رواية فتاة القارب الفصل الاول1بقلم مريم الشهاوي
"حسن أنا مش شايفة حاجة،ليه غميت عيني ؟؟"
ردَّ حسن بنبرةٍ تملؤها الرغبة والشهوة: "عاملك مفاجأة هتعجبك."
ولكن مع مرور اللحظات، بدأت تشعر بأن القارب يثقل، فبادرت بالسؤال، وقد دبَّ في قلبها الشك: "هو فيه حد طلع علمركب غيرنا يا حسن؟"
أجابها حسن بتوترٍ جلي، محاولًا أن يُخفي ما يضمره: "لا، لا يا حبيبتي... قلتلك إني عاملك مفاجأة فكفاية اسئلة واصبري."
لكن القلق كان يتسلل إلى قلب الفتاة، وحينما أحست بلمسات غريبة تتسلل إلى جسدها، انقلبت شكوكها إلى رعبٍ محقق. بدأت أيادٍ غليظة تنزع عنها ثيابها قسرًا ويربطون يدها وراء ظهرها بكل قسوة وعنف، فصرخت بذعر: "حسن، ايه اللي بتعمله ده !!..ابعد...يا حسن...لااا!"
لكنّ الصرخات كانت تُدفن في صمت البحر العميق، ذلك الصمت الذي لا يسمع فيه سوى همس الرياح وارتطام الأمواج بخشونة، وقد بات القارب بعيدًا عن أعين البشر.
ارتعدت الفتاة وأصابها الهلع، وبينما كانت تحاول أن تستوعب ما يجري، شعرت بيدٍ قاسية توضع على كتف حسن لتبعده، وسمعت صوتًا يقول ببرود: " ايه يا عم براحة علبت...يلا دوري اوعى."
ضحك حسن ضحكة شريرة، وهو يغلق زر سرواله، متيحًا المجال لصاحبه. تقدم الرجل الآخر نحو الفتاة، بينما كانت تئن وتصرخ، مُحاولةً بيأس أن تُفلت من قبضة الشياطين الذين أحاطوا بها. ولكنها كانت عاجزة، مكبلة، جسدها يرتجف وروحها تتهاوى. كانت تسمع أصواتًا خافتة تقترب من همسات الموت، حتى باغتها الهجوم الثاني من ذلك الوحش الآدمي.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تسلل ثالث لينضم إلى مشهد الرعب، بينما كانت الفتاة مُستنزفة، عاجزة حتى عن المقاومة، وجسدها يئن تحت وطأة الجريمة النكراء. كانت دموعها تتساقط بغزارة، تبلل القماشة التي حجبت عينيها، ولمّا انتهوا من جريمتهم البشعة، وقف حسن وألقوها في البحر بلا رحمة.
تبكي بضعف وتحاول افلات يديها المربوطة خلف ظهرها واخيرا نجحت ولكنها لا تجيد السباحة فصرخت الفتاة مستنجدة : "حسن....أنا مبعرفش أعوم...أرجوك...رجعني البيت.. متسيبنيش هنا...مش هنطق بحاجة والله...حسن مبعرفش أعوم...يا حسن."
لكن القارب كان يبتعد شيئًا فشيئًا، تاركًا إياها تواجه مصيرها المظلم في قلب البحر. ومع تكرار محاولاتها البائسة للنجاة، استسلمت أخيرًا لبراثن اليأس، وقد ابتلعها الصمت الموحش للأمواج التي كانت شاهدة على الجريمة.
_____________________________
-هيام مرجعتش ليه؟ راحت فين؟؟
أجابتها ابنتها بتوتر، وعيناها تبحثان عن الطمأنينة في ملامح والدتها القلقة: "قلتلك يا ماما إنها خرجت تحط أكل للبهايم وراجعة متقلقيش ونامي هي ممكن تتأخر شوية أنتِ عارفة هيام لكعة وبتعمل الحاجة على مهلها."
