رواية عهود الطفولة الفصل الثاني2بقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل الثاني2بقلم مي عيد

تاني يوم الصبح، نزلت الكلية
وأنا كلي حماس عشان أول يوم في المحاضرات
الجديدة، وخصوصاً إن عندنا مادة الإدارة المتقدمة، ودي من المواد المهمة اللي بحبها.
دخلت مدرج الكلية الكبير، وكان زحمة كالعادة بالطلبة اللي بيدوروا على مكان يقعدوا فيه.
​شدتني "سارة" صاحبتي من إيدي وقعدنا في الصف التالت من قدام، وقعدنا نرغي شوية لحد ما الباب اتفتح، والدكتور الجديد دخل المدرج.
​الكل سكت فجأة واحتراماً لطلته. رفعت عيني أبص على الدكتور وهو طالع على السلم بخطوات ثابتة ومحسوبة. كان شاب في أوائل الثلاثينات، طويل، لابس بدلة كلاسيكية شيك جداً، وشنبه الخفيف وملامح وجهه الحادة بتدل على شخصية صارمة وقوية. بس أول ما عينيه جت على المدرج وبص ناحيتنا، حسيت إن قلبي وقف مكانه!
​ملامح وشي اتجمدت، وعنيا اتسعت من الصدمة. مستحيل! هل ده هو؟!
​نفس العيون اللي كنت بشوفها زمان في حديقة الملجأ، نفس النظرة الحادة اللي كانت بتحميني من قسوة الدار، بس على أكبر، وأرجل، وبشخصية تفرض هيبتها على قاعة بحالها.
​"تميم".. الاسم طلع من قلبي لوحده قبل لساني. هو ده!
تميم اللي فارقته وأنا عندي تمن سنين، وبقالي سنين طويلة بدور عليه في خيالي وفقدت الأمل إني ألاقيه.
​تميم وقف على المنصة، وفتح كشكول المحاضرات، وكتب اسمه بخط واضح على السبورة، وقال بصوته العميق المبحوح اللي مفيش أي تغيير حصله: "أهلاً بيكوا.. أنا الدكتور تميم الهواري، وهكون معاكم في مادة الإدارة السنة دي".
​في اللحظة دي، حسيت الدنيا بتلف بيا. هو مكنش مجرد دكتور جديد صدفه دخل الكلية عندنا.. ده الماضي كله رجع يخبط على باب قلبي في ثانية واحدة، وهو شكله لسه ماعرفنيش وسط مئات الطلبة!
​الكل في المدرج كان مركز مع الدكتور الجديد، لكن أنا كنت في عالم تاني خالص. عيني كانت مسمرة عليه، مش قادرة أصدق اللي عيني شايفاه. هل السنين دي كلها عدت، وهو قدامي دلوقتي، مش كصديق طفولة تائه، لأ.. ده بقى دكتور جامعي هيبدينا محاضراتنا؟
​سارة صاحبتي هزت دراعي بقوة وهي بتهمس في ودني بذهول: "بقولك يا مليكة.. انتي شايفة الدكتور الجديد؟ قمر وجاد جداً، شكله هيكون مرعب في المادة دي!"
​بلعت ريقي بصعوبة بالغة، وادوبك قدرت أنطق بصوت مهزوز ومرتجف: "آه.. شايفاه يا سارة.. شايفة كويس."
​تميم بدأ يشرح المحاضرة بصوته القوي الواثق، وهو بيلف بعينه في المدرج كله عشان يشوف تفاعل الطلبة. وفي وسط الشرح، عينه جت ناحيتنا بالصدفة، فوقف في كلامه ثانية واحدة.. نظراته اتقاطعت مع نظراتي، حسيت إن الوقت وقف والمكان فاضي ومفيش غيرنا احنا الاتنين. ملامحه اتجمدت لحظة، كأنه لمح شبح قدامه مش طالبة حقيقية، بس سريعاً استعاد رباطة جأشه ورجع يكمل شرح كأن محصلش حاجة.
​قلبي كان بيدق بعنف جوه
صدري
والكلمات اللي كان بيقولها كانت بتدخل وتطلع من دماغي من غير ما أستوعب حرف واحد.
أفكار كتيرة بقت تخبط في راسي: هو عرفني؟ ولا لسه ملامحي متغيرة عليه زي ما هو كمان اتغير وبقى شاب ناضج؟ وليه ظهر هنا بالذات، في جامعتي وفي كليتي، وبعد السنين دي كلها؟
​المحاضرة اللي كانت تبدو عادية جداً في الأول،
اتحولت بالنسبة لي لكابوس جميل ومربك في نفس الوقت. فضلت قاعدة طول الوقت باصة في الكشكول بتاعي
، مش قادرة أرفع عيني ناحية المنصة خوفاً من إن نظراتنا تتقاطع تاني وتفضح ارتباكي الشديد
.
​أول ما الدكتور تميم قال بصوته الحازم: "كفاية كده النهاردة، المحاضرة خلصت".. الطلاب بدأوا يلموا حاجتهم ويخرجوا زرافات ووحدات.
​سارة لمست كتفي وقالت:
"يلا يا مليكة عشان نلحق المحاضرة التانية مع دكتور سعيد."
​وقفت وأنا رجليا كأنها مش شايلاني،
وبحركة لا إرادية رفعت عيني ناحية المنصة،
