
رواية براعم الحب الفصل الواحد والثلاثون31 بقلم رشا عبد العزيز
وظننت أني أملك قلبي وصاحب قرارته حتى جمعني القدر بك فأصبح أسيرًا لك يبحث عن عينيك بين الزحام تأَسره قيود عشقك ليتبعك مرغمًا تسعده ضحكتك وترهقه دمعتك.
أَلجمتهم الصدمة وازداد هلعهم عندما اظلمت عيناه يحدجهم بغضب عينه تحيطهم بتهامات عديدة.
ليستجمع "أصيل" شجاعته يخبره بثبات مصطنع:
_ كنت بسأل "أنسة مليكة" لو تقدر تعملي فيديو عشان محتاجة في شغلي.
كذبته منحت الشجاعة لـ"مليكة" التي ترتجف بخوف من نضرات الغضب التي يرمقها بها شقيقها لتأكد حديثها وهي تنتقل بعينها من "حسن" إليه وتقول برتباك:
_ إيوه فعلًا "دكتور أصيل" كلمني عشان الفيديو.
كلامها لم يقنعه فعن أي فيديو وفي هذا المكان ووالوقت لتتجهم ملامحه بغضب بدأ يتفاقم مع تصاعد انفعاله حتى شعر بأن الدماء تغلي في عروقه حتى احمرت عيناه وأبشع الأفكار تلتهم عقله ليضغط على قبضه يده ويقول من بين أسنانه المصطكة:
_ فيديو إيه يا "دكتور" اللي تسأل عنه في مكان زي ده؟
لكن "أصيل" حافظ على بروده يكرر تبريره بثقة:
_ ما أنا قولتلك فيديو يخص شغلي.
ثم ادعى جهله وهو يشير نحوها:
_ مش "أنسة مليكة" بتدرس ذكاء صناعي؟ أنا سمعت كده.
هزت راسها تجيبه تحت نظرات "حسن" المريبة:
_ إيوه يا "دكتو" صح.
_ "حسن"..."حسن".
كان صوت والده طوق نجاة بالنسبة لاثنين فقد رحمها من نضرات الشك التي أحاطتهما.
_ "مليكة" أنتِ كمان هنا؟
قالها "علي" الذي استغرب وقوفهم معًا لتسرع "مليكة" بلاستجابة هروبًا من عاصفة الغضب التي قد تواجهها لو استمر وقوفها أمام شقيقها الذي أوشك أن يهتاج عليها متجاهل حتى مكانهم:
_ إيوه يا بابا.
_ تعالوا انتو الاتنين، عمك "فارس" مصر على الصورة الجماعية.
_ حاضر يا بابا.
قالتها متجاوزة "حسن" ووالدها بخطوات مسرعة نحو الداخل تاركة "أصيل" يواجه نظرات "حسن" التي كانت تشبه الرصاص القاتل التي تخترقه بتهام.
_ يله يا "حسن"....عن إذنك يا "دكتور".
قالها "علي" يجذب يد ولده المتسمر أمام "أصيل" يسحبه خلفه حتى ابتعدوا عنه.
ليتنفس "أصيل" الصعداء يلتقط أنفاسه برتياح يحمد الله أنه استطاع التماسك أمامه ويدعو الله أن تكون كذبته قد انطلت عليه وصدقها.
***********************
ابتسم يتأمل سعادتها وهي تجلس بجانب والدتها تضمها لا تصدق أنها جاءت مع شقيقها لحضور حفل الزفاف.
رفرف قلبه لمظهرها وهي تبدو كطفلة صغيرة بابتسامتها العفوية رغم أن فستانها الجميل منحها شكلًا أنثويًّا رائعًا أعجبه ولم يغفل عن نظرات الشوق واللهفة المتبادلة بينها وبين والدتها اقترب منهم حتى أصبح أمامهم لينحني يشاكسها:
_ إيوه يا عم من لقى أحبابه نسي أصحابه.
