رواية اولاد الباشا الفصل العشرون20بقلم شيماء منير
خرج من مكتب والده بعد ما صلاح نهى المقابلة بكلمتين ناشفين من كتر غضبه من كلام مالك وتلقيحه خرج مالك وفارس من المكتب والجو وراهم كان شاعل نار
مالك كان بيمشي في الممر بسرعة وعاصفة الغضب جواه لسه مهدأتش أما فارس فكان ماشي وراه وعينه بتطق شرار من تصرفات أخوه الطائشة لحد ما سحبه بقوة ودخل بيه أوضة استراحة الموظفين الفاضية وقفل الباب وراهم بعنف
فارس لف لمالك وبان عليه الضيق والعتاب الحقيقي وقال بصوت مكتوم بس كله حدة:
— أنت إيه اللي عكيته جوه ده؟ أنت رايح تفتح صدرك قدام ابوك وكمان مراته قاعده دا انا عمري ما شديت معه حتى قصاد امك وبعدين إيه الأسلوب دا والتلقيح دا يا مالك!
مالك نتر إيد فارس وعينيه حمرا من الغيظ:أسلوب إيه وتلقيح إيه؟ أنت مش شايف المنظر؟ الهانم جايه تاخد مكان امنا وكمان جايبها مع الشركه
فارس:امك عارفه وراضيه وملناش احنا بعد موافقتها كلام وياريت بقا تكبر بدماغك وتصرفاتك دي
مالك:وبعدين اتعرف عليها فين ؟؟ وامتى؟؟
فارس: دا موضوع كبير وقديم بعدين نبقي نحكيه المهم انا عايزك تهدا وتبطل طريقتك دي مع ابوك وايااك تتصرف اي تصرف مش كويس في الاجتماع...
ـــــــــــــــــــــــــ
اخر النهار في فيلا الباشا
مالك:إزاي توافقي على حاجة زي دي؟! إزاي قدرتي تاخدي قرار بالبساطة دي وكأن حياتك ومشاعرك مش فارقين معاكي؟
ردت نجوى بنبرة هادئة وصوت يحمل نبرة اليقين:
لو مكنتش وافقت... كانت هتحصل من ورايا يا مالك. على الأقل وأنا شيفاها وعارفاهاهبقى واقفه على أرض صلبة
خطا مالك نحوها خطوة سريعة وصوته يرتجف بحدة دافعا عنها بكل ما يملك من قوة لحمايتها
مالك:وإحنا مكناش هنسيبك كنا هنكون معاكي خطوة بخطوة.. ليه دايماً بتشيلني الهم لوحدك وكأننا مش موجودين في حياتك
نجوى:يا حبيبي... أنا مش زعلانة. أنا راضية وموافقه بابا على قرارره
مالك بضيق:بس أنا مش هسيبك لوحدك يا ماما حتى لو إنتِ راضية... أنا هفضل واقف في ضهرك ومش هسمح لأي حد يتخطى حدوده معاكي
نجوى:ياحبيبي متاخدش الموضوع بحساسيه بابا بيحبني وبيقدرني كويس وعمره ابدا ما اتعامل معايا باي إهانه بالعكس دا بيحترمني جدا
-----------------
كان بجلس على السرير في المستشفى
ووالداته منال تجلس بجانبه
اسر بتعب:ممكن تقعدني لوسمحتي ياماما
قامت منال بسرعة من مكانها بلهفة الأم وخوفها، وبصت لملامح ابنها اللي باين عليها التعب وقالت بحنان
حاضر يا حبيبي ارتاح خالص ومتحركش نفسك
قربت منه وبدأت تسنده براحة وتساعده عشان يعدل قعدته... آسر اتحرك ببطء وجسمه كله شادد من وجع الجرح، وقعد وهو بيتأوه بصوت مكتوم وماسك جنبه المصاب بقلة حيلة
في اللحظة دي الباب خبط خبطات خفيفة وهادية
التفتت منال ناحية الباب وقالت بصوت عالي شوية:
ادخل
الباب اتفتح براحةوظهرت منه رحمة. كانت واقفة عند الباب وساندة بإيدها على شنطتها و باين عليها التوتر والخجل من اللي حصل بصت لهم وابتسمت ابتسامة قلقانة وقالت:مساء الخير
آسر بصلها ورغم الوجع اللي كان حاسس بيه اترسمت على وشه ابتسامة خفيفة ترحب بيها.
ردت منال بترحيب:
مساء النور.. تعالي يا رحمة ادخلي يا حبيبتي
خطت رحمة لجوه الأوضة بخطوات متوتره وبصت لـ منال وقالت بتوجس:ازاي حضرتك يا طنط؟
ردت منال بابتسامة متعبة :الحمد لله يا بنتي، في فضل ونعمة
نقلت رحمة عينيها المتوترة لـ آسر اللي ساند ضهره على السرير وبلعت ريقها وصوتها طلع حنين وهي بتقول:
حمد الله على سلامتك يا اسر
رد عليها آسر بصوت هادي وعينه منزلتش من عليها:الله يسلمك يا رحمة
قربت منال من رحمة ومسكت إيدها تطمنها وقعدتها وهي بتقول بامتنان
اقعدي يا حبيبتي.. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل حاجة عملتيها. من أول ما جبتي آسر هنا المستشفى ولحقتيه لحد شهادتك في المحضر اللي خلت الشرطة تقدر تقبض على المجرم دا
رحمة عينيها لمعت بالدموع وهي تفتكر اللي مرت بيه وبصت لـ منال وبعدين لـ آسر وقالت بصوت طالع بالعافية من الوجع
رحمه:أنا اللي محتاجة أشكركم.. وأشكر آسر بالذات على وقفته جنبي. حضرتك مش متخيلة الشخص ده كان مؤذي قد إيه بجد كان عايز يتجوزني بالعافيةوجايب المأذون في يوم وعايز يكتب عليا غصب عني.. لولا ناس جدعان في الحتة خرجوا وساعدوني وعشان هو عارف اني عايشه انا وماما لوحدنا ولولا وقفة آسر معايا مكنتش عارفة كان هيجرالي إيه.
