رواية اولاد الباشا الفصل الثلاثون30بقلم شيماء منير


رواية اولاد الباشا الفصل الثلاثون30بقلم شيماء منير

بعد مرور أسبوع، كان الوضع ما زال على حاله، كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة الثقيلة.

حتى بعد أن تحدثت سمية مع فارس وحاولت تصلح اللي انكسر، كان قلبه من الداخل قفل يرفض أي محاولة للاقتراب او الصلح

في جناح فارس وبنان، كان الصمت يخيم على أركان المكان. خرجت بنان من الحمام، فتسمرت في مكانها؛ كان فارس ينحني فوق حقيبة سفره، يطوي ملابسه بآلية وجفاف.
اتسعت عيناها باستغراب ممزوج بالحيرة، واقتربت منه بخطوات متثاقلة، تحاول أن تقرأ في ملامحه أي إشارة، ثم قالت بهدوء: هو أنت مسافر؟

رفع فارس ببرود عينين خاليتين من أي دفء، كانت نظرته حادة كالزجاج، وقال وهو يتابع تجهيز الحقيبة دون أن 
يمنحها لحظة اهتمام: أنتِ شايفه إيه؟

ابتلعت بنان غصتها، واقتربت خطوة أخرى، محاولة أن تلمس في نبرتها رجاءً خفيًا: هتسافر فين؟

أغلق فارس الحقيبة بصوت حاد أحدث صدى في الغرفة، ونظر إليها مباشرة، نظرته كانت كجدار صلب يمنعها من الاختراق، ثم قال كمن يضع حدًا أخيرًا: أعتقد ده شيء 
ميهمكيش.

التقط فارس حقيبته، وأمسك مفاتيحه وموبايله، ومر من جانبها دون أن تلامس كتفاه كتفها. خرج وإغلاق الباب خلفه يتردد في أذنيها. وقفت بنان مكانها، تلاحقه بعينين ملأهما 
الضيق والحزن، تتأمل الفراغ الذي تركه وراءه.

في الطرقة المؤدية للدرج، كان مالك يقف بالمصادفة. تفاجأ بظهور فارس وحقيبته في يده، فتوقف ينظر إليه بتساؤل وسأله: إيه ده، أنت مسافر؟

توقف فارس لثوانٍ، وعيناه تعكسان إرهاقًا قسيمًا، وقال: أيوة، هغير جو كدا يومين ثلاثة وراجع.

نظر إليه مالك بعينين تفهمان ما وراء هذا الهروب، وقال بنبرة تحمل رجاءً أخويًا: طيب ما تاخد بنان معاك يمكن...

تغيرت ملامح فارس فورًا، وقست نظرته وهو يقاطعه بضيق مكتوم: مالك، لو سمحت قفل كلام في الحوار ده.

تنهد مالك ومد يده يربت على كتفه بقلة حيلة، عيناه تنطقان بالتعاطف دون حاجة للكلمات، وقال: تمام، رحلة سعيدة.

ارتسمت على شفاه فارس ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه، وقال: سلام.

رد عليه مالك وهو يراقب خطواته المبتعدة: سلام.

قاد فارس سيارته وانطلق بها في اتجاه شرم الشيخ. كانت الطريق طويلة، وستستغرق منه ما بين خمس إلى ست ساعات، لكن قيادة السيارة في مثل هذا الوقت كانت وسيلته الوحيدة لتفريغ الطاقة المكبوتة والغضب المشتعل بداخلها.

عند وصوله، اتجه فورًا إلى الفندق الذي حجز فيه غرفة مسبقًا. دخل الغرفة، وأخرج هاتفه ليطمئن نجوى على وصوله بسلام، ثم ألقى بجسده المنهك على السرير ليرتاح قليلاً من عناء السفر والسواقة.

بعد ساعة واحدة، استيقظ فارس، ودخل ليأخذ حمامًا سريعًا يستعيد به نشاطه، ثم قرر الخروج ليلًا ليسهر ويكسر حالة الخناق التي تعيشها روحه.