وجوده وحديثه وترها لتستبدل ابتسامتها السعيدة بأخرى مرتبكة وهي توزع نظرها بينه وبين والدتها التي قالت بسعادة:
_ وانت فيه حد يجدر ينساك يا حبيبي؟
اقترب من "فرحة" وانحنى يقبل رأسها بأمتنان:
_ حبيبتي يا "فرحتي" يلي مرضياني ديما.
امتعض وجهها ترمق ابنتها بتأنيب:
_ هي البت دي مش بتراضيك؟
ابتلعت ريقها بحرج وهي تترقب جوابه لكنه قرر أن يزيد من حرجها فقال وعينيه مثبتة على "نور":
_ لا يا "فرحتي" مش بتراضيني ولا بدلعني.
ثم قرر أن يعبث معها بتسلية:
_ ما توصيها عليا يا خاله ينوبك فيا ثواب.
اتسعت عينيها بذهول وهي تسمع كلماته ونظراته المكارة وتوترت بخجل تنسط لتوبيخ والدتها وهي تعاتبها:
_ بت يا "نور" صح الكلام اللي بيجوله شكولاته ؟ هو أنا علمتك كده؟ مش تخلي بالك من جوزك يا حزينة!
أشفق عليها وهو يرى وجهها العابس ببراءة وعينيها التي ترقرقت بالدموع ليسرع بالدفاع عنها:
_ على مهلك عليها يا خاله أنا بهزر معاك، "نونو" دي عسل.
أشرق وجه "فرحة" برضا وتراخت ملامحها وهي تدعو لهم:
_ ربنا يسعدكم يا بني.
حافظت "نور" على عبوس ملامحها فقد أزعجها تصرفه لكنها تفاجأت به يجذب يدها يشير لها بالنهوض:
_ يله يا "نونو".
لتسأله بدهشة وحياء:
_ نروح على فين؟
أشار بعينيه نحو عائلته المتجمعة:
_ يله ناخد صورة معاهم بابا بينادي علينا.
لتقول ببلاهة وهي تطالع تجمهرهم:
_ وأنا أخد صورة ليه؟
قطب حاجبيه بضيق يخبرها:
_ عشان أنتِ مراتي يا "نونو".
سقطت عليها تلك الكلمة لتبعثر كيانها لقد تناست ذلك واعتبرت نفسها شخصًا غريبًا.
لكنه اليوم يجبرها على تقبل ذلك بل وتمثيل ذلك الدور دارت عينيها بتوتر وترددت في الموافقه لكن نظرات والدتها أرغمتها على النهوض لتنهض تمسك هو بيدها ولم يمنحها الفرصة للإفلات منه.
حتى وصلوا حيث كان "فارس" يقف مع المصور ينظمون وقوفهم معًا.
لمحت عينيه تلك الزاوية الضيقة ليسحبها خلفه وقف لتقف بجانبه أحاط خصرها يضمها إليه متحججًا بضيق المكان ولم تستطع هي التملص من قبضته أمام أعين المحيطين بهم ليبتسم بنتصار يطالع احمرار وجهها خجلا بمرح.
************************
نهشت عقله الأفكار وعينيه تتابع شقيقته بشك لا يستطيع تصديق حديثهم وقع عينيه على زوجته التي تقف بجانبها ليسأل نفسه: هل زوجته تعلم الحقيقة؟ هل هناك شيء بين شقيقته وشقيقها؟
_ "حسن" تعالي جنب مراتك.
هتف بها "علي" ليطيعه يقف بجانبها وعقله يدور فس كونها تعلم أم لا وهل كان "أصيل" صادق؟ وهل شقيقته بريئة من اتهامه؟
********************'' *****
أحبت أن تمازحه وهي ترى عينيه تدور حول الجميع لتمسك ذراعه تخبره بدلال:
_ يعني لقيت مكان للكل إلا أنا؟
رفع يده يضمها إليه بقوة:
_ أنت مكانك جوه قلبي يا روح الروح.