كلام رحمة وجع قلب منال وصعبت عليها اووي فقربت منها أكتر وأخدتها في حضنها بحنان كبير وقالت: ياحبيببتي اهو وقع في شر اعماله انا عايزاكي تعتبرني زي والداتك لو احتاجتي اي حاجه في اي وقت متتكسفيش تطلبيها مني
رحمه وابتسمت من بين دموعها شكرا ياطنط
اسر كان بيبص لرحمه وصعبانه عليه
ابتسم بخفه على حنان امه اللي ملوش حدودو
ــــــــــــــــــــــــــ
ليلا في فيلا الباشا
موبيل فارس رن
مسك الموبايل وبص في الشاشةلقى اسم عمته سمية منور على الشاشة. استغرب اتصالها في وقت زي ده وفتح الخط بسرعة
فارس :أيوة يا عمتو.انتوا كويسين؟
جاله صوت سمية واطي ومكتوم كأنها بتوشوش عشان محدش يسمعها وقالت بنبرة قلقانة وسريعة:بقولك إيه.. تعالى دلوقت عبد الرحيم عزام وابنه هنا في البيت.. أنا بكلمك وأنا في المطبخ
فجأة كل ملامح فارس اتغيرت،وقام وقف على رجليه وعينه بتطق شرار وصوته طلع حاد ومنفعل:
إيه؟! وازاي تدخليهم البيت أصلاً يا عمتو وأنا مش موجود؟! تليفونك كان فين قبل ما يدخلوا؟!
ردت سمية بقلة حيلة وبصوت هادي :اعمل إيه بس يا فارس معرفتش أتصرف خالص.. الباب اتفتح ولقيتهم في وشي ومكنش ينفع أطردهم. تعالى بسرعة أرجوك ومتتأخرش
ضغط فارس على كف إيده بعصبية وهو بيتحرك ناحية الدولاب
"أنا جاي حالا.. مسافة الطريق وأكون عندك.
فارس لبس هدومه في ثواني ونزل ركب عربيتة وطار بيها في الشوارع لحد ما وصل شقة عمته. أول ما خبط عمته فتحتله الباب ...وجوه في الصالة كان قاعد عبد الرحيم وجنبه ابنه عمرو.
قرب فارس منهم وهو بيحاول يتحكم في أعصابه ورسم على وشه ابتسامة باردة كلها تحدي وقال:
مساء الخير
ردوا الاتنين في نفس واحد بنبرة جافة:
مساء النور
حط فارس إيده في جيبه وبص لـ عبد الرحيم بثقة وقال:
منورين يا حاج عبد الرحيم
هز عبد الرحيم رأسه بكبرياء صعيدي ورد:
ده نورك يا ولد الباشا
فارس كمل كلامه بنبرة عتاب مبطنة بالتهديد:
مش كنت تديني خبر وتكلمني قبل ما تيجي يا حاج؟ عشان بس أكون في استقبالكم وأقوم بالواجب
هنا اتكلم عمرو بضيق وعصبية وهو بيعدل قعدته:
ده بيت عمنا.. عنستأذن منك إياك؟!
ملامح فارس اتقلبت تماما وعينه اسودت من الغضب وقرب خطوة وهو بيقول بصوت حاد وزي الفحيح:
كان زمان الكلام ده! دلوقتي البيت ده فيه مراتي وأمها اللي هي أصلا عمتي.. وعمك مات وشبع موت من سنين!
عمرو رد عليه بتحدي وعينه في عين فارس:
"ووصيته كانت كلها إننا نكون بصلة ببنته،وواصلينها.
فارس بضيق شديد وصوت جهوري قطع بيه كلامه:
أنت بتحلم. واللي في دماغك ده تشيله خالص.. بنان تخصني أنا وبقت تبع عيلة الباشا يعني خط أحمر
عمرو وشه احمر وكان لسه هيقوم ويتكلم بس عبد الرحيم مد إيده وحطها على رجل ابنه وضغط عليها يسكته وقال بصوت رخيم وكبير عيلة:
خلاص يا ولد.. مش وِجته الكلام ده عاد. إحنا جايين نطمن على بنت عمك ونمشي
فارس اتنفس ببطء وبص لعمته سمية وإداها إشارة بعينه. سمية فهمت واتحركت بسرعة دخلت جوه تنادي بنان.
بعد دقايق، الباب اتفتح وخرجت منه بنان.. كانت زي الملاك لابسة فستان طويل بكم باللون الموف وعامله شعرها كعكة رقيقة ومظبطة نفسها. أول ما ظهرت خطفت الأنظاروقالت بصوتها الرقيق كالعاده:مساء الخير
فارس أول ما شافها وشاف جمالها حس بنار قادت في جوفه.. غيرة عميا لدرجة إنه حس إنه لو اتمكن من عمرو هيعمل فيه جريمة دلوقتي حالا. بنان لفتت عينيها ناحية فارس وبصتله وابتسمت بخفة ورقة.
فارس حاول يملك نفسه وقرب منها ووقف خط دفاع بينها وبينهم
وقال بصوت رجولي حاسم:سلمي على عمك يا بنان
في اللحظة دي، عمرو كان عقله هيطير.. تاه وهو بيبص لـ بنان وبيتميل في تفاصيل جمالها اللي زاد عن الأول وعينيه مكانتش قادرة تنزل من عليها.
فارس لقط النظرة دي فورًا وعروق إيده برزت وهو بيبص لـ عمرو بغضب وعين تطق شرار وكأنه بيحذره إن النظرة الجاية تمنها هيكون غالي
بنان سلمت على عمها بابتسامة خفيفة وهي تمد يدها..
هبّ عمرو واقفاً هو الآخر لكي يسلم عليها، وعيناه تلمعان بانبهار شديد برقتها وجمالها الطاغي، ومد يده نحوها. في لمح البصر، تحرك فارس ووقف بحسم حائلاً بينه وبين بنان.
