رواية اولاد الباشا الفصل الواحد والعشرون21بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الواحد والعشرون21بقلم شيماء منير

ان تحب شخصًا، يعني أن تتطوع لتكون جدارًا صلبًا يتلقى عنه صدمات الحياة، ودرعًا خفيًا يحميه من غدر الأيام. الحماية في أسمى صورها ليست فرض قيود، بل هي منح الأمان الذي يجعل المحبوب يحلّق في الأعالي وهو مطمئن أن هناك أرضًا صلبة وسماءً حانية تنتظر عودته دائمًا. إنه الحب الذي لا يمتلك، بل يحرس؛ ولا يسجن، بل يصون.

لم تكد السيارة تتوقف حتى فُتح الباب بتهور، ونزل منها فارس كالإعصار. صفَعَ الباب خلفه بعنف هزّ أرجاء المكان، وتقدم بخطوات واسعة مشحونة بغضب أعمى. دون مقدمات، اندفع نحو عمرو، وبحركة واحدة سريعة وقاسية، دفعه بعيداً عن بنان، ليرتد عمرو إلى الخلف متفاجئاً.

في احدى الزوايا، تراجعت بنان بخطوات مرتعشة لتقف بجوار يمنى؛ كانت أنفاسهما متلاحقة، ودموع بنان تنساب بغزارة وهي تراقب ما يحدث برعب.

انقضّ فارس على عمرو كوحش كاسر، وقبض بكلتا يديه على مقدمة قميصه، جادباً إياه إليه. وبطريقة هستيرية، انهال عليه بلكمات متتالية وعنيفة لا ترحم، ممتزجة بسيل من الشتائم وأقبح الألفاظ التي قذفها في وجهه. كانت الضربات سريعة لدرجة أن عمرو لم يملك فرصة للدفاع عن نفسه، حتى بدأت الدماء تسيل بغزارة من أنفه وفمه، صابغةً وجهه باللون القرمزي.

فجأة، أمسك فارس برأس عمرو من الخلف، وضغط عليه بقوة مفرطة، حانياً ظهره ليجبره على النظر مباشرة في عينيه المشتعلتين بالوعيد. همس فارس بصوت جهوري متقطع من فرط الغضب، وعيناه تتفحصان ملامح عمرو المنهكة:

"دي تخص فارس الباشا... يوم ما تفكر بس تقربلها... هموتك!"

ولم يكد ينهي جملته حتى عاجله بضربات متتالية أخرى سقط على أثرها عمرو أرضاً، ليفقد الوعي تماماً وسط بركة الصمت التي حلت بالمكان.

في تلك اللحظة، تقدم رئيس الحرس بخطوات حذرة، ممسكاً بذراع فارس بمرونة ليمنعه من مواصلة الفتك به:

_ "كفاية بقا يا باشا... هيموت في إيدك..."

تنفّس فارس بحدة، وعدّل من وقفته وهو ينفض يديه بغضب عارم، ثم التفت إلى رئيس الحرس بنظرة حادة كالسيف وقال بنبرة تقطر تحدياً:

"لا... أنا مش عايزه يموت. أنا عايزه يعيش ويروح يحكي لأبوه وعيلته كلها على اللي حصل هنا... عشان أي حد فيهم يفكر بس يقرب من حاجة تخص ولاد الباشا!"

استدار فارس بكامل جسده، وابتعد عن جسد عمرو الملقى أرضاً. تلاقت عيناه بعيني بنان التي كانت لا تزال تبكي بهستيرية. انمحت أثار القسوة من وجهه فجأة وحلت مكانها لهفة عارمة؛ اقترب منها وبحركة تلقائية دافئة، جذبها إلى صدره، محيطاً إياها بذراعيه كأنه يعزلها عن العالم الخارجي.

همس في أذنها بصوت منخفض ومطمئن:

_ "اهدي..."

تراجع خطوة للخلف، ورفع يديه ليحيط بوجهها المرتجف، ثم مسح دموعها بلطف بابهامه، وهو ينظر في عمق عينيها بجدية مطلقة:

_ "محدش هيقدر يجي جنبك طول ما أنا عايش... أنا معاكي."

