رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الاول1بقلم فاطمة عبد الرازق
كانت تمشي في الطريق دون أن تعرف إلى أين ستذهب، ولا إلى أين يمكن أن يأخذها هذا الطريق في هذا الوقت المتأخر من الليل، وهي تحمل بين ذراعيها طفلًا لم يتجاوز الثالثة من عمره.
كانت خطواتها متعثرة، وأنفاسها متقطعة، ودموعها تنساب على وجنتيها دون توقف. كلما حاولت أن تمنع نفسها من البكاء، عادت الذكريات تقتحم عقلها من جديد، فتستسلم لدموعها أكثر.
قبل ساعات فقط، كانت تقف في بيت عمها، تواجه قرارًا لم يكن لها فيه رأي...
فلاش باك
كانت حور تقف أمام سعاد، وملامحها مشتعلة بالغضب والخوف في آنٍ واحد، قبل أن تصرخ بجنون:
حور بجنون:
"يعني اي يا مرات عمي عايزني اتچوز واحد چد أبوي؟"
رفعت سعاد عينيها إليها بغضب، وكأنها لم ترَ في اعتراضها سوى تمرد لا يحق لها.
سعاد بغضب:
"يعني الراچل چيه لغاية اهنيه وطلب يدك، دا راچل عنده ارض ومزرعه، مالك اكده مش عاچبك إياك؟"
شهقت حور من شدة القهر، وانهمرت دموعها وهي تتحدث بحرقة:
حور ببكاء وحرقة:
"انت بتعاملني اكده ليه؟ حرمتني من التعليم وعيشتني خدامه عندك، اكنس وامسح واطبخ واغسل، بناتك جاعدين، مش هتزوچ چوليله، اني مش موافچه عليك."
اقتربت منها سعاد بعنف، ثم أمسكت بشعرها وجذبته بقسوة.
سعاد بغضب وهي تشدها من شعرها:
"چرا اي يا بنت سميحه؟ نسيتي نفسك ولا اي؟ أنا اهنيه ست البيت، كلمتي اللي تمشي، سامعه ولا منتش سامعه؟ هتتزوچيه يعني هتتزوچيه، ومتجبيش سيرة بناتي ع لسانك اللي عايزة قصه."
أغمضت حور عينيها من الألم، وحاولت أن تخلص شعرها من قبضتها، ثم قالت بصوت مرتجف:
حور ببكاء:
"متعمليش أكده فيا، سبيني اربي أخوي اللي لسه موعااش ع الدنيا يا مرت عمي."
تركت سعاد شعرها ببطء، ثم نظرت إليها ببرود قاسٍ.
سعاد ببرود:
"لو ع خيك نوديه دار ايتام تهتم بيه، أكده ملكيش حچه يا بنت سميحه. ويكون بعلمك، سوا ازوچتيه ولا لا، خيك هنوديه لدار ايتام. احنا لاچين ناكل علشان نصرف ع خيك."
رفعت حور عينيها إليها، وكان الخوف يملأهما، إلا أن شيئًا من الشجاعة ظهر في صوتها وهي تقول:
حور ببكاء ممزوج بالشجاعة:
"متزوچيه بت من بناتك."
اشتعل الغضب في عيني سعاد، فجذبت شعرها مرة أخرى.
سعاد بنفاذ صبر وهي تجذبها من شعرها:
"سيرة بناتي متجبيهاش ع لساني، أنا بناتي هزوچهم من أسياد البلد."
ثم تمتمت في نفسها بغل وحقد، وهي تنظر إلى حور:
"ياريت بناتي نص چمالك."
رفعت حور رأسها، وقالت بإصرار رغم دموعها:
حور:
"بس أنا مش هتچوز، يعني مش هتچوز. أنا لسه صغيرة ع الچواز يا مرت عمي."
وقبل أن تتمكن سعاد من الرد، دوّى صوت رجولي في المكان، فالتفتتا إليه.
أدهم:
"مين دي اللي هتتچوز؟"
كان أدهم، ابن سعاد، قد ظهر أمامهما.
