رواية اولاد الباشا الفصل الرابع والعشرون24بقلم شيماء منير
ينسلّ الضوء هادئاً بين طيات الليل، ليغسل العالم بنوره الدافئ، وتتعالى زقزقة العصافير كأنها تعزف لحن الحياة. الصباح هو أجمل حكايات الطبيعة؛ يهمس للقلوب المتعبة أن الفرج قريب، وأن مع كل إشراقة شمس أمل يولد، ووردة تزهر، وابتسامة تستحق أن تشرق على وجوهنا.
كان نازل على الدرج بطلته الهادية ، يرتدي بليزر بيج مع تيشيرت وبنطال أسود.
قرب منهم وابتسامته سبقت خطواته وقال بصوت واطي ودفيان، صباح الخير
وطى بتقدير وقبل إيد أمه صلاح وقبل ايد نجوى وقبل ما يقعد مال على رأس عمته وباسها بحنية.
سحب الكرسي وجلس جنب بنان. بص لها بنظرةوابتسامه احلى فطار دا والا ايه؟؟
بنان ابتسمت بحب وكسوف وكملت اكل بهدوء
نجوى كانت بتبص لهم بقلب أم مليان فرحة، حطت فنجان القهوة السخنة قدام ابنها وقالت بابتسامة حنونة، اتفضل يا حبيبي.
رد عليها فارس وهو بيمسك الفنجان، تسلم إيدك يا ست الكل.
في الوقت ده صلاح مسح إيده بالفوطة وبص ل فارس وقال، بقولك إيه يا فارس.
عدل فارس جلسته وبصله بانتباه وقال، أيوه يا بابا.
رد صلاح بنبرة هادية بس جادة، معلش طنط غادة كانت عايزة تروح الشقة تجيب منها شوية حاجات، فكنت عايزك تروح معاها عشان متروحش لوحدها.
فارس قطب حواجبه بالتفكير وقال بفضول عملي، بس أنا كنت هطلع على الفنادق على طول، عماد كلمني وفي شوية ورق وحاجات عايزاه تتراجع وتتمصي
رد صلاح بأسلوب قاطع مفيش فيه كلام، روح الأول مع غادة وبعدين روح الفنادق، وبعدين هكون مستنيك في الشركة. عايزك
فارس هز رأسه بالايجاب وقال، تمام.
في اللحظة دي، بنان وشها اتغير وملامحها اتملت ضيق. من غير ما تبص له بوضوح، نغزت فارس بكوعها في جنبه بنعومة فيها غيظ، وهزت له رأسها بالنفي، يعني أوعى توافق.
التفت ليها فارس بذهول وبص لها وهو بيهمس، إيه؟ فيه إيه؟
بنان أدارت وشها للناحية التانية وزفرت بضيق وسكتت خالص.
نجوى اتكلمت بضيق :طيب ما السواق موجود يا صلاح تروح معاه وفارس يروح يلحق شغله.
بنان اتشبثت بالفكرة بسرعة وقالت بكل دفاع، فكرة حلوة يا طنط فعلا!
هنا ملامح صلاح اتغيرت تماماً، رد ببرود حاد جواه غضب مكتوم وقال، أنا بقول كل واحد يحتفظ برأيه لنفسه!
نجوى بضيقةوزعل: يعني يا صلاح حرام يفضل من هنا لهنا طول اليوم.
ضرب صلاح بإيده على الترابيزة وقام وقف بغضب مفاجئ أربك الكل، وقال بصوت جهوري هز المكان، جرى إيه يا نجوى؟! هو أنا كلامي معتش هيتسمع في البيت ده ولا إيه؟!
نجوى انكمشت مكانها وبصلت له بتوتر وخوف وسكتت تماماً.
قام فارس في ساعتها عشان يلحق الموقف ويهديه، وقف وقرب خطوة وهو بيلطف الجو ونبرة صوته كلها احترام، مش كده حضرتك يا بابا، اهدا، كلام حضرتك طبعا ينفذ
صلاح بص للجميع بنظرة ضيقة مليانة استياء ومشى بخطوات سريعة وخرج بره الفيلا كلها، وساب وراه جو متوتر وسكوت تقيل عم على السفرة.
