رواية اولاد الباشا الفصل التاسع عشر19بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل التاسع عشر19بقلم شيماء منير

الباب الزجاج بتاع الطوارئ اترزع بعنف ودخلوا رجال الإسعاف بيجروا بنقالة حديد بتزيّ سرعة جنونية. فوق النقالة كان مرمي وهو غرقان في دمه قميصه الأبيض اتقطع وبقعة الدم في بطنه بتوسع بشكل يرعب بتنقط على الأرض وتعمل خط أحمر وراهم.... المسعف كان حاطط إيديه الاتنين فوق الجرح وبيدوس بكل عزم فيه عشان يوقف النزيف وهو بيصرخ في الدكاترة بصوت مبحوح: حالة طعنة نافذة في البطن يا دكاترة ...النبض بيقع مننا...الممرضات اتلموا في ثانيةوبدأت أجهزة القياس تصفر ورا بعضهافي الوقت اللي كان هو فيه بيرمي راسه لورا عينه زايفه وبتبص لسقف المستشفى بذهول وكأنه مش مستوعب إيه اللي جابه هنا لحد ما اختفت النقالة ورا ستارة أوضة العمليات وقفلوا الباب وراهم..

وقفت أمام غرفة العمليات ترتجف، دموعها تنهمر بغزارة ورعب ينهش قلبها. كانت عاجزة، مشلولة التفكير، والفكرة الوحيدة التي تتردد في رأسها كالمطرقة هي أنها قد تكون السبب في إنهاء حياة إنسان بريء لا ذنب له، فقط لأنه تصدى لإنسان مجرم تخلى عن كل معاني الإنسانية.

قطعت حبل أفكارها الممزقة نغمة رنين متتالية.. كان هاتف آسر.

نظرت إلى الشاشة برعب تضاعفت معه دقات قلبها عندما قرأت الاسم المكتوب: (ماما).

تزايد بكاؤها واختنق صوتها، وعجزت عن التفكير في الكلمات التي يمكن أن تقابل بها الأم. انقطع الرنين لثوانٍ، لكن الهاتف عاد ليعلن عن اتصال ثانٍ بإلحاح.

جففت دموعها بكفيها المرتعشتين، واتخذت قرارها الصعب.. يجب أن يعلم أهله بما حدث.

ضغطت على زر الرد، وقالت بصوت مبحوح، مرتجف ويكاد لا يُسمع:

— ألو..

جاءها صوت الأم، منال، بنبرة مستغربة ومتشككة:

— مين؟

ابتلعت رحمة غصتها، وقالت بتوتر يحمل كل علامات الخوف:

— أنا.. أنا رحمة، زميلة آسر في الشغل يا طنط.

انقبض قلب منال غريزياً، وهتفت بقلق مفاجئ:

— آسر؟ آسر فيه حاجة؟!

حاولت رحمة كتمان شهقاتها والتماسك قدر المستطاع، وقالت محاولة التهدئة:

— في الحقيقة.. هو تعب شوية ونقلناه المستشفى، بس متقلقيش يا طنط، هيكون كويس إن شاء الله.

سقطت الكلمات على الأم كالصاعقة، فصرخت بفزع ونبرة مرعوبة:

— مستشفى إيه؟! وابني ماله؟! حصل له إيه؟!

— حضرتك متقلقيش.. والنبى متقلقيش، هيبقى كويس.

— بقولك مستشفى إيه يابنتي؟؟

في تلك اللحظة، اقتربت الابنة يمنى من والدتها بعد أن لاحظت شحوب وجهها، وسألت بوجل:

— في حاجة يا ماما؟ فيه إيه؟

أملت رحمة عليها اسم المستشفى بسرعة، فالتفتت منال لابنتها بذهول وهي تهمس بضياع:

— أخوكي في المستشفى يا يمنى!

شحب وجه يمنى وهتفت بفزع:

— ليه؟! إيه اللي حصل؟!

كانت منال تبكي بحرقة وهي تخرج هاتفها لتبحث عن رقم زوجها خالد، وأجابت ابنتها بصوت مرتعش:

— مش عارفة.. مش عارفة! واحدة زميلته ردت عليا وقالت لي كده.