تحدث فارس بضيق وغيرة مشتعلة يحاول مداراتها بصعوبة:
— عيب أوي عليك.. احنا معندناش ستات بتسلم على رجالة، إنت برضه راجل صعيدي وبتفهم في الأصول!
أنزل عمرو يده بضيق شديد، وقد تملكه الضجر من تحكمات فارس وفرض سيطرته. في تلك الأثناء، أمسك فارس بنان من يدها بهدوء حذر، وجعلها تجلس على أحد المقاعد ثم جلس إلى جوارها مباشرة.
رمقه عمرو بغيظ مكتوم، عاجزاً عن إبعاد نظراته عن بنان وسحرها، بينما بادله فارس بنظرة حادة ومحتقرة من أعلى لأسفل، وكأنه يمنع نفسه بالقوة من النهوض وطرده.
قطع عبد الرحيم هذا التوتر موجهاً حديثه لفارس:
— صلاح بيه عامل إيه؟
رد فارس ببرود:
— كويس.. بجد بيسلم عليك لما عرف إني قابلتك المرة اللي فاتت.
ثم تابع بنبرة مقصودة تحمل خلفها الكثير:
— أصله افتكرك وقال لي إن حضرتك كنت بتشتغل عندنا زمان!
نظر عبد الرحيم لفارس بغل وضيق دفين، لكنه ضغط على أعصابه ليظهر عكس ذلك، وقال بنبرة غيظ يحاول يداريها:
— كان زمان بس.. الوضع دلوقتي اتغير واصل.
ابتسم له فارس بسخرية، ولم يمهله عبد الرحيم كثيراً حيث رد الضربة قائلاً:
— لما ترجع البيت ابقى سلم لي عليه، وباركه على جوازته الجديدة من غادة النحاس!
تلاشت ابتسامة فارس الساخرة وحلت محلها نظرة جامدة، وتذكر فوراً كلام والده بأن هؤلاء الناس ليسوا سهلين أبداً ويركزون في كل صغيرة وكبيرة، فقال باقتضاب:
— الله يبارك فيك.
دخلت سمية حاملة صينية الشاي التي طلبوها..
وضعت فنجان القهوة أمام فارس، ثم جلست بتوتر واضح على أحد المقاعد.
اقترب فارس من أذن بنان وهمس لها ببعض الكلمات، فقامت بنان على الفور ووقفت بهدوء قائلة:
— عن إذن حضرتك يا عمو.. أنا هدخل أوضتي.
وقف عمرو بوهن واندفاع:
— ليه عاد؟ ما تقعدي معانا شوية!
تراجعت بنان للخلف بتوتر ملحوظ من اقترابه، ونظرت إليه بصمت وخوف. في تلك اللحظة، انتفض فارس واقفاً، وشد بنان من ذراعها ليجعلها خلف ظهره، واضعاً نفسه في مواجهة مباشرة مع عمرو.
قال فارس بنبرة حادة وصارمة:
— إنت برضه راجل صعيدي وتفهم في الأصول.. مينفعش قعدة الرجالة يكون فيها ستات، ولا إيه؟
تدخل عبد الرحيم لينهي الموقف:
— روحي يا بنتي.. احنا أصلاً قايمين ماشيين.
أشار فارس برأسه لبنان لتتحرك، فتحركت مسرعة ودخلت غرفتها، وبعد دقائق غادر عبد الرحيم وعمرو الشقة.
بمجرد إغلاق الباب، ضرب فارس على الطاولة بضيق شديد وهتف:
— مش هينفع كده! الناس دي رجليها خدت على هنا!
سمية بقلق:
— طيب والعمل؟
فارس بحسم:
— تيجوا معايا الفيلا.
سمية باعتراض:
— لا مش هينفع يا فارس.
فارس بنبرة مشتعلة:
— اللي بيحصل ده هو اللي مش هينفع! أنا مش هقبل بدخولهم هنا كل شوية، والواد ده ونظراته ليها ومش شايل عينه من عليها! قسماً بالله لو مش المفروض إنه ضيف في بيتك أنا كنت كسرته وخزقتله عينه دي.. أنا مش هستحمل كده!
سمية محاولة تهدئته:
— يا فارس ده مش حل إننا نسيب شقتنا.
فارس مقاطعاً بإصرار:
— لا هو ده الحل، حتى لو مؤقت لحد ما نخلص من البلاوي دي!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أن حزمتا حقائبهما على عجل، ركبت سمية وبنان في المقعد الخلفي لسيارة فارس. كان الصمت الثقيل يلف الأجواء، بينما انطلق فارس بسيارته بسرعة وقوة نحو الفيلا، وكأنه يسابق الزمن ليبعد بنان عن أي خطر أو نظرة متطفلة.
عند وصولهم، كانت الأضواء الخافتة تحيط بحديقة الفيلا حيث يجلس صلاح ونجوى يستمتعان بنسمات الليل.
انتبهت نجوى لصوت المحرك، فقالت وهي تتابع السيارة التي دلفت من البوابة الحديدية الضخمة:
— ده فارس رجع أهو.
التفت صلاح هو الآخر يترقب نزول ابنه، لكن ملامحه تيبست فجأة وارتسمت عليها المفاجأة حين رأى سمية وبنان تهبطان من السيارة. لم تكن نجوى أقل منه ذهولاً، لكنها تداركت موقفها بسرعة وقامت تقترب منهم بترحيب حار لتكسر حدة الصمت.
ترجل فارس من مقعد القيادة، وأشار للبواب بصوت حازم صلب:
— نزل الشنط دي من العربية ودخلها جوه الفيلا.
جرى ذلك كله تحت نظرات صلاح المترقبة ونجوى التي لم تفهم بعد سبب هذه الزيارة المفاجئة في هذا الوقت المتأخر من الليل.