أمسك بمساندة يدها وقادها برفق نحو السيارة، حيث صعدت بنان في المقعد الأمامي وهي تحاول استجماع شجاعتها، بينما ركبت يمنى في الخلف وعلامات الصدمة تكسو وجهها. انطلقت السيارة بسرعة، وقاموا بتوصيل يمنى أولاً إلى منزلها، قبل أن تلتف السيارة مجدداً في طريق عودتها الطويل نحو الفيلا، حيث ساد الصمت داخل السيارة، صمتٌ مشحون بأمان جديد ..

فُتح الباب الكبير للفيلا، ودخل فارس وهو يمسك بيد بنان بقوة، كأنه يثبت لنفسه ولها أنها أصبحت في أمان. كانت خطوات بنان واهنة، وعيناها حمراوين من أثر البكاء المتواصل.

وقفت سمية في وسط البهو، وتطلعت إليهما بملامح يكسوها الاستغراب؛ فقد كانت تتوقعت خروجه طويلة. قطعت الصمت متسائلة:

_ إيه ده؟ انتوا مش كنتوا خارجين ؟؟؟

أجابها فارس بنبرة هادئة ومقتضبة حاول من خلالها إخفاء بركان الغضب الذي بداخله:

_ "مافيش... غيرنا رأينا."

لم يطمن قلب سمية؛ نظرت إلى ابنتها بدقة الأم، واستشعرت أن هناك خطباً ما. سألت بتوجس:

_ "انتوا اتخانقتوا ولا إيه؟"

رد فارس فوراً وبنفس النبرة الحازمة: "لا."

في تلك اللحظة، لم تستطع بنان الصمود أكثر، واهتزت كتفاها لتنزل دموعها مجدداً بغزارة. تقدمت سمية نحوها بخوف وقلق بالغ، ورفعت وجه ابنتها بيديها قائلة:

_ "في إيه يا بنان؟ انتِ ما حليتيش في الامتحان كويس؟"

تدخل فارس ليخفف عنها: "لا، حلت كويس جداً."

لم تنتظر سمية مزيداً من الإجابات، بل جذبت ابنتها إلى صدرها وضمتها بخوف حقيقي وهي تلتفت لفارس: "أومال مالها؟ في إيه اللي حصل؟"

في هذه الأثناء، هبطت نجوى من على الدرج، وبدت عليها علامات الدهشة ذاتها وهي تقترب منهما:

_ "إيه ده؟ لحقتوا رجعتوا؟"

تنهد فارس بتعب شديد، ومسح وجهه بيده محاولاً استجماع هدوئه، وقال:

_ مخرجناش أصلاً يا ماما ...

سألت نجوى بقلق بدا على وجهها: "مالكم يا حبيبي؟ في إيه؟"

هنا، التفت فارس بكامل جسده، ونطق بالاسم الذي يكرهه والشرر يتطاير من عينيه:

_ "الزفت اللي اسمه عمرو عزام... جالك عند الجامعة، وكان عايز يأخدها غصب عنها!"

تصلّب جسد سمية، وازدادت ضمتها لابنتها قوة وكأنها تحميها من العالم، واشتعلت نبرتها بغضب عارم:

_ تاني؟! هو محرمش؟ ده أنا أوديه في داهية وأحبسه تاني وميطلعش منها

طمأنها فارس بنبرة واثقة وباردة تحمل وعيداً خفياً:

_ متقلقيش... أنا علمته درس حلو أوي، هخليه يفكر مليون مرة قبل ما ينطق اسمها بس، ده إذا عرف ينطق تاني أصلاً.

هزت نجوى رأسها بأسى وقالت بنبرة حزينة:

_ هي الناس دي مش بتزهق من المشاكل والشر؟ مبيشبعوش؟

وسط أحضان والدتها، رفعت بنان رأسها بصعوبة، وتحدثت بنبرة مرتعشة يملؤها الخوف والذهول، كأنها ما زالت تحت تأثير الصدمة:

_ يا ماما... ده قال كلام غريب أوي... قال إن بابا كان كاتب في الوصية إني لازم أتجوزه!

تغيرت ملامح سمية فوراً إلى الجدية، ونظرت في عيني ابنتها بصلابة لتبدد مخاوفها:

_ "اهدي يا حبيبتي وماتخافيش... الوصية دي أنا أسقطتها من سنين في المحكمه

خطا فارس خطوتين واسعتين حتى وقف أمام بنان مباشرة، وأجبرها بنظرته الحانية والقاطعة في آن واحد أن تركز معه؛ قال بصوت عميق وواثق:

نتِ مراتي أنا... ومستحيل في الدنيا دي مخلوق يقدر يقرب منك أو يلمس شعرة منك.