اتصلت بخالد وأبلغته بنبرة باكية، ثم أسرعت هي ويمنى لتبديل ملابسهما والاندفاع نحو المستشفى، بينما تحرك خالد من جهته ليلحق بهما هناك.

في ممر المستشفى البارد، كانت رحمة ما زالت واقفة أمام باب العمليات المغلق، ودموعها تنساب بصمت وغزارة.

فجأة، انفتح الباب وخرج الأطباء، وتزامن ذلك مع وصول منال ويمنى وخالد الذين ظهر عليهم الإعياء والذعر.

أسرع خالد نحو أحد الأطباء، والذي صدف أنه صديق عمره الدكتور مراد.

هتف خالد بلهفة وصوت يرتجف:

— مراد! طمني يا مراد.. ابني عامل إيه؟

نظر إليه مراد بأسف وربت على كتفه مهدئاً:

— اهدى يا خالد.. ابنك كويس الحمد لله، أنا عرفته أول ما شفت اسمه على الملف.

سأله خالد بتوتر بالغ وعينين ملأهما الخوف:

— ماله؟ في إيه اللي جابه هنا؟

تنهد مراد بأسى وقال:

— جالي مطعون في بطنه.. وواضح جداً إنها نتيجة مشاجرة.

تراجع خالد خطوة للوراء بصدمة، بينما أطلقت منال صيحة فزع مريرة وهي تبكي:

— ابني!!

قال خالد بوجع شديد يشوبه الذهول وعدم التصديق:

— بس ابني مش بتاع الكلام ده! آسر عمره ما كان بتاع مشاكل وخناقات.. مين اللي يعمل معاه كده؟!

وضع مراد يده على كتف صديقه بحنو يحاول مواساته، فرغم أنهما صديقا عمر، إلا أن ظروف العمل جعلت كلاً منهما يعمل في مستشفى مختلف:

— اهدى يا صاحبي.. أكيد الشرطة هتحقق وتعرف كل حاجة. بس بجد احمد ربنا.. ابنك اتكتب له عمر جديد، كان جاي المستشفى وهو بين الحياة والموت.

أغمض خالد عينيه بألم وهمس:

— شكراً يا مراد.. شكراً. أنا عايز أطمن عليه، عايز أشوفه.

— هو في العناية المركزة دلوقتي، وأعتقد هيطول فيها شوية لحد ما حالته تستقر. بس يا ريت تنتظروا ومحدش يدخل له دلوقتي.. تحب تيجي ترتاح في مكتبي أنت والمدام والبنت؟

رفض خالد بهدوء حزين:

— لا.. شكراً يا مراد، هفضل هنا.

عاتبه مراد بلطف:

— إيه شكراً دي؟ احنا إخوات يا خالد.

— عارف يا صاحبي والله، بس خليني هنا شوية عشان أدخل له أول ما يسمحوا.. وأنت كمان روح ارتاح، أكيد مجهد من العملية.

— عموماً، شوية وهنطلع  مع بعض ندخل نطمن عليه.

تحرك مراد مغادراً الممر، بينما التفت خالد حوله بتوهان وضياع، وضم منال ويمنى اللتين انخرطتا في بكاء مرير وهما تتشبثان بحضنه.

وفجأة.. لمح خالد تلك الفتاة الواقفة في أحد الأركان، تنكمش على نفسها وتبكي بصمت مأساوي.

تطلع إليها بتركيز وسألها بصوت خفيض:

— أنتي اللي جبتيه هنا؟

ابتلعت رحمة ريقها بخوف شديد، وحركت رأسها إيجاباً دون أن تقوى على الكلام.

اقترب منها خالد، وتبعته منال ويمنى بخطوات بطيئة.

سألها خالد بنبرة هادئة لكنها تبحث عن إجابة:

— هو كان بيتخانق مع مين يا بنتي؟

نظرت إليهم رحمة بتردد وخوف، تتقاذفها الأفكار ولا تدري كيف تنطق بالحقائق.

سألتها منال من بين دموعها:

— أنتي زميلته اللي كلمتني في التليفون؟

أجابت رحمة بصوت متحشرج وباكٍ:

— آه.. أنا.

حثها خالد بهدوء:

— طيب إيه اللي حصل؟ قوليلي.