فارس خلص فطار وطلب من غاده تجهز
خرج يتتظرها في العربيه بنان خرجت وراه
ابتسم بخفه لما لاقها جايه عليه
بنان وقربت منه بردوه هتوصلها؟؟؟
فارس:اكيد يعني .. انا مش عارفه انتي زعلانه ليه؟؟؟
بنان:بصراحه مش حبها كدا
فارس:شغل الستات دا طلعيني منه انت شوفتي الصبح ابويا مبيهزرش حولي تخليكي حياديه افضل
بنان: اوكي هحاوول..طيب على فكره بقا انا نجحت وجبت تقدير حلو
فارس بسعاده مبرووك يا روحي
بنان بابتسامه الله يبارك فيك
فارس:خلاص بقا نخرج النهادره نحتفل انا وانتي
بنان بابتسامه اوووكي
قربت منهم غاده وابتسمت بخفه
غاده انا جاهزه
بنان بصتلها وابتسمت بامتعاض واتحركت على جوه
في الوقت دا فارس ركب عربيته من غير ولا كلمه
غاده كمان ركبت وحاولت تتجاهل موقف بنان خصوصا ان بنان طول الوقت بتتجاهل الكلام معها وواخده منها موقف بدون اسباب
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ساعات
في شركة الباشا
رحمة كانت واقفة مع زواحد زميلها اسمه(زياد) الابتسامة على وشها بسيطة ولطيفة، محاولة تكون ودودة من غير ما تتخطى حدودها:
– لا شكراً خلاص..
زياد ضحك بنبرة خفيفة وهو بيعدل جفنه:
– يا بنتي متتكسفيش، أنا كده كده خارج هجيبلك معايا أكل.
رحمة بهدوء وابتسامة خجولة:
– مش عايزة أتعبك بس..
مدت إيدها في الشنطة، طلعت الفلوس ومدتهاله برقة:
– طيب اتفضل..
زياد بقصد أو من غير قصد، قرّب أوي وشال الفلوس، ومسك إيد رحمة كافية بإيده وتنى صوابعها على الفلوس بـ "أريحية" زيادة:
– عيب عليكِ على فكرة!
رحمة اتفاجئت، ونبضها اتسرع من الإحراج. سحبت إيدها بسرعة وخطوة لورا، وعيونها حولها بتدقق بتوتر:
– لا.. كده مش هطلب منك تاني بجد.
في اللحظة دي بالظبط، كان باب المصعد بيتفتح. نزل آسر ومعه فارس بيه، بيكلموا في شغل
عين آسر أخدت لقطة عابرة.. بس كانت كفيلة تتشطب على كل أفكاره. رجليه اتسمرت مكانها، نبضات قلبه اتضاعفت بصدمة وهو بيبص لإيد زياد وهي ماسكة إيد رحمة. النظرة اتحولت في ثواني لذهول.. وعينيه اتسعت وهو شايف رحمة بتضحك وبترد بحرج، لكن الدماغ وقت الغيرة بيفسر المشهد على مزاجه.
فاق على صوت فارس وهو بيكلمه:
– يعني تحاول تخلص النهاردة؟
آسر بصله بتوتر شديد، ريقه جف، وعينيه رجعت بسرعة تتسلل لرحمة وزياد. الملامح بدأت تتغير، حاجبه اتعقد، والضيق بدا يرتسم على وش ووشه يشد:
– أه.. سمعت حضرتك. (صوته كان حاد ومخنوق، بس بيحاول يداري).
فارس رمى سيجارته في الباسكت الجانبي، وخبط على دراع آسر بتشجيع:
– أنا مبسوط منك يا آسر، ومن شغلك.
آسر رسم ابتسامة باهتة وميتة على شفايفه، وسكت. حاسس إن تركيزه اتمحى، وصوت زياد ورحمة بيتردد في ودنه زي الصدى.
فارس كمل بنبرة تقدير:
– ابقى انزل الحسابات، ليك مكافأة فيها.
آسر بتلعثم:
– كتير أوووي كده حضرتك..
– مش كتير عليك.. أنا بشغلك في حاجات كتير غير زمايلك وده حق تعبك، وثانياً لأني بثق فيك جداً.
آسر حاول يلملم شتات نفسه، وابتسم بخفة:
– شكراً لحضرتك..
– هسيبك أنا بقا عشان من الصبح هلكان.. يلا سلام.
