رواية خيوط لاتري الفصل الثاني2بقلم فاطمة مالكي
الفصل الثاني: أبواب القاهرة
استيقظت حنين قبل رنين المنبه بدقائق. فتحت عينيها ببطء، وبقيت مستلقية مكانها تحدق في السقف. كان الضوء الرمادي الباهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، معلناً بداية يوم جديد.
أول صباح لها في القاهرة. تذكرت ذلك فوراً، فجلست على السرير وشعرت للحظة بذلك الإحساس الغريب الذي يرافق الإنسان عندما يستيقظ في مكان لا يعرفه. الغرفة هادئة؛ هادئة أكثر مما ينبغي. لا صوت لحنان وهي تشتكي من الاستيقاظ المبكر، فقط صوت جهاز التكييف وصمت الفندق الرتيب.
مدت يدها نحو هاتفها؛ كانت الساعة السابعة إلا عشر دقائق. تنهدت، ثم نهضت متجهة نحو النافذة وأزاحت الستارة قليلاً. القاهرة كانت تستيقظ بالفعل؛ السيارات بدأت تملأ الشوارع، المحال تفتح أبوابها، والمدينة كلها تتحرك بسرعة جعلتها تبتسم بعفوية.
— ما شاء الله عليكم... (تمتمت دافرة زفيراً خفيفاً):
— ما ترقدوش كامل!
بعد دقائق كانت قد أنهت صلاتها، ووقفت أمام المرآة لتنسيق ملابسها. اختارت قميصاً أبيضَ طويلاً وبنطالاً أسودَ واسعاً، ثم قامت بلفّ حجابها القطني الناعم ببراعة؛ مظهر عملي ومحتشم يناسب يوماً طويلاً من البحث عن العمل. أثناء ترتيب حقيبتها الصغيرة، سقط شيء ما على الأرض. انحنت لتلتقطه، ثم توقفت فجأة... بطاقة الأعمال؛ بطاقة ياسين الحكيم التي تركها لها في الاستقبال..
بقيت تنظر إليها ثواني، ثم هزت رأسها بحسم:
— بلا ما نخمم.
وأعادتها إلى أعمق جيب في الحقيبة. هي لم تأتِ إلى مصر لتبحث عن واسطة، ولا لتتعلق بأول فرصة تظهر أمامها لمجرد صدفة؛ ستحاول وحدها أولاً، وإذا فشلت... فلكل حادث حديث.
رن هاتفها فجأة، فابتسمت قبل أن ترى الاسم: "حنان". ضغطت على زر الإجابة، فجاءها الصوت الصاخب فوراً:
— واش راكي؟
ضحكت حنين:
— صباح الخير عليكِ حتى نتي.
— خلي الصباح الخير لوقت آخر، قوليلي واش صرا البارح!
— واش صرا؟
— إي، الاجتماع، المصري الزين، الشركة الكبيرة...
أغلقت حنين عينيها بقلة حيلة:
— حكيتلك وندمت.
انفجرت حنان ضاحكة:
— عرفتك حتقوليها... قوليلي الحقيقة!
— ما كاين حتى حقيقة.
— ما نصدقش.
— هاذي مشكلتك.
استمرت المكالمة أكثر من عشر دقائق، وكما يحدث دائماً، نجحت حنان في جعلها تضحك، وفي جعل شعورها بالغربة أخف قليلاً. عندما أغلقت الهاتف أخيراً، كانت مستعدة تماماً للخروج. لكنها لم تكن تعرف أن القاهرة ستبدأ أول اختبار حقيقي لها خلال أقل من ساعة...
أغلقت حنين الهاتف بعد أن ودعت حنان، وبقيت للحظة تنظر إلى الشاشة السوداء. رغم أن المكالمة لم تدم طويلاً، إلا أنها تركت داخلها شعوراً مريحاً، وكأن جزءاً صغيراً من الجزائر عبر البحر وجلس معها لبضع دقائق. وضعت الهاتف داخل الحقيبة، ثم أخذت ملف سيرتها الذاتية، وألقت نظرة أخيرة على انعكاسها في المرآة:
— بسم الله.
قالتها بهدوء، وغادرت الغرفة.
