رواية خيوط لاتري الفصل التاسع عشر19بقلم فاطمة مالكي
الفصل التاسع عشر: فجر البدايات الخالدة.. وحراس إمبراطورية العشق
تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر شقوق الستائر المخملية الثقيلة ذات اللون العنابي الداكن، لتفرش نسيجاً دافئاً من النور فوق الأرضية الرخامية لقصر "الحكيم". تلك الأرضية التي كانت لا تزال مغطاة ببتلات الورد الأحمر القاني، الشاهدة الصامتة على ليلة انصهار الأرواح وتكسر حصون "الأسد الجليدي". ساد الجناح هدوء عميق، سكون ساحر لا يقطعه سوى صوت الأنفاس المنتظمة الدافئة التي تتردد في أرجاء الغرفة الفسيحة، معلنةً ميلاد فجر جديد طال انتظاره بعد سنوات من العواصف والصراعات.
كان ياسين الحكيم مستيقظاً منذ فترة ليست بالقصيرة. لم تكن لديه أدنى رغبة في النوم أو إغماض عينيه؛ فكل ثانية يقضيها وهو يتأمل وجه معشوقته النائمة كانت في نظره بمثابة عمر كامل حُرِم منه طوال سنوات. كان يرتكز على كوعه الأيمن، واضعاً كفه الصلب أسفل رأسه، بينما استقرت ذراعه الأخرى حول خصرها العاري برفق وتملك. عيناه الصقريتان الحادتان، اللتان كانت تهابهما حيتان المال والأعمال في البورصات العالمية، تحولتا في تلك اللحظات إلى بحيرتين عميقتين من الحنان الخالص والهيام الطاغي.
تأمل ملامحها الملائكية الهادئة. كانت حنين تغط في نوم عميق ووديع، دافنةً جسدها الرقيق بالكامل في صدره العريض، وكأنها عصفور وجد عشه الأخير بعد رحلة شاقة عبر محيطات الغربة. كان شعرها البني الطويل والكثيف منثوراً كالحرير على الوسائد البيضاء الناصعة، متداخلاً مع غطاء السرير الحريري. ملامح وجهها كانت في غاية السكون، شفتيها تحملان أثر قبلاته الشغوفة، ووجنتاها لا تزالان تحتفظان بنبرة خفيفة من ذلك الخجل الوردي الساحر.
عادت بذاكرته الأفكار إلى الليلة الماضية، إلى ذلك العرس الأسطوري الذي أقيم في حديقة القصر. تذكر كيف توقف الزمن به تماماً عندما رآها تطل عليه بتلك الحلة الجزائرية التقليدية. لا يمكنه أن ينسى مشهدها وهي ترتدي "الكاراكو العاصمي" الفاخر، بخيوطه الذهبية التي كانت تعكس إضاءة القصر، وكيف استقر "خيط الروح" الذهبي بقطراته الألماسية على جبينها الصافي، ليزيدها ملكية وجمالاً فاق كل توقعاته. تذكر كيف تمايلت بخفة ودلال راقٍ على أنغام أغنية "زينب لالة"، وكيف كانت كل نظرة منها تخترق دروعه وتستقر في صميم قلبه.
انحنى ياسين ببطء شديد، حريصاً على ألا يقلق نومها، وطبع قبلة رقيقة كالنسمة على جبينها، أسفل الموضع الذي كان يزينه خيط الروح بالأمس، ثم صعد بقبلاته نحو خط شعرها، مستنشقاً عبيرها الخاص الذي يمزج الفانيليا بالمسك. أخذ يداعب خصلة متمردة من شعرها بأطراف أصابعه الطويلة، ممرراً إياها بين أصابعه بنعومة فائقة.
تململت حنين بخفة إثر لمساته الحانية، وأطلقت تنهيدة ناعمة دافئة، قبل أن تفتح عينيها العسليتين ببطء وتثاقل. بمجرد أن انقشعت غشاوة النوم عن عينيها والتقت بعينيه الصقريتين المبتسمتين، عادت موجة حارقة من الخجل لتجتاح وجهها وعنقها. تذكرت على الفور تفاصيل ليلتهما، وكيف انصهرت بين يديه وتلاشت كل مخاوفها. في حركة عفوية، حاولت سحب الغطاء الحريري لأعلى لتغطي كتفيها، هاربةً من نظراته الفاحصة.