فارس مشي، وآسر فضل واقف مكانه لثواني، بيبص على النقطة اللي كانت واقفة فيها رحمة.. مشاعره كانت مشتتة بين غضب مكتوم، ووجع إنه مش قادر يتكلم أو يتدخل ..
نزل آسر مكتبه، أيديه كانت بترجف برعشة خفيفة وهو بيقفل الفايلات. شطب شغله بسرعة، أخد شنطته وحاجته وخرج مع زحمة ميعاد خروج الموظفين.
وهو ماشي في الممر، عينيه جت بالصدفة من ورا الزجاج الكبير للشركة.. شاف رحمة واقفة مستنية زياد، وزياد كان بيتحرك بعربيته ناحيتها، والشكل العام يوحي إنها هتركب معاه.
الشرارة ضربت في قلبه.. نظرة انكسار غريبة غطت عينيه، مخلوطة بعزة نفس وكرامة مجروحة.
خرج من الشركة بخطوات سريعة، قطع المسافة لعربيته وعينيه بتبص في الأرض ومصمّم ميبصلهاش. فتح باب العربية، رمى اللاب توب على الكرسي اللي جنبه بعصبية مكتومة، وركب وقفل الباب بصوت مكتوم وثقيل.
بدأ يشغل العربية.. صوابعه كانت بتدور بتوتر على النظارة الشمسية. لبسها عشان يداري عيونه اللي كانت بتلمع بالحزن والغيرة.
في الوقت ده، رحمة كانت واقفة مستنية بملل.. بس عينها لقطت عربية آسر وهي بتتحرك. ابتسمت تلقائياً واستنت إنه يقف أو حتى ينزل زجاج العربية يسلم عليها زي عادته..
لكن العربية عدت من جنبها على مهل.. وآسر جوه متسمر في كرسي السائق، يبص قدامه بجمود تام، مش حتى بيبصلها من ورا النظارة.
رحمة ابتسامتها اختفت تدريجياً، حواجبها اتعقدت باستغراب، وعيونها تابعت العربية وهي بتبعد:
– (هو.. هو عدى ومكلمنيش؟ مابصليش حتى؟!)
على الناحية الثانية.. كان آسر سايق، نظارته الشمسية مخبية عينين ملانة خيبة وأمل مكسور. إيده ماسكة الدركسيون بقوة لحد ما أطراف صوابعه ابيضّت، والضيق والحزن نازلين على وشه زي الستارة الثقيلة.. صوت المحرك كان عالي، بس الصمت جوه قلبه كان أعلى بكتير..
ـــــــــــــــــــــ
في هدوء فيلا الباشا الساكن، وفي عمق غرفة فارس المفروشة بالظلال
كان فارس غارقاً في نوم عميق، يستريح من عناء يوم طويل، حالمًا بالهدوء، حتى تسللت بنان إلى الغرفة بفتور خطواتها الناعمة. قعدت على طرف السرير بحذر، وتأملت ملامحه الهادئة للحظات، قبل أن تميل عليه بنبرة حنونة همست بها في أذنه:
— فارس.. حبيبي.. قوم يلا.
انحنت أكثر، ولمست ببطن كفها الرقيق خده المائل للدفء، تمرر أصابعها بعذوبة تجبره على الاستجابة:
— فارس.. قوم بقا.
بدأ فارس يعود إلى أرض الواقع بالتدريج، فتح عينيه بثقل، وقعد يمسح وجهه بكفه، متسائلاً بصوتٍ متشحرج يملؤه أثر النوم:
— في ايه...؟
ابتسمت بنان بعينين تلمعان بالحماس:
— انت نسيت اننا خارجين؟
نظر إليها بدهشة متكاسلة:
— هي الساعة كام؟
— ثمانية ونص.
سحب نفساً طويلاً ومسد عقبه بيده:
— ياااه.. أنا نمت كل دا؟
ضحكت بنان بابتسامة صدمت قلبه قبل عقلها:
— تخيل! يلا قوم بقا.
قام يتمدد بخطوات بطيئة وهو يرد بكسل محبب:
— ماشي، هاخد بس شاور سريع واجهز وهنزل على طول.
وقفت بنان في منتصف الغرفة، وادعت الحركة العفوية وهي تلف دورة صغيرة، ثم تدللت بصوتها:
— مش حاسس إن فيا حاجة متغيرة؟
قعد فارس يثبت نظره عليها، معصراً عينيه بتركيز صادق:
_مش مركز
نطقت بفرحة طفولية ونعومة تفيض أنثوية:
— إيه رأيك في شعري؟ عملته كيرلي شويه.