نظرت إليه سعاد بمكر؛ فهي تعلم جيدًا أن ولدها يعشق حور، ولهذا السبب تحديدًا وافقت على زواجها من الحاج محمد بمجرد أن تقدم لطلب يدها. كانت تريد إبعاد حور عن ابنها بأي طريقة، فهي تكرهها منذ سنوات؛ لأن حور تمتلك جمالًا لا تمتلكه بناتها.
قالت سعاد وكأن الأمر لا يعنيها:
سعاد بمكر:
"حور اتچدملها الحاچ محمد صاحب المزرعه، رايده ليه وأنا وافچت."
اتسعت عينا أدهم، واشتعل الغضب في وجهه.
أدهم بعصبية:
"كيف يمااااا توافچي؟ دا راچل عنده خمسين سنه!"
تغيرت ملامح سعاد، فقد خافت من غضب ابنها، فسارعت إلى تبرير موقفها:
سعاد بخوف من ابنها:
"بس يا ولدي هي موافچه، نعمل اي؟ نچبرها ترفض؟"
ثم وجهت نظرة سريعة إلى حور، التي كانت مصدومة من كلامها، وشعرت برعب حقيقي من القادم.
رفع أدهم صوته وهو يوجه حديثه إلى حور:
أدهم بيزعق لحور:
"الكلام دا صوح يا حور؟ بدك تتزوچي من راچل چد أبوكي الله يرحمه؟"
ارتجفت حور، ولم تجد ما تقوله سوى:
حور بخوف:
"بس يا أدهم يا ولد عمي..."
لكنها لم تستطع إكمال جملتها.
فقد ارتفع صوت بكاء أخيها، وهز المكان كله.
تركت حور الجميع وهرعت إليه، فقد كان بكاؤه كافيًا لينسيها كل شيء حولها.
منذ وفاة والدتها، أصبحت هي من ترعاه. كانت بالنسبة إليه أمًا أكثر من كونها أختًا.
لكن كيف لطفلة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها أن تحمل مسؤولية أم لطفل صغير؟
كانت حور نفسها لا تعرف.
كل ما تعرفه أنها لم تكن تملك رفاهية الاختيار.
اقترب أدهم من أمه، وقال بصوت منخفض حتى لا تسمعه حور:
أدهم:
"كيف يماااا توافچي وأنتي خابره إني بحب حور ورايدها؟ كيف يمااا؟ كيف؟ عچلي هيطير من نافوخي!"
ثم تابع بغضب، وقد عجز عن إخفاء غيرته وخوفه من فقدانها:
أدهم:
"حور مش هتتچوز غيري يمااا، علي چستي تتچوز غيري."
نظرت إليه سعاد بحدة، وكأنها لا تفهم كيف يمكن لابنها أن يفكر بهذه الطريقة.
سعاد بحدة وغضب:
"تتزوچ من چاهله وانت مهندس چد الدنيا يا ولدي؟ كيف يا ولد؟ هي سحرالك ولا اي يا ولدي؟"
ارتفع صوت أدهم أكثر، حتى دوّى في أرجاء البيت، وكان صوته الجوهري مرتفعًا لدرجة أن الطفل الذي كان على وشك النوم استيقظ مفزوعًا وأخذ يبكي.
أدهم:
"انتي اللي موافچتيش تخليها تكمل علمها!"
تغير وجه سعاد، واشتعل الغضب في عينيها.
سعاد بغضب ونفاذ صبر:
" هنصرف ع اكلها و شربها هي و اخوها و لا ع تعلمها ،أنا ع چثتي تتزوج بنت سميحه يا ولدي! "
تركها أدهم وخرج من البيت، ثم أغلق الباب خلفه بعنف.
أما سعاد، فدخلت إلى حور وهي تغلي من الغضب.
وجدتها تضع أخاها على الفراش، فاقتربت منها وقالت بحدة:
سعاد بغضب:
"انتي عملتي لولدي اي يا حربايه؟ عملتي ولدي اي؟"
رفعت حور عينيها إليها، وكانت تحاول تهدئة أخيها.
حور:
"أنا معملتش حاچه يا مرت عمي، وعلشان أريحك، أنا مبحبش أدهم، أنا بعتبره أخويا."
لم تصدق سعاد كلمة واحدة مما قالته.