ابتسمت يرضيها دومًا بغزله الجميل ظل عيناهما متشابكة كأنهم فصلوا عن الواقع حتى سمعوا نحنحه وصوت "شريف" القريب منهم:
_ مش يله يا بوس كده هنتاخر خلينا نكمل الصورة عاوز أرقص مع مراتي.
كتمت "أحلام" ضحكاتها تضغط على يد "شريف" ليتوقف بعد أن رأت نظرات عمها الحانقة.
ثم جذبته نحوها تهمس له:
_ عيب يا حبيبي كسفتهم.
تنهد يطالعها بقله حيله.
لكنها قالت مازحة:
_ ما تسيبه يحب طب ياريتك تبقى زيه.
لوح بيده رافضًا بسخرية:
_ لا وحياتك كله إلا بابا دا حالة نادرة بلاش تقارنيني بيه.
ضحكت على كلامه واستمرت تمازحه مدعية انزعاجها:
_ يعني مش بتحبني يا "شريف"؟
مط شفتيه بسخط وقال مستنكرًا حديثها:
_ أنا مش بحبك يا "أحلام" دا أنا بموت فيك يا هبلة!
ليتبع حديثه يضمها إليه مقبلًا رأسها بحب يرضي تسأولاتها الغريبة أما هي فكانت سعيدة بكلماته.
**********************
صورة جمعت تلك العائلة بجميع أفرادها بمختلف مشاعرهم ما بين سعيد وحزين قوي وضعيف جمعتهم تلك الصورة تخلد ترابطهم الجميل رأته يبتعد بسرعة لتتنهد بيأس ربما سيكونان الجزء المفقود في هذه الصورة.
عينيها دارت بين أفراد أسرتها والدها وشقيقه والدتها وشقيقتيها أبناء خالتها إخوتها ضحكاتهم ومزاحهم.
هما سيكونان الشوكة النازفة في جسد هذه الأسرة.
اجتمعت الصديقات لترفع "قمر" هاتفها تصور فيديوهات تذكارية مع "ورد" و"مليكة" تخلد فيها هذه الذكرى.
حتى وجدت "سندس" تقف بعيدًا تنظر لهم باستحياء ذهبت نحوها تحاول أن تزيل عنها هذا الخجل.
لتقول لها مبتسمة:
_ إي رأيك يا "سو" نصور فيديو سوا؟
ابتسمت لها ببراءة فأمستك "قمر" الهاتف تسجل الفيديو يضحكان سويا ويثمايلان أمام كامرة هاتف "قمر".
لكن ولسوء حظهم إلتقط هذا المشهد أنظار "حسن" لتحتد نظراته فلم يكن ينقصه سوى تلك "قمر" كي تخرب عليه براءة زوجته وصفوته معها لينهض مغتاض منها ويتجه نحوهما بخطى سريعة تفاجئ الاثنتان بوجوده خلفهما.
ابتلعت "سندس" ريقها بخوف تبصر تجهم وجهه ينظر نحو "قمر" ويخبرها بضيق:
_ لو سمحت يا "قمر" امسحي الفيديو.
أدهشها طلبه لتشهر الهاتف أمام توضح له:
_ دا تلفوني يا "حسن" مش تلفون حد غريب.
امتعض وجهه يخبرها بحزم:
_ تلفونك والا تلفون غيرك أنا مبحبش مراتي يتصورلها فيديو.
ظلت تحدق به متعجبة ليبغاتها عندما مد يده يشير لها أن تعطيه الهاتف وكأنه لا يثق بها:
_ ممكن التلفون أنا همسحه.
كانت تحاول استيعاب ما يطلبه منها وكل يوم يسقط جزء من التمثال الذي كانت ترسُمه له تلوم نفسها متسائلة: هل هذا "حسن" الشخص المثالي الذي كانت تحبه؟
حاولت "سندس" التدخل بعد أن شعرت بالحرج منها لتمسك ذراعه تمنعه:
_ "حسن" مش كده "قمر" هتمسحه.
التفت نحوها يرمقها بغضب أسكتها مما زاد من انفعال "قمر" التي أظهرت الهاتف أمامه تمسح الفيديو أمام عينيه ليطمئن وتقول بحنق:
_ كده تمسح؟
ليقول بأقتضاب استفزها:
_ متشكر.