لقيته واقف بيلم ورقه وبيحطهم في شنطته،
وكأنه كان مستني المدرج يفضى تماماً من الطلاب.
عينه جات في عيني مرة تانية، ولقيته بيبتسم ابتسامة خفيفة وغامضة، حسيت معاها إن الهروب من الماضي بقى مستحيل
مقدرتش استنى اكتر من كده بعد ما ساره مشيت قولتلو بصوت مهزوز:تَميم
(تميم)
كنت حاسس انها هي شكلها لسه زي ما هو لسه عيونها لسه بتوتر لما حد يبصلها لما سمعتها بتناديني وقفت وقفت وانا الزمن شايفو قدامي بيعيد نفسو
وحشتيني
هو انت بجد؟
هو انا اه
______________________________
​قعدنا في كافيتريا الكلية بعد ما المدرج فضي تماماً،
والترابيزة اللي بينا كان فيها
هدوء غريب، كأن الهوا كله متثبت.
كنت حاطة إيدي على كوباية النسكافيه السخنة، وعيني في الأرض مش قادرة أرفعها أبص له،
حسيت إني رجعت للبنت الصغيرة اللي قاعدة في حديقة الملجأ وخايفة من بكرة.
​كسر تميم الصمت ده لما سند ظهره على الكرسي وقال بصوت هادئ ومنتظم:
"شكل الصدمة كانت كبيرة عليكي.. أنا عارف إن ظهور المفاجئ ده مش سهل، خصوصاً بعد كل السنين دي."
​رفعت عيني وبصيت له نظرة مليانة عتاب ولخبطة، وقلت بصوت مشدود: "عايزني متفاجئش ليه يا تميم سنين طويلة بستنى أي أثر ليك.. ودلوقتِ، ومن غير أي مقدمات، ألاقيك قدامي
دكتور في جامعتي؟ إزاي ده حصل أصلاً؟ ازاي بجد؟
​تميم اتنهد بعمق، وظهرت على ملامحه مسحة حزن خفيفة وهو بيقول: "تفتكري إني سيبتك بمزاجي يا مليكة؟ يوم ما أخدوكِ من الملجأ، أنا كمان مشيوني بعدها بفترة قصيرة لدار تانية في محافظة تانية
. فضلت سنين تايه، وكل همي في الدنيا إني أكبر وأتعلم وأعتمد على نفسي عشان أقدر أخرج وأدور عليكِ. تعبت سنين يا مليكة، كنت بلف على السجلات والدار القديمة لحد ما قدرت أعرف العيلة اللي تبنتك."
​بلعت ريقي وبصيت له بذهول: "يعني.. يعني أنت كنت بتدور عليا طوال السنين دي كلها؟"
​هز راسه بثبات وقال: "طبعاً.. وكنت ناوي أكتر، بس لما عرفت إنك عشتي حياة مستقرة ومرتاحة مع ناس بيحبوكي وبيراعوكي ترددت أظهر وألخبط حياتك الهادية. بس القدر كان ليه رأي تاني، لما جالي تعيين هنا في الكلية دي، ولقيت اسمك قدامي في كشوف الدفعة، حسيت إن دي إشارة إن الوقت جه عشان أخيراً نتكلم."
​كنت حاسة بصداع خفيف بيلف في دماغي من كثرة الأفكار. أنا طول عمري كنت فاكرة إني نسيت، أو إني قدرت أعمل حياة جديدة بعيدة عن جدران الدار، بس لقيت إن الماضي بكل تفاصيله رجع يخبط على بابي في ثانية.
​سألته بصوت واطي وخافت: "وطيب.. ناوي على إيه يا تميم؟ إيه اللي جاي؟"
​بص في عيني مباشرة وبابتسامة هادئة قال: "ولا حاجة يا مليكة.. كل اللي عايز أعمله إني أطمن عليكِ، وأكون موجود جنبك زي زمان، كأخ وسند لو احتجتي أي حاجة في الدنيا دي كلها. متخافيش، أنا مش جاي أهد حياتك، أنا بس جاي أقولك إنك مبقتش لوحدك."
​الكلمات نزلت على قلبي زي المية الباردة وطفَت نار اللخبطة اللي كانت جواه. سكتُ ثواني وأنا حاسة بريحة أمان قديمة رجعت تتجدد
استأذنت وطلعت محاضرتي التانيه كنت قاعده مش سامعه ولا شايفه كل تفكيري في تميم! ازاي ظهر واي الي جاي؟
خلصت المحاضرة وطلعت عشان اروح بس لقيت تميم واقف وبيشاورلي اركب عربيتو حاولت كتير اهرب بس كان مُصر
العربيه كان فيها هدوء هو كان باصص قدامو ومركز وانا في دماغي مليون حاجه لحد ما وصلت شكرتو وطلعت
دخلت الشقه سلمت على بابا وماما وبعدها دخلت صليت
كنت حاسه بصخره كبيره في زوري حاجه وجعاني اوي عايزه اعيط فردت سجادة الصلاه واول ما قولت "الله واكبر" دموعي نزلت
معرفش بعيط ليه وعلى ايه بس يمكن ظهور تميم رجعني لذكريات زمان
خلصت صلاه وقعدت عالسرير تايهه
بفكر في الي جاي
يمكن خايفه؟
متوتره؟
معرفش بس كذا احساس جوايا
نمت وانا مش حاسه بأي حاجه

                   الفصل الثاني من هنا

تعليقات



<>