ابتسم ياسين ابتسامة رجولية دافئة أذابت ما تبقى من توترها، قبض بيد قوية وحنونة على طرف الغطاء، منعها برفق من الاختباء، ثم سحب جسدها الرقيق بالكامل نحو صدره مجدداً، ليصبح وجهها ملاصقاً لوجهه، وهمس بصوت رجولي عميق ومبحوح:
— "صباح الخير يا ملكة قصر الحكيم.. صباح العشق والجنون اللي ولد من جديد الليلة اللي فاتت بين جدران الأوضة دي."
تخضبت وجنتا حنين بحمرة قانية، ودفنت وجهها في عنقه العريض، محاولةً إخفاء ارتباكها، وهمست بلهجتها الجزائرية الناعمة التي طالما عشقها:
— "صباح النور يا راجلي.. صباح الخير والبركة يا حبيب قلبي وتاج راسي. مانيش مصدقة بلي راني هنا في حضنك، وبلي خلاص قفلنا باب الحزن والدموع ورا ظهرنا، وبقيت حلالك قدام ربي والعباد."
رفع ياسين وجهها برفق مستخدماً إصبعين تحت ذقنها، وجعلها تنظر في عمق عينيه بقوة وعزم لا يلين:
— "صدقي يا حنين.. إنتِ هنا، جوه قلبي، وفي حضني، ومفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تبعدك عني تاني. وعد عليا قدام ربنا، كل ما تطلع شمس يوم جديد عليكي معايا، هيكون تعويض عن كل دمعة نزلت من عينك في الغربة أو بسببي. إنتِ وطني يا حنين، وأنا مش هفرط في وطني أبداً.. أنا لحد دلوقتي مش قادر أنسى شكلك بالكاراكو امبارح، كنتِ عاملة زي أميرات الأساطير اللي خطفوا قلب الأسد ومروضوش غير هما."
تجمعت دموع الفرح في عينيها، وبدافع من مشاعرها الجياشة، رفعت رأسها وقبلت خده بدلال، وهمست بصوت متهدج:
— "ربي يخليك ليا يا تاج راسي.. أنا معاك ما خصني والو في هاد الدنيا، حسيت بالأمان اللي كنت محرومة منه. نحبك بزاف يا ياسين."
بعد ساعة كاملة من الهمس والوعود الصباحية التي رممت كل شروخ الماضي، نهض ياسين من السرير الوثير بهيبته المعتادة. التقط رداءه الفضفاض من الحرير الأسود الفاخر، وارتداه بتمهل، ثم التفت نحوها وعيناه تلمعان بشقاوة لم تعهدها فيه من قبل، فقد أسقط كل أقنعته الصارمة أمامها:
— "إنتِ متتحركيش من السرير ده خالص.. الليلة دي ويومنا النهارده مختلف عن أي يوم في حياتنا. أنا اللي هجهز فطار الملكة بنفسي، وهجيبهولك لحد هنا."
اتسعت عينا حنين بدهشة عارمة، ورفعت يدها لتغطي فمها من الصدمة وهي تعتدل في جلستها ساحبة الغطاء إلى صدرها:
— "ياسين! إنت تطبخ؟ الإمبراطور ياسين الحكيم، اللي تترعد منه رجال الأعمال، يدخل الكوزينة ويوجد الفطور؟ هادي كاش ما صرات؟ إنت متأكد؟"
غمز لها ياسين بعينه اليمنى بطريقة تذيب القلوب، وقال وهو يتجه نحو الباب الداخلي المفتوح على صالة الجناح:
— "ياسين الحكيم يعمل أي حاجة، ويكسر أي قواعد في الدنيا عشان عيون حنين ودلعها.. أنا ياما عملت قهوتي بنفسي في ليالي الغربة والشغل الطويلة، بس النهارده القهوة دي معموله بمزاج تاني. ارتاحي إنتِ، وقهوتك هتكون عندك في دقايق."