كان "حسين" يقف بعيدًا عندما رأى وقوفهم مقابل بعضهم بوجوه لا تبشر بخير ليقترب منهم يوزع نظره بينهم ويسألهم بقلق:
_ فيه إيه؟
لكن لم يجبه أحد لينظر نحو شقيقه يسأله بريبة:
_ فيه إيه يا "حسن"؟
_ مافيش حاجة.
قالها "حسن" وهو يجذب يد "سندس" وينسحب.
ليلفت "حسين" نحو "قمر" ويسألها:
_ فيه إيه يا "قمر"؟
هربت بعينيها بعيدًا وأجابت بهدوء:
_ مافيش حاجة.
نبرة صوتها المختنقة أخافته فلم يقنعه جوابها ليسألها:
_ هو "حسن" ضايقك؟ قالك حاجة زعلتك؟
خفق قلبها لاهتمامه لتلتفت نحوه ببطء تراقب خوفه عليها فتبسمت بتلقائية تطمئنه:
_ لا ما تخفش مافيش حاجة.
انتبهت لهاتفها القابع بين يدها لتقول بعفوية:
_ ممكن أخد سلڤي معاك؟
تعجب طلبها لكنه أومأ لها بالموافقة لتبتهج وهي ترفع هاتفها تأخذ صورة لهم معًا كررت الصورة وهي تحرك رأسها يمينًا ويسارًا ليبتسم رغمًا عنه وكم أسعدتها ابتسامته وهو يسألها ضاحكًا:
_ بتعملي إيه؟
_ بضبط الصورة الأحسن في كل الاتجاهات.
التقط منها الهاتف وقال بقله حيله:
_ هاتي يا ستي.
رفع يده وفتح الكاميرة الأمامية ثم ابتسم ليشعر بتوتر عندما وجدها تميل برأسها عليه وتبتسم ابتسامة عريضة.
التقط الصورة وأعاد لها الهاتف نظراتها المحدقة به بطريقة غريبة زادت من توتره ليبتعد متحججًا بـ"زياد" الذي كان يلوح له من بعيد:
_ عن إذنك "زياد" بيناديني.
ظل عينها تتبعه حتى اختفى من مرمى نظرها بين الزحام لتفتح هاتفها تطالع صورتهم بسعادة.
**********************
شارف الحفل على النهاية وحان وقت الوداع عند سيارة "شريف" وقف "طارق" أمام "أحلام" قبل جبهتها واحتضنها بعين دامعة:
_ ألف مبروك يا حبيبي.
تحشرج صوتها وخنقتها دموعها التي انسابت بين أحضانه:
_ الله يبارك فيك يا بابا.
أخرجها من أحضانه يمسح دموعها بحنان:
_ ما تعيطيش يا قلب أبوك.
التفت نحو "شريف" وقال يوصيه:
_ خلى بالك منها.
ضمها "شريف" أمامه وقال بحب:
_ ما تخافش يا عمي "أحلام" في قلبي وعنيا.
ربت "طارق" على ذراعه بامتنان وتركهم قبل أن تفضحه دموعه ركبت السيارة بجانبه وسط هتاف الجميع وتبريكاتهم وانطلق بها نحو منزلهم استمرت بالبكاء بعد وداع والدها ووالدتها ليتمزق قلبه لأجلها فيعاتبها:
_ بس يا "أحلام" كفاية عياط هو أنا واخدك السجن يا بنتي؟ دا أنا جوزك يا حبيبتي والنهارده فرحنا يعني مش خاطفك!
تعالت شهقاتها تنتحب كالأطفال:
_ أنا عاوزة ماما!
شهق بفزع وصرخ مستنكرًا:
_ نعم ماما!... "أحلام" مش وقت هزاز وهبل دلوقت...
التفتت نحوه تحدق به بغيظ تكفكف دموعها.