انفجرت رحمة في البكاء، وقالت بنبرة محملة بالذنب:

— في الحقيقة.. أنا آسفة، أنا السبب في كل اللي حصله ده!

اتسعت عيون الجميع بدهشة ممزوجة بالصدمة، فتابعت رحمة بنشيج مزق صدرها:

— هو.. هو كان بيدافع عني قصاد واحد مجرم حاول يتعرض لي.. ملوش أي ذنب في اللي حصل.

تلقى خالد الخبر بصدمة، وتراجع ببطء ليرتمي على أحد المقاعد بتعب وإنهاك شديدين، بينما انزوت منال في جانب الممر تبكي بحرقة وتستند على يمنى التي كانت تبكي هي الأخرى.

نظرت إليهم رحمة بذهول؛ كانت دموعها تنهمر وهي تتوقع منهم رد فعل عنيف، أو صراخاً وهجوماً عليها لأنها كانت السبب في أذى ابنهم، لكنها لم تجد منهم إلا انكساراً وأدباً جمّاً.

أعطاها موقفهم النبيل شعوراً أعمق بالذنب، فجلست على أحد المقاعد القريبة، ودفنت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة أكبر، مرعوبة من فكرة أن تزهق روح إنسان شهم دافع عنها دون أن يعرفها.

همست منال بنشيج يقطع القلب:

— أنا عايزة أشوف ابني يا خالد.. قلبي واجعني أوي عليه، لو جرى له حاجة أنا هموت وراه.

جذبها خالد إلى حضنه مجدداً وهو يحاول تثبيتها:

— اهدي يا منال.. اهدى يا حبيبتي، هخليكي تشوفيه وتطمني عليه. أنا متأكد إنه هيبقى كويس.. أنا عارف ابني كويس، عمره ما عمل حاجة غلط ولا أذى حد، وعشان كده ربنا مش هيتخلى عنه وهيقومه بالسلامة.

قالت منال برجاء حار:

— يا رب.. يا رب.

مسح خالد على رأسها وقال بيقين مكلوم:

— أيوه.. ادعي له، مفيش في إيدينا غير الدعاء.

ثم التفت إلى ابنته يمنى، وقال بنبرة مخنوقة بالدموع:

— ادعي لأخوكي يا يمنى.. ادعي له يا بنتي.

لم تتحمل يمنى الكلمات، فانفجرت في بكاء مرير وارتمت في أحضان والدها، الذي ضمها بقوة فائقة وهو يصارع دموعه الخاصة، محاولاً منعها من السقوط ليبقى متماسكاً من أجل عائلته

ـــــــــــــــــــــــــ

في احدى الساحات
 فارس وبنان اللي راح اخدها من الامتحان

بنان بلعت ريقها وصوابعها ابيضت من كتر ما هي ضاغطه على الدريكسيون. عيونها مبرقة ومثبتة على الطريق قدامها كأنها داخلة خناقة

فارس وبص لها وضحك بخفه على شكلها
في ايه يابت؟ اتنفسي.. العربية مش هتطير منك.. أنا مش عايز أحس إني قاعد جنب سواق لودر في مصلحة حكومية

بصت له بطرف عينها من غير ما تلف رقبتها وقالت بصوت مخنوق من التوتر:

أنت بتتكلم كدة عشان مش حاسس بيا انا خايفه اعمل مشكله او ادوس على حاجه غلط

فارس:انا جمبك متقلقيش
وابتسم ومال عليها شويةومد إيده وبراحة جداً حطها فوق إيدها المتشنجة على الدريكسيون... لمسة إيده الدافئه دي خلت نفسها يتخطف بس المرة دي مش من الخوف من السواقة

فارس: إرخ إيدك شوية.. همس بصوت واطي وقريب وبدأ يحرك أصابعها براحة وهو بيكمل: أنا جنبك ومستحيل أسيب حاجة تحصلك. يلا.. شيل رجلك من على الفرامل سنة سنة... بالراحة خالص

بنان وأخدت نفس طويل وحاولت تركز في اللي بيقوله بس قربه منها ورائحة برفانه اللي ملت العربية خلت التركيز في السواقة دي أصعب حاجة في الدنيا... العربية بدأت تتحرك ببطء شديد.

