رواية خيوط لاتري الفصل العشرون20بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل العشرون20بقلم فاطمة مالكي


الفصل العشرون: سحر المالديف.. وعناق المحيط
الجزء الأول: هبوط في جنة الفيروز
بعد رحلة طيران مريحة وطويلة في طائرة عائلة "الحكيم" الخاصة، تلتها رحلة قصيرة بطائرة مائية صغيرة ومجهزة بأعلى سبل الرفاهية، بدأت ملامح الجنة الاستوائية تتجلى أخيراً أمام أعينهم. من نافذة الطائرة، كانت جزر المالديف تبدو كحبات لؤلؤ بيضاء متناثرة بعناية إلهية على بساط من الفيروز الخالص والزمرد السائل.
كان ياسين يجلس بجوار حنين، يحيط كتفيها بذراعه القوية، بينما أسندت هي رأسها على صدره العريض براحة تامة، مستمتعة بذلك الأمان المطلق الذي شعرت به أخيراً بعد أن أغلقت باب الحزن والدموع وراء ظهرها في ذلك الفجر الخالد. كانت عيناها تتسعان بدهشة طفولية بريئة وهي تراقب تدرجات اللون الأزرق في المحيط تحتهما، وكيف تعكس المياه أشعة الشمس لتصنع بريقاً يخطف الأنفاس. 
مال ياسين نحو أذنها، هامساً بصوته العميق الذي بات يحمل كل دفء العالم : — "عجبتك يا مولاتي  ؟ ولا حاسة إنك كنتِ تفضلي نسافر أوروبا زي ما كنا بنفكر في الأول؟" 
رفعت حنين وجهها نحوه، والتمعت عيناها العسليتان بسعادة غامرة، لترد:
— "تهبل يا ياسين.. كأننا في حلم. مانيش مصدقة بلي رانا هنا بعاد على كلش، غير أنا وأنت والبحر. أوروبا مليحة، بصح هاد البلاصة فيها هدوء كنت محتاجته بزاف باش ننسى كامل  التعب اللي جاز عليا."
ابتسم ياسين ابتسامته الدافئة التي تذيب كل توترها، وقبل جبينها بعمق، مجدداً ذلك الوعد الذي قطعه لها في غرفتهما بألا تذرف دمعة واحدة طالما تشرق الشمس عليها وهي في حمايته. 
في المقعد الخلفي، كان المشهد يختلف جذرياً، وكأنهم في عالم آخر. كان مازن يتشبث بحزام الأمان بكلتا يديه، وعيناه تراقبان اقتراب الطائرة من سطح الماء بتوتر واضح، بينما كانت حنان تجلس بجواره تضحك بصوت عالٍ على تعابير وجهه، وجمالها الشرقي يبرز أكثر مع ضوء الشمس الساطع المنعكس من النوافذ.
— "يا مازونا.. واش بيك خايف وتعرق؟ رانا هابطين في الماء ماشي في المريخ!" قالتها حنان وهي تضرب كتفه بخفة وضحكاتها تملأ كابينة الطائرة. 
التفت إليها مازن، محاولاً استعادة هيبته المفقودة، وعدل ياقته قائلاً بنبرة مليئة بالغيرة والجنون المعتادين: — "أنا مش خايف من الطيارة يا حبيبتي، الطيارة دي أنا ممكن أسوقها لوحدي! أنا مرعوب من إننا ننزل وسط الناس دي كلها والجمال ده كله والعيون تاكل فيكي تاني زي يوم الفرح! أنا قايلك من الصبح، المايه دي تنزليها بالليل والجزيرة ضلمة كحل، غير كده مفيش خروج من الفيلا، وأنا حذرت أهو!" 
انفجرت حنان وحنين في الضحك، بينما التفت ياسين للخلف وقال بسخرية خفيفة:
— "اهدى يا مازن وبطل جنونك ده. أنا حاجز الجناحين الملكيين في أطراف الجزيرة، كل جناح فيهم معزول تماماً عن التاني وعن باقي المنتجع. مفيش حد هيشوفكم ولا هتشوفوا حد. حلال عليك مراتك، فك التكشيرة دي بقى."