وصلوا إلى شقتهم ليطالعها بضيق وهي تحافظ على وجهها العابس ليحاول إخراجها من مزاجها السيئ ظل واقف ينظر إليه لتقول بحنق:
_ افتح الباب يا "شريف" مستني إيه؟
قضب حاجبيه يسألها بتعجب:
_ يعني مش هنعمل ترند نفتح الباب سوا؟
طالعته بخجل فلم تفكر هي في ذلك ليخرج هاتفه وضع يده على مقبض الباب لتضع يدها فوقها فتحوا باب شقتهم سويا وقبل أن تخطو داخلها سألته:
_ مش هتشيلني يا "شريف"؟
ضيق عينيه وقال متذمرًا بمزاح:
_ أُشمعنا يا أختي دي اللي افتكرتيها؟
كتمت ضحكتها وهي تراه يشمر أكمامه استعدادًا لحملها ليحملها حاوطت رقبته بحب ودخلوا شقتهم أغلِق الباب بقدمه وأنزلها برفق لكنه قرر مشاكستها ليعتدل ويمسك ضهره متأوهًا:
_ آه.. يا ضهري... آه يا عمود الفقري... أنتِ وزنك قد إيه؟
امتعض وجهها لتضع يدها على خصرها وتقول مستهجنة حديثه:
_ نعم... نعم.. دا أنا حتى رفيعة... ما أنت لسه شايلني ولافف بيا في الفرح والا دا كان شو قدام الناس بس؟
انفجر ضاحكا لحنقها اقترب منها يغمز لها ويعض على شفته بوقاحة:
_ أنتِ.. دا أنتِ عسل... وبعدين ماكنش شو دا أنا مستعد أشيلك طول العمر.
أصبح أمامها أحاط جسدها لتحمر خجلًا ثم وضع جبهته على جبهتها:
_ بهزر معاكِ يا حبيبتي.
ضربت صدره بخفة وعاتبته بدلال:
_ هزارك وحش حتى وأنا عروسة.. بترخم عليا!
قبل جبهتها لتغمض عينيها تستشعر قبلته:
_ أحلى عروسة في الدنيا.
ثم عاد يداعبها ضاحكًا:
_ يله عشان أرجعك لماما والا تفضلي في حضن حبيبك؟
أجابته بخفوت:
_ في حضن حبيبي.
ليصرخ بهيام.. وسط ضحكاتها الخجلة:
_ آه... يا روح حبيبك.
******************'*' '******' '
أجبرها مبيت والدتها في منزلهم على تقبل مبيته في غرفتها خشية أن تنكشف كذبتهم أمام والدتها تمدد على السرير يطالع خجلها بتسلية:
_ معلش يا "نونو" استحمليني هتقل عليكِ النهارده.
وقفت وسط الغرفة تفرك يديها بتوتر تطالع السرير الذي احتل جسده جزء منه وتحيرت أين ستنام.
أخفضت عينيها تنظر بخجل لما ترتديه ورغم أنها اختارت أكثر بيجامة محتشمة لديها لكنها كانت تشعر بتوتر اتجهت بحياء نحو دولاب الملابس وأخرجت بعض الأغطية الإضافية تفرشها على الأرض وتحاول النوم.
ليصرخ مناديًا عليها يفزعها:
_ "نور"!
رفعت عينيها تطالعه بخوف يحدق بها بغضب ويقول آمرًا:
_ تعالي نامي على السرير وبلاش هبل السرير واسع واطمني مش هلمسك ومش باكل بني آدمين!
تحركت بتردد تحمل الأغطية وتتجه نحو السرير بتوتر تنظر إلى المسافة التي تبقت من السرير استلقت بحرج تنكمش على حالها تتبشبث بحافة السرير لتصنع مسافة عريضة بينهم.
ضحك ساخرًا من فعلتها واستدار يطالع ظهرها جذب انتباهه شعرها الأسود الذي تناثر على وسادتها انتابه الفضول ليلمسه انتظر فترة حتى شعر أنها قد استسلمت للنوم مد يده يتلمس أطرافه وقرب أنفه يستنشقه بهيام.