كان بهو الفندق أكثر ازدحاماً من الليلة الماضية؛ رجال أعمال، سياح، وموظفون يتحركون بسرعة بين المكاتب، وأصوات متعددة اللغات تختلط في المكان. مرّت حنين قرب مكتب الاستقبال، ثم خرجت إلى الشارع فاستقبلتها القاهرة بضجيجها المعتاد. توقفت لثوانٍ تنظر حولها، ورغم أنها لم تمضِ سوى ساعات قليلة داخل هذه المدينة، إلا أنها بدأت تشعر بأنها مختلفة عن أي مكان عرفته من قبل؛ ليست أجمل، وليست أسوأ... فقط مليئة بالحياة أكثر مما توقعت.
استوقفت سيارة أجرة وأعطت السائق عنوان أول شركة على قائمتها. انطلقت السيارة وسط زحام الصباح، وكانت تراقب الشوارع من خلف النافذة؛ كل شيء يتحرك، كل شيء يجري، وكأن المدينة تخشى أن تضيع منها دقيقة واحدة.
بعد نصف ساعة تقريباً، وقفت أمام أول شركة؛ مبنى زجاجي متوسط الحجم، مرتب وأنيق. تنفست بعمق ثم دخلت. استقبلتها موظفة الاستقبال بابتسامة مهنية:
— اتفضلي.
— صباح الخير.
— صباح النور.
قدمت لها حنين سيرتها الذاتية وشرحت أنها تبحث عن وظيفة في مجال الترجمة والعلاقات الدولية. أخذت الموظفة الملف وتصفحته سريعاً، ثم رفعت رأسها:
— عندك موعد؟
— لا.
— للأسف التوظيف عندنا بيكون بالمواعيد.
ابتسمت حنين بلطف:
— ما كانش مشكل.
— سيبي السيرة الذاتية وإن شاء الله نتواصل معاكِ.
شكرتها وغادرت. كانت لا تزال متفائلة، فهذه مجرد المحاولة الأولى.
أما المحاولة الثانية فلم تكن أفضل ؛ انتظرت قرابة أربعين دقيقة في صالة صغيرة قبل أن يخرج مسؤول الموارد البشرية، ينظر إلى أوراقها ويقول باعتذار مهذب:
— مؤهلاتك كويسة جداً.
شعرت بالأمل يرفرف داخلها، لكنه أكمل صاعقاً إياها:
— بس إحنا محتاجين حد عنده خبرة داخل السوق المصري.
اختفي الأمل بنفس السرعة التي ظهر بها، ورغم ذلك ابتسمت وشكرته وغادرت.
بحلول الظهيرة، كانت قد زارت أربع شركات وحصلت على أربع إجابات مختلفة، لكن النتيجة واحدة: لا وظيفة. جلست أخيراً داخل مقهى صغير قريب من النيل، ووضعت حقيبتها على الكرسي المجاور ثم طلبت قهوة. كانت متعبة، ليس جسدياً فقط بل ذهنياً أيضاً، لأن الواقع بدأ يختلف عن الصورة الوردية التي رسمتها في رأسها. هي تعلم أن إيجاد عمل يحتاج وقتاً، لكن عندما ينتقل الإنسان إلى بلد جديد، فإن كل يوم يمر دون نتيجة يبدو أطول من المعتاد.
وضعت مرفقها فوق الطاولة وأسندت ذقنها إلى يدها، تنظر إلى المارة وتفكر: هل كانت متهورة عندما جاءت؟ هل كان عليها البقاء في الجزائر فترة أطول؟ هل...
قاطع أفكارها صوت النادل وهو يضع القهوة أمامها. شكرته، ثم تناولت أول رشفة وأغمضت عينيها للحظة:
— الحمد لله.
همست بها؛ فمهما حدث، لن تستلم بهذه السرعة.
في الجهة الأخرى من القاهرة، كان الطابق الأخير من شركة الحكيم للاستيراد والتصدير يعيش صباحاً مختلفاً تماماً. مبنى الشركة كان واحداً من أكبر المباني التجارية في المنطقة؛ واجهة زجاجية ضخمة، حركة لا تتوقف، وموظفون يدخلون ويخرجون منذ ساعات الصباح الأولى.