سعاد بغضب:
"ميكونش فكراني هصدچك عاد؟ صوح يا حربايه؟"
تنهدت حور بنفاد صبر، ثم قالت:
حور:
"اللي تشوفيه يا مرت عمي، أنا چولتلك اللي عندي وانتي حرة."
اقتربت سعاد منها، ثم ألقت تهديدها الأخير في وجهها:
سعاد بتهديد:
"لو مچوزتيش الحاچ محمد، هچول للناس ف البلد إنك بترمي چتت ع ولدي."
تجمدت حور في مكانها.
كانت تعرف أن سعاد قادرة على فعل ذلك، وكانت تعرف أيضًا أن كلامها في البلد قد يكون كافيًا لتدمير حياتها بالكامل.
ابتلعت ريقها، وقالت بخوف:
حور:
"ح. حاضر يا مرت عمي، اللي تشوفيه."
ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجه سعاد.
سعاد:
"ايوو اكده، خاليك بنايه شاطرة وتسمعي الحديت اللي اچولك عليه. لما يچي أدهم هنده عليكي چدامه، وأسألك موافچه ع الحاچ محمد، تچولي ايوو يا مرت عمي موافچه."
ترددت حور:
حور:
"بس يا مرت عمي..."
ضربت سعاد بيدها على الطاولة بعنف.
سعاد بحدة:
"مبسش! ومتنساش اللي چولتلك عليه."
انهمرت دموع حور من جديد.
حور:
"حاضر يا مرت عمي."
استدارت سعاد وقالت بلهجة آمرة:
سعاد:
"چومي حضري الوكل، زمان بسنت ورحمه چاين من المدرسه."
نهضت حور من مكانها بانكسار، وهي تدعو الله في سرها أن ينجيها من هذا الكابوس.
في المساء...
اجتمع الجميع حول السفرة.
كان أدهم وسعاد وبسنت ورحمة يأكلون في صمت، بينما غابت حور.
وبعد لحظات، قطع أدهم الصمت وهو يسأل:
أدهم:
"امال حور يماا؟"
أجابته سعاد:
سعاد:
"جوا چاعدة باخوها."
نظر أدهم نحو الباب.
أدهم:
"مش هتاكل ولا اي؟"
أجابته سعاد بغضب مكتوم:
سعاد:
"كلت چبل متيچي يا ولدي."
لم يقتنع أدهم، فنهض من مكانه واتجه إلى غرفة حور.
طرق الباب، ثم استأذن بالدخول.
كانت حور قد ارتدت حجابها، ثم قالت:
حور:
"ادخل يا أدهم."
دخل أدهم وجلس مقابلها أمام السرير.
نظر إليها بحب واضح في عينيه.
أدهم بحب:
"كيف يا حور؟"
أخفت حور انكسارها قدر استطاعتها، وأجابته بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا:
حور:
"زينه يا ولد عمي تسلم، انت كيفك؟ وكيف الجامعه والدراسه؟"
ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة.
أدهم:
"الحمد لله، كله تمم."
ثم تابع يتساءل: ماكلتيش ليه يا حور
قالت بكذب: كلت يا ولد عمي،تسلم
قال ادهم: ماشي يا حور
ثم سكت للحظة، قبل أن يسألها مباشرة:
أدهم بتساؤل:
"چوليلي يا حور، موافچه ع الحاچ محمد؟"
وقبل أن تتمكن حور من الرد، دخلت سعاد الغرفة، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة.
سعاد:
"چوليله يا حور، أصل ولدي مش مصدچني إنك موافچه ع الحاچ محمد."
رفعت حور عينيها إلى سعاد، وكانت الدموع تلمع فيهما.
حور بعيون دامعة:
"موافچه يا ولد عمي."
ابتسمت سعاد بخبث، وقالت:
سعاد:
"صدچتني دلوچت يا ولدي."
لكن أدهم لم يقتنع.
كان يراقب وجه حور، وكأنه يبحث عن شيء مخفي خلف كلماتها.
أدهم بغضب حاول السيطرة عليه:
"حور متخافيش، أنا اهنه چمبك. لو مش ريداه چوليلي."
نظرت حور إلى سعاد.