ليخفق قلبه بجنون وكاد أن يطيح بوعده لها ويأخذها بين أحضانه لكنه تمالك نفسه مندهشًا ماهذه المشاعر التي تجتاحه بقربها؟ فسال نفسه: هل سقط في حبها؟
أما هي فأغمضت عينيها بقوة تعتصرها تكبل قلبها الذي يصرخ بمشاعر جديدة تسللت إليه تجذبها نحوه.
تسكته عن تخيل حلم لن يقودها سوى إلى طريق مظلم لا تعلم نهايته.
***************************
كان ينتظرها أمام باب الملجأ محاولًا استرضاءها، وما إن لمحها تخرج حتى ابتسم، وكاد يترجل متجهًا نحوها، لكنه تجمد فجأة حين رأى تخرج برفقة رجل آخر! غلت الدماء في عروقه بغضب وهو يبصر ابتسامتها له وهي تركب معه سيارته.
أحرقته الغيرة، فقبض على مقود السيارة حتى بيضت مفاصله واحمرت عيناه، وشعر بجسده ينتفض من شدة انفعاله. فقد عقله، فتبعهما بسرعة جنونية وهو يسأل نفسه: "من هذا الرجل؟"
حتى وجدها تقف أمام منزلها وتترجل من السيارة. أوقف سيارته جانبًا وهرول خلفها، لكنه لم يستطع اللحاق بها قبل أن تدخل وتغلق الباب خلفها. وقف أمام باب المنزل يلهث من شدة الأنفاس، ويطرق الباب بعنف في ضربات متتالية.
أفزعهم صوت الباب، فتوجهت "سماح" نحوه وفتحته بقلق، تحول فورًا إلى غضب وهي تجدها يقف أمامها متجهم الوجه.
_ فين "رحمة"؟
لم ينتظر جواب "سماح"، بل تجاوزها مندفِعًا نحو الداخل كأعصار هائج. كانت تنظر إليه بدهشة وخوف وهو يطوي الأرض تحته مسرعًا نحو "رحمة"؛ قبض على ذراعها بقوة ألمتها، وصرخ بانفعال:
_ من الراجل اللي كنتِ راكبة معاه العربية؟
تسارعت أنفاسها بغضب وهي تسمع اتهامه، فحاولت إغاظته؛ حدقت في عينيه تمثل القوة جاهدة لتسيطر على نفسها، وقالت ببرود مزيف:
_ وأنت مالك؟
زادت إجابتها من نيران غضبه، فهزها بقوة:
_ أنا جوزك يا هانم وإلا نسيتِ؟ انطقي، مين الراجل ده؟
حافظت على برودها المفتعل تجيبه:
_ ابن خالتي.
ليصرخ في وجهه مستنكرًا:
_ وكونه ابن خالتك يديكِ الحق تركبي معاه العربية لوحدكم؟
كانت "سماح" تشاهد المشهد من بعيد بعدم فهم، وكانت تعتقد أن ابنتها فعلت شيئًا أغضبه، لكن حوارهما أوضح لها الصورة، فتوجهت نحوه مستهجنة وتصرخ في وجهه:
_ إيه يا ابن "ندى"، داخل علينا بوعابيبك ومش معبر حد؟! ما بتقولك ابن خالتها!
اختطف نظرة نحو "سماح"، ثم عاد يحدق بها بحدة زادت من توترها. عض على أسنانه، ويزيد من شدة قبضته على ذراعها، ليجذبها نحوه بقوة أخافتها:
_ وتركب معاه ليه؟ هي ناسية أنها ست متجوزة؟
_ وهطلق!
هتفت بها بعناد استفزه، ليقول بانفعال:
_ تطلقي عشان تتجوزي غيري؟ هو ده اللي عاوزاه؟!
لتجد هي في غيرته فرصة لانتقام منه واسترداد كرامتها التي هدرها هو سابقًا:
_ وأنت إيه دخلك؟ أتزوج ابن خالتي أو غيره، أنت ملكش حكم عليا، وحقك فيا خسرتوه يوم ما كسرتني!