لكن داخل مكتب ياسين الحكيم، كان الجو أبرد من المعتاد. جلس خلف مكتبه الكبير، وأمامه شاشة تعرض تسجيل اجتماع الأمس، يعيد مشاهدة المقطع نفسه للمرة الرابعة، بينما يقف أمامه رجل فقد كل ثقته بنفسه؛ المترجم. كان التوتر واضحاً عليه حتى إن قطرات العرق بدأت تظهر عند جبينه.
أوقف ياسين التسجيل، ثم رفع نظره إليه وقال بنبرة هادئة مخيفة:
— عاوز أفهم.
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة:
— يا فندم أنا...
— اسمع التسجيل.
ضغط زر التشغيل فانطلق صوت الجملة الفرنسية، ثم الترجمة المحرفة التي تلتها. ساد الصمت، فقال ياسين باقتضاب:
— دي مرة.
ثم انتقل إلى الجملة التالية:
— ودي اتنين.
ثم الثالثة، ثم الرابعة، حتى انتهى. أغلق الحاسوب المحمول ببطء، ثم أسند ظهره إلى الكرسي:
— عندك تفسير؟
فتح الرجل فمه وأغلقه، ثم أعاد المحاولة بارتباك:
— يمكن كنت متوتر.
لم يتغير وجه ياسين أو تتأثر نبرته:
— ست مرات؟
سكت الرجل.
— وكلهم في نفس الاتجاه؟
ازداد صمته الخانق. وفي تلك اللحظة، طرق الباب؛ دقات خفيفة ومنظمة. قال ياسين:
— ادخلي.
فُتح الباب ودخلت نادين.بخطوات هادئة وواثقة، تحمل جهازاً لوحياً وعدة ملفات مرتبة بعناية بين ذراعيها. وكعادتها، بدا كل شيء فيها مثالياً؛ الشعر مرتب، الملابس أنيقة دون مبالغة، والابتسامة المهنية مرسومة بدقة على وجهها. توقفت أمام المكتب:
— صباح الخير يا فندم.
— صباح النور.
وضعت الملفات أمام ياسين، ثم ألقت نظرة خاطفة على الرجل الواقف أمامه. لاحظت نادين التوتر الواضح على وجه المترجم، ولاحظت أيضاً أن ياسين أعاد فتح تسجيل الاجتماع للمرة الخامسة تقريباً، وهنا فقط شعرت بانقباض خفيف داخل صدرها؛ لأنها تعرف ياسين جيداً، أكثر مما يعرفه معظم الموظفين. تعرف أن هدوءه الحالي ليس هدوء رجل انتهت مشكلته، بل هدوء رجل بدأ يجمع القطع المبعثرة.
قالت نادين وهي تدفع أحد الملفات نحوه:
— تقرير الشحنات الخاصة بالأسبوع الماضي.
رفع ياسين نظره إليها، ثم أخذ الملف لكنه لم يفتحه مباشرة. ظل ينظر إليها لثوانٍ قصيرة؛ ثوانٍ عادية بالنسبة لأي شخص، لكنها لم تكن عادية بالنسبة لنادين، لأنها شعرت خلالها وكأنه يحاول قراءة شيء خلف ملامحها المسترخية. ثم أخيرًا فتح الملف، فتنفست بصمت. أما المترجم فظل واقفاً مكانه كأنه ينتظر حبل المشنقة.
قلب ياسين عدة صفحات، ثم أغلق الملف من جديد وقال دون أن ينظر إلى المترجم:
— تقدر تخرج.
ارتبك الرجل:
— أفندم؟
— التحقيق لسه مخلصش، لكن تقدر تخرج دلوقتي.
هز الرجل رأسه بسرعة والراحة تكتسحه:
— حاضر يا فندم.
ثم غادر وكأنه يهرب من زنزانة. أُغلق الباب خلفه وساد الصمت ثوانٍ قليلة، قبل أن تتكلم نادين محاولة سبر غوره:
— واضح إن الموضوع أكبر من مجرد خطأ.