وفجأة.. ظهر كلب صغير بيعدي الطريق على بعد كام متر

فارس فرامل قالها بسرعة بس بهدوء

بنان من الخضة حست انها فقدت الذاكرة  وبدل ما تدوس براحةهبدت رجليها على الفرامل بكل عزمها العربية وقفت مره واحدة لدرجة إنهم اترموا لقدام ورجعوا لورا بخبطة جامدةوالموتور بطل والدنيا هديت خالص.. ومبقاش مسموع غير صوت أنفاسهم العالية.

 بنان بصت له وهي مرعوبة ووشها ميت لون

بنان بتوترأنا آسفه والله  بس اتخضيت

فارس:حصل خير..ركزي بس انا معاكي ياقلبي

بنان والخوف اختفى من وشها وحلت مكانه ابتسامة مكسوفة
فارس مد إيده وورا ودنها خصلة شعر طارت على وشها من الاندفاع وقال بنبرة هادية وفيها لمحة تانية خالص

فارس: يلا نجرب تاني ومن الأول خالص وبراحتك ياروحي

بنان وبصتله وابتسمت  وعيونها كلها حب وثقه

بمجرد ما رجعوا الشقة عند سمية، استقبلتهم بملامح مشحونة شوية وقالت بضيق وعتاب:

— برضه نفذت لها اللي في الدماغها يا فارس؟

رد فارس بابتسامة هادية وهو بيقلع جاكيت البدلة:

— وأنا أقدر أرفض لها طلب يا سوسو؟

لوت سمية شفايفها بسخرية دافية:

— أيوة.. أيوة، سيبها كده تمشي كلامها عليك من أولها.

لمح فارس نظرة الاستفزاز في عيون عمته فابتسم بخفة، في حين قربت بنان من مامتها بدلال، وحضنت دراعها وقالت:

— يا مامي بقى.. خليكي محضر خير بلاش نكد.

بص لها فارس بنظرة مطمئنة، وقال لعمته بنبرة حنونة:

— أنا بس مش عايزك تقلقي خالص، وشيلي وساوس الشياطين دي من دماغك.

ظهر التوتر والقلق الأمومي الحقيقي على وش سمية، وتنهدت بقلة حيلة:

— غصب عني يا فارس.. أنا خايفة عليها بجد، ومش هستحمل لو جرى لها أي حاجة.

قرب منها فارس خطوة وقال بثقة عشان يطمنها:

— متقلقيش يا حبيبتي، أنا مش هخليها تلمس الدريكسيون لوحدها غير لما أضمن إنها بقت متمكنة وكويسة جداً.

رجعت سمية لأسلوبها المشاكس وقالت وهي بتهز راسها:

— خلاص.. ابقى اتحمل مشاكلها بقى، أنت حر!

رفعت بنان حاجبها ببراءة مصطنعة وسألت:

— والمشاكل دي هتيجي منين بس يا مامي؟

رمقتها سمية بنظرة تريقة مضحكة:

— يا أختي ده أنا ببقى حاطة إيدي على قلبي وأنتي واقفة جنب البوتاجاز.. تقومي تسوقي عربية 

ردت بنان بفخر وهي بتبص لفارس:

— متقلقيش يا مامي هسوق بالراحة خالص، وبعدين ده فارس الباشا بنفسه هو اللي بيعلمني، يعني هبقى في أمان.

علقت سمية بسخرية سريعة:

— آااه.. ما هي دي المصيبة الأكبر! مين يشهد للعروسة بقى؟

ضحك فارس وقرب من بنان وقال بهزار وخفة دم:

— العريس طبعاً!

اتسعت ابتسامة بنان ورفعت إيديها وعملت له شكل قلب، فبادلها فارس الحركة ولقط القلب وحدف لها بوسة في الهواء.

بصت لهم سمية بقلة حيلة وضيق مصطنع وهي بتضرب كف على كف:

— فرستوني أنتوا الاتنين وجبتوا لي الضغط! أنا هقوم أحضر العشا أحسن لي من وقفتي معاكم.

أول ما سابتهم ومشيت في اتجاه المطبخ، انفجر فارس وبنان في ضحكة صافية ملو الشقة كلها وهم بيبصوا وراها ببهجة.