غادر ياسين الغرفة متجهاً نحو المطبخ الملكي المصغر الملحق بالجناح الخاص. أما حنين، فلم تطق البقاء بمفردها؛ نهضت بخفة كالغزال، اختارت روباً ناعماً من الستان الأبيض اللؤلؤي الذي يتناسب مع بشرتها، ونزلت حافية القدمين تتبع رائحة القهوة الزكية التي بدأت تفوح في الأرجاء. وصلت إلى باب المطبخ، ووقفت عند العتبة تتأمله بصمت وهيام. كان يقف بظهره الممشوق، يقلب القهوة على نار هادئة بتركيز وكأنه يدير صفقة العمر.
تسللت حنين من خلفه ببطء، ولفت ذراعيها النحيفتين حول خصره، مسندة خذها على ظهره العريض. وضع ياسين ركوة القهوة بهدوء، ثم التفت ببطء، وأحاط خصرها ليرفعها بخفة وتجلس على الرخام العلوي البارد للمطبخ، ليصبح بمستوى طولها وتلتقي أعينهما في خط واحد مباشر.
— "مش أنا قولت خليكي في السرير مرتاحة ومستنية فطارك؟ إيه اللي نزلك يا مشاغبة؟ إنتِ بالدلع ده مش هتخلينا نفطر الصبح ده خالص يا حنين.. الخجل اللي كان مطلع عيني امبارح راح فين واختفى فجأة كده؟"
ضحكت بصوتها الأنثوي الرقيق، وتخللت أصابعها الناعمة في خصلات شعره الأسود الكثيف، تعبث بها بحرية:
— "ذاب.. ذاب في الجليد نتاعك البارح يا ياسين. البارح خليتني ننسى قاع الحشمة.. معاك أنت عرفت بلي الأنوثة نتاعي ما تظهرش غير بين يديك. حبيت نشوف بعيني شطارة راجلي، ونذوق قهوتك وأنا قدامك."
انحنى ياسين ليطبع قبلة عميقة وحارة على شفتيها، امتزجت بوعود الصباح والحب، ليعلنا معاً أن هذا الصباح ليس إلا امتداداً لليلة لن تنتهي تفاصيلها أبداً.
في الجناح الآخر من القصر المترامي الأطراف، كانت الأجواء مغلفة بتلك الشقاوة والجنون المعتادين اللذين يميزان هذا الثنائي. استيقظ مازن، لكنه لم يغادر السرير. كان مستنداً بظهره على اللوح الأمامي، واضعاً يديه خلف رأسه، يراقب حنان بعيون لا ترمش.
كانت تقف أمام مرآة الزينة الكبيرة، تسرح شعرها الأسود الطويل الذي ينسدل كشلال ليلٍ على رداء حريري فيروزي يبرز جمالها الشرقي الحاد. كانت تدندن بصوت خافت لحن "زينب لالة"، غير منتبهة لنظراته التي تكاد تخترقها من فرط الإعجاب والغيرة في آن واحد.
تنهد مازن بصوت مسموع ومفتعل عمداً، مما جعل حنان تتوقف عن الدندنة وتلتفت إليه. ابتسامة واسعة زينت وجهها، لتبدو غمازتاها بوضوح آسر.
— "صباح الخير يا عروسة.. أنا بقالي ساعة بحاول أقنع نفسي إني صاحي ومش بحلم، وإنك أخيراً في أوضتي وباسمي بعد كل المرمطة والتعب اللي شفتهم معاكي."
اقتربت حنان من السرير وجلست على حافته بدلال متعمد، ومررت يدها الناعمة على وجنته الخشنة بابتسامة مشاكسة:
— "صباح النور يا مازونا.. لا، راك صاحي ومارانيش حلم. خلاص، الدزايرية ولّات مرتك ومكتوبة على اسمك، وعقبال ما تعقل وتبطل جنونك هادا اللي مجنني معاك."