نزل فارس من على السرير، واقترب منها بخطوات هادئة متمهلا، وقال بابتسامة متأملة:
— اممم.. جميل.
تسربت السعادة إلى ملامحها وسألت بنبرة مستزيدٍ للغزل:
— بجد يا فارس؟
لم يرد بالكلام، بل تقدم خطوات إضافية ولف ذراعيه حول خصرها من الخلف، شاداً إياها لنحوه حتى التقم ظهرها صدره. همس بالقرب من أذنها برقة دافئة:
— إنتي جميلة في كل أحوالك.. حتى "الأوت فيت" اللي إنتي لابساه دا.. تحفة.
كانت بنان تتأنق بجيبة زرقاء تصل لما تحت الركبة بفتحتين جانبيتين تظهران رقتها مع كل حركة، تعلوها بلوزة "كب" بيضاء ناصعة تبرز رقتها.
تهللت ملامح بنان وتوردت خدوها بفرحة ممتنة:
— بجد؟ إيه رأيك فيه؟
ظل فارس ضاماً إياها، يمتص دفء وجودها، لكنه سرعان ما مال نحو أذنها وهمس بلهجة حملت دلالاً مبطناً بالسيطرة:
— قمر يا روحي.. بس زي الشطورة كدا، هتروحي تغيري وتلبسي حاجة تسترك...
ثم تغيرت نبرته فجأة إلى الجدية الحاسمة، مع ابتسامة صريحة تحذرها:
— عشان يا حيلتها متقضيش الليلة دي في أوضتك!
انطفأت الابتسامة من على وجه بنان كأنما اختفت بلمسة ساحر، واستدارت له بضيق واضح:
— هو في إيه؟ ما هو لبس عادي! وبعدين أنا هاخد شال عليا من فوق.
تركها فارس وابتعد خطوة، معقباً وهو يهز رأسه برفض قاطع:
— وكل شويه الشال يتزحلق، وترفعي وتعدلي وتنزلي.. أنا جو الشال دا مش بحبه ولا بفضله.
صمتت بنان وتبادلا النظر؛ هي بنظرات معاتبة ومحتاجة، وهو بنظرات حازمة لا تقبل الفصال.
رد فارس بهدوء لا يخلو من الحسم:
— يلا، روحي البسي حاجة مقفولة.
ضربت بنان الأرض بقدمها بطفولية وضيقة مكتومة:
— أنا عملت تسريحة شعري دي عشان تليق على الطقم دا بالذات!
رد بثقة يملؤها الكبرياء والغيرة:
— مليش فيه.. بلاها خروجة يا حبيبتي، أنا مش هاخدك عرض في الشارع الناس تتفرج عليه.
اندفعت بنان تدافع عن أنقتها:
— على فكرة أنا بعرف اختار لبسي كويس، وفي بنات كتير بتلبس أكتر من كدا عادي، وأكيد انت بتشوفهم في الشارع كل يوم!
اقترب منها فارس وشخص بعينيه في عينيها بثبات:
— مليش دعوة بحد، دول ما يخصونيش.. إنتي اللي تخصيني.
زفرت بنان بضيق، وألقت عليه نظرة غاضبة قبل أن تستدير وتخرج مسرعة نحو غرفتها.
دخل فارس الحمام، استحم بالماء الدافيء ليزيح بقايا النعاس، ثم ارتدي بلايزر باللون الكحلي الفاخر، تحته تيشيرت أبيض ناصع وبنطال أبيض أنيق. صفف شعره بعناية أمام المراه، رش عطره الخاص الذي يملأ المكان هيبة، ولم ينسَ أن يربط ساعته في معصمه—الساعة التي أهدتها له بنان ..
خرج من الغرفة بخطوات واثقة، وفي نفس اللحظة كانت بنان تخرج من غرفتها.
كانت ترتدي فستاناً بالطول الكامل باللون السيمون الهادئ، بأكمام طويلة يقبض على خصرها برقة ويتهادى تحت ركبتيها بنعومة.
وقف فارس يتأملها، وتسللت إلى وجهه ابتسامة رضا وإعجاب صريح، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة وهمس:
— إيه القمر دا؟ ما التسريحة لايقة على الفستان أهيه وطلعت أحلى بكتير.
