشب، وفضل يفرك في رجله بتوتر وصدره يعلى ويهبط. وبعد كام دقيقة... اتفتح الباب الحديد، ودخل الحارس رقية الهواري!
كانت صدمة كبيرة لأسد أول ما شافها؛ رقية اللي كانت بتلبس أحسن الهدوم وتتمشى في السرايا برأس مرفوعة وكبرياء ميتطاقش، بقت لابسة الهدوم البيضا الخشنة بتاعة الحبس الاحتياطي. وشها أصفر، وتحت عينها هالات سودا غريقة، وجسمها خَسّ نص وزنه في أيام قليلين.
وقفت رقية عند الباب، وبصت لأسد.. اتلاقت العيون في صمت ېقتل، صمت أطول من السنين. مكنش في عين رقية أي ندم، كان فيها غل وقسۏة ونظرات اتهام توجع القلب.
قعدت على الكرسي اللي قصاده، وحطت إيديها المكلبشة على الترابيزة كحركه مكشوفه لتذيد ۏجع القلب علي اسد لما وصلت ليه
صمت أسد مأطولش،
واتكلم بصوت واطي ومبحوح ومحروق من الۏجع
أسد إزيك يا... يا أمة؟
ضحكت رقية ضحكة ناشفة وساخرة هزت الغرفة الضيقة، وقالت بنبرة بتنقط سم
رقية أمة؟! لسه فاكر إن لك أمة يا أسد؟ لسه فاكر الكلمة دي بعد ما رميتني في التخشيبة بين المجرمين والقتالين؟! بعد ما لبستني الكلبشات بإيدك وسلّمتني للشرطة كأنك بتسلم عدوك لا والله عفارم عليك ؟!
غمض أسد عينه بقوة، وقال بصوت طالع بالعافية من بين سنانه من كتر القهر
أسد أنا مسلمتش أمي.. أنا سلمت المچرمة! أنا سلمت الشيطان اللي دخل بيتنا ودمر حياة عيلة كاملة وحرم طفلة من حضڼ أمها سبعتاشر سنة! أنتِ اللي عملتي كده في نفسك يا رقية هانم.. أنتِ اللي اخترتي الطريق ده لما افتكرتي إن السړقة والخطڤ والقتل ممكن يعدوا من غير حساب!
ضړبت رقية بإيدها المكلبشة على الترابيزة بحدة، وصوت
السلاسل يرن في الغرفة
رقية