سحبها مازن فجأة من خصرها بقوة خفيفة لتسقط بجواره على السرير وسط ضحكاتها الرنانة المباغتة. اعتلاها برفق محاصراً إياها بين ذراعيه، وعيناه تلمعان بشغف وغيرة مبطنة تشتعل كلما تذكر تفاصيل الأمس:
— "أعقل إيه بس؟ هو اللي يتجوزك يعرف طريق العقل؟ ده أنا كنت هتجنن امبارح وإنتِ بترقصي بالكاراكو العاصمي وخيط الروح بياكل من جبينك حتة.. كنت عايز أخبيكي من عيون الناس. طب بما إنك مرتي ومكتوبة على اسمي، مفيش خروج من الجناح ده النهارده. هنقفل الباب ومش هننزل لحد.. أنا مصدقت خبيتك من عيون الناس اللي كانت بتاكلك امبارح في الفرح، أنا كنت عايز أضرب نص المعازيم وكل الشركاء اللي كانوا بيبصولك!"
حاولت حنان التملص منه وهي تضحك بخجل وتضربه بخفة على صدره العريض:
— "يا مهبول طلقني (اتركني)! غيرتك هادي راح تقتلني نهار. لازم نهبطوا لتحت، اليوم الصباحية نتاعنا ولازم نصبحوا على العايلة وعمي مصطفى وماما زليخة، وعيب نخلوهم يستناو في أول يوم لينا. واش يقولوا علينا؟"
رفض مازن إفلاتها، ودفن وجهه في تجويف عنقها يستنشق عطرها بعمق، ثم طبع قبلة سريعة وخاطفة على شفتيها:
— "يقولوا اللي يقولوه! يستنوا براحتهم، أنا عريس ومن حقي أحتكر مراتي. قسماً بالله ما أنا سايبك تنزلي بالجمال ده تحت، هما هيصدقوا إني عريس ولا إيه؟ أنا ما صدقت إن المجنونة دي بقت في حضني."
وبعد دقائق طويلة من المناوشات والضحكات التي ملأت الجناح، وغزل مازن الذي لا ينتهي والذي جعل وجه حنان يتورد خجلاً، استطاعت أخيراً إقناعه بالنهوض والاستعداد للنزول للانضمام للعائلة في فطور الصباحية.
في غرفة الطعام الملكية الملحقة بحديقة القصر الخلفية، والتي تطل على مساحات خضراء شاسعة تتلألأ تحت أشعة شمس القاهرة الدافئة، كانت التحضيرات تجري على قدم وساق. طاولة الإفطار الطويلة كانت تمتد بما لذ وطاب، في مشهد يعكس تلاحم الثقافتين؛ فقد أصرت السيدة أمينة والخالة زليخة على أن تضم الطاولة الفطير المشلتت المصري والعسل الأبيض، إلى جانب البغرير والمقروط الجزائري.
كان العم مصطفى يجلس بجوار عبد المعز الحكيم، يتبادلان أطراف الحديث بود عميق، بينما كانت السيدة أمينة تضع اللمسات الأخيرة مع الخالة زليخة. أما رانيا، فراشة القصر وروح العائلة النابضة بالحياة، فكانت تدور حول الطاولة، ترتب الصحون وتنسق الزهور بسعادة غامرة لم تفارقها منذ الأمس.
بمجرد أن أطل ياسين متأبطاً ذراع حنين من على الدرج الرخامي الداخلي، وخلفهما مازن يمسك بيد حنان بتملك وشموخ واضح، أشرقت جنبات القصر. كانت إطلالة العروستين تسرق الأنفاس؛ حنين بفستانها الصباحي الهادئ بلونه الزهري الفاتح، وحنان بإطلالتها الأنيقة باللون الأزرق السماوي.
قبل أن يتقدموا نحو الطاولة، انطلقت رانيا كالسهم نحوهم، محتضنة حنين أولاً بحرارة، ثم انتقلت إلى حنان تعانقها بقوة، وعيناها تلمعان بدموع الفرح الحقيقية.