ردت بنان بضيق مكتوم، وهي تتفادى النظر في عينيه مباشرة:
— بس كانت على الطقم التاني أحلى..
اقترب فارس أكثر، ومد يده يلمس وجهها برفق:
— الطقم التاني دا تلبسيه ليا أنا بس يا روحي.. قدامي أنا بس.
نظرت له بضيق صامت، فابتسم فارس محاولاً إشاعة الدفء بينهما:
— فكي بقا شويه.. أكيد مش هنخرج وإنتي مبوزة كدا؟
ردت بعتاب خفي:
— إحنا على طول بنخرج كدا..
— طيب يلا، عشان مش عايز ننتأخر بره.
تمتمت بنبرة خافته وهي تمشي بجواره:
— إحنا مخرجناش من وقت طويل، مفيش مشكلة لو تأخرنا شوية.
لفت ذراعه حولها بلمسة حانية وقال بابتسامة متفهمة:
— تمام.. أما نشوف الخروجة دي هتمشي إزاي.
نزلا السلم يداً بيد.
كانت العائلة مجتمعة في البهو السفلي ما عدا مالك الذي فضل البقاء في غرفته.
نظرت سمية إلى ابنتها بنان وابتسمت ابتسامة شامتة خفيفة؛ فقد تحايلت عليها سابقاً لتغير ملابسها ورفضت بنان وفضلت العناد، وها هي تخرج بالبديل الذي فرضه فارس.
تقدم فارس منهما بابتسامة دافئة وواثقة:
— مساء الخير.
رد الجميع بصوت واحد:
— مساء النور.
قالت نجوى بنبرة أمهات حنونة:
— إيه يا حبيبي.. كل دا نوم؟
ابتسم فارس وهو يقبل رأسها:
— كنت مرهق شويه يا ماما.
نجوى:
— نوم العافية يا قلبي.
فارس:
— تسلميلي يا ماما.
سألت سمية وهي تتفحص مظهرهما الأنيق:
— هتسهروا فين النهاردة؟
سحب فارس بنان من يدها برفق وأوقفها بجانبه، متقاطعين في إطار واحد رائع، وقال:
— مش عارفين لسه، وهنقرر وإحنا في الطريق
ابتسمت بنان بفتور تتلاقى فيها الفرحة بالخروج مع بقايا الزعل الصغير.
رفع صلاح عينه أخيراً عن هاتفه المحمول، ونظر إليهما بنبرة الأب الصارم والأنيق:
— أهم حاجة متتأخروش.
فارس بثقة وهو يلوح بيده:
— متقلقش يا باشا. هنرجع بدري
ودّع فارس وبنان الجميع بخطوات سريعة، وخرجا إلى زقزقة الليل اللطيفة. انطلقت سيارة فارس تخترق هدوء الشوارع، محملة بحديث لم ينتهِ بعد، ومشاعرهما التي تتردد بين الغيرة والاحتواء
ــــــ_ـــــــ&ـ
تاني يوم في شركة الباشا
في الكافيه
كانت الساعة ١٢ الضهر وقت الاستراحة. آسر قاعد على واحدة من الطاولات وبيشرب قهوته في هدوء. قربت منه رحمة بخطوات هادية وسلمت عليه وقالت مساء الخير.
آسر رفع رأسه ببطء ورد ببرود تام مساء النور. قعدت رحمة قصاده وسألته عن أخباره فرد بكلمة واحدة كويس.
ساد صمت تقيل بينهم ورحمة اترددت شوية قبل ما تتكلم رحمه انا شفتك امبارح وانت طالع بالعربية بس تقريباً انت مشوفتنيش وانا واقفة.
آسر بصلها بنظرة جافة وقاطعها ببرود مميت وقال لا شوفتك.
بلعت رحمة ريقها بتوتر وتحايلت على الموقف وقالت كنت مستعجل
آسر اكتفى إنه يبصلها في صمت تام من غير ما يرد....
كملت رحمة بقلة حيلة :أصل مكلمتنيش وغريبة.
في اللحظة دي قام آسر واقف وبدأ يلم حاجته وهاتفه وهو بيرد بجمود لا غريبة ولا حاجة وبص في ساعته وأضاف عن إذنك الوقت تقريباً خلص وعندي شغل.