أكدت نجوى على كلامه بسرعة وهي تبتسم لبنان بحنان: أيوه يا حبيبتي... طول ما فارس جنبك متخافيش من أي حاجة.

فارس وبص لنجوى بتساؤل

_ هو بابا فين؟

أجابته نجوى: بابا في البيت التاني.

أومأ فارس برأسه وعلامات التفكير الجاد ترتسم على وجهه، وقال بنبرة حاسمة:

_ تمام...

ـــــــــــــــــــــ

في ممر المستشفى البارد، كان عبد الرحيم عزام يجلس على أحد المقاعد الخشبية، وعيناه تجولان في الفراغ بجمود مخيف. النبض المتسارع في عروق يده المشدودة كان يفضح بركان الغضب الذي يغلي بداخله، خاصة بعد الكلمات المتقطعة التي سمعها من ابنه "عمرو" قبل أن يغيب عن الوعي... فارس الباشا هو من فعلها.

اقترب منه صابر، ابن أخته، بخطوات قلقة وعينين تشتعلان بحمية القبيلة والدم، وجلس بجواره هامسًا بضيق مكتوم:

"واحنا هنسكت إياك كدا يا خال؟ عاد اللي عِمله في عمرو إكده يمر بالساهل؟"

التفت إليه عبد الرحيم ببطء، وكانت عيناه تشعان بنظرة مظلمة قطعت أي مجال للنقاش، وقال بنبرة منخفضة حادة كالشفرة:

"صبرك يا ولد.. صبرك. أنا مش هعديها على خير، ووقعتهم في يدي هتبقى قَبض روح."

تحركت قسوة الصعيد في ملامح صابر وزاد حنقه:

"هما إكده مش عاملين لينا حساب واصل! عاد يضربوا ولد العزامية ويفتكروا البلد ما فيهاش رجالة؟"

نهض عبد الرحيم وقام بتسوية جلبابه بقوة، وعينه مثبتة على الفراغ وكأنه يرى خصمه أمامه:

"أنا ليا كلام مع صلاح الباشا.. ودا هيبقا تحذير أول.. وأخير."

بعد مرور ساعتين | شركة الباشا – مكتب صلاح

كان الهدوء يفرض هيبته على المكتب الفخم. صلاح الباشا يجلس بخلف مكتبه الضخم، وأمامه فارس ومالك يراجعان الأوراق الأخيرة لصفقة هامة.

صلاح بنبرة هادئة ولكنها صارمة: "تمام كدا.. مش عايز غلطة يا فارس. الشغل دا لازم يطلع مظبوط."

فارس بثقة مفرطة وابتسامة هادئة: متقلقش حضرتك يا باشا، كله حاجه تبقا تمام

فجأة..

تحطم هدوء الغرفة عندما دُفع الباب بعنف واصطدم بالجدار.

اندفع عبد الرحيم عزام إلى الداخل بجسده المتصلب وعينيه المتحديتين.

في خطف الأبصار، انتفض الجميع من أماكنهم. تجمدت الملامح وتحولت النظرات الودية إلى دروع من الغضب. خلف عبد الرحيم، ظهرت السكرتيرة بوجه شاحب وعينين مرتعبتين تنظر لصلاح:

"حضرتك.. أنا ملحقتش أمنعه، دخل فجأة.."

رفع صلاح يده بحركة آمرة ودون أن ينظر إليها، أشار لها بالخروج، بينما كانت عيناه مثبتتان على عبد الرحيم بنظرة حادة كالصقر، تُعلم الطرف الآخر أنه تجاوز خطًا أحمر. انسحبت السكرتيرة وأغلقت الباب خلفها، ليصبح الصمت الجاف هو سيد الموقف لثوانٍ.

كسر صلاح الصمت بنبرة جليدية:

"خير؟ إيه اللي جابك هنا بالطريقة دي؟"

خطا عبد الرحيم خطوة للأمام، وعيناه تتحديان نظرات صلاح:

"انت عارف كويس إيه اللي جابني يا صلاح باشا."