في اليوم التالي، استيقظت بنان من نومها بعد ليلة قاسية وطويلة لم تذق فيها طعم الراحة، ليلة كانت عبارة عن نوبات متواصلة من البكاء والوجع.

أمسكت هاتفها بيدين مرتعشتين، فتحت تطبيق فيسبوك وتصفحته لبعض الوقت بشرود، ثم انتقلت إلى تطبيق واتساب وبدأت تتنقل بين حالات أصدقائها دون تركيز.

وفجأة، اعتصر قلبها وجلست مفزوعة في فراشها؛ لقد رأت صورة لفارس في إحدى الحالات، كان متصورًا مع امرأة أخرى في أجوء سهرة ليلية، وتبدو عليهما الاندماج والتقارب.

انسكبت دموع بنان على وجنتيها بحرارة، ولم تتمالك أعصابها، فأسرعت تكتب له بعتاب لاهث ويدين ترتجفان: مين دي؟ معقول مش قادر تستنى لحد ما ننفصل؟ مين دي من حقي اعرف؟

ظهرت علامة وصول الرسالة إلى هاتفه، لكنه لم يفتحها ولم يرَها بعد.

رمت بنان الهاتف بجوارها على السرير، وانخرطت في نوبة بكاء حادة وشهقات متواصلة وهي تحتضن رأسها بقلة حيلة. واللي زود بكائها اكتر انه شاف الرسايل ومردش

وبعد لحظات من الضياع، أخذت نفسًا عميقًا بصعوبة، وأمسكت هاتفها مجددًا، وقررت أن تتصل بيمنى.

ـ_ــــــــــــــــ_ــــــ

بعد ثلاثة أيام، في ساعة متأخرة من الليل...
عاد "فارس" من شرم الشيخ،  دخل الغرفة بخطوات خافتة، حذرًا ألا يوقظ "بنان" الغارقة في نومها. اتجه نحو الدولاب، أخرج ملابسه وتناول شاور سريعًا ليغسل عنه تعب الطريق، ثم التفت ونام على الكنبة حتى أشرقت شمس الصباح.
استيقظ فارس على صوت المنبه الذي ضبطه مسبقاً، وبدأ يجهز نفسه للذهاب إلى العمل.

في تلك اللحظة، تحركت بنان، فتحت عينيها ببطء لتبصر فارس يرتدي ملابسه أمام الملاية. صدمة خاطفة مرت بعينيها قبل أن تنطق بنبرة ناعسة:
ـ أنت رايح الشغل؟
ردّ فارس دون أن يلتفت إليها، ممتنعًا عن النظر في عينيها وهو يغلق أزرار قميصه بجمود:
ـ أكيد يعني.

اعتدلت بنان في جلستها، واستجمعت شجاعتها وهي تقول بنبرة تحذيرية مستفزة:
ـ أنا قررت أكمل تعليم السواقة، وهروح مكتب محمود الصاوي وأكمل هناك.

حافظ فارس على بروده الظاهري، وأجاب بنبرة خالية من أي انفعال:
ـ براحتك، أنتِ حرة في حياتك.. اعملي اللي يريحك.

نظرت له بنان بضيق مكتوم، وقامت وهي تمتم:
ـ أوكيه، هروح أجهز عشان أروح.

تخطته ودخلت الحمام وأغلقت الباب خلفها. بمجرد أن اختفت عن نظره، زفر فارس بضيق مكتوم، ورمى البليزر الذي كان يمسكه على السرير بعنف يعكس ما يدور بخلده. 

ثم عاد والتقطه، وأخذ متعلقاته وخرج من الجناح.

خرجت بنان بعد دقائق، وبدأت في تجهيز نفسها بدقة. ارتدت تنورة قصيرة وبلوزة "كت"، ورفعت شعرها لأعلى، ثم وضعت لمسات خفيفة من المكياج—رغم أن وجهها لا يحتاجه—لكنها كانت تريد إرسال رسالة.