كانت نظرتها تحمل تهديدًا واضحًا.
ارتجفت حور، ثم قالت:
حور بخوف:
"لا، موافچه بإرادتي يا ولد عمي، تسلم."
ظل أدهم ينظر إليها للحظات، ثم انفجر غضبه فجأة.
نهض من مكانه وضرب الألفاظ التي كانت على الطاولة بعنف، فارتعبت حور وسعاد، بينما استيقظ الطفل مفزوعًا وأخذ يبكي بصوت عالٍ.
صرخ أدهم:
أدهم:
"منتش متچوزاه يا حور! انتي ليا وبس، سامعه ولا منتش سامعه؟ وكتب كتابنا بكرا بالليل، اچهزي!"
ثم تركهم وخرج من الغرفة.
حدقت سعاد في الباب للحظات، ثم صرخت:
سعاد:
"يامصيبتي ياااني! يا مصيبتي! ابني انتي عملتيله اي يا حربايه؟ يا حربوچه انتي!"
(والله ما حد حربايه وحربوقه غيرك انتي يا حقودة 😂😡)
قالت حور بهدوء رغم كل ما بداخلها:
حور:
"اطمني، أنا موفچاش ع ولدك."
خرجت سعاد من الغرفة وهي في قمة غضبها، ولحقت بأدهم.
سعاد:
"أدهم يا ولدي، كيف بدك تتچوز من بنت عمك؟"
استدار إليها أدهم بغضب.
أدهم:
"يمااا، انتي خابره إن بحب حور وهتچوزها غصب عن الكل."
بدأت سعاد تمثل البكاء، محاولة الضغط على ابنها.
سعاد وهي بتمثل العياط:
"يعني هتعصي امك علشان حتت عيلة صغيرة يا ولدي؟"
لكن أدهم لم يتراجع.
أدهم بغضب وحدة:
"أنا چولت اللي عندي."
ثم تركها وذهب.
في غرفة حور، كانت تبكي بصمت، بينما كان أخوها يبكي معها.
وفي تلك اللحظة، دخلت رحمة وبسنت.
كانت بسنت في عمر حور تقريبًا، وما إن رأت ابنة عمها بهذا الانكسار حتى اقتربت منها وربتت على كتفها.
بسنت:
"معلش يا حور، حچك عليا أنا يا بنت عمي، حچك فوچ راسي."
أما رحمة، التي كانت في الصف الأول الثانوي، فقد مدت يديها نحو الطفل.
رحمة:
"هاتِ ريان يا حور، أنا اسكته."
أعطتها حور الطفل، وقالت وهي تبكي:
حور بشكر:
"شكرا يا رحمه، هتعبك معيا."
نظرت إليها رحمة بحزن.
رحمة:
"ولا تعب ولا حاچه، انتي اللي تعبانه يا بنت عمي، الله يكون في عونك."
ثم خرجت بالطفل لتسكته.
رأتها سعاد، فقالت بغضب:
سعاد:
"هي شغلتك خدامه عندها ولا اي من دلوچت؟ مش عاندكي مذاكرة يا رحمه؟"
نظرت رحمة إلى أمها بغيظ، وقالت:
رحمة:
"أنا اللي چولتلها هاتيه، ومعنديش مذاكرة، بكرا الچمعه يمااا."
نفخت سعاد بضيق، ثم قالت بحقد:
سعاد:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا بنت سميحه، سحرتي عيالي، منك لله."
عند حور...
جلست بسنت بجوار حور، ونظرت إليها بحزن.
بسنت:
"هتعملي اي دلوچت يا حور؟"
انفجرت حور في البكاء.
حور:
"مش خابره يا بت عمي، مش خابره. حاسه إني غرچانه ف شبر مية."
فكرت بسنت قليلًا، ثم قالت:
بسنت:
"اهربي يا حور، أسلم حل دلوچت إنك تهربي لغاية ما الأمور تهدأ، وبعدين ترچعي."
اتسعت عينا حور في خوف.
حور:
"انت اتخبلتي ف عچلك اياك يا بسنت؟ كيف عيزاني اهرب؟ وعايز الخلچ تچولي عليا هربت مع عشچها."