رفع ياسين عينيه الحادتين إليها وعقّب:
— تقدري تتفضلي على مكتبك.
حافظت على هدوئها التام، لكن قلبها تسارع بشكل جنونيً.
في الوقت نفسه، كانت حنين تغادر المقهى. أعادت ملف سيرتها الذاتية إلى الحقيبة، ثم بدأت السير على الرصيف دون وجهة محددة؛ احتاجت إلى بعض الهواء وبعض الوقت لتفكر. كانت الشمس تميل ببطء نحو الغرب، والمدينة ما تزال مزدحمة كما كانت صباحاً. مرت بجوار مكتبة، ثم محل ملابس، ثم مخبز تفوح منه رائحة الخبز الطازج، فتوقفت أمام واجهته تلقائياً وابتسمت:
— يا سلام...
دخلت واشترت بعض المعجنات ثم خرجت من جديد. كانت تحاول الاستمتاع بالأشياء الصغيرة حتى لا تسمح للإحباط بالتسلل إليها، لكن الحقيقة كانت واضحة كالشمس: لم تجد عملاً، ولا حتى مقابلة حقيقية، وكلما تذكرت ذلك شعرت بثقل خفي فوق كتفيها.
رن هاتفها فجأة. نظرت إلى الشاشة ثم ابتسمت فوراً:
— ألو؟
— واش راكي يا حنين؟
كان ذلك صوت خالتها الدافئ. بدأت تسألها عن السفر، الفندق، القاهرة، وهل تأكل جيداً أم لا. ابتسمت حنين طوال المكالمة وأجابت عن الأسئلة نفسها التي سمعتها عشرات المرات من قبل، لكنها لم تمانع؛ لأنها تشتاقلهم بالرغم من أنها وصلت بالأمس فقط، إلا أنها تشتاق للأصوات و الوجوه المألوفة، الأماكن التي تعرفها. وهذا طبيعي؛ فأي بداية جديدة تحمل في طياتها شيئاً من الوحدة.
أما داخل شركة الحكيم، فكان مازن يدخل مكتب ياسين دون أن يطرق الباب كعادته. رفع ياسين عينيه من فوق الأوراق وبادره:
— امتا هتتعلم تخبط.
جلس مازن أمامه بارتياح:
— مستحيل. (ثم أشار إلى الملفات): لسه في نفس الموضوع?
— أكيد.
أطلق مازن زفرة طويلة:
— طيب قولي حاجة.
رفع ياسين حاجبة:
— إيه؟
— البنت الجزائرية.
أغلق ياسين الملف ببطء ونظر إليه، فابتسم مازن فوراً:
— أهو!
— أهو إيه؟
— أول مرة من ساعة ما عرفتك تفضل تفكر في حد قابلته نص ساعة.
لم يتغير وجه ياسين المحايد:
— أنا بفكر في اللي قالته.
— أكيد! (قالها مازن بطريقة تهكمية جعلت ياسين يرمقه بنظرة باردة، فضحك مازن تراجعاً): خلاص يا عم. (ثم مال للأمام وأصبح أكثر جدية): بعيداً عن الهزار... أنت مصدقها؟
أجاب ياسين فوراً ودون تردد:
— أيوة.
— للدرجة دي؟
— كانت تقدر تسكت.
سكت مازن يفكر، فأكمل ياسين:
— ومكنش هيحصلها أي حاجة.
— صحيح.
— لكنها اتدخلت.
— صحيح.
— وده معناه إنها يا إما غبية جدًا...
ابتسم مازن:
— أو؟
— أو صادقة جدًا.
اختفت الابتسامة من وجه مازن تدريجياً؛ لأنه يعرف أن ياسين لا يثق بسهولة أبداً.
مع حلول المساء، عادت حنين إلى الفندق أخيراً. كانت قد أمضت اليوم كله تقريباً خارج الغرفة، وقد بدأ التعب يظهر بوضوح على ملامحها ومشيتها. دخلت البهو متجهة نحو المصعد، لكن موظف الاستقبال ناداها بلطف:
— آنسة حنين؟
توقفت ثم اقتربت من المكتب:
— نعم؟
ابتسم الموظف وأخرج ظرفاً صغيراً من أحد الأدراج:
— ده وصل لحضرتك من حوالي ساعة.