تنهد مازن براحة مصطنعة وقال:
— "أشهد أنك أعظم أخ ورئيس مجلس إدارة في التاريخ! كده أنا أقدر أبدأ شهر العسل وأنا مطمن على ممتلكاتي الخاصة."
بمجرد أن توقفت الطائرة المائية عند الرصيف الخشبي الممتد فوق الماء، استقبلهم طاقم المنتجع بحفاوة بالغة وعقود من زهور الأوركيد البيضاء والوردية التي أُلبست حول أعناقهم، مع كؤوس من عصير جوز الهند البارد الطازج.
توقفت عربة الجولف الكهربائية الفاخرة أمام "الجناح الملكي العائم" المخصص لياسين وحنين. كان الجناح أشبه بقصر مائي مصغر؛ فيلا خشبية ضخمة مبنية بالكامل فوق مياه المحيط الصافية، بسقف من القش المنسوج بعناية ليحاكي التراث المحلي، وشرفة واسعة بشكل مبهر تضم مسبحاً خاصاً يتصل مباشرة بمياه البحر، مع سلالم خشبية تنزل بك للسباحة في المحيط.
وقفت حنين مبهورة أمام الباب الخشبي الضخم، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للداخل، شعرت بذراعي ياسين تحيطان بخصرها وأسفل ركبتيها، ليرفعها عن الأرض بخفة وكأنها ريشة.
شهقت حنين بخجل ولفت ذراعيها حول عنقه فوراً:
— "ياسين! واش راك تدير؟ نزّلني، العمال راهم يشوفوا!"
نظر ياسين في عينيها بنظرة مليئة بالهيام الطاغي والتملك، غير عابئ بنظرات العمال الذين ابتسموا وانصرفوا بهدوء، ودفع الباب بقدمه ليدخل بها قائلاً: — "الناس دي مبقتش موجودة في قاموسي يا روحي  . من اللحظة دي، مفيش في الدنيا دي كلها غيري أنا وإنتِ. أنا وعدتك إني هكون وطنك وملاذك، والوطن ده قرر يشيلك على كفوف الراحة بقية عمرك، ودي أول خطوة في مملكتنا الجديدة." 
أنزلها برفق في منتصف غرفة المعيشة الواسعة. هناك، توقفت أنفاس حنين؛ حيث كانت أجزاء واسعة من الأرضية مصنوعة من الزجاج الشفاف السميك، تكشف عن الشعاب المرجانية الخلابة والأسماك الاستوائية الملونة التي تسبح بسلام أسفل قدميها. خلعت حنين حذاءها بعفوية متجاهلة كل الرسميات، ومشت حافية القدمين تتأمل المكان بانبهار مطلق.
كل ركن كان يضج بالرومانسية والعناية الفائقة؛ بتلات الورود الحمراء والبيضاء متناثرة في كل مكان، من المدخل وحتى السرير الوثير، تماماً كما كانت في ليلتهما الأولى في القصر. ورائحة الفانيليا والمسك تعبق في الأجواء، وهو العطر الذي أدرك ياسين أنه العطر الذي يعشقه عليها، فطلب من إدارة المنتجع تعطير الجناح به خصيصاً. 
اقترب ياسين من الخلف ببطء، خلع سترته وألقاها على الأريكة، ثم لف ذراعيه حول خصرها النحيل، دافناً وجهه في تجويف عنقها ليستنشق عبيرها بعمق أغمض معه عينيه براحة. — "جاهزة تعيشي أجمل أيام حياتك يا قلب ياسين؟" 
أغمضت حنين عينيها، ورفعت يديها لتغطي يديه المحيطتين بخصرها، وأسندت رأسها على صدره العريض الذي بات يمثل لها الآمان، وهمست بشغف صادق: — "أنا عايشة أجمل أيامي من نهار لي دخلت فيه لحضنك. معاك أنت، كل يوم هو عيد.. أنا نحبك بزاف يا ياسين، أكثر ملي تتخيل." 
أدارها   ببطء لتواجهه، وتأمل وجهها الملائكي الذي كان يفيض بالحب، قبل أن ينحني ويطبع قبلة طويلة وشغوفة على شفتيها، أعلنت بداية الانعزال التام عن العالم بأسره.
