رواية عهود الطفولة الفصل الثالث3بقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل الثالث3بقلم مي عيد

صحيت بعد وقت مش كتير
​قمت وتوضيت تاني عشان أفوق،

 وخرجت للصالة لقيت بابا جه من الشغل وقاعدين بيجهزوا السفرة.

 قعدت معاهم، بس ماما لاحظت إن عيني حمرا وشكلي متغير.

​بعد ما خلصنا، دخلت ورا ماما المطبخ وهي بتغسل الأطباق، وقفت جنبها وأنا بفرك في إيدي بتردد.

 بصتلي بحنان وقالت:

 "مالك يا مليكة؟ حاسة إنك منكدة من ساعة ما دخلتي، في حاجة ضايقتك في الكلية؟"

​بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت في عيونها الطيبة اللي ربّتني وراعتني سنين عمري، وقلت بصوت مهزوز: 

"ماما.. أنا.. أنا قابلت تميم اليوم."

​ماما سابت اللى في إيدها، وبصت لي بتركيز شديد وقالت: "تميم؟! تقصدي صاحبك القديم اللي كنتي دايماً تحكي لي عنه من أيام الملجا؟"

​هزيت راسي بدموع جديدة تجمعت في عيني، وقعدت أحكي لها كل حاجة.. إزاي ظهر فجأة في المدرج، وإزاي بقى دكتور عندنا، وكل الكلام اللي دار بينا في الكافيتريا وتوصيلته ليا النهاردة.

​ماما مسكت إيدي بحنان دافئ وقالت بصوت هادئ ومطمئن: "يا حبيبتي، خايفة ليه؟ أومال فين البنت القوية اللي ربيتها؟ لو الولد ده ابن حلال وبجد بيطمن عليكِ بعد السنين دي كلها، يبقى تفرحي إن لسه فيه ناس أوفياء في الدنيا دي. إنتي مش لوحدك يا مليكة، وأنا وأبوكي في ضهرك دايماً، مهما حصل."
​كلماتها نزلت على قلبي زي السحر، ومسحت جزء كبير من القلق اللي كان متمكن مني.

​تاني يوم الصبح، نزلت الكلية

 ورجعت البيت بدري بعد ما اليوم خلص بشكل هادي.

 كنت قاعدة في أوضتي براجع شوية محاضرات، وفجأة تليفوني رن وكان اسم "سارة" ظاهر على الشاشة. فرحت في الأول وفتحت الخط بسرعة وأنا بقول:

 "ألو يا سارة، عاملة إيه؟"
​لكن صوتها كان جاف وعصبي، وبدأت تتخانق معايا على حاجة تافهة جداً بخصوص مشروع الجامعة والملاحظات اللي اتفقنا عليها. 

حاجة مكنش تستاهل أصلاً أي عصبية، فقلت لها بضيق: "يا سارة اهدي شوية، إيه العصبية دي كلها على حاجة بسيطة؟"

​هنا سارة خرجت عن شعورها، وقالت كلام جارح من غير ما تحسب حسابه: "بسيطة بالنسبالك عشان إنتي متعودة تيجي جاهزة لكل حاجة.
. أصل مش غريبة عليگي، ما هو اللي زيك واللي متربتش في بيت وسط عيلة وعارفة أصول الكلام، طبيعي تطلع باردة كده ومش مهتمة!"

​الكلمة خبطت في صدري زي السكينة. "اللي زيك واللي متربتش في بيت وسط عيلة".. 

الجملة دي نزلت عليّ كالصاعقة وفكرتني بكل جراح الملجا القديمة. عيوني اتملت دموع بغزارة، وقبل ما أنطق بحرف واحد، قفلت السكة في وشها ومقدرتش أستحمل وقعدت أعيط بحرقة على السرير.

​في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بهدوء، ودخل بابا وهو بيبتسم عشان يطمن عليا، بس لقى وشي متبهدل بالدموع. اتخض وجري عليّا بقلق وقال: "مليكة! مالك يا حبيبتي؟ مين زعل بنتي وعيطها كده؟!"

​مقدرتش أستحمل، فرطت في العياط وحكيت له اللي سارة قالته في التليفون والجملة الجارحة اللي جرحتني في كرامتي وأصلي.

