
رواية حب وفراق بقلم داليا السيد
رواية حب وفراق الفصل التاسع والعشرون29بقلم داليا السيد
شبح ومواجهة
عندما وصلت الأقصر لم ترى أي شيء مما رأته مع زين فقد سافروا بالطائرة وليس بالسيارة، وما أن هبطوا حتى رأت حسين بالمطار
حياها وعرفت من حديثه أنه سيرافقهم وخطرت منال على ذهنها فجأة وفكرت أن من الغريب أنها لم تر منال مرة أخرى أو تعرف عنها أي شيء، حتى إنها لم تحضر العزاء..
وصلوا إلى داخل المدينة ولم ينزلوا في أي فندق وإنما اتجهوا إلى داخل المدينة كما فعل زين ولكن قرية أخرى وعندما سألت عبد الهادي عن السبب أجاب
"لدى منزل هناك سنقيم به، فلا داعي لأي فندق، وكي أكون بين الأهالي وقريبا منهم"
لم تعلم لماذا لم تكن تشعر بالراحة تجاه غرض والدها من وجودهم هنا؟ ولكنها حاولت أن تحسن الظن به
بالطبع كان المنزل مثل منزل الحاج أبو عمران فلم تنبهر به كما فعلت أول مرة، عرفت غرفتها واستقرت بها حتى ترتاح ولكن ما أن دخلت حتى لاح شبح بجانب النافذة من الخارج
دق قلبها وأسرعت إلى النافذة ولكنها لم ترى أي شيء.. لقد كانت متأكدة من أنها رأته، نعم هو زين، جسده، قوامه حتى عطره ما زال بالغرفة ولكنه اختفى الآن..
ترى هل تحلم به لأنها تشتاق إليه وتتمني رؤيته؟
أو ربما لأنها تنسمت عبير الذكريات بتلك المدينة التي أحبتها من حبها له؟
أو ربما هي حقيقة..
هل جنت كما كان يقول والدها أم ماذا؟؟
أسرعت وخرجت، كانت وحدها ولم ترى أحد حولها فتحركت وهي تعرف أنها تبحث عنه، سرعان ما رأت الحرس منتشرين في كل مكان في حديقة المنزل، ولكن..
في نهاية الحديقة لاح ركن بأشجار مهملة جذب انتباها فاتجهت إليه دون أن يراها أحد، وما كادت تصل حتى رأت الشبح مرة أخرى ولكنها متأكدة أنه ليس شبح بل رجل في جلباب طويل ويخفي وجهه ولا تظهر إلا عيونه وبالتأكيد هي تعرف تلك العيون جيدا..
اندفعت بكل قوتها إليه ولكنه قفز من سور الحديقة قبل أن تصل وكادت تنادي عليه ولكنها تراجعت كي لا يكشفه الحرس
وصلت إلى السور ووقفت بجانبه وألصقت وجهها به وقالت بصوت يكاد يُسمع "زين إنه أنت أليس كذلك؟ قلبي يخبرني أنه أنت وأعلم أني لا أحلم، هي حقيقة، أشعر بذلك، اطمئن حبيبي أنا بخير وأنتظرك ولكن زين أرجوك لا تضر دادي إنه دادي رغم كل شيء وأنا أحبه، أرجوك سامحه واتركه وعد إليّ ولا تتأخر فأنا اشتقت إليك وإلى أحضانك حبيبي، فمن فضلك عد إليّ بسرعة.."