اقتربت نجوى مبتسمة:
— أهلاً يا حبايبي.. نورتوا
تحدثت سمية بنبرة يكسوها الحرج الشديد، وعيناها تتفادى النظر مباشرة لصلاح:
— أهلاً بيكي يا نجوى.. معلش احنا هنعملكم قلق ونيجي في وقت زي ده، بس فارس هو اللي صمم وأصر بشكل مش طبيعي.
ربتت نجوى على كتفها بحنان رغم حيرتها:
— يا حبيبتي متقوليش كده، البيت بيتكم في أي وقت.
أومأت سمية ممتنة:
— تسلمي يا حبيبتي.
تقدمت سمية لتسلم على صلاح، وتابعتها بنان التي كانت تقف بخجل وتوتر خلف والدتها. بادلهم صلاح السلام وهو يحاول جاهداً أن يبدو طبيعياً وهادئاً، مداريا الاضطراب الذي أحدثه حضورهم الفجائي.
استدعى فارس إحدى العاملات في الفيلا، وأمرها بنبرة واضحة:
— خدي الشنط دي، ووصلي عمتي وبنان للأوض الفاضية اللي فوق علشان يرتاحوا ويغيروا هدومهم.
تحركت سمية وبنان خلف العاملة بالفعل، وبمجرد أن اختفت خطواتهما داخل الرواق، التفتت نجوى نحو ابنها بملامح قلقة متسائلة:
— هو في حاجة حصلت يا فارس؟ إيه اللي جابهم في الوقت ده؟
تنهد فارس بضيق، وبدأ يسرد لهما تفاصيل المواجهة التي حدثت مع عبد الرحيم وابنه عمرو، وما قيل عن الماضي والحاضر. وطوال حديثه، لم تحِد عيناه عن وجه والده صلاح
بمجرد أن أنهى فارس كلامه، اشتعل وجه صلاح بالغضب وهتف بحدة:
— بس المفروض كنت تعرفني وتتصل بيا قبل ما تتصرف تصرف زي ده من دماغك وتجيبهم هنا!
رد فارس بثبات ونبرة لا تراجع فيها:
— أنا آسف يابابا.. بس بجد مكنتش هستحمل دخول الناس دي بيتهم هناك ثانية واحدة تانية.
حاولت نجوى التدخل لتهدئة الأجواء المشحونة بين الأب وابنه فقالت برفق:
— حصل خير يا صلاح.. حصل خير، هو بس كان خايف عليهم ومحبش يسيبهم لوحدهم قصاد الناس دول.
صمت صلاح للحظات، يجتر غضبه وأفكاره، ثم نظر لابنه ونطق بنبرة حاسمة:
— عموماً.. على الأقل كده أنا مطمن عليك إنت أكتر، وعارف إنك مش هتروح هناك وتفضل رايح جاي، وتكون تحت عيني هنا.
تنفست نجوى الصعداء وقالت وهي تتحرك نحو الداخل:
— أنا هطلع أطمن على سمية وبنان وأشوف لو محتاجين أي حاجة في الأوضة وكمان اخلي الشغالين يجهزوا العشا
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في بيت خالد
ساد الصمت أرجاء الغرفة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت خالد الرزين وهو يوجه نظراته الفاحصة نحو ابنته:
"قولتي إيه يا يمنى؟"
كانت الكلمات تخرج من ثغر يمنى بصعوبة بالغة، وكأنها تفر من حصار خانق في حلقها. ابتلعت غصتها وقالت بصوت خافت يكاد يُسمع، مستسلمة لقرار ليس لها فيه يد:
"اللي تشوفه حضرتك يا بابا..."
تدخل آسر محاولاً تلطيف الأجواء الجافة، بلهجة هادئة متزنة:
"أنا بقول ييجي ونتكلم معاه ونشوفه، وإنتي كمان تقعدي معاه وتتكلمي، وبعدها تقولي رأيك براحتك خالص."
نقلت يمنى عينيها صوب شقيقها، ونظرت إليه بصمت طويل.. صمت يحمل عتباً خفياً وخيبة أمل، لم تكن بحاجة للحديث، فنظراتها كانت أبلغ من أي كلام.
في تلك الأثناء، كانت عين الأم "منال" تقرأ ما وراء الوجوه. نظرت إلى ابنتها، ولمحت في عينيها بريق رفضٍ قاطع، رفضٌ مكبوت تعجز أنفاسها عن إطلاقه علناً. وحرصاً منها على احتواء الموقف دون صدام، علقت منال بنبرة هادئة:
"نشوفه الأول يا خالد.. وبعدها نقرر."
أومأ خالد برأسه موافقاً وحسم الأمر:
"تمام، أنا هكلمه واتفق معاه ييجي بكرة آخر النهار."
بعد فترة وجيزة، انسحبت يمنى بهدوء متجهة إلى غرفتها. وبمجرد أن أغلقت الباب وراءها، انهار ذلك السد المزيف الذي تظاهرت به أمامهم.
انفجرت في بكاء مرير، وراحت دموعها تنساب بغزارة تحرق وجنتيها. لم تكن تبكي مجرد زواج مفروض، بل كانت تبكي حلمًا يتهاوى؛ فكرة أن ترتبط برجل غير "مالك" كانت تبدو لها كالمستحيل، غُصّة لا يمكن لقلبها استساغتها.
ارتطمت بجسدها فوق الفراش، ودفنت وجهها في وسادتها لتكتم صرخات وجعها الدفين. انكمشت على نفسها وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع بمرارة، وكأن عقارب ساعتها قد توقفت تماماً عند هذه اللحظة، وأن حياتها التي تمنتها قد انتهت قبل أن تبدأ
ــــــــــــــــ
صباحا يوم الجمعه
في الممر الهادئ المؤدي لغرف النوم، خرجت نجوى وبدت خطواتها مترددة وهي تقترب من غرفة ابنها فارس. في تلك اللحظة، فُتح الباب المجاور وخرجت منه بنان بكامل حيويتها؛ كانت ترتدي تنورة سوداء قصيرة تعلو ركبتيها، مع قميص بدون أكمام باللون الأزرق النيلي وضعته بعناية داخل التنورة، بينما انسدل شعرها الأسود الطويل على كتفيها بنعومة.