​ بابا اتحول 180 درجة وغضب غضب شديد. خد تليفونه فوراً واتصل بأبو سارة – بحكم إنهم معارف قدام – وبصوت حازم جداً وقوي اتكلم معاه في التليفون وقال له بالنص:

 "أنا محترم بيتك وبنتك، بس بنتك قليلة الأدب ومليكة دي عندي أغلى من روحي، ومش هقبل كلمة واحدة تتقال تخص تربيتها"، وقفل السكة في وش أبو سارة وهو متعصب جداً.

​بعدها قعد جنبي على السرير، وشدني لحضنه بطبطبة دافية وحانية مسحت بيها كل وجعي. قال لي بصوته الهادئ الحنون: "يا مليكة، إنتي بنتي وحبيبتي، وأحسن وأطهر بنت شافتها عيني. أوعي تخلي كلمة من بنت طايشة تهز فيكي شعرة، إنتي متربية أحسن تربية، وفخورة بكي قدام الدنيا كلها."

​ضحكت وسط دموعي من طريقته وهو بيمسحلي عيني، وابتدينا نتكلم ونهزر لحد ما فكّ ضيقتي خالص
.
​دخلت أوضتي بليل، وقعدت على السرير أبص لبرة من الشباك، وأنا حاسة بامتنان رهيب مالك قلبي، وفضلت أقول لنفسي بكل حب: "أنا أكتر إنسانة محظوظة في الدنيا دي بأبويا.. ربنا ما يحرمني منه أبداً."

​بعد المكالمة الصعبة اللي حصلت امبارح مع سارة، قفلت تليفوني ودخلت توضيت وصليت ركعتين في جوف الليل. وأنا ساجدة، دعيت ربنا يربط على قلبي ويعوضني، وطلبت منه يبعد عني أي ناس مش حقيقية. خلصت صلاتي، وحسيت بسكينة غريبة نزلت على صدري، ونمت نوم عميق ورايق لحد الصبح.

​تاني يوم، صحيت بنشاط ولبست ونزلت الكلية وأنا حاطة في بالي إني هقفل صفحة سارة دي نهائي. وأنا ماشية في ممر الكلية رايحة على المدرج، عيني جت بالصدفة على سارة وهي واقفة قدام الكافيتريا مع بنات معروف عنهم السوء والغرور في الدفعة، وشوفتهم وهما بيضحكوا بصوت عالي ويبصوا ناحيتي بطريقة بايخة.

​وقفت مكاني ثانية، وحسيت بغصة وجع صغيرة في قلبي.. سارة كانت صحبتي الوحيدة وقريبتي لفترة طويلة، وصعب إنسان يشوف عشرة السنين بتتباع بالسهولة دي. بس في نفس اللحظة، بصيت قدامي برأس مرفوع، وقلت في نفسي بصدق وقوة:

 "الحمد لله.. الحمد لله إني بعدت عنها وعرفت حقيقتها على الستمية قبل ما اتعلق بيا أكتر من كده، ربنا نجاني منها". كملت طريقي للمدرج ودخلت وأنا ناوية أركز في دراستي وبس.

​بدأت المحاضرة، ودخل الدكتور تميم كعادته بهيبته ووقته المضبوط. وقف على المنصة وبدأ يشرح مادة الإدارة بتركيزه المعروف. بس وأنا قاعدة في مكاني، لاحظت حاجة غريبة.. وهو بيشرح، عينه كانت بتيجي ناحيتي كالعادة بالصدفة، وفجأة لقيته سكت نص ثانية، وكأن فيه وجع خفيف أو غصة خانقاه، ولسانه وقف عن الشرح تماماً لفترة قصيرة لدرجة إن الكل استغرب! هز راسه ورجع كمل الشرح، بس كان باين عليه التشتت.

​وتعالوا بينا نسيب المدرج لحظة، ونروح لتميم وهو قاعد لوحده في مكتبه بعد المحاضرة

مكنتش قادر في كل مره ببصلها فيها بشوفها زي اول مره شوفتها فيها صعب عالواحد يشوف حد عزيز عليه ويعمل نفسو مش واخد بالو مليكه اكتر حد كان قريب ليا، نفسي اقولها اني بحبها وانها مش مجرد صحبة طفوله!؟ 

​رجعت لورا على الكرسي، وطلعت علبة صغيرة قديمة من جيبي فيها نص شوكولاتة قديمة محتفظ بيها من سنين، وبصتلها بابتسامة حزينة وقال: "يا ترى هترضي يا مليكه؟؟

تعليقات



<>