نزلت السلم بخطوات واثقة ولكنها مشدودة. كانت السفرة تجمع "سمية" و"نجوى" وفارس فقط. ترقبت بنان نظرات الجميع، وخاصة فارس الذي كان ينظر في طبقه يأكل 
بجمود ولم يرفع عينيه إليها.

اقتربت من الطاولة، وانتشرت ريح عطرها القوي في المكان—نفس العطر الذي سبق أن حذرها فارس بصرامة ألا تضعه خارج جناحهما الخاص.
ـ صباح الخير.
رد الجميع باعتيادية ما عدا فارس، الذي اكتفى برشفة من قهوته ودون أن ينطق:
ـ صباح النور.
تأملتها سمية بنظرة فاحصة من الأعلى للأسفل وسألتها:
ـ هو أنتِ خارجة؟
جلست بنان على المقعد بثبات:
ـ اه، رايحة أتعلم السواقة، وعايزة رجلي تتحرك براحة.
في تلك اللحظة
 وقف فارس فجأة وقال بلهجة حاسمة:
ـ أنا همشي يا أمي.
ـ ماشي يا حبيبي

تحرك فارس للخارج، وتبعته بنان بخطوات سريعة. فتح باب سيارته ووضع حقيبة الاب توب على المقعد وقبل أن يركب، اقتربت منه بنان وقالت بنبرة خافتة:
ـ ممكن توصلني في طريقك؟
التفت إليها فارس، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة باردة كالجليّد:
ـ لا.. لأن طريقك مش طريقي، أقصد طريق الشركة غير المكان اللي أنتِ رايحاه.
ثم رفع صوته قليلاً ينادي:
ـ يا سعيد!
جاءه السائق—رجل في عقده الرابع—بسرعة:
ـ صباح الخير يا باشا.
ـ صباح النور.. وصل بنان هانم للمكان اللي هي عايزاه، وخليك معاها لحد ما تخلص.
ـ حاضر يا باشا، أمرك.
ركب فارس سيارته، أغلق النافذة الزجاجية، ثم تحرك بالسيارة مبتعداً، تحت عيون بنان التي كانت تتابعه بحزن وضيق مكتومين.
ركبت بنان السيارة بجوار السائق وهي لا تطيق نفسها، تشعر بحسرة تتآكل من الداخل على خسارة فارس، وعلى هذا الجدار الجليدي الذي بناه بينهما.

ـــــــــــــ

بعد ساعتين، في منزل خالد نصار...

كانت "بنان" تجلس في غرفة "يمنى"، تحضن ركبتيها وتبدو عليها علامات الإحباط والشرود

بينما تتأملها يمنى بحيرة وسألتها:
ـ طيب أنتِ متضايقة ليه دلوقت؟ عشان ملقيتيش مكان فاضي في مدرسة السواقة؟

ردت بنان بنبرة خافتة وهي تهز رأسها:
ـ لا عادي.. هما قالوا أول ما يفضى وقت ومكان هيكلموني.

قطعت يمنى الشك باليقين، وقربت منها أكثر مستفسرة:
ـ طيب في إيه يا بنان؟ إيه اللي موصلك للحالة دي؟

لم تستطع بنان الصمود أكثر من ذلك، وانفجرت في البكاء وهي تقول بصوت مخنوق:
ـ هيكون في إيه بس يا يمنى؟! الصبح قولتله هروح أكمل تعليم السواقة،رد عليا بجمود وقال لي: "براحتك.. اعملي اللي يريحك"!