اقتربت بنان من نجوى بابتسامة مشرقة:
— صباح الخير يا طنط.
تفحصت نجوى ملابسها الضيقة بلمحة عتاب خفيفة لم تخلُ من المحبة، ثم أجابت بابتسامة باهتة:
— صباح النور يا حبيبتي.. صحيتي بدري يعني؟
دنت بنان منها وطبعت قبلة رقيقة على وجنتها:
— آه، فوقت من شوية الصراحة.
تساءلت نجوى:
— وماما فين؟
— ماما صحيت وزمانها بتصلي دلوقتي.
تنفست نجوى براحة وقالت:
— طيب كويس، عشان ننزل نفطر كلنا سوا.. أنا هروح أصحي فارس كمان عشان يلحقنا.
التمعت عينا بنان بابتسامة رجاء:
— بليز يا طنط، خليني أنا اللي أدخل أصحيه.
نظرت إليها نجوى بتردد وحرج، ولم تجد مبرراً للرفض أمام حماسها، فابتسمت بفتور وقالت:
— تمام يا حبيبتي، زي ما تحبي.
استدارت نجوى واتجهت نحو الدرج بخطوات وئيدة، بينما التفتت بنان نحو غرفة فارس.
طرقت بنان الباب بخفة، ولما لم تلقَ إجابة، دفعته بهدوء ودلفت إلى الداخل. فوجئت بأن السرير فارغ ومنظم، لكن صوت المياه المتدفقة من الحمام أخبرها بمكانه.
جالت ببصرها في أرجاء الغرفة الواسعة؛ كل شيء كان في مكانه بدقة شديدة تعكس شخصيته المنظمة التي تتناقض تماماً مع فوضويتها العفوية. لفت انتباهها إطار خشبي أنيق مستقر فوق الكومودينو، واقتربت لتجده يحمل صورة شخصية لها! قطبت جبينها بذهول، فهي لا تتذكر مطلقاً أنها التقطت هذه الصورة من قبل.
في هذه الأثناء، فُتح باب الحمام وخرج فارس وهو يجفف خصلات شعره. تسمر مكانه للحظة حين رأى طيفاً يقف وسط غرفته، ثم سرعان ما ارتسمت على وجهه ابتسامة مرحة:
— أمسك حرامي! في قطة بتفتش في حاجتي هنا؟
التفتت بنان بلهفة، لكنها تجمدت مكانها واحمرّت وجنتاها خجلاً؛ فقد كان فارس يرتدي سرواله الداخلي (البوكسر) فقط، وعضلات صدره عارية تماماً. حاولت جاهدة إخفاء توترها، فرفعت يدها لترتب شعرها وتابعت بنبرة مرتبكة وهي تشير للصورة:
— أنا.. أنا كنت بتفرج على الصورة دي بس.
لاحظ فارس ارتباكها الشديد، فدنا منها بخطوات بطيئة وعيناه تلمعان بمكر:
— على فكرة.. الصورة دي تخصني أنا.
سألته بنبرة تحاول جعلها طبيعية:
— جبتها منين؟ أنا مش فاكرة إني اتصورت الكادر ده أصلاً.
اقترب أكثر حتى كاد جسده يلامس جسدها، مما جعلها تتراجع خطوة للخلف بتوجس. مد فارس يده خلفها ليلتقط قميصه المعلق، ثم اعتدل وبدأ بارتدائه بهدوء، وقال بنبرة غامضة:
— مالكيش دعوة.. سر المهنة.
تأففت بنان بضيق مصطنع لتداري دقات قلبها المتسارعة:
— أوكي، عموماً أنا كنت جاية أصحيك عشان الفطار.. طنط نجوى بتقول كل حاجة جاهزة.
قبل أن تتحرك، باغتتها يدا فارس اللتان امتدتا لتمسكا بذراعيها برفق، مثبتةً نظراتها داخل عينيه. قال بصوت دافئ يحمل صدقاً دفيناً:
— الصورة دي أنا اللي لقطتها لكِ من غير ما تاخدي بالك.. زمان، لما كان بيوحشني وجودك، كنت بقعد أبص فيها وأتكلم معاها.. صدقيني الصورة دي غالية عندي فوق ما تتخيلي، يمكن قلت لها كلام كتير قوي مكنتش قادر أقوله لكِ في وشك زمان.
تاهت بنان في بريق عينيه، وشعرت بصدق كلماته التي لمست قلبها، لكن قربها منه - بقميصه المفتوح الأزرار وقطرات الماء التي تسقط من شعره على كتفيه - جعل وجهها يتلون بالحمرة.
ابتسم فارس بمكر حين لاحظ أثر قربه عليها، فحاولت التملص قائلة:
— طيب.. أنا هنزل بقى عشان ما نتأخرش على طنط.
استدارت نحو الباب، لكنها تفاجأت بيده تمتد لتمسك بخصلات شعرها برفق كافٍ لإيقافها.
صاحت بنان متألمة بدلال:
— آه! في إيه يا فارس؟ شعري!
تحولت ملامح فارس فجأة إلى الجدية والضيق، وجذبها إليه بخفة:
— تعالي هنا ثواني.. أومال إيه اللي أنا شايفه ده؟
سألته باستغراب:
— في إيه؟ مالك؟
نظر إلى ملابسها من أعلاها لأسفلها وقال بلهجة حاسمة:
— أنتِ ناوية تنزلي تفطري باللبس ده؟
أجابت ببساطة:
— أيوة عادي.. ما إحنا في البيت مع بعض.
عقد حاجبيه بحدة:
— لا مش عادي.. البيت مش فاضي يا بنان، في طباخ وفي سفراجي، وغير كده أبويا وأخويا موجودين.