لم تجد أي إجابة لكلماتها فاستسلمت لوحدتها وعادت إلى الداخل ولكنها لاحظت أن والدها وحسين كانا يتحركان إلى إحدى الغرف وأغلقا الباب خلفهما فلم تمنع نفسها من أن تتبعهم وتستمع إليهم
"لا أعرف يا حسين ولكني أعتقد أن هناك أحد وراء ما يحدث لي"
قال حسين "اهدء يا عبد الهادي، الأمر مجرد سوء حظ فقط "
قال عبد الهادي بضيق "أتعلم، لولا أني واثق في رجالي الذين نفذوا العملية ورؤيتي لجثة زين بنفسي ودفنها أمامي لظننت أنه وراء كل ذلك"
قال حسين باهتمام "اخفض صوتك وإلا سمعتك ملك، أنت مجنون لأنك أحضرتها هنا، لم يكن من الصواب إحضارها"
أجاب عبد الهادي بلا مبالاة ونفاذ صبر "لا، كان لابد أن تعود لي وتأتي معي أمام أهل البلد لتعود ثقتها وثقتهم بي، وهي لابد أن تنساه"
للمرة الثانية تصدم في والدها، كانت تمنح نفسها أمل في أنه غير مسؤول عما حدث، ولكن الآن أصبح الأمر واقع وحقيقة والحقيقة دائما مؤلمة
تحركت إلى غرفتها وتركت الدموع تنساب دون أي موانع ولم تعد تعرف مشاعرها تجاه والدها
مضت عدة أيام كانت تصرفات عبد الهادي طبيعية وهي معه رغما عنها، منذ أن علمت أنه قاتل حبيب عمرها وهي لا تعلم كيف تبقى معه؟ ولماذا لا تبلغ صابر عنه؟ ولكن احتار قلبها وعقلها
ربما كانت تتمنى أن ترى زين مرة أخرى وظنت أن وجودها هنا سيمنحها ذلك الأمل، ولكن بمضي الوقت بدأت تيأس من أن تراه مرة أخرى أو ربما هي مجنونة لأنها لا تسلم بموته..
ورغم أن وجودها هنا كان يعيد إليها كل الذكريات إلا أنها كانت تتألم أكثر لأنها تمنت لو استطاعت أن تعود لتلك الايام، فذهبت إلى كل مكان كانت فيه معه
كانت تبحث عنه في عيون الجميع حتى فوق صفحات النيل وبين أشعة الغروب الحمراء ليغرب معها أملها في عودته، وكم سالت دموعها حزنا وألما على بعده
وأخيرا تغير الوضع وعرفت الغرض الحقيقي من وجود والدها هنا عندما اجتمع حسين مع عبد الهادي وبعض الرجال الغريبة الذين بدا عليهم أنهم أجانب
وقتها سارت حركة غريبة بالمكان، أشخاص تذهب وأخرى تعود فشعرت بالقلق وقررت أن تعرف ماذا يحدث فاختبأت خلف غرفة الاجتماعات وسمعت والدها وهو يتحدث مع حسين والحاج مسعد كبير العائلة
"يا حسين لقد تحدد الموعد ولن نغيره، لا تنسى أننا نريد أن ننهي الأمر بسرعه قبل بداية الانتخابات، هذه الصفقة أهم صفقة في حياتنا، أنا أنتظرها منذ وقت ولكن وجود زين كان يوقفني ولكن الآن لم يعد هناك أي شيء يمنعني من إتمامها وبعدها سننتقل نقلة أخرى"
سمعت حسين يقول "ولكن أنا أشعر بعدم الراحة، منذ موت زين وأنا لا تصلني أي أخبار وأشعر وكأني مراقب، حتى معاملة من حولي لي من الرؤساء وحتى من الضباط العاديين تغيرت، والإدارة لا تبوح بأي معلومات، ولا أعلم لماذا أشعر أن هناك سر لا أعرفه، حتى ملك نفسها.. تصرفاتها وكلامها عن زين تجعلني أشك في موته أنا لا أعلم لماذا يتملكني الخوف هذه المرة؟"
قال الأب بعصبيته المعهودة عند ذكر اسم زين "لا مكان للخوف في عملنا هذا يا حسين، وزين مات، هل تفهم؟ مات ولن يعود، وإذا عاد سأقتله مرة أخرى وحتى لو لم أقتله فملك معي وموجودة هنا من أجل أن تحميني فهو لن يضرني طالما هي معي"
تراجع حسين وقال "لهذا أحضرتها معك؟ لتحتمي خلفها؟ أنت مجنون"
لاحت ابتسامة شيطانية علي وجه عبد الهادي وقال "لا، أنا لست مجنون، أنا فقط أجيد اللعب بقطع الشطرنج واستغل المواقف لمصلحتي، سيتركني من أجلها ووقتها سأقتله، أطمئن أنا أحتاط للأمر جيدا، فقط دعنا ننهي الصفقة ونعود، لقد تحدد فجر اليوم لموعدنا"
رد حسين "ولكني أخشى من ملك"
قال الأب "أنا كفيل بها كما أخبرتك وأعلم أنها لن تجرؤ على إيذائي فما زلت والدها وتحبني وتعلم أني أحبها، هيا دعنا نستعد، يا شيخ مسعد الجمال جاهزة"
رد الرجل "نعم، كل شيء تمام وفي الوقت المحدد سنتحرك إلى مكان اللقاء"
انتهت المناقشة وانفض الرجال وانتظرت هي حتى عم الصمت فخرجت وهي تجر أقدامها من ثقل ما تحمل على أكتافها من أحزان والآلام..