لكن الأم، وعيناها تحملان خوفًا لم تعهده من قبل، ردت بقلق ممزوج بإصرار: "لا ميغمضليش جفن وبنتي برا البيت في البرد ده ،روحي...روحي دوري عليها وهاتيها يلا روحي الفجر قرب يأذن وهي لسه برا."
-حاضر يا ماما.
نهضت هالة ببطء، وكأن الثقل الذي يسكن قلبها يبطئ خطواتها. ارتدت سترة قديمة تحتمي بها من البرد القاسي، ثم خطت خارجًا، متسائلة في سرّها عما كان يدور في قلب أختها تلك الليلة. كانت تعلم أن هيام ذهبت لتلتقي بحسن، حبيبها الذي تعرفت إليه منذ زمن، ووعدها بأن يأتي قريبًا لخطبتها. كان حبّها له طاهر ،أحبته بصدق وحينما ذهبت لتلتقي به أخبرت أختها فقط لأنها الوحيدة التي تعلم بعلاقتهم.
وأثناء سيرها، لاحظت أن الطريق إلى الحظيرة كان يغرق في ظلام دامس، هدوء قاتم يلفّ المكان، لا يكسره سوى صوت خطواتها المتسارعة. فجأة، خرج من بين الظلال عم جميل، جارهم العجوز الذي أحاطهما برعاية ودٍ وأبوة منذ وفاة والدهما. كان عم جميل يمثل سندًا وعونًا لهالة وهيام، رجلٌ لم يُرزق بأبناء، فجعلهما قطعةً من قلبه.
بصوتٍ يحمل دفء الأبوة وحسّها، قال: "هالة! على فين يا بنتي؟ "
توقف قلبها لوهلة، تفاجأت بظهوره المفاجئ وسط هذا الصمت المخيف، فحاولت أن تجيب بصوت مرتعش، غير قادرة على إخفاء قلقها: "ع-عم جميل... أنا... بدور على هيام ..أنت شوفتها؟ "
ارتسمت علامات الدهشة على وجه جميل، وقال مستنكرًا: "وهي مش في البيت؟؟"
ابتلعت هالة ريقها، محاولة تمالك نفسها أمام عينيه المتسائلتين: "هي خرجت تحط أكل للبهايم بس لحد دلوقتي مرجعتش !"
نهض عم جميل من كرسيه الخشبي القديم، ونظر نحو السماء التي كانت داكنة بشكل مخيف ثم قال بصوت واثق: "استني يا بنتي مش عايزك تمشي لوحدك في الوقت ده تدوري عليها هاجي معاكِ."
انتظرته هالة وهي في حالة قلق متصاعد، أصابعها ترتجف، ونبضات قلبها تتسارع. لم تكن تريد أحدًا يأتي معها للبحث عنها فقد ينكشف كل شيء الآن.
خرج عم جميل بعدما لف نفسه بوشاحه القديم، ليشاركها بحثًا محفوفًا بالأمل والخوف، وقد شعر في نفسه أن هذه الليلة ليست كغيرها...
_____________________________
ها هو صوت المؤذن يعلو في ظلمة الفجر، يشق صمت الليل العميق. "الله أكبر، الله أكبر..."، كان النداء يصل إلى مسامع عم جميل وهالة التي تملّكها القلق والاضطراب. نظرت إلى عم جميل وقالت، محاولًة إخفاء ارتباكها: "روح المسجد يا عم جميل وأنا كمان هروح أصلي وهنأجل البحث عن هيام لبعد الصلاة."
وافقها عم جميل، وانطلق نحو المسجد. أما هالة، فبدلاً من العودة إلى البيت، تظاهرت بذلك فقط. وما إن غابت عن أنظاره حتى سلكت طريقًا آخر، طريقًا تعرفه جيدًا.
تقدمت حتى وصلت إلى منزل أحدهم. وقفت أمام الباب، وأخذت تطرق عليه بقوة، قلقها يشتد وغضبها يتصاعد. بعد لحظات فُتح الباب ليظهر حسن، وعيناه تحملان دهشة وارتباكًا. رمقته بنظرة غاضبة وقالت بحدة: "فين هيام؟!"