أخد كوباية القهوة في إيده ومشي على طول على مكتبه. دخل وقعد على الكرسي وهو باصص قدامه بشرود وضيق مكتوم ومش واخد باله من رحمة اللي واقفة ورا الزجاج بتراقب كل تصرفاته بحيرة ووجع كبير.
رفع آسر عينيه بالصدفة وجت عيونه في عيونها مباشرة. وفي لحظة خاطفة دور وشه للناحية التانية وفتح اللابتوب وفضل يبص فيه بتركيز. وقتها اتتحركت رحمة بكسرة ورجعت على مكتبها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ$ـــ
في فيلا الباشا
كان الكل متجمع على السفرة في وقت العشاء. الهدوء كان هو سيد الموقف، مش بيقطعه غير صوت الشوك والسكاكين في الأطباق.
فجأة رن هاتف صلاح. بص للموبايل باستغراب لما لقي المتصل بواب العمارة اللي فيها شقته هو وغادة. فتح الخط ورد، ولحظات وقام وقف بصدمة وهو بيسأل انت بتقول ايه.
الكل سكت وبصوله بتركيز، وقام فارس واقف يسأله بلهفة في ايه يا بابا. رد صلاح وهو بيقفل الخط وقال اقفل أنا جاي حالاً. كرر فارس سؤاله بقلة صبر في ايه حضرتك.
بص صلاح لزوجته غادة ونبرة حزنه واضحة وهو بيقول شقتي أنا وغادة حصل فيها حريق. وقفت غادة هي كمان بصدمة وسألته ليه وايه اللي حصل، فرد صلاح وهو بيتحرك بقلة حيلة مش عارف أنا هروح أشوف بنفسي. اتدخل فارس وقال بثبات أنا هجهز على طول وأجي مع حضرتك.
تحرك صلاح وفارس على الشقة، ولما وصلوا كانت الشرطة ورجال المطافئ في المكان، واتضح من المعاينة المبدئية إن الحريق بفعل فاعل، لكنهم كالعادة يفضلوا التكتم وما يوجهوش اتهام مباشر لحد.
بعد ساعات طويلة، في مكتب صلاح جوة الفيلا.
كان صلاح قاعد ورا مكتبه وبيقول بغضب مفيش غيرهم طبعا. رد فارس بضيق مكتوم أكيد هما بيلعبوا في عداد عمرهم ومستعجلين على قدرهم.
كمل صلاح كلامه بحسم وقال بقولك ايه أنا عايزك تعمل الفرح وتتمم جوازك دا
. استغرب فارس وقال بس عمتي كانت عايزة الجواز يتم بعد ما بنان تخلص كلية
. اندهش صلاح وقال نعم دا فاضلها سنتين، البنت لسه داخلة تالتة كلية.
فرد فارس أنا كنت متفق معاها على كدا.
تنهد صلاح وقال بقلة صبر بقولك ايه، هما هيتهبلوا على ورث البت وأنا عارف عبد الرحيم كويس. طبعاً الورث دا ما يلزمناش ولا هيفرق معانا، بس طول ما هما عندهم أمل إنها ترجعلهم مش هيبطلوا نخورة وتدبير مصايب. عايزك تعمل الفرح وتتجوزوا، وشوف تحب تغير ايه في جناحك غيره، أو لو عايز تسيب الجناح خالص وتنقل في واحد تاني وتغير فيه براحتك، شوف الترتيبات اللي محتاجها واعملها.
كان فارس بيبص لأبوه بحيرة، هو من جوة نفسه بيتمنى اليوم دا ييجي أسرع وقت، بس في نفس الوقت عارف إن موافقة عمته شرط أساسي.
كمل صلاح بابتسامة خفيفة وتهدئة للموقف وقال أي حاجة خارجية أمرها ساهل، القاعة والدعوات أنا هخلصها لك كلها، والهاني مون دا شغلتك أنت، أو خلي أخوك الصايع اللي مش بيبطل لف يحجزلك مكان حلو. ضحك فارس على كلام أبوه، وانتهى الحوار بينهم على إنه يروح يتكلم مع عمته.
في غرفة سمية.
كانت سمية قاعدة وبتسمع كلام فارس بقلة حيلة وقالت بس لسه بدري أوي يا فارس، سنتين مع الجواز في الكلية هتبقى صعبة عليها، وأنت عارف إن عندها عملي ونزول باستمرار.