اتجهت لغرفتها وهي لا تعلم ماذا تفعل أو بماذا تشعر؟
إنه رجل آخر غير والدها، مجرم، رجل عصابات، أي شيء آخر غير والدها الذي عرفته وأحبته، والآن لا يتوقف وإنما يستغلها لحماية نفسه وخداع زين
أغمضت عيونها وهي في كل مرة تدرك أنها خدعت في والدها وأنها لم تتخيل يوما أن يكون كذلك أو أن يفعل بها ذلك.. ورغم كل هذا ترى هل ستتحمل أن تراه وهو..
لم ترد أن تفكر في أن زين موجود وربما هو من يفعل به ذلك وسيقبض عليه بيوم ما فهل ستقوى على أن تراه بالحبس؟
ربما لا تقوى على ذلك ولكنها كانت من داخلها تعلم أن هذه هي نهاية كل مجرم، ومع ذلك كانت تخاف أن يكون زين في مواجهة والدها بيوم ما، ترى لو حدث ذلك في أي صف ستقف؟
قبل الفجر تصنعت النوم فشعرت بوالدها يطمئن عليها ثم خرج، أسرعت تخرج من تحت الغطاء وهي بملابس الخروج وقفزت من النافذة وانحنت كي لا يراها أحد وهي ترى الرجال والناس منشغلين بالحديث
أسرعت إلى سيارة والدها ودخلت في حقيبة السيارة دون أن يشعر بها أحد
بعد وقت شعرت بالسيارة تتحرك فترة طويلة لم تعرف مداها ولكن حركة السيارة أخبرتها أنهم بالصحراء وليس على الطريق العام
أخيرا توقفت السيارة، انتظرت حتى سمعت صوت الأبواب تفتح وتغلق ثم فتحت الشنطة قليلا فلم ترى شيء فالظلام ما زال يحيط بالمكان
وجدت الجميع مشغولين بعيدا ففتحت الشنطة أكثر وخرجت دون صوت وأسرعت إلى أقرب صخرة واختبأت خلفها كي لا يراها أحد
مر الوقت وبدء النهار في البزوغ لحظة بلحظة إلى أن رأت سيارات تأتي من بعيد وبدأ بعض الرجال يستعدون للقائهم والبعض الآخر يجهز الجمال بينما والدها وحسين اتجهوا إلى السيارات القادمة التي توقفت أمامهم وسط الجبال التي تحيط بهم من كل جانب..
نزل الرجلين الذين كانوا بالمنزل من السيارة يحيطهم رجال أقوياء كحرس شخصي، وما أن بدء التسليم حتى سمعت صوت تعرفه جيدا لا يمكن أن تخطأه أذنها وهو يقول من بعيد
"أعتقد أن الأمر الآن أصبح تلبس يا عبد الهادي بيه أليس كذلك؟ لا أحد يتحرك المكان محاصر"
دق قلبها وهي تنظر أمامها لتتأكد من إحساسها ومن أنها سمعت ما تمنت أن تسمعه...