ــــــــــــــــــــ

رجعت من المستشفى وخطواتها تقيلة، أول ما فتحت باب الشقة ودخلت، لقت والدتها فادية القعيدة قاعدة على كرسيها المتحرك وبتنتظرها بقلق وعينيها مش مفارقة الباب.

هتفت فادية بنبرة مليانة خوف وأمومة:

— إيه يا بنتي؟ قلقتيني عليكي أوي.. اتأخرتي كده ليه؟!

قربت منها رحمة واتكلمت بصوت كله إرهاق وخنقة مدارية:

— معلش يا ماما.. حقك عليا، أنا عارفة إن زمانك مأخدتيش علاجك لحد دلوقتي بسبب تأخيري.

ردت فادية بحنان:

— ولا يهمك يا حبيبتي، العلاج ملحوق عليه.. أنا بس كل همي كان القلق عليكي.

حاولت رحمة ترسم ابتسامة باهتة وقالت:

— معلش، ضغط الشغل بس هو اللي أخرني شوية.. دقايق بالعدد والأكل والعلاج هيكونوا جاهزين قدامك.

تأملت فادية ملامح بنتها الشاحنة وقالت بحنو:

— شكلك تعبانة ومجهدة أوي يا بنتي.. ادخلي ارتاحي شوية الأول.

ردت وهي بتتحرك من قدامها بسرعة عشان متبانش عيونها:

— أنا كويسة يا أمي متقلقيش.. بلاش أنتي بس تشغلي بالك.

دخلت رحمة المطبخ، وبمجرد ما غابت عن عين والدتها، مأدرتش تتحكم في دموعها اللي انهمرت بغزارة على خدودها. حطت إيدها على بؤها وهي بتحاول بكل قوتها تكتم شهقاتها المكتومة عشان والدتها متميزش صوت بكاها برة وتتوجع عليها.

افتكرت ممر المستشفى، وافتكرت نظرات الحزن في عيون عيلة آسر، ولما دكتور خالد طلب منها بمنتهى الرقي والذوق إنها تروح ترتاح.. قد إيه حسيت إنهم ناس محترمين بجد وطيبين. في اللحظة دي، ندمت من كل قلبها إنها عرفت اسر واتسببتله في مشاكل وحست للحظة إن حياتها عبارة عن سلسلة من المشاكل، وإن أي حد بريء بيقرب منها، المشاكل دي بتطوله وبتأذيه هو كمان.

مسحت دموعها بسرعة وأخدت نفس عميق، وبدأت تجهز الأكل لوالدتها، وهي بتدعي في سرها بدموع ورجاء حار إن آسر يفوق، والعملية تنجح، ويرجع لأهله بالسلامة.

ـــــــــــــــــــــــ

في الصباح
خرج فارس من الحمام وهو بينشف شعره بالفوطة، ولمح موبايله بيرن على السرير.. كانت بنان. فتح الخط وقال بنبرة هادية وصوت كله حيوية:
— صباح الجمال.
ردت بنان بصوت واطي ومتردد:
— صباح الخير يا فارس.
ابتسم وهو بيلبس ساعته وقال:
— صباح الرقة.. إيه الاتصال القمر ده على الصبح؟
سكتت بنان لثواني، فلاحظ فارس طريقتها المتوترة، وسألها باهتمام:
— بنان.. في حاجة ولا إيه؟ مال صوتك؟
اتنهدت وقالت:
— أصل.. كنت بكلم يمنى من شوية عشان أسألها على حاجة في الدراسة، وكلمتها على موبايل طنط منال.. بس يمنى قالت لي إن آسر اتعرض لـ حـ.ادثة.. في واحد ضربه بسـ...ـكينة في بطنه وهو في المستشفى من امبارح
.
تسمر فارس في مكانه، وملامحه اتغيرت تماماً بصدمة:
— امتى الكلام ده حصل؟!
— الكلام ده حصل امبارح بالليل قدام الشركة.
عقد حواجبه بضيق واستغراب شديد:
— إزاي؟! إزاي حاجة زي دي تحصل ومحدش من الأمن يبلغني عل طول؟؟
— مش عارفة والله يا فارس.. يمنى هي اللي قالت لي.