شعرت بنان بعبء الغيرة التي تحاصرها، فقالت بضيق:
— هو في إيه؟ أنت خانقني برة وجوة البيت كمان؟
أمسك كتفيها وقال بنبرة هادئة لكنها صارمة:
— لما أكون بحافظ عليكي وأغار عليكي يبقى بخنقك؟ غيري الهدوم دي، وإياكِ تنزلي بالمنظر ده تاني.
لوت شفتيها بامتعاض وقالت تتهرب من نقاشه:
— أوكي.. أوكي.
تحركت لتغادر، لكنه جذب ذراعها برفق هذه المرة، ليديرها ويحتضنها من خلف ظهرها، دافناً وجهه في عنقها:
— مش عايزك تخرجي من الأوضة وأنتِ مبوزة وزعلانة كده.
صمتت بنان وعلامات الضيق ما زالت مرتسمة على وجهها، فوضع ذقنه على كتفها وتابع بصوت خفيض:
— يا حبيبتي، العيشة هنا في الفيلا غير الشقة عندك مع سمية.. صدقيني، لو كنا لوحدنا في البيت من غير أبويا وأخويا، أنا نفسي كنت هيأت لك الجو عشان تلبسي وتتحركي براحتك خالص.
بدأت نبرته الحنونة تذيب ضيقها، فقالت بتفهم:
— أوكي.. تمام.
همس بجانب أذنها:
— بحبك.
التفتت إليه بنصف ابتسامة:
— وأنا كمان.
ابتعد عنها وفتح الباب قائلاً:
— يلا يا حبيبتي، غيري هدومك بسرعة وانزلي، وأنا هجهز وأحصلك فوراً.
في نفس اللحظة التي خطت فيها بنان خارج الغرفة، كان صلاح الباشا يخرج من جناح الخاص. تيبست خطواته وهو يرى ابنة أخته تخرج من غرفة ابنه في هذا الصباح الباكر، وارتسمت على وجهه علامات الضيق والريبة.
شعر فارس بالارتباك فور رؤية نظرات والده الصارمة، فتنحنح قائلاً بتوتر:
— صباح الخير يا بابا..
نظر صلاح إلى هيئة فارس بقميصه شبه المفتوح وشعره المبتل، وأجاب بنبرة جافة:
— صباح النور.. أنتوا بتعملوا إيه ؟؟
تحشرج صوت فارس وهو يحاول تدارك الموقف:
— مفيش يا بابا.. كنا نازلين نفطر.
رمقه صلاح بنظرة فاحصة من أعلى لأسفل:
— نازلين تفطروا بالمنظر ده؟
فرك فارس مؤخرة عنقه بتوتر:
— لا.. يعني لسه هنجهز، أقصد أنا هجهز يعني
شعرت بنان بثقل الموقف ونظرات خالها الحادة التي تخترقها، فقالت بوجل:
— عن إذنكم..
وتحركت بخطوات سريعة وشبه راكضة نحو غرفتها لتغلق الباب خلفها.
وضع صلاح يده في جيب سرواله، ونظر لابنه بنظرات ثاقبة:
— فاهمني إيه الحكاية بالظبط يا فارس؟
أجاب فارس بسرعة ومدافعاً عن نفسه:
— والله يا بابا ما في حاجة خالص من اللي في دماغك.. كل الحكاية إن ماما بعتتها تصحيني عشان الفطار، بس أنا كنت صاحي وجاهز فعلاً.
هز صلاح رأسه ببطء ولم تخلُ نبرته من التحذير:
— امممم.. أنا مش عايز موضوع كتب الكتاب ده يخليك تنسى عقلك وتنسى الأصول.
رد فارس بحرج وتوتر:
— حضرتك فاهم غلط خالص يا باشا.. أنا مش عيل صغير عشان أتصرف كده.
تابع صلاح بضيق وهو يشير باتجاه غرفة بنان:
— وبعدين إيه اللبس اللي هي لابساه ده؟ مش بقت مراتك وتخصك وتتحسب عليك؟ ده لبس تلبسه وفي شاب تاني هنا في البيت غير الشغالين
تنهد فارس مبرراً:
— أنا لسه مكلمها حالا في الموضوع ده وهي داخلة تغيره.. هي بس متعودة في شقة مامتها إنهم ستات مع بعض وبراحتهم.
عقد صلاح حاجبيه وقال بنبرة آمرة:
— بغض النظر عن كدا لازم تتحجب بقا، ولا أنت مش هتعرف تفرض كلمتك وقراراتك؟
حاول فارس صياغة رده بدبلوماسية ليحمي بنان:
— الموضوع مش فرض رأي بالظبط يا بابا.. هي عشان مش محجبة من الأول، فالموضوع لازم ييجي خطوة خطوة وبالراحة عشان لما تاخد الخطوة دي تاخدها عن اقتناع كامل، مش بالإجبار يعني
صمت صلاح لثوانٍ يتأمل كلام ابنه، ثم قال بنبرة حاسمة:
— امممم.. ماشي يا فارس. حب ودلع براحتك ومحدش هيلومك، بس في أصول وحاجات تانية مينفعش فيها لا دلع ولا حب.. مفهوم؟
أومأ فارس برأسه احتراماً وفهم مغزى كلمات والده تماماً:
— متقلقش يا باشا.. متقلقش خالص، أنا تربيتك كله هيبقا تمام
تحرك صلاح نحو السلم وهو يقول:
— ماشي.. أنا نازل.. اجهز وحصلني
ــ فارس:تمام..
هبط صلاح درجات السلم بخطوات مثقلة ببعض الضيق، ليجد نجوى تقف في غرفة الطعام، تراقب الخادمات بنظرات دقيقة وهن يضعن أطباق الفطار على السفرة بنظام.
اقترب منها صلاح، وتلاشت حدة ملامحه قليلاً وهو يطبع قبلة حانية على خدها هامساً:
"صباح الخير."