استغربت يمنى ومالت برأسها:
ـ ودا يخليكي تعيطي بالشكل ده؟

تزايدت دموع بنان وغطت وجهها بيديها وهي تنتحب بقلة حيلة:
ـ يا يمنى افهميني أرجوكي! يعني الموضوع مش فارق معاه خالص! فارس اللي مكانش راضي يخليني أتدرب حتى مع ست، دلوقت عارف إني رايحة مكان فيه رجالة، وبشكلي ده وبلبسي ده.. وما علّقش! ولا حتى اتقمص أو اتكلم! البرود ده بيموتني!

ابتسمت يمنى بقلة حيلة يمتزج فيها التعاطف مع التفهم، وقالت بلهجة هادئة:
ـ معلش يا بنان.. هو زعلان بردوه الكلام كان بيجرح

بكت بنان بحرقة أشد، ونبرة صوتها تحمل التوسل والرجاء:
ـ طيب أعمل إيه تاني؟ حاولت كتير أشيل أي زعل بيننا ومش عارفة.. وهو مستمر يعاملني ببرود كأني غريبة عنه!

اقتربت يمنى أكثر ومسحت على ظهرها:
ـ معلش.. أنا متأكدة إن دي فترة وهتعدي، وشوية والامور هتتعدل بينكم.

ارتمت بنان في أحضان يمنى، وانخرطت في نوبة بكاء مريرة ودموعها تبلل كتف صديقتها، ثم همست بصوت ممزق يفيض بالشوق والوجع:
ـ وحشني أوووي يا يمنى.. حضنه وحشني أوي بجد! أنتِ مش فاهمة أنا عايشة إزاي.. أنا بقيت أحط من البرفيوم بتاعه على هدومي وأنا رايحة أنام عشان أتوهم إنه جنبي وأشم ريحته.. وهو مش حاسس بيا ولا بلي أنا فيه!

تأثرت يمنى بكلماتها وحزنها الشديد، فشددت من ضمها إليها واحتضنتها بقوة، وقالت بنبرة حنونة وهي تمسح على شعرها:
ـ يا روحي معلش.. اهدي بس.. إن شاء الله الأمور هتتظبط وكل حاجة ترجع أحسن من الأول.

ـــــــــــــــــــــــــ
في مكالمه بينهم

يمنى بتنهيدة ثقيلة، تضغط على الهاتف بيدها كأنها تبحث عن إجابة مختلفة:
— يعني أنت بجد مش قادر تصلح بينهم؟

مالك يهز رأسه بأسى ويحرك يده الأخرى بقصر حيلة:
— فارس رافض تمامًا أي تدخل من حد.. وبجد كذا مرة اتكلم عن حوار الانفصال ده قدامي وقدام بابا، اللي مستغرب أكتر منا كلنا!

يمنى تسكت لبرهة، عيناها تائهتان في الفراغ وكأنها تحاول استيعاب الفكرة:
— بجد أخر حاجة تخيلتها إن فارس وبنان ينفصلوا كده..

مالك ينظر من النافذة بنبرة مشحونة بالعجز:
— والله بابا حاول الكلام معاه وهو مش راضي وبيفقل الموضوع تمامًا..
يمنى تغمض عينيها يدعوها الأمل الضعيف، وصوتها يملؤه التمني:
— ربنا يهدي حالهم يا رب..
مالك يبتسم بقلة حيلة وخيبة أمل:
— يا رب..
يمنى :بجد لو شوفت  بنان وعياطها هتصعب عليك

مالك:بردوه هي غلطانه في كلامها مكانش المفروض تفول كدا
يمنى:ياسيدي هي حست وندمت خلاص بقا يعني

مالك:دي امور خاصه مينفعش ادخل فيها واخويا اصلا من النوع اللي مش بيحب حد يدخل في خصوصياته..
ـــــــــــــــــــ
بعد مرور أسبوع...