أيدت "سماح" حديث ابنتها لإغاظته:
_ أيوه، اهو ابن خالتها هيقدرها ويعرف قيمتها وأكيد هيسعدها، ده عينه منها من زمان لولا النصيب!
كانت عيناه مثبتتين في عينيها، يتحرى فيهما عن صدق حديثها وحديث والدتها، ليجد عينيهما خاليتين من كل شيء، تملؤهما الجمود وكأن مشاعرها قد ماتت ودفنت تحت ركام خذلانه لها.
ارتخت قبضتها عن عضدها لتفلت يدها مبتعدة عنه، قبل أن ينكس رأسه ويلتقط أنفاسه بهدوء أقلقتها وأثار خوفها، حتى وجدته يرفع رأسه ببطء ويقول بجمود بعد أن زفر نفسًا طويلاً:
_ حاضر يا "رحمة".. مادام أنتِ شايفه أن سعادتك مع غيري، خلاص.. هحررك مني زي ما أنتِ عاوزة.
ثم غادر بسرعة، صافقًا الباب خلفه، ليتركها متسمرة تنظر لأثره بندم. يبدو أن السحر انقلب على الساحر، ولعبتها أصبحت ضدها.. سيطلقها!
شحب وجهها وارتجفت شفتها لم تعد قدماها تستطيعان حملها استندت على ضهر الكرسي القريب منها.
اقتربت منها "سماح" تشفق على حال صغيرتها ربما أخطأت وأخلاجت ضغينتها من زوجها بزوج ابنتها.
أسندتها ترت على كتفها تواسيها لتتساقط دموع "رحمة" بقهر لقد خسرته في معركة الدفاع عن كرامتها.
التفتت نحو والدتها تستنجد بها لكن "سماح" أطرقت راسها بقلة حيلة جرت قدمها بصعوبة نحو غرفتها تساعدها "سماح" حتى وصلت إلى سريرها لتجلس عليه تشعر بحبها الذي تسرب من بين يديها كما تتسرب الرياح هاربة من بين الصخور.
************'' *********
وقفت في المطبخ تِعد الإفطار لشقيقها ووالدتها يسعدها وجودهم معها ويطربها صوت ضحكات "سيف" يمازح شقيقها الصغير حمدت الله أن اليوم إجازة ورغم إصرار "شمس" على فرحة بالبقاء معهم لكن "فرحة" قررت البقاء يوم واحد إرضاءً "لشمس" وإلحاحها على أن تسافر بعدها لكن آثرت البقاء في شقة صغيرتها منعًا للحرج.
_ "نونو".
اصابها صوته بتوتر وبدا حركة بلارتباك اقترب يلتقط قطعة خيار ويدسها في فمه يمضغها يطالع ما أعدت برضا اقترب حتى أصبح خلفها أمام الموقد يراقب ما تفعل وكيف تمزج حبات البيض ببعضها قبل أن تضعها على الزبدة تصبب جسدها عرقًا لا من حرارة الموقد بل من حرارة جسده الذي بعثرها اقترابه منها بينما هو كان يستمتع بمشاهدتها ابتلعت ريقها تحاول أن تخبره أن يبتعد عنها أنها لا تحب اقترابه ولا أن يراقبها أحد لكن خذلها حياؤها وخجلها من إحراجه.
تحمحمت بحرج وهي تجد حتى يدها بدأت تخونها وتلك الملعقة اللعينة تنزلق من يدها ليباغتها بأن مد يده يحاول مساعدتها يقلب الطعام بدلا عنها حتى للامست يده يدها لتسحبها بسرعة رافضة تخبره بضيق:
_ ملوش داعي أنا أعرف أدبر نفسي.
شعر بنفورها منه وربما حرجها لكنها أكملت تطلب منه بنوع من الرجاء الخجل:
_ ممكن تخرج تستنا الفطار برة لو سمحت وأنا قربت أخلص خلاص؟
طردته بطريقة مؤدبة كأنها تفصح له عن عدم رغبتها في وجوده معها قبل أن تتجاوزه متجهة نحو الحوض.