التفتت إليه نجوى، واتسعت ابتسامتها الدافئة التي تحمل حب سنوات طويلة:
"صباح الورد يا حبيبي."
جلس صلاح على مقعده، ثم أطلق تنهيدة حارة محملة بالضيق والوجوم. ولم تخطئ عين نجوى الخبيرة بمزاجه تلك التنهيدة؛ التفتت فوراً إلى الخادمات وأشارت لهن بيدها قائلة بهدوء:
تقدرروا تروحواتشوفوا شغلكم في المطبخ دلوقتي.
بمجرد أن انصرفن، اقتربت نجوى من صلاح، ووضعت يدها على كتفه بقلق:مالك يا حبيبي؟ في حاجة مضيقاك؟التفت إليها صلاح وعلامات الاستياء واضحة على وجهه
:هو إنتِ بعتي بنان تصحي فارس؟
ترددت نجوى للحظة، وحاولت تلطيف الأمر:مش بالظبط.. أنا كنت رايحة أصحيه، وهي اللي طلبت مني تعمل دا بدالي
عقد صلاح حاجبيه مستنكراً، ونبرة صوته تعلو قليلاً:و
ودا ينفع يا نجوى؟؟؟
تراجعت نجوى خطوة للخلف، وقالت بتردد واضح:
أنا معاك إنه مينفعش.. بس بصراحة اتحرجت أكسف البنت وارفض طلبها.
ضرب صلاح بكفه على الطاولة بخفة تترجم ضيقه:هو حال البيت هيتعوج من أولها ولا إيه؟
حاولت نجوى تهدئته ولملمة الموقف:
متكبرش الموضوع يا صلاح.. واهدى شوية، مفيش حاجة حصلت لكل دا.
رد صلاح بسخرية لاذعة ونبرة حاسمة:
"هو إيه اللي اتحرجت؟! ومين المفروض اللي يتحرج أصلاً؟ إنتِ كدا بتحطي النار جنب البنزين وبتقوليلي اتحرجت!
دافعت نجوى عن موقفها بمبرر لم يقنعها هي شخصياً:
يا صلاح حتى لو كدا، وبنان خفيفة شوية، فارس عاقل ورزين يعني، مش هيعدي حدوده.
نظر إليها صلاح بنظرة ساخرة، ورفع حاجبيه بذهول:
واللهِ؟!! إنتِ مصدقة نفسك باللي بتقوليه دا؟
أخفضت نجوى عينيها بحرج، وعضت على شفتها السفلى وابتسمت على تبريرها، أمام نظرات زوجها التي لا تخطئ.
تابع صلاح بجدية حازمة وصوت منخفض حتى لا يصل لمن في الخارج:
"المفروض كنتِ منعتيها فوراً. حتى لو كاتبين كتابهم، دا شاب وممكن يكون في أوضته نايم براحته، مش مجبر يتفاجأ بحد جواه.. الأصول أصول يا نجوى."
أومأت نجوى برأسها مستسلمة لمنطقه:
خلاص يا صلاح، حصل خير.. مش هخليها تكررها تاني أبداً.
في تلك اللحظة، قطع حوارهما هبوط فارس وسمية معاً. دخلا إلى غرفة الطعام وعلامات الصباح تعلو وجهيهما:
"صباح الخير."
رد صلاح ونجوى السلام، وجلس الثنائي في أماكنهما المعتادة يباشران يومهما بهدوء.
ولم تمر دقائق حتى ظهرت بنان وهي تهبط السلم بخطوات رقيقة. كانت ترتدي فستاناً أنيقاً باللون الرمادي (الجراي)، بأكمام طويلة ويمتد بطولٍ ساتر ومحتشم إلى ما تحت الركبة، وقد رفعت شعرها بالكامل إلى الأعلى على شكل "ديل حصان" حيوي أبرز ملامح وجهها الصبوح.
اقتربت بنان من السفرة بخجل، فلمحتها نجوى وأرادت تلطيف الأجواء، فأشارت لها بترحيب:
"تعالي اقعدي جنب خطيبك يا بنان."
تحركت بنان وعلامات الحرج تكسو وجهها، وتجنبت النظر لصلاح، ثم جلست بهدوء في المقعد المجاور لفارس.
مال فارس بجسده نحوها قليلاً، واستغل انشغال الجميع بالحديث، ليهمس في أذنها بنبرة حملت إعجاباً حقيقياً وصوتاً دافئاً:
"كدا أجمل بكتير على فكرة.."
اتسعت ابتسامة بنان بخجل شديد، وشعرت بسعادة غامرة تملأ قلبها، ثم بدأت في تناول طعامها والابتسامة لا تفارق وجهها، بينما كان صلاح يراقب الأجواء ببنظرات هادئة تحذيرية
ـــــــــ
انقضت الساعات الثقيلة، وخرجت "بنان" و"يمنى" من بوابات قاعة الامتحانات بعد أداء المادة الأخيرة، لتتنفس كل منهما الصعداء بعد أيام طويلة من السهر والضغط.
بنان واتنهدت بارتياح
"الحمد لله.. أخيراً كابوس الامتحانات ده خلص على خير!"
يمنى بصوت خافض ومنكسر
"الحمد لله يا بنان.."
التفتت إليها "بنان" وعلامات القلق والتعجب تكسو وجهها، وتأملت ملامحها المرهقة:
بنان:"مالك يا بنتي؟ أنتِ منمتيش خالص ولا إيه؟ شكلِك تعبانة أوي."
يمنى (بقلة حيلة وزفرة ضيق):"لا يا بنان، الموضوع مش نوم.. أنا بجد مش عارفة أعمل إيه في حوار العريس اللي اتقدملي ده، التفكير هيموتني."
بنان (ببساطة وعفوية):يا بنتي ما تكبريش الموضوع من حقك ترفضي طبعاً.