كانت أروقة الفيلا تضج بالتحضيرات الأخيرة لزفاف "مالك" في نهاية الأسبوع. كانت اللقاءات بين "فارس" و"بنان" قليله، كأن كلاً منهما يلوذ بشغله ليرمم هذا الجدار العازل بينهما؛ هو غارق في تفاصيل الزفاف مع مالك، وهي ملازمة لـ "يمنى" لا تفارقها.
كانت مبيتها المتكرر مع يمنى يثير في صدره ضيقاً خفياً يحاول كتمانه، متظاهراً بالبرود والتجاهل.
قبل الزفاف بثلاثة أيام...
تسلل إلى الجناح في ساعة متأخرة كعادته، يهرب من الحديث معها. فور عبوره العتبة، استوقفته عبقة عطره المفضل تفوح في أرجاء الغرفة بشكل نفاذ. عقد حاجبيه باستغراب، لكنه علل الأمر بذوقه الخاطف في تعبير الرائحة قبل خروجه.
رمق بنان الغارقة في نوم عميق بنظرة خاطفة، ثم اتجه للحمام. خرج منه ببوكسر منزل ورداء خفيف، اضطر لرفع درجة التكييف ليلائم حرارة الليلة، وتمدد على الأريكة كالمعتاد، ليغلبه النوم سريعاً من أثر الإرهاق.
بعد مرور ساعة...
تململ في نومه على حركة غير منتظمة بجانبه. فتح عينيه ليرى الظلام يغمر الغرفة، باستثناء شعاع ضئيل من شاشة هاتف. كسر الظلمة قربه خيال "بنان".
انكمشت بنان وقالت بنبرة مرتعشة يغلفها الخوف:
– "النور قطع... وأنا خايفة. الديزل ما اشتغلش، والجو كحل بره."
اعتدل فارس على الأريكة، يفرك عينيه بصوت متشحرج أثقلته الساعات القليلة من النوم:
– "الساعة كام؟"
جلست بجواره اقتراباً أوتوماتيكياً وهي تجيب بصوت متهدج:
– "الساعة ثلاثة الصبح..."
تنهد بتعب، وهو يحاول جمع شتات أفكاره:
– "أكيد في عطل في المولد، هقوم أشوف في إيه..."

امتدت يدها فجأة لتمسك بذراعه بلهفة خائفة:
– "لا! متسبنيش لوحدي... أنا خفت جداً لما فتحت الباب ولقيت البيت كله ضلمة."

التقطت عيناه المعتادة على الظلام نظرة الخوف الحقيقية في عينيها. صمت لحظة، يتأمل قبضة يدها الناعمة على ذراعه، ثم قال بتنهيدة حائرة:
– "طيب قومي نامي على السرير، وأنا هفضل جنبك هنا."

ردت بسرعة ورفض قاطع:
– "لا، مش متحرّكة من هنا... أنا خايفة."

زفر بحنو مكتوم:
– "طيب نامي، عشان محتاج أنام . عندي شغل كتير بكرة وبابا مش هيروح الشركة."