ظل يحدق بها فعلم أنها لا تريده أن يقترب منها أو يلمسها وإن كانت لمسات بريئة.
وغادر المطبخ وما إن غادر المطبخ حتى استند على حافة الحوض تحاول لسيطرة على دموعها التي تجاهد لكبتها كما تكبت مشاعرها التي تجتاحها كلما اقترب منها فتحت صنبور الماء وأخذت تتنفس بعمق تجمع مياه في كفيها وتقذفها على وجهها عل تلك المياه الباردة تطفئ احتراق قلبها تردد سرًّا كي تنسى قلبها وتقنعه ليفهم ويتعقل:
_ هو اتجوزك عشان يساعدك بلاش تحلمي بحاجة أكبر منك جوازكم لهدف بلاش تفكري انك مراته بجد.
أما هو فكان يجلس أمام "محمد" الذي يخبره بمشاريعه واتفاقه مع "راجح" على إشرافه على منحله الخاص وكم هو سعيد بثقته به.
لكن "سيف" كان يهز له رأسه وعقله معها يفكر في قلبه الذي بدأ يستهوي قربها بل ويرقص فرحًا لرؤيتها.
يتذكر كيف ظل ليلته يراقبها وهي نائمة وكيف اشتهى عناقها ليسخر من نفسه يبدو أنه بدأ يسقط في حبها.
صوت الأطباق التي كانت ترصها على المائدة أفاقه لكنه تحاشى النظر إليها كي لا يحرجها وقاوم قلبه الذي يتوسله أن يذهب إليها.
حتى نادته "فرحة" التي وقفت تساعد ابنتها في تحضير المائدة:
_ يله يا شوكلاتة يله يا حبيبي.
جلس متبسمًا يلاحظ حنق "ساجد" وهو يطالع والدته تدلل "سيف" وتضع أمامه الطعام فقال معترضًا:
_ أنت بدلعي "سيف" وسايباني!
امتعض وجهها وقالت تنهره:
_ اتلم يا ولد وجول "أبيه سيف" مفجوع أوي اتفضل.
وضعت الطعام أمامه لكنها واجهت معترضًا آخر فهتف "محمد" يؤيد شقيقه:
_ طب والله "ساجد" عنده حج ما "سيف" عنده مراته خليها تدلعه.
احمر وجهها وأخفضت عينيها تتحاشى نظراتهم المصوبة نحوها لوت "فرحة" شفتها بسخط وقالت بيأس:
_ مراته خايبة مالهاش في الدلع ربنا يعينك عليها!
انفجر أشقاؤها ضاحكين ليتجهم وجهها تنظر لهم بعبوس لكنها تفاجأت به يبتسم ويقول موجهًا حديثه لوالدتها:
_ لا مالكيش حق يا "فرحتي"... مراتي دي سكر.
قالها يقرص وجنتها مستمتع بخجلها واحمرارها فلم يستطع منع رغبة قلبه في فعل ذلك.
متغاضيًا عما حدث في المطبخ:
_ ربنا يسعدكم يا حبيبي.
دعت بها "فرحة" متمنية لابنتها السعادة معه.
********************"" ""
خرجت من باب الملجأ وعينيها تبحث عنه بشوق مر أسبوع منذ آخر مواجهة بينهم تأكلها خلالها الندم.
تلوم نفسها على كلماتها التي ألقاتها في ساعة غضب ظنت بها أنها تداوي كرامتها أمامه لكنها...
لكنها شعرت بخيبة الأمل عندما لم تجده كما اعتادت دائمًا إذن سوف ينفذ وعده ويطلقها! تنهدت بقهر وسارت بخطوات واهنة حتى سمعت صوتًا يناديها:
_ "رحمة"... "رحمة".
التفتت لتشهق بلهفة تردد اسمه بشوق:
_ بابا "طارق"!
ابتسم لها وأشار لها كي تركب السيارة معه:
_ اركبي.
ركبت بجانبه تلقي