سألها وهو بيتحرك بسرعة:
— هما في مستشفى إيه دلوقتي؟

قالت له بنان اسم المستشفى، فرد عليها بحسم وهو بياخد مفاتيحه:
— طيب اقفلي يلا دلوقتي عشان ألحق ألبس، وهكلمك بعدين.
قالت برغبة:
— طيب.. كنت عايزة آجي معاك.
قفل عليها الطريق بهدوء:
— مش وقته خالص يا بنان، مش المرة دي.. ركزي أنتي في مذاكرتك دلوقتي.

— أوكي.
قفل فارس مع بنان وجهز نفسه في دقايق، ونزل الصالون بسرعة وبلغ والده صلاح ووالدته نجوى باللي حصل. 

الصدمة خلتهم يقرروا فوراً ينزلوا معاه المستشفى عشان يقفوا جنب خالد ومنال في أزمتهم.
فارس ساق بسرعة ووصل المستشفى قبل والده ووالدته. لمح خالد ومنال ومعاهم يمنى قاعدين قدام باب العناية المركزة، والإنهاك باين على وشوشهم. قرب منهم وقال 
بنبرة حزينة:
— صباح الخير.

قام خالد بتعب وسلم عليه، فتابع فارس بأسف:
— ألف سلامة على آسر يا أنكل.. أنا لسه عارف حالا والله من بنان.

رد خالد بصوت مجهد:
— الله يسلمك يا حبيبي.. تسلم.
— هو عامل إيه دلوقتي؟ طمنوني عليه؟
— هو في العناية تحت الملاحظة، والدكاترة قالوا لسه قدامه حوالي 5 ساعات على ما يفوق ..

في الوقت ده، وصل صلاح ونجوى. أول ما منال شافت نجوى، انخرطت في البكاء، فجرت نجوى عليها وحضنتها بقوة وهي بتهديها:
— ألف سلامة على آسر يا حبيبتي.. إن شاء الله هيقوم بالسلامة ويبقى زي الفل، ادعي له.
ردت منال بنشيج:
— يا رب يا نجوى.. يا رب ادعي له، ماليش غيره.
طبطبت عليها نجوى وحضنت يمنى اللي كانت بتعيط هي كمان ومتبهدلة من قلة النوم. في نفس الوقت، أخد صلاح خالد على جنب وقال له بمساندة:
— إن شاء الله هيبقى كويس يا خالد وتطمن عليه.. بس قولي، مين اللي عمل معاه كده؟ وإيه اللي جاب آسر للمشاكل دي؟
تنهد خالد بألم:
— كان بيدافع عن واحدة زميلته في الشغل قدام الشركة.
سأله صلاح باهتمام:
— والشرطة قبضت عليه؟
— لا.. لسه بيدوروا عليه.
تدخل فارس في الحوار وعلامات الجدية والضيق واضحة على وشه:
— أنا هطلع على الشركة حالاً، وهشرف بنفسي على تفريغ كاميرات المراقبة عشان نعرف  المجرم ده ونسلمه للنيابة.. بس قبل ما أمشي، عايز حضرتك لو محتاج أي حاجة، أو في أي نقص هنا في المستشفى تقولي فوراً وأنا هوفره.
ابتسم خالد ابتسامة باهتة مليانة امتنان:
— شكراً يا حبيبي.. مش مقصرين، كل حاجة متوفرة هنا والحمد لله دكتور مراد واقف معايا.
— طيب، أنا هروح الشركة أخلص الموضوع ده، وهرجع لكم هنا تاني علطول.
في الشركة
وصل فارس الشركة وعيونه بشرار. أول ما دخل مكتبه، استدعى أفراد الأمن المسؤولين عن الوردية الليلية. وقفوا قدامه وهو بيهتف فيهم بغضب وهيبة هزت المكتب:
— إزاي حاجة زي كده تحصل قدام باب الشركة ومحدش فيكم يكلف نفسه يرفع سماعة التليفون ويبلغني في وقتها؟! أنتوا نايمين؟!
رد واحد منهم بخوف وتلعثم:
— يا فندم.. يا باشا إحنا قولنا إن الخناقة حصلت برة حدود الشركة، وكان بعد مواعيد الدوام الرسمي ونهاية الشغل فـ...
قاطعه فارس بحسم وعصبية:
— برضه أعرف! حادثة تحصل لموظف في الشركة وقدام البوابة وأعرف أنا تاني يوم الصبح وبالصدفة؟! الكلام ده قلة إدراك للمسؤولية، ومش عايز الموقف ده يتكرر تاني أبداً.. مفهوم؟
ردوا التلاتة مع بعض بنبرة رعب:
— حاضر يا فندم.. تحت أمرك.
— اتفضلوا على شغلكم.
أول ما خرجوا، طلب فارس سكرتيرته هند على التليفون الداخلي:
— هند.. دخلي لي مهندس تقنية المعلومات فوراً.
دخل المهندس، وطلب منه فارس يسحب تفريغ كاميرات المراقبة الخارجية للبوابة بالكامل من وقت خروج آسر، ويرسل نسخة منها لجهة التحقيق.
بدأت الشرطة تتحرك في القضية بناءً على الأدلة، واستجوبوا رحمة اللي حكت لهم كل التفاصيل من أول ملاحقة سامح ليها لحد لحظة الطعن والهروب.
بعد كام ساعة، آسر بدأ يفوق واتكلم معاهم كلام بسيط، لكن الدكاترة فضلوه تحت الملاحظة لضمان استقرار حالته، وخالد ومنال مسبهوش ولا لحظة.