— "صباحية مباركة لأحلى عرايس وأجمل أخوات في الدنيا! أنا مش مصدقة إن القصر أخيرًا بقى فيه الروح والجمال ده كله. إنتو مش بس مراتات إخواتي، إنتو بقيتوا صحباتي وأخواتي اللي هشاركهم كل حاجة في الجناح ده! إنتو نورتوا حياتنا بجد وعوضتوني عن وحدتي."
بادلتها حنين وحنان العناق بحب شديد، فقد كانت رانيا هي الجسر اللطيف الذي خفف عنهن الكثير في البدايات. قالت حنين بتأثر وهي تمسح على ظهر رانيا:
— "ربي يحفظك لينا يا رانيا، إنتِ أختنا لي ما جابتهاش أمنا، وصحبتنا لي وقفت معانا في كل خطوة، والقصر من غير ضحكتك ما يسواش."
ردت رانيا غامزة لمازن وياسين بشقاوتها المعهودة:
— "أنا بسيبكم ليهم دلوقتي عشان أنتو لسه عرسان طازة، بس بعد شهر العسل هخطفهم منكم، دول بقوا العصابة بتاعتي خلاص، وحقوقكم كأزواج هتبقى في المرتبة التانية!"
ضحك الجميع على دعابة رانيا، وتقدمت الخالة زليخة والعم مصطفى، واستقبلا العرسان بالأحضان والزغاريد الخافتة والدعوات الخالصة بالتوفيق والذرية الصالحة. جلست السيدة أمينة تنظر للجميع بعيون تفيض بدموع الفرح والامتنان لله الذي جمع شمل هذه العائلة أخيراً بعد كل تلك العواصف.
جلس الجميع وسط أجواء مليئة بالود والضحكات وأصوات الأكواب والملاعق. وفي خضم الحديث وتناول الإفطار الشهي، لم يستطع مازن، بتركيبته العملية التي أدمنها لسنوات، التخلي عن قلقه المهني. مال على ياسين، وبنبرة خافتة وجادة تتناقض مع أجواء العرس، قال:
— "يا ريس، بخصوص شحنة الحديد اللي هتوصل المينا بكرة، أنا كلمت المخلص الجمركي وراجعت الأوراق بس في..."
قبل أن يكمل مازن جملته، وضع عبد المعز الحكيم فنجان قهوته على الطبق الزجاجي بصوت رنين مسموع لفت انتباه الجميع. نظر إلى مازن وياسين بنظرة تحمل وقار المؤسس، وحزم رجل الأعمال، وحنو الأب الذي لا يُراجع في قراراته:
— "شحنة إيه وشغل إيه يا مازن اللي بتتكلم فيه يوم صباحيتك؟ مفيش كلام في الشغل نهائياً، ولا النهارده، ولا بكره، ولا الشهر الجاي كله."
تبادل ياسين ومازن النظرات القلقة، فقد اعتادا على تحمل مسؤولية الإمبراطورية كاملة في السنوات الأخيرة. اعتدل ياسين في جلسته، وقال باحترام محاولاً التوضيح:
— "يا بابا، إحنا هنسافر شهر العسل بكرة الصبح، وفي ملفات كتير معتمدة على توقيعي أنا ومازن، وفي اجتماعات مجلس إدارة مينفعش تتأجل. كنا متفقين إن رانيا هتمسك بعض الشغل من البيت، بس الحمل هيبقى تقيل، ولازم نظبط الأمور عشان الشغل والشركات ميتعطلوش وإحنا مش موجودين."
ابتسم عبد المعز ابتسامة واسعة، وأسند ظهره إلى الكرسي الوثير بهيبة، مشبكاً أصابعه أمامه وهو ينظر لولديه بفخر واعتزاز شديدين:
— "الشغل مش هيتعطل. أنا موجود يا ياسين. الإمبراطورية دي أنا اللي بنيتها طوبة طوبة من الصفر، حافظت عليها بدمي وسنين عمري. رجوعي لمكتبي، ومتابعتي للشركات، وقعدتي على كرسي الإدارة في غيابكم، ده أقل حاجة أعملها عشانكم وعشان سعادتكم اللي استنيتها سنين. الإدارة كلها هتكون تحت إيدي أنا لحد ما ترجعوا من شهر العسل بالسلامة.. سافروا وانبسطوا، وعيشوا أجمل أيام حياتكم مع عرايسكم، الشركة في أمان طول ما عبد المعز الحكيم موجود."