صلاح بغضب مكتوم وعينين تضيقان باحتقار:

"أنا معرفش غير الطريقة الهمجية اللي انت دخلت بيها مكتبي."

ضغط عبد الرحيم على أسنانة، وخرجت كلماته فحيحًا:

"ابن أخوك ضارب ابني.. وابني محجوز في المستشفى بين حي وميت في حالة خطيرة!"

في تلك اللحظة، التقت عينا فارس بعيني عبد الرحيم. لم يتراجع فارس، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة شماتة باردة ومستفزة، ونظرة عينيه كانت تقول بوضوح: نعم، أنا من فعلها.. وماذا ستفعل؟

لاحظ صلاح نظرة ابنه، فظل على بروده القاتل ونظر لعبد الرحيم قائلًا:

"برضه مفهمتش.. انت جاي هنا ليه؟"

اشتعل الغضب في صدر عبد الرحيم من برود صلاح المستفز، فحاول السيطرة على أنفاسه وتحدث بهدوء مصطنع وعيناه تلتمعان بالعتاب والوعيد:

دا يرضيك يا باشا؟ انا بكلمك بالعقل

صلاح بثبات وعينين لا ترمشان:

ابنك اللي غلطان.. وفكر يقرب من حاجة مش بتاعته.. حاجة تخصنا 

رد عبد الرحيم بسرعة وعينه تتسع بتحدٍ:

بس دي بت عمه! وأبوها كاتب في الوصية إنها المفروض تتجوزه هو!

اشتعلت النيران في عيني فارس، وتحركت عضلات فكه بغضب عارم. خطى خطوة واسعة للأمام وهو يوجه نظرة قاتلة لعبد الرحيم، وكاد أن ينفجر فيه، لولا يد مالك التي امتدت بسرعة وقبضت على ذراعه بقوة.

مالك بنبرة منخفضة محذرة، وعيناه تراقبان الموقف بحذر:

اهدى يا فارس.. أبوك بيتكلم، اقف مكانك.

تراجع فارس خطوة للخلف بجسد مشدود كالقوس، وعيناه لا تفارقان وجه عبد الرحيم، تأكلانه غيظًا وتوعدًا.

صلاح بابتسامة ساخرة لم تصل لعينيه:

"الوصية دي تبلها وتشرب مايتها يا عبد الرحيم.. المحكمة رفضتها وأسقطتها من سنين، فوق لنفسك."

عبد الرحيم بنظرة حاقدة:

"انت بتحلم لو فاكر إن شغل العيال دا هيمشي علينا واصل!"

هنا، ضرب صلاح بيده على المكتب بقوة، ونهض بكامل قامته، وتغيرت نظرة عينيه من البرود إلى غضب مرعب زلزل أركان الغرفة:

"عيلة الباشا مافيهاش عيال! ولادها رجالة.. وبيعرفوا يتصرفوا أوي في المواقف اللي زي دي!"

تقدم عبد الرحيم خطوة، وأصبحت المسافة بينه وبين صلاح قريبة، ونظر في عينيه مباشرة بتهديد صريح:

"وأنا مش هسكت.. ولا هسيب حق ابني عاد، واللعب هيبقا ع المكشوف."

لم يتحمل فارس هذا التهديد، فاندفع بجسده متخطيًا مالك وهتف بانفعال وعيناه تشتعلان شرارًا:

"انت بتهددنا في قلب شركتنا كمان؟!انت شكلك اتجننت!!!!

صلاح بحزم شديد صدم الجميع، ودون أن يرفع عينه عن عبد الرحيم:

"ثواني يا فارس.. ارجع مكانك."

تراجع فارس وعينه لا تزال تطلق قذائف من الغضب تجاه عبد الرحيم.

ثبت صلاح نظراته الأخيرة والقاتلة في عيني عبد الرحيم، ونطق بكلمات خرجت هادئة ولكنها تحمل وزن الجبال:

"أعلى ما في خيلك اركبه يا عبد الرحيم.. واعمل اللي تعمله، بس يارب.. يارب لما تبدأ، ماترجعش تعيط في الآخر."

التقط عبد الرحيم أنفاسه الثقيلة، وتبادل مع صلاح نظرة طويلة امتزج فيها التحدي بالوعيد، قبل أن يدير ظهره ويخرج من الغرفة بنفس العنف الذي دخل به، تاركًا خلفه أجواءً مشحونة برائحة الحرب القادمة.