ثاني يوم.. أواخر النهار
عدى فارس على شقة عمته سمية عشان ياخدها هي وبنان ويروحوا يزوروا آسر بعد ما اتنقل لغرفة عادية وحالته استقرت.
وصلوا المستشفى ودخلوا الغرفة بعد ما خبطوا بهدوء. سلموا على آسر اللي كان باين عليه الإرهاق بس ابتسم بامتنان لوجودهم، وقعدوا مع خالد ومنال ويمنى يطمنوا عليهم.
بعد وقت قصير، وقبل ما يمشوا، قربت سمية من منال وقالت لها بحنان ورقي:
— بصي يا منال.. أنتي وخالد مش هينفع تسيبوا آسر طبعاً، ويمنى عندها امتحانات ومينفعش تقعد في الشقة لوحدها تذاكر وسط التوتر ده.. أنا هاخدها معايا تقعد مع بنان تذاكر، وتحت عيني لحد ما ترجعوا بيتكم بالسلامة.

وافق خالد ومنال بعد إلحاح، لأنهم فعلاً كانوا شايلين هم يمنى ومذاكرتها في الظروف دي.
وفعلاً، جهزت يمنى نفسها ورجعت معاهم. فارس وصلهم لحد  عمارة خالد، ، نزلت يمنى مع بنان جابت من شقتها الكتب والهدوم اللي هتحتاجها، وطلعت شقة سمية.
فارس اكتفى بإنه يطمن إنهم ركبوا الأسانسير وطلعوا في أمان، وبعدها رجع ركب عربيته واتجه لفيـلتهم وهو بيفكر في تطورات القضية

ــــــــــــــــــــ

مرّ أسبوع كامل، وبدأ آسر يتحسن تدريجياً عن الأول، لكنه كان لسه محجوز في المستشفى تحت الرعاية لأن جرح الطعنة مكنش سهل وبياخد وقت عشان يلتئم.

في شركة الباشا

كان مالك قاعد قصاد فارس وعلامات الذهول على وشه وهو بيقول:

— كل ده يحصل وأنا في مارينا؟!

رد عليه فارس وهو بيبص في الأوراق اللي قدامه بنبرة ملامة:

— أيوة.. ما سيادتك ولا على بالك أي حاجة أصلاً، وبعدين ده وقت تسافر فيه مارينا وتسيب الشغل؟ابوك لما عرف اتعصب جداً من تصرفك.

لوى مالك بوزه وقال بتبرير:

— كنت خارج في جروب مع أصحابي، وكنت بجد محتاج أغير جو شوية يا فارس.