لم يجد منها رداً، فاستلقى مجدداً متعمداً ترك مساحة بينهما، لكنها اضطرت للتمدد بجواره، فغدت المسافة بينهما شبه معدومة.
في تلك اللحظة، لامس جلدها العاري ذراعه، لتكتشف أنه عاري الصدر. سرت موجة حرارة في جسدها، وتصلبت مكانها من الإحراج، فيما كان هو يشعر بوجيب قلبها واضطراب أنفاسها.
ابتسم في العتمة ابتسامة لم ترها، وقال بصوت خفيض ودافئ:
– "اهدي بقى ونامي... كفاية الحر اللي إحنا فيه."
ثم أردف بنبرة تعبث بتوترها:
– "وبعدين... بطلي تستهلكي برفاني، خلصتي كل العلب اللي كنت جايبها!"
اتسعت عيناها في الظلام بتوتر وصدمة، قبل أن تغلقهما بسرعة بادية، وقد صبغت الحمرة وجنتيها في العتمة. لمح فارس ارتباكها، فابتسم بخفة وارتياح، ثم أغمض عينيه.
مع ساعات الفجر الأولى...
بعد عدة ساعات
استيقظ على صوت المنبه الضعيف. شعور بوزن دافئ على قدمه جعله ينظر لأسفل؛ كانت بنان تغط في نوم عميق، وقد ألقيت ساقها فوق ساقه بتلقائية طفولية.
تأمل ملامحها الهادئة في ضوء الصباح المنبعث من النافذة، ورقتها التي تذيب قسوته المصنوعة. ارتسمت على شفتيه ابتسامة حنونة نادرة... لكنها ما لبثت أن اختفت فوراً وتركت مكانها جموداً بارداً حين بدأت تتقلب.
وفي حركة لا واعية وهي نائمة، لفت ذراعها حول خصره، لتلتصق به أكثر.
اتسعت حدقتاه للحظة، ثم عادت ابتسامته الخفية. وبحرص شديد كي لا يوقظها، رفع يدها برفق، ثم تحامل على نفسه واحتضنها بين يديه ليعدلها ويضعها على السرير برفق، وغطاها بدفء.
دخل الحمام، ارتدى ملابسه بجفاف كأن شيئاً لم يكن، وغادر إلى الشركة.

ـــــــــــــــــ

في أواخر النهار، حرك الرنين المنتظم لهاتفه الصمت المحيط بكتبه وأوراقه. رفعه فارس إلى أذنه باعتياد:
— "أيوه يا ماما..."
جاءه صوت نجوى الدافئ والمستعجل عبر الهاتف:
— "أيوه يا حبيبي، إيه لسه مخلصتش؟"
— "بقفل الشغل أهو."
— "طيب يا حبيبي متتأخرش، أنت عارف النهاردة الحنة وكتب الكتاب، وعمك خالد مصمم نتغدا عنده."

تنهد فارس بهدوء وقال وهو يلملم أغراضه:
— "ماشي يا ماما مش هتأخر، إسبقوني أنتوا وأنا أجي لكم على بيت أنكل خالد."

— "ماشي يا حبيبي، على مهلك."

عندما وصل فارس إلى بيت عمّه خالد، كان الصخب الأنيق يملأ المكان. لم تكد يده تمتد للجرس حتى فتحت له "منال" بالترحاب والمودة المعتادة.

خطا فارس إلى الداخل، لتلتقط عيناه المشهد فورًا: بنان تقف بجوار "آسر" و"رحمة"، ينسقون حبال أضواء الزينة الصغرى (Baby Lights) لإضاءة الشقة. خفق شيءٌ غاضب وثقيل في صدره—غيرة خاطفة، حادة ومباغتة—وهو يراها تبتسم وتتبادل الحديث مع آسر.
انتشله من شروده صوت "خالد" المبتسم:
— "أهلاً يا حبيبي.. أهلاً يا فارس."

التفت الجميع، وتقدم آسر يسلّم عليه بحرارة. أما بنان، فقد اتسعت ابتسامتها وركضت في عينيها شرارة فرح وهي تذكره بلطف ما حدث بينهما بالأمس، ظانةً أن غيمة الجفاء قد انقضت.
مرت اللحظات سريعة؛ حضر المأذون، واكتملت مراسم كتب الكتاب وسط أجواء تعبق بالزغاريد، والتهاني، والدفء العائلي.
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام الطويلة. جلس كل زوج بجوار زوجته، بينما اتخذ فارس مقعده بجانب بنان. كان ينظر بثبات إلى طبقه، يأكل بهدوء مريب ويغلق على ملامحه أي منفذ للبوح.
بنان، التي اختنقت بهذا التجاهل المتعمد، كانت تسرق النظر إليه بين الحين والآخر، وتهز قدمها بقلق وضيق. لم تسيطر على حركتها فاصطدمت قدمها بقدمه.
خلف ثباته، كان فارس يداري ضحكة مكتومة، محتفظًا ببروده المتصنع، بينما تزداد هي توترًا. انحنى قليلًا باتجاه أذنها، وهمس بصوت خفيض وجاد:
— "بطلي حركات العيال دي.. واهدي شويه."
احمرّ وجهها بضيق مكتوم، ووردّت بصوت خافت متلعثم:
— "على فكرة غصب عني، مش قصدي أخبط فيك..."
لكن فارس واصل أكله بصمت كامل، ملقيًا بكلماتها في فراغ لا إجابة فيه.
عقب الغداء، انطلقت الأغاني وانشغلت الفتيات برسم الحناء في حلقة من الضحك والبهجة. لم يكن هذا العرس يشبه فارس في شيء؛ انسحب بعيدًا باتجاه الشرفة، ووقف هناك يشعل سيجارة ويسكب مع دخانها ثقل أفكاره.