ردت بسنت وهي تحاول التفكير في مخرج:
بسنت:
"يا حور، محدش هيچيب سيرتك. هيخاف من الخلچ، هيچولو إنك روحت عند قرايب امك."
هزت حور رأسها بحزن.
حور:
"بسنت، انت خابره إن كل قرايب امي اهنيه ف الصعيد."
قالت بسنت وهي تحاول بث الأمل في قلبها:
بسنت:
"سيبها ع الله يا حور، متچلچيش. المهم قبل الفچر تكوني ركبتي قطر القاهره."
ابتلعت حور خوفها، وقالت بتردد:
حور:
"أنا خايفه يا بسنت، خايفه. أنا لو رچعت وأهل النچع عرفوا إن هربت، هيچولو هربت مع عشچها ويچتلوني، دا لو أدهم ملچنيش چبليهم ويچتلني."
احتضنتها بسنت وهي تبكي على حال ابنة عمها التي كانت تعتبرها أختها.
بسنت وهي بتحضن حور بعياط:
"متچلچيش، ربك مش هيضيعك يا حور. اطمني يا بنت عمي، المهم تنقذي نفسك."
ظلت حور صامتة للحظات، ثم قالت بتردد:
حور:
"حاضر."
ربتت بسنت على ظهرها.
بسنت:
"تصبحي ع خير، نامي يا بنت عمي، الساعتين دول ريحي چسمك، وأنا قبل الفچر هاچي أصحيكي."
ابتسمت حور ابتسامة حزينة.
حور:
"ماشي يا بسنت، وانتي من أهل الخير يا بنت عمي."
لكن حور لم تستطع النوم.
ظلت طوال الليل تحدق في الظلام وتفكر فيما ستفعله.
إلى أين ستذهب؟
ماذا ستفعل في القاهرة؟
وأين ستعيش؟
لم تكن تعرف شيئًا.
كانت تعرف فقط أنها لا تستطيع البقاء.
وبعد ساعات طويلة من التفكير والإرهاق، غلبها النوم.
وقبل الفجر بساعة...
دخلت بسنت الغرفة لتوقظها.
اقتربت منها، ثم بدأت تهزها برفق محاولة المزاح معها:
بسنت:
"حور، حور، اصحي يلاا علشان تمشي."
فتحت حور عينيها، وما إن تذكرت كل شيء حتى امتلأت عيناها بالدموع.
حور بخوف وعياط:
"أنا خايفه يا بسنت."
احتضنتها بسنت، وكانت تبكي على حال ابنة عمها التي لم تكن تراها مجرد ابنة عم، بل أختًا لها.
بسنت بعياط:
"متخافيش يا حور، إن شاء الله ربك مش هيضيعك، متچلچيش. وخدي الفلوس دي، هتحتاچيها، ودا كل اللي معيا والله."
نظرت حور إلى المال في يدها، ثم إلى بسنت بامتنان.
حور:
"شكرا يا بسنت، مش هنسي وقفتك جمبي."
نهضت حور وارتدت ملابسها وحجابها، ثم وضعت جزءًا من الأشياء التي تحملها بطريقة تخفي نصف وجهها، وأخذت كل ما تحتاج إليه هي وأخوها داخل حقيبة ظهر.
حملت ريان بين ذراعيها، ثم ودعت بسنت وهي تبكي.
خرجت حور من البيت قبل الفجر، وبدأت تمشي في الظلام.
كانت مرعوبة.
الدنيا من حولها مظلمة، والجو هادئ بشكل مخيف، وكل صوت صغير كان يجعل قلبها يرتجف.
واصلت السير لمسافة طويلة حتى وصلت إلى المحطة.
قطعت التذكرة، ثم صعدت إلى القطار.
جلست في مكانها، وحاولت أن تغمض عينيها قليلًا.
نامت لبعض الوقت، لكنها استيقظت على صوت بكاء ريان.
حاولت تهدئته، لكنه لم يتوقف.
لاحظت إحدى السيدات العجائز حالها، فقالت لها:
الست العجوزة:
"ماله يا بنتي ابنك؟ تلاقي عنده مغص."
نظرت حور إليها بعينين دامعتين.