ـــــــــــــــــــــــــــ

في فيلا الباشا

أخر النهار | في ركن هادئ من المنزل
كانت بنان تمسك هاتفها المحمول، وتسير بذهاب وإياب والضيق يرتسم على ملامحها، وهي تتحدث بنبرة خافتة ولكن حاسمة:
"يا بنتي والله من حقك ترفضي.. قوليلهم مش عايزة اتخطب دلوقتي، اعملي حجة الكلية والدراسة، اتصرفي!"

جاءها صوت يمنى عبر الهاتف، باكياً وممتلئاً بقلة الحيلة:
"محدش هيقتنع بكلامي بجد يا بنان.. دا حتى ماما معجبة بيه أوي وطول الوقت قاعدة تمدح فيه وتكلمني عنه، كأن الموضوع منتهي."

تنهدت بنان بقلة صبر وعقدت حاجبيها:
"طيب والحل؟ هتعملي إيه ؟ هتقعدي تتفرجي؟"
يمنى بنبرة يائسة:
"مش عارفة.. مش عارفة بجد أعمل إيه، حاسة نفسي محبوسة."
بنان وهي تحاول تهدئتها:
"حاولي تتكلمي مع مامتك براحة يا يمنى، وفهميها بالعقل إنك مش عايزة العريس دا بالذات، وإنك مش مرتاحة.."
في تلك اللحظة..
خطوات سريعة ومنتظمة اقتربت من خلفها. كان مالك يمر بالصدفة، لكن الكلمة الأخيرة التقطتها أذناه كالصاعقة. تجمد في مكانه، وتحولت عيناه الهادئتان فجأة إلى جمرتين من نار. التفتت بنان لتجده واقفاً وراءها، وعضلات فكه مشدودة وعيونه تتسع بصدمة وغضب مكتوم.
انفجر مالك بنبرة غاضبة أرعبتها:
"عريس مين اللي متقدم لها؟! انطقي!"

بنان ارتبكت بشدة، وأنزلت الهاتف بسرعة وضغطت على زر إنهاء المكالمة، وحاولت جاهدة تزييف الهدوء وهي تخفي الهاتف وراء ظهرها:
"مفيش.. مفيش حاجة يا مالك، دي مكالمة عادية."

خطا مالك خطوة هددت المساحة بينهما، ورفع صوته الذي هز أرجاء المكان، وعيناه تطلقان شرارات من الهياج:
"انطقي يا بنان!! بقولك مين دا اللي متقدم ليمنى؟؟!"
بنان بتراجع وتوتر حقيقي ظهر في ارتعاشة صوتها:
"قولتلك مفيش! انت بتزعق ليه كدا؟"
مالك وهو يجز على أسنانه وعيونه تكاد تبتلعها:
"متحاوليش تضحكي عليا! أنا سامع وداني.. سامعك وانتي بتقولي العريس!"