أنهت بنان رسم حنائها، وكانت عيناها طوال الوقت تلاحقان ظله المبتعد. تسللت خلفه إلى الشرفة، ووقفت على مقربة منه تتأمل ظهره المشدود.
— "إيه.. أنت واقف لوحدك ليه؟"
سحب فارس النفس الأخير من سيجارته، ورماها أسفل الشرفة ببرود كاسر، ثم التفت إليها بنظرة خالية من أي دفء:
— "شيء ميخصكيش.. حاولي بقا تتعودي متغليش بالك بيا، عشان الأيام الجايه مش هنبقا موجودين في حياة بعض.. واحتمال مش هنشوف بعض أصلاً."
وقعت الكلمات على رأسها كضربة صاعقة هدمت كل شيء.
جمدت بنان في مكانها، واتسعت عيناها بذهول وخوف طفولي كمن أُوقِظ بغلظة من حلم جميل على كابوس مشؤوم. ارتعشت شفتاها، وجف حلقها حتى تلاشت الكلمات قبل أن تخرج، وبقيت تنظر إليه بلا حيلة.
لم ينتظر فارس ليقرأ آثار الشظايا التي تركها في روحها. سار بخطوات ثقيلة ومستقيمة
انسحب فارس من الشرفة ببرود كاسر، مخلفاً وراءه صمتاً أثقل من الليل
 استأذن من عمه خالد ومالك بحجة عاجلة، واستقل سيارته في عتمة الليل عائدًا إلى الفيلا... تاركًا إياها تصارع ذهولها وحدها.

.

سقطت بنان على أقرب كرسي في البلكونة بإهمال وتهالك، كأنما خارت قواها دفعة واحدة ولم تعد قدمها قادرين على حمل ثقل الفاجعة. تداعت دواخلها كبيت من زجاج، وبدأت تتنفس بصعوبة بالغين؛ يسحب صدرها الهواء ويعيده مجوفاً خاوياً لا يروي اختناقها.

رفعت عينيها المشتتتين إلى الفراغ المحيط بها، فشعرت ببرودة تسري في أطرافها، وبدأت أضواء الشارع وأغصان الأشجار تتداخل أمامها في دوران حاد يجعل العالم يترنح من حولها. ارتفع في أذنها طنين حاد ومزعج، طغى على كل صوت، حتى ذاب صخب الأغاني وضحكات المعازيم بالداخل في مدى بعيد لا تصل إليه.

لم تملك درعاً تدافع به عن نبل مشاعرها التي دهست للتو؛ فانفجرت دموعها بغزارة وسخاء، تهطل على وجنتيها لتسقط على كفيها المخضبتين بالحناء الحديثة... حناء كانت منذ دقائق معدودة شاهداً على فرحة لم تكتمل، وتلاشت ألوانها الآن تحت وطأة خيبة الأمل.

مسحت دموعها بارتعاش، وهي تردد بينها وبين نفسها بذهول عاجز:

كيف يمكن لنفس الشخص الذي منحها الأمان بالأمس، أن يقتلع السكينة من قلبها بهذه القسوة اليوم؟


           


تعليقات



<>