 
في الجناح الآخر، الذي يبعد مسافة كافية لضمان الخصوصية التامة بين الزوجين، كان الوضع صاخباً ومليئاً بالحياة كما هي العادة مع هذا الثنائي المتفجر.
دخل مازن الفيلا وهو يسحب حقيبتين ضخمتين، بينما كانت حنان قد رمَت حقيبة يدها الصغيرة على الأريكة وركضت كالفراشة نحو الشرفة الخارجية لتتأمل المحيط ببهجة عارمة. فتحت ذراعيها للهواء العليل، مغمضة عينيها باستمتاع، وشعرها الأسود الكثيف يتطاير مع نسيم البحر.
— "يا الله يا مازن! البلاصة هادي سحر.. شوف الماء شحال صافي! أنا حاسة روحي حورية بحر!" صرخت حنان بحماس وهي تقفز على أطراف أصابعها.
ترك مازن الحقائب، واقترب منها بخطوات بطيئة ومدروسة. وقف خلفها ولف ذراعيه حولها بقوة، مسنداً ذقنه على كتفها، وقال بصوت مليء بالشغف والغيرة التي لم تفارقه منذ رؤيتها تتألق بـ "الكاراكو" وخيط الروح الماسي في زفافهما: — "المايه صافية بس مش بصفاء عيونك.. أنا مصدقت إن المجنونة دي بقت ليا لوحدي وفي مكان مقفول علينا. بس على فكرة، أنا لحد دلوقتي مش مسامح نفسي إني خليت الناس تشوفك بالفستان امبارح.. ولا طريقتك في الرقص اللي طيرت برج من عقلي." 
التفتت حنان بين ذراعيه، ورفعت حاجبيها بابتسامة مشاكسة أظهرت غمازتيها الآسرتين بوضوح: — "راك حاب تحبسني هنا يا مهبول؟ جايبني للمالديف باش تخليني داخل الدار؟ والله غير نعوم في البحر ونخرج ونعيش حياتي، ونلبس واش نحب!" 
اقترب مازن أكثر، وتلاشت ابتسامته المازحة ليحل محلها نظرة عاشقة، جادة، ومليئة برجولة أذابت دفاعاتها تماماً: — "تعومي براحتك.. بس في المسبح الخاص بتاعنا ده، وتحت عيني أنا وبس. تلبسي اللي إنتِ عاوزاه، بس ليا أنا وبس. أنا عريس، ومن حقي أحتكر مراتي، والمفروض دلوقتي تعوضيني عن كل الشهور اللي جريت فيها وراكي ومطلعة عيني فيها!" 
حاولت   التملص بضحكة خجلة، لكنه لم يمنحها فرصة. التقط شفتيها في قبلة طويلة وعميقة أسكتت كل مناوشاتها، ورفعها بين ذراعيه ليتجه بها نحو الداخل، ليعلنا بداية شهر عسل لا يخلو من الشغف، الجنون، والمناوشات اللذيذة التي تليق بهما.
 
مرت ساعات النهار الأولى في استرخاء تام. في جناح ياسين، وبعد أن استراحا من عناء السفر، ارتدى ياسين سروالاً قصيراً للسباحة، بينما ارتدت حنين "بوركيني"  أنيقاً باللون الأزرق الداكن الذي يتناسب مع لون المحيط.
نزلا معاً إلى المياه الدافئة من سلالم الشرفة الخاصة. كانت حنين تتمسك بياسين بخوف طفيف ممتع وهي تلامس المياه العميقة، بينما كان هو يحيط خصرها بقوة ويسبح بها بعيداً قليلاً عن الفيلا.
— "أنا مكنتش نعرف نعوم مليح، بصح معاك حاسة روحي خفيفة،" قالت حنين وهي ترش بعض الماء على وجهه بضحكة صافية.
— "طول ما إيديا ماسكاكي، عمرك ما هتغرقي في أي حاجة.. لا في بحر ولا في دنيا،" أجابها ياسين وهو يمسح قطرات الماء عن رموشها الكثيفة، متأملاً انعكاس الشمس في عينيها.