علق فارس بسخرية هادية وهو بيرفع عينه ليه:

— يا ابني أنت طول السنة بتغير جو أصلاً، هو أنت بتلحق تزهق؟

سكت مالك ومردش، والتفت ببصره ناحية الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف السيبق برة المكتب. فجأة، حركته اتجمدت ودقق النظر في الممر، وقال وهو بيلتفت لفارس:

— الباشا وصل

وبعدين رجع بص للشباك تاني بتركيز وسأل باستغراب:

— بس بقولك.. هي مين اللي ماشية جنبه دي؟

بص فارس في نفس الاتجاه، ورجع اتعدل في قعدته بكل برود وقال:

— آه.. دي مدام غادة، مراته.

لف مالك جسمه بالكامل وبص له بضيق وقال:

— يا عم بطل هزار بقى! أنا بتكلم جد.. مين الست دي؟ أول مرة أشوفها في الشركة هنا.

رد فارس بنبرة واضحة ومفيهاش أي مجال للشك:

— ومين قالك إني بهزر؟ أنا بتكلم جد جداً.. دي غادة النحاس، مرات أبوك.

برقت عيون مالك بصدمة وعدم تصديق، وقرب من مكتب فارس وهو بيخبط بإيده خبطة خفيفة وقال بغضب مكتوم:

— مراته إزاي يعني؟! متجوز على أمي واحدة تانية ؟!!!

حافظ فارس على ثباته الانفعالي وقال بكلمة واحدة:

— أيوة.

استفز برود فارس مالك زيادة، فهتف فيه بعصبية:

— إيه البرود اللي أنت فيه ده؟! وأنت متعامل مع الموضوع عادي كده وكأن مفيش حاجة حصلت؟!

رد فارس بنبرة واقعية وهادية:

— أيوة عادي.. طالما ماما نجوى نفسها عارفة بالموضوع وموافقة عليه، يبقى عادي.

اتسعت عيون مالك بدهشة عاجزة، وقال بنبرة مشحونة بالذهول:

— يعني إيه؟ إزاي توافق بحاجة زي دي أصلاً؟! 

فتح فارس بقه وكان لسه هيتكلم ويرد عليه، بس قطع كلامه صوت رنين تليفون المكتب الداخلي (الانتركم).. مد فارس إيده وضغط على الزرار، فجاءه صوت صلاح الحازم وهو بيقول:

— فارس.. هات مالك وتعالوا لي على مكتبي حالاً

وصلوا عند المكتب
الباب الخشب الضخم بتاع مكتب صلاح الباشا اتفتح ودخل مالك والشرار بيطلع من عينيه والتوتر بياكل في أعصابه. خطواته كانت تقيلة بس فيها تحدي وعند وعيونه بدأت تلف في الأوضة بسرعة لحد ما ثبتت عليها

غادة النحاس كانت قاعدة على واحد من الكراسي الجلد الفخمة اللي قدام مكتب صلاح علطول.
كانت قاعده بهدوء ابتسمت بخفه لما شافت فارس ومالك

مالك اول ما شافها اضايق بصلها بنظرات بارده من فوق لتحت كانت كفيله انها تتعدل في قاعدتها بتوتر

صلاح ولاحظ نظرات مالك والضيق اللي على وشه

فارس:صباح الخير ياباشا

 صلاح:صباح النور

اما مالك فوقف بصمت

صلاح بصله وهو قاعد ساند كوعه ومربع إيديه وباصص لمالك بنظرات حامية ومترقبةمستني  انه يتكلم

في اللحظه دي فارس ونغزو بكوعه وشاورله على صلاح

مالك بضيق مش عارف يتخلى عنه صباح الخير

صلاح بسخريه  اخيرا شوفتك كنت فين الفتره اللي فاتت

مالك وبص اتجاه غاده وجاوب بضيق كنت في مارينا

صلاح وابتسم بسخريه  وانت ماشي بمزاجك كدا؟؟

مالك بضيق وهو بيبص اتجاه غاده ما كل واحد هنا ماشي بمزاجه جاءت عليا

صلاح وبصله بغضب وفهم هو يقصد ايه

فارس وشد مالك من ذراعه وبصله بتحذير وضيق على كلامه

فارس وغير الموضوع  عشان حس ان الجو متوتر حضرتك كانت طالبنا في شغل؟؟؟

صلاح وكان بيبوص لمالك بغضب اللي كان بيقابله نظرات بارده

فارس وبص لغاده ورجع بص لصلاح برجاء وكأنه بيطلب منه يهدي الامور دلوقت..

تعليقات



<>