حور بصوت يحمل البكاء:
"مش عارفه والله يا حاچه، مش راضي يسكت."
مدت السيدة العجوز يديها إليها.
الست:
"هاتيه."
أعطتها حور الطفل، فحملته العجوز وقرأت عليه القرآن، وبعد دقائق هدأ الطفل ونام.
شكرتها حور كثيرًا، ثم أخذته منها بهدوء، واحتضنته بين ذراعيها.
ظلت تنظر إليه للحظات طويلة.
كانت تتساءل في صمت:
إلى أين ستذهب؟
ومن أين ستبدأ؟
وهل يمكن لفتاة في الثامنة عشرة من عمرها أن تبدأ حياة جديدة وهي تحمل طفلًا صغيرًا ومسؤولية العالم فوق كتفيها؟
لم تجد إجابة.
فاكتفت بأن بكت في صمت.
حتى وصلت إلى القاهرة في الصباح.
كانت حور مبهورة بجمال القاهرة.
كانت هذه المرة الأولى التي تراها فيها على الحقيقة، بعدما اعتادت أن تراها طوال عمرها في الأفلام فقط.
لكن انبهارها لم يدم طويلًا.
فهي لم تكن سائحة جاءت لتستمتع بجمال المدينة.
كانت هاربة.
واصلت السير وهي تحمل أخاها، وكلما شعرت بالتعب جلست على الرصيف قليلًا لتريح جسدها، وكانت تلاعب ريان حتى لا يبكي، ثم تعود إلى السير من جديد.
وظلت على هذه الحال طوال اليوم.
حتى حل الليل.
استمرت في المشي، ودموعها لا تتوقف، وهي لا تعرف إلى أين تتجه.
كانت تسير في مكان شبه مهجور، تحيط به عمارات لا تزال قيد الإنشاء.
اشتد خوفها.
ضمت ريان إلى صدرها بقوة، ونظرت حولها بقلق.
كان الرعب يسيطر عليها، وكل ما تفكر فيه هو احتمال ظهور لصوص أو أشخاص يؤذونها.
أسرعت في خطواتها، وهي تحاول الابتعاد عن المكان بأسرع ما يمكن.
لكنها توقفت فجأة.
فقد لاحظت شابًا ملقى على الأرض أمامها، والدماء تسيل منه بغزارة.
تجمدت في مكانها.
تراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تحتضن ريان.
ثم سمعت صوته الضعيف.
الشاب:
"ساعديني..."
توقفت أنفاسها.
كان ينظر إليها بصعوبة، ثم قال وهو يسعل ويتحدث برجاء:
الشاب:
"ساعديني... اتصلي بالإسعاف."
نظرت حور حولها بسرعة.
وهناك، لمحت سيارة حديثة الطراز، وقد أُطلقت عليها النيران، وأصبحت متضررة ومحطمة بشكل واضح.
تملكها الخوف، لكنها لم تستطع أن تترك الشاب يموت أمام عينيها.
ركضت نحوه وهي لا تزال تحمل أخاها، وانحنت بجواره.
حور:
"مين عمل فيك كدا؟"
لكن الشاب لم يجب.
فقد فقد وعيه تمامًا.
تجمدت حور في مكانها، وبدأت دموعها تنهمر بغزارة.
كانت لا تعرف ماذا تفعل.
روح تموت أمامها...
وطفل صغير يبكي بين ذراعيها...
وهي وحيدة، غريبة عن المكان، لا تعرف أحدًا ولا تعرف إلى أين تهرب.
وفجأة...
ظهر أمامها ضوء قوي.
رفعت رأسها.
كانت هناك سيارة تقترب منهم.
توقفت السيارة على مسافة قريبة، وبدأت حور تسمع أصوات رجال بداخلها.
ثم اتضح لها أنهم رجال مسلحون.
تجمد الدم في عروقها.
احتضنت ريان بقوة، وعجزت حتى عن الحركة.
كانت لا تعرف...
هل جاء هؤلاء الرجال لإنقاذ الشاب؟
أم أنهم هم من فعلوا به كل ذلك؟
وفي تلك اللحظة، أدركت حور أن هروبها من الصعيد لم يكن سوى بداية الخطر الحقيقي...