رد فارس بنبرة رجاء وإصرار بس يا عمتو دا لازم يحصل عشان نوقفهم عند حدهم.
بصتله سمية بتردد، وهي من جواها شايفه المصايب والتهديدات اللي بتزيد كل يوم.
قرب فارس منها وكمل بوعد صادق أوعدك إني هكون جنبها ومعاها طول الوقت ومش هتخلى عنها في أي حاجة.
استسلمت سمية لرجائه واستشارت عقلها، وفي الآخر هزت رأسها بالمرغمة وقالت خلاص يا فارس، اللي أنت شايفه اعمله.
ـــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور أسبوع
في منزل خالد
في فترة المساء.
كان آسر قاعد بضيق واضح على وجهه وسأل أمه ودي كانت بتعمل ايه هنا.
ردت منال ببساطة وقالت عادي يا حبيبي، أنت عارف من يوم ما اتعرفت عليها في المستشفى وأنا بتكلم أنا وهي باستمرار.
قال آسر بنبرة انزعاج بس يا ماما احنا ما نعرفهاش عشان تدخليها بيتنا بالشكل دا.
بصتله منال بتعجب واستغراب وقالت ليه يا حبيبي بتتكلم عنها كدا، دي البنت مؤدبة خالص بتجي وأنت مش موجود، لا أنت ولا بابا.
اتدخلت يمنى في الحوار ودافعت برقة وقالت وبعدين باين عليها لذيذة وطيوبة، وحتى اسمها رحمة، بجد بحسها واخدة من اسمها نصيب كبير.
بصلها آسر بسخرية خفيفة وقال دا كله من مرة ولا مرتين شوفتيها فيهم.
ردت يمنى بابتسامة لا ما احنا بنتكلم على الواتساب على طول.
هز آسر رأسه بقلة حيلة وقال اه ماشي، أنا هدخل أغير هدومي عشان خارج.
سألته منال باهتمام رايح فين يا حبيبي.
رد آسر وهو بيمشي استاد فارس مشغول وما جاش الشغل بقاله يومين، وطلب مني أجيب الأوراق والملفات واروحله الفيلا.
فكرت يمنى وقالت أيوه ما هو خلاص يا ماما، فرحه قرب هو وبنان.
اتفتحت عينين منال بسعادة تشوبها الدهشة وقالت بجد.
كملت يمنى بالحماس أيوه بيجهزوا في الجناح وكل حاجة على قدم وساق.
دعت منال من قلبها وقالت ربنا يتمملهم على خير يا رب.
جهز آسر ونزل على طول، وصل لفيلا الباشا والشغالين فتحوا له الباب ودخلوه لصالون الضيوف.
بعد شوية نزل فارس، قابله بابتسامة وسلم عليه بحب وأخده على أوضة المكتب، وبدأوا يشتغلوا على الأوراق والملفات المفتوحة قدامهم.
بعد ساعة تقريباً، رن موبايل فارس. طلب فارس من آسر يوقف شغل دقايق، وفتح الخط ورد بسرعة وقال ألو.
جاله الصوت من الناحية التانية كله تمام يا باشا.
ابتسم فارس وسأله باهتمام ايه الأخبار.
رد الراجل الشرطة لسه طالعة من بيت عبد الرحيم، وقبضوا عليه بعد ما لقوا الهيروين مخفي في المزرعة بتاعته.
سأله فارس على طول وابنه.
رد الراجل لا يا باشا، ابنه مش موجود ومش باين خالص
.
قال فارس بثبات تمام، أي جديد يجد بلّغني بيه على طول.
رد الراجل حاضر يا باشا.
قفل فارس الخط مع الراجل، ورجع بص لآسر ولع سيجارة وقال يلا يا آسر نكمل شغل.
عرض فارس عليه علبة السجاير وقال تاخد سيجارة.
رد آسر بهدوء وابتسامة خفيفة لا حضرتك أنا مش بشرب ومش بدخن أصلًا.
ابتسم فارس بخفة ونظر له بإعجاب وقال صدقني لو عندي اخت كنت جوزتهالك غصب عنك.
ابتسم آسر برقي، وبعدها رجعوا كملوا شغلهم في الملفات بكل تركيز.