على صوت الشجار الحاد، اندفع فارس إلى داخل الرواق وعلامات الدهشة والضيق على وجهه. نظر لمالك الثائر، ثم لبنان المرتعبة.
فارس بنبرة آمرة وهو يتدخل بينهما:
"في إيه؟! انت بتزعق وبتعلي صوتك عليها كدا ليه يا بني؟"
بسرعة، تحركت بنان ووقفت خلف ظهر فارس، وكأنها تحتمي بجسده من ثورة مالك المرعبة. التفت فارس لمالك مجدداً وقال مستنكراً:
"في إيه يا مالك؟ اهدى وفهمني.. بتزعق لها ليه بالطريقة دي؟"
مالك لم يكن يرى أحداً أمامه، كانت أنفاسه تتصاعد وتهبط بعنف، وعيناه مثبتتان على بنان بنظرة آمرة لا تقبل المراوغة:
"مين اللي متقدم ليمنى يا بنان؟ اخلصي وقولي!"
خرجت الكلمات من فم بنان هذه المرة يائسة وضئيلة بعد أن شعرت أن لا مفر:
"دكتور.. دكتور  في المستشفى عند باباها."
في تلك اللحظة، شعر مالك وكأن طعنة أصابت كبرياءه. صمت فجأة.. لكنه كان صمتاً مرعباً. ساد السكون عينيه للحظة، وحل محل الغضب نظرة غيظ وانتقام قاتل. نظر أمامه إلى الفراغ بجمود، وخرجت الكلمات من بين شفتيه كالفحيح:
"ماشي.. تمام.. أوي."
ودون أن ينطق بحرف آخر، أو ينظر لأي منهما، استدار بحركة سريعة وعنيفة، وتحرك بخطوات واسعة غاضبة متجهاً نحو الباب الخارجي.
فارس وهو يناديه بذهول ويحاول اللحاق به:
"خد يا ابني هنا! رايح فين في وقت زي دا؟ مالك!"
لكن صوت صرير إطارات سيارة مالك في الخارج كان هو الرد الوحيد.
تنهد فارس بضيق شديد، والتفت إلى بنان، ونظر إليها بعتاب واضح وعينين لامتين:
"ليه يا بنان؟ مكا نش ليه لزوم الكلام دا قدامه وانتي عارفة اللي فيها."
بنان، وعيناها تلتمع بالدموع والضيق من الموقف كله، ردت بحزن:
"أنا أعمل إيه يعني يا فارس؟ هو اللي دخل فجأة وسمعني وأنا بتكلم.. وزي ما شوفت كدا، هجم عليا ومخلانيش عارفة أفكر."
وضع فارس يده في جيبه، ونظر باتجاه الباب بقلق حقيقي يرتسم على وجهه، وقال بنبرة خافتة:
"ربنا يسترها.. وميتصرفش بتهور يودينا كلنا في داهية."
ظلت بنان واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالباب، والوجوم والحزن يسيطران على ملامحها، وهي تدعو في سرها ألا تتحول غيرة مالك إلى كارثة ...

ـــ_ـــــــــــــ_

 بعد ساعتين | أمام عمارة خالد نصار

كان الليل قد أرخى سدوله، ولم يبقَ في الشارع سوى بضعة أضواء باهتة خافتة. داخل سيارته القابعة في الظلام، كان مالك يجلس متكئًا بظهره على المقعد، وعيناه مثبتتان على نافذة الدور الثالث المضيئة. ساعتان كاملتان وهو يراقب تصاعد أنفاسه، يفرغ غضبه في صمت، حتى تحولت النيران التي كانت تحرقه إلى قرار بارد وصلب كالفولاذ.

أطفأ محرك السيارة، ونزل منها بخطوات هادئة، مدروسة، وواثقة. سحب نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى مدخل البناية، وقرر بداخله أن هذه الخطوة هي الشيء الوحيد الذي تأخر فيه كثيرًا، ولن يسمح لثانية واحدة أخرى أن تضيع.

دخل العمارة، وصعد الدرج بخطوات ثابتة رصينة صدى صوتها يملأ المكان، حتى وصل إلى الدور الثالث. وقف أمام الباب الخشبي، وحدق فيه للحظة وكأنه يرى مستقبله خلفه، ثم امتدت يده وضغطت على الجرس.

لم تمر سوى دقيقة واحدة، حتى تحرك المقبض وفتح الباب ببطء.

ظهرت منال (والدة يمنى). كانت ملامحها هادئة، لكن ما إن وقعت عيناها على الطارق، حتى تجمدت الدماء في عروقها. اتسعت عيناها بذهول حقيقي، وارتدت خطوة للخلف، وظهرت الصدمة جلية على وجهها لدرجة أنها عجزت عن نطق كلمة واحدة. لم تكن تتوقع رؤيته أبدًا، ليس في هذا الوقت، وليس بعد كل ما حدث.

لاحظ مالك صدمتها وتصلب جسدها. لم يبتسم، ولم يظهر عليه أي ارتباك، بل ثبت عينيه الحادتين في عينيها بنظرة تحمل مزيجًا غريبًا من الاحترام والهيبة والتحدي، وقال بنبرة صوت رجولية، منخفضة، وواضحة:

"مساء الخير يا طنط.."

ساد الصمت للحظات كانت ثقيلة كالجبال. كانت نظرات منال تتأرجح بين الصمت والدهشة، بينما ظل مالك واقفًا كالجبل، وعيناه تقولان بوضوح: لقد جئت لأستعيد ما هو لي، ولن أرحل خالي اليدين...

تعليقات



<>