قضيا فترة العصر جالسين على حافة المسبح الخاص، يتناولان الفواكه الاستوائية، ويتحدثان عن كل شيء؛ عن طفولة حنين في الجزائر، وعن بدايات ياسين الصعبة في تأسيس شركته الخاصة قبل أن ينضم لمجموعة والده. كانت جدران الصمت التي بناها ياسين لسنوات قد انهارت تماماً أمامها، وتحول "الأسد الجليدي" إلى كتاب مفتوح لا تقرأه سوى ملكة واحدة. 
 
مع حلول المساء، غابت الشمس تاركة وراءها لوحة فنية من الألوان الأرجوانية والبرتقالية التي انعكست على سطح المحيط.
أعد ياسين مفاجأة لحنين؛ عشاءً رومانسياً خاصاً على رمال الشاطئ البيضاء، في بقعة منعزلة تماماً عن المنتجع. كانت الطاولة محاطة بمشاعل نارية هادئة تُغرس في الرمال، وفوانيس زجاجية تنير الطريق بضوء خافت ورومانسي.
ارتدت حنين فستاناً صيفياً طويلاً وبسيطاً باللون الأبيض الناصع، يتطاير بخفة مع نسيم البحر، بينما ترك شعرها البني الكثيف منسدلاً بحرية كالحرير على ظهرها. عندما رأى ياسين إطلالتها، توقف الزمن به مجدداً. تقدم نحوها، مرتدياً قميصاً أبيض من الكتان مفتوح الأزرار العلوية وبنطالاً فاتحاً، ليمد يده لها كأمير ينتظر أميرته. 
جلسا معاً يستمعان إلى صوت تلاطم الأمواج الهادئ. كان ياسين لا يرفع عينيه عنها، يطعمها بيده في بعض الأحيان، وكأنه يكتشف ملامحها لأول مرة كلما نظر إليها.
— "تعرفي إيه أحلى حاجة في الليلة دي؟" سألها ياسين بصوته الرخيم وهو يرفع كأس العصير ليقرعه بكأسها. — "واش؟" ردت حنين بفضول وعيناها تلمعان تحت ضوء الشموع. — "إن مفيش شغل، مفيش صفقات .. ومفيش حد هيعطلنا  . الشركة كلها في إيد الحكيم الكبير، بابا  قدها وهيشيل الليلة أحسن مننا كلنا.. وأنا كل وظيفتي في الحياة دلوقتي هي إني أسعدك وبس." 
ابتسمت حنين بتأثر عميق، وامتدت يدها لتتشابك مع يده القوية فوق الطاولة. — "ياسين.. أنا عمري ما كنت نتخيل بلي ربي راح يعوضني بيك. كنت ديما خايفة من الدنيا، ومن الغربة . بصح أنت كسرت كل الجليد اللي كان بيناتنا، وخليتني نحس بلي أنا ملكة بصح." 
نهض ياسين من مكانه، وسحبها من يدها لتقف أمامه. أحاط خصرها وبدأ يتمايل معها ببطء على أنغام موسيقى كلاسيكية هادئة كانت تنبعث من سماعة   في مكان قريب، وكأنهما يرقصان في عالمهما الخاص، مستعيدين تلك الساعات الصباحية التي رممت كل شروخ الماضي في جناحهما بالقاهرة. 
همس ياسين بجوار أذنها، وكلماته تنساب كالسحر الصافي: — "الجليد ده داب لأنك إنتِ النور اللي دخله يا حنين. زي ما وعدت أبويا ووعتدك وسط العيلة.. مهما الأيام مرت، ومهما كبرنا، هفضل أخطفك ونسافر لوحدنا زي ما بابا  بيعمل مع أمي بالظبط.. لأن حبنا اتولد من رحم الوجع، وعمره ما هيعجز ولا هيموت أبداً." 
رفعت حنين وجهها، ووسط همسات المحيط وضوء النجوم اللامعة في سماء المالديف الصافية، تلاقت شفتيهما في عناق أبدي، ليعلنا أن قصة "الأسد الجليدي" الذي روضته الغريبة قد استقرت أخيراً في موانئ العشق المنيعة، لتبدأ أسطورة حياة لا تنتهي.

تعليقات



<>