قطبت حاجبيها باستغراب فهي لاتعرف احد في هذه المدينه :
— ليا أنا؟
— أيوة يا فندم.
أخذت الظرف؛ كان أبيض، بسيطاً، ولا يحمل اسم المرسل. نظرت إليه للحظات ثم فتحته وأخرجت ما بداخله فتجمدت مكانها... بطاقة أعمال تعرفها جيداً؛ بطاقة ياسين الحكيم. لكن هذه المرة، كان هناك سطر مكتوب بخط يدوي واضح على ظهرها. قرأت السطر ، ثم أعادت قراءته مرة ثانية وكأنها لا تصدق ما تراه:
"إذا كنتِ ما زلتِ تبحثين عن عمل... تعالي إلى شركة الحكيم للاستيراد والتصدير، الساعة العاشرة صباحاً."
تسارعت دقات قلبها بقوة، ثم رفعت رأسها ببطء ونظرت حولها في البهو وكأنها تتوقع أن تجد شخصاً يراقبها، لكن لم يكن هناك أحد سوى النزلاء العاديين. عادت تنظر إلى البطاقة ثم همست لنفسها برهبة:
— يا رب يسر ولا تعسر ...
لأول مرة منذ وصولها إلى القاهرة، لم تعرف ما القرار الصحيح؛ هل تذهب؟ أم تعتبر الأمر مجرد مجاملة عابرة وتنتهي الحكاية هنا؟ لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً: يوم الغد لن يكون عادياً أبداً.
أغلقت حنين باب غرفتها خلفها، ثم أسندت ظهرها إليه والبطاقة ما تزال تدور بين أصابعها. كانت الغرفة هادئة؛ هادئة أكثر مما يناسب الفوضى العارمة الموجودة داخل رأسها الآن. سارت ببطء نحو السرير وجلست، ثم أعادت قراءة الكلمات المكتوبة للمرة العاشرة على الأقل. وضعت البطاقة فوق الطاولة ثم ابتعدت عنها، وعادت بعد ثوانٍ لتلتقطها مجدداً:
— واش ندير؟ (همست لنفسها بحيرة).
كانت المشكلة الكبرى أنها لا تحب أن تشعر بأنها مدينة لأحد، ولا تحب أن تحصل على فرصة فقط لأنها التقت بالشخص المناسب في المكان المناسب؛ طوال حياتها كانت تعتمد على نفسها ودائماً كانت تفتخر بذلك. لكن في المقابل، هي بالفعل بحاجة ماسة لعمل، والرجل لم يعرض عليها شيئاً غير منطقي؛ هو فقط طلب منها أن تأتي، هذا كل شيء. لم يقل إنه سيوظفها فوراً، ولم يعدها بأي منصب حساس... مجرد لقاء عمل. فلماذا كل هذا التردد؟
زفرت ببطء ثم نهضت متجهة نحو النافذة؛ كانت أضواء القاهرة تلمع في الخارج بصخب لا ينام، وكأن المدينة كلها تهمس لها بإلحاح: "تحركي!". ابتسمت رغماً عنها، ثم قالت بصوت منخفض:
—غدوة نشوفو.
في صباح اليوم التالي، استيقظت قبل المنبه مرة أخرى، لكن هذه المرة كان السبب واضحاً: التوتر. فتحت عينيها وظلت تحدق في السقف، ثم استدارت نحو الساعة؛ كانت السابعة إلا ربعاً.
— مازال الحال. (قالتها، لكنها كانت تعرف أنها لن تستطيع النوم مجدداً).
نهضت، توضأت، صلت، ثم بدأت تستعد ببطء. اختارت ملابس رسمية وأكثر أناقة من اليوم السابق؛ قميصاً حريرياً بلون كريمي، وبنطالاً أسود كلاسيكياً، وحذاءً عملياً راقياً مع حجاب اسود. ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة؛ لم تكن تحاول إبهار أحد، فقط أرادت أن تبدو كما هي: مهنية، مرتبة، وواثقة. أخذت حقيبتها والبطاقة، وغادرت الفندق.