يمنى (بألم وحيرة):ما هو الرفض ده لازم يكون ليه أسباب تقنع أهلي! وبصراحة أنا مش لاقية سبب واحد عيب فيه.. دكتور، ومحترم، ومن عيلة محترمة، ولبسه وطريقة كلامه وشكله كل حاجة فيه مثالية.. الحاجة الوحيدة اللي ناقصة، إني مش بحبه. وبحب مالك
وقفت "بنان" فجأة والتفتت إليها مؤكدة بجدية:
بنان:ودي أهم حاجة يا يمنى! الجواز مش لستة مميزات بنقراها، الراحة والقبول هما الأساس.
تابعتا سيرهما حتى خرجتا من البوابة الرئيسية للجامعة، لتردف "يمنى" بقلة حيلة:
يمنى:اكيد عندك حق..
بنان مغيره مجرى الحديث"المهم فكي كده.. فارس زمانه على وصول، هيعدي عليا عشان نخرج مع بعض، ووعدني إنه هيعلمني السواقة شوية النهاردة."
تراجعت "يمنى" بخطوة للخلف قائلة بحرج شديد:
يمنى:"خلاص يا بنان، اركبي أنتِ معاه وأنا هاخد تاكسي.. أنا كنت فاكرة السواق بتاعكم هو اللي جاي ياخدنا."
بنان (بابتسامة معاتبة وهي تجذبها من يدها):
"إيه يا بنتي الجنان ده؟ عادي جداً هنوصلك في طريقنا، بطلي كسوفك اللي مالوش لازمة ده بقا!"
وفجأة، قطعت خلوتهما خطوات تقترب منهما بجرأة. التفتتا لتجدا شاباً يقف أمامهما بملامح حادة ونظرات حارقة.. كان عمرو عزام.
انقبض قلب "بنان" وتوترت ملامحها فور معرفتها به، وحاولت جاهدة الحفاظ على هدوئها فرسمت ابتسامة باهتة على شفتيها.
عمرو (بنبرة ذات مغزى وعينين تتفحصانها بجسارة):
"إزيك يا بت عمي؟"
بنان (ببرود ونبرة هادئة متحفظة):
"الحمد لله.. كويسة."
عمرو (مقتحماً مساحتها الشخصية بنظرات جريئة):
"عامة إيه؟ واصلة كيف؟.. اتوحشتك جوي يا بنان."
بنان (باقتضاب وضيق حاولت إخفاءه):
"ميرسي.."
عمرو (بثقة ومحاولاً فرض وجوده):
"تعالي يلا معايا عشان أوصلك، أنا سيبت مشغلي وجاي مخصوص عشان أشوفك واطمن عليكي."
بنان (باعتذار حاسم):
"لا معلش، شكراً.. فارس جاي في السكة دلوقت وزمانه على وصول."
تبدلت ملامح "عمرو" في لمح البصر، وانعقد حاجباه بغضب جحيمي بمجرد أن تداول مسامعه اسم "فارس".
عمرو (بضيق ونبرة حاقدة):
"فارس!.. فارس ده واخد حاجة مش من حقه واصل!"
برقت عينا "بنان" بعدم فهم، ونظرت إليه بريبة مستنكرة:
بنان:
"يعني إيه؟ أنت بتقول إيه؟!"
عمرو (بحدة صوته المرتفع):
"يعني أنتِ مش من حقه ولا عمرك هتكوني ليه! أنتِ من حقي أنا.. عمي محمد الله يرحمه كان كاتب في وصيته إني أنا وأنتِ نتجوز أول ما تقفلي عشرين سنة!"
وقعت الكلمات على مسامع "بنان" كالصاعقة. اتسعت عيناها بصدمة ذهول، والتفتت بتلقائية نحو "يمنى" التي تيبست في مكانها من هول ما تسمع.
بنان (بصوت يرتجف من الغضب والضيق):
"أنت أكيد بتخرف! إيه الجنان اللي بتقوله ده؟!"
عمرو (وهو يخطو نحوها بتهديد):
"أنا مش بخرف، وإنتِ خابرة زين إن دي الحقيقة اللي هتحصل واصل."
بنان (بصراخ وغضب عارم):امشي من هنا يا مجنون أنت..
فقد "عمرو" صوابه أمام رفضها، واندفع نحوها بقسوة ماداً يده ليقبض على ذراعها بقوة وعنف.
عمرو (بفحيح غاضب وعينين تشعان شرراً):
"أنا مش مجنون! أنا بحبك يا بت عمي، وعايزك.. ولازم تكوني ليا ومكتوبة باسمي!"
تأوهت "بنان" من شدة قبضته على ذراعها، واجتاحتها موجة من الاشمزاز والخوف:
بنان (بصراخ متألم):ابعد إيدك دي عني!.. سيبني
في تلك اللحظة، تدخلت "يمنى" برعب، وحاولت بكل قوتها جذب "بنان" نحوها لتبعدها عن براثنه وهي ترتجف خوفاً.
عمرو (بانفعال جنوني وهو يحاول سحب بنان خلفه):
"نتِ لازم تيجي معايا دلوقت.. أنتِ بتاعتي أنا!
بنان (وهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة وتضرب يده بغضب):
ابعد عني بقى يامتخلف أنت!.. أنت مش طبيعي، سيبني
وفي ذروة الصراع والشد والجذب، شق سكون المكان صوت هتاف محركات قوية تجأر في الأفق.
لمح الجميع سيارة "فارس" الفارهة تندفع نحوهم بسرعة جنونية، تتبعها سيارة الحراسة الخاصة به كظلها. ومن خلف زجاج سيارته، أبصر "فارس" المشهد كاملاً: "عمرو" وهو يتجرأ على الإمساك بـ "بنان" ويحاول سحبها عنوة.
في تلك اللحظة، اعتلى وجه "فارس" غضب بركاني أعمى، وتصلبت عروق عنقه.. وبدلاً من التهدئة، ضغط على دواسة الوقود بقوة أكبر، منطلقاً بسيارته نحوهم كالقذيفة، ليعلن وصول الجحيم لـ "عمرو".