ساد صمت مريح لثوانٍ، تبادل فيها الجميع نظرات الراحة، قبل أن يلتفت عبد المعز نحو زوجته ورفيقة دربه "أمينة" التي كانت تجلس بجواره. التمعت عيناه ببريق الشباب، وغمز لها بشقاوة واضحة أمام الجميع، متخلياً عن وقاره المعتاد، وأكمل بلهجة ماكرة ومحبة خالصة:
— "بس ده ما يمنعش إنكم بمجرد ما ترجعوا وتستلموا الشغل، هاخد حبيبتي ونروح شهرين عسل في إيطاليا زي ما وعدتها امبارح، نعوض بيهم أيام الشقى ووجع الدماغ بتاعكم ده! حقي أعيش أنا كمان ولا إيه؟"
شهقت أمينة بخجل شديد، واحمرت وجنتاها كفتاة في العشرين من عمرها تفاجأت بغزل حبيبها أمام الناس. ضربته بخفة على ذراعه وهي تهمس بارتباك شديد وصوت متقطع:
— "عبد المعز! إنت بتقول إيه.. الولاد قاعدين وعيب في سننا الكلام ده! الناس تقول علينا إيه؟"
انفجر مازن في الضحك بصوت عالٍ ملأ أرجاء الحديقة وهو يصفق بيديه بحماس شديد، ثم مال على حنان التي كانت تضحك بدورها قائلاً:
— "الله عليك يا كبير! إنت كده بتعلم علينا كلنا وبتضربنا في مقتل.. شايفة يا حنان؟ إحنا محتاجين ناخد كورسات مكثفة في الرومانسية على أصولها من عمي عبد المعز، ده أنا طلعت تلميذ مبتدئ في مدرسة الحكيم الكبير!"
ضحكت حنان ورانيا من قلبهما على تعليق مازن الساخر وخجل السيدة أمينة الجميل. وتعالت ضحكات العم مصطفى الذي علق قائلاً: "حقكم ونص يا خويا، الحب ما يعرفش عمر!"، بينما أطلقت الخالة زليخة دعواتها الطيبة لهما بدوام المحبة.
وسط هذا الجو العائلي الرائع المليء بالمحبة الخالصة، التفت ياسين نحو والده بابتسامة واسعة تفيض بالاحترام والسعادة. كان يرى العشق الذي لم يطفئه الزمن بين والديه، وكيف أن الجذور القوية هي التي تثمر شجرة عائلة متماسكة.
شدد ياسين من قبضته على يد حنين التي كانت تتابع المشهد بعيون تلمع بالدفء والأمان، وقد أيقنت أخيراً أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذا الكيان. مال ياسين عليها، وهامسها بالقرب من أذنها بصوت لا يسمعه سواها:
— "أوعدك يا حنين.. لما نوصل لسنهم، ومهما الأيام مرت، هفضل أخطفك منهم ونسافر لوحدنا زي ما بيعمل بالظبط. حبنا اتولد من رحم الوجع، وعمره ما هيعجز أو يموت أبداً."
اكتملت اللوحة أخيراً، وتلاقت القلوب في قصر الحكيم. لم تكن هذه الجدران مجرد حجارة ورخام، بل كانت قلعة دافئة، حيث لا يحرس هذه الإمبراطورية المترامية الأطراف سوى الحب الحقيقي، الترابط العائلي، وضحكات لا تنتهي. يقفون جميعاً بانتظار رحلة جديدة للعرسان، ورحلة أخرى مؤجلة ومستحقة لكبير العائلة وحبيبته، لتستمر قصة آل الحكيم مكللة بالحب.