عندما توقفت سيارة الأجرة أمام برج شركة الحكيم، رفعت حنين رأسها ببطء وتجمدت للحظة. كانت قد قرأت عن الشركة ورأت صوراً لها على الإنترنت، لكن الواقع كان مختلفاً تماماً؛ مبنى شاهق مذهل من الزجاج والفولاذ، واجهة واسعة تعكس أشعة الشمس، وسيارات فاخرة تدخل وتخرج باستمرار. شعرت فجأة أنها أصغر بكثير مما كانت تعتقد، فابتلعت ريقها ثم دفعت الأجرة وترجلت:
— بسم الله. همست بها وتقدمت نحو المدخل بخطوات ثابتة.
في الداخل، كان كل شيء يتحرك بسرعة فائقة؛ موظفون، هواتف لا تسكت، أجهزة حاسوب، اجتماعات مغلقة، وأشخاص يبدون وكأنهم يعرفون تماماً ماذا يفعلون في كل ثانية. أما هي، فكانت الغريبة الوحيدة في هذا المحرك الضخم. اقتربت من مكتب الاستقبال الفخم، فابتسمت لها الموظفة برقي:
— صباح الخير.
— صباح النور. (أخرجت البطاقة): عندي موعد مع الأستاذ ياسين الحكيم.
ألقت الموظفة نظرة على البطاقة، وفجأة تغيرت ملامحها فوراً:
— لحظة واحدة يا فندم.
التقطت الهاتف وتحدثت بنبرة خفيضة لبضع ثوانٍ، ثم أعادت السماعة إلى مكانها ونظرت إلى حنين باحترام جديد:
— اتفضلي، الأستاذ ياسين منتظر حضرتك.
رمشت حنين مرتين مذهولة؛ منتظرها؟ لم تكن تتوقع أن يكون اسمها مسجلاً في الاستقبال الفوري. لكنها أخفت دهشتها بسرعة، وتبعت الموظف الذي جاء خصيصاً لاصطحابها إلى المصعد الخاص بالإدارة العليا.
في الطابق الأخير، كانت نادين تراجع جدول المواعيد اليومي على جهازها اللوحي قبل أن يرن الهاتف الداخلي على مكتبها. رفعت السماعة، استمعت لثوانٍ، ثم قالت ببرود:
— تمام، خليها تتفضل.
أغلقت الخط، لكن يدها تيبست فوق الجهاز لعدة لحظات؛ لأن الاسم الذي سمعته لم يكن عادياً أبداً: "حنين عمراني". الفتاة الجزائرية. شعرت بشيء بارد يمر في عمودها الفقري؛ ذلك الاسم بدأ يتكرر أكثر مما يحتمل نظامها المحسوب؛ في الفندق، ثم في حديث مازن، ثم اهتمام ياسين غير المعتاد، والآن... هي هنا، تخترق حصن الشركة. رفعت رأسها نحو باب مكتب ياسين المغلق، وأخذت نفساً بطيئاً وعميقاً، ثم ارتسمت ابتسامتها المهنية المثالية الصارمة على وجهها كأن شيء لم يكن.
أما حنين، فكانت تقف الآن أمام باب ضخم مصنوع من الخشب الداكن الفاخر. قال الموظف بأدب:
— اتفضلي يا فندم.
بقيت وحدها لثوانٍ، تحدق في المقبض الفضي، تشعر أن عبورها لهذا الباب سيغير شيئاً كبيراً في حياتها. رفعت يدها وطرقته بخفة، فجاءها الصوت من الداخل؛ هادئاً، واضحاً، وعميقاً:
— ادخلي.
أدارت المقبض ودخلت، فرفعت عينيها مباشرة لتجد ياسين الحكيم واقفاً قرب النافذة الزجاجية العملاقة، ينظر إلى القاهرة الممتدة في الأسفل، ثم التفت نحوها ببطء. ولأول مرة، كانت مقابلتهما داخل عالمه الخاص، وليس عالم الصدفة العابرة... خطت خطوتها الأولى داخل المكتب، لتفتح صفحة جديدة تماماً في كتاب رحلتها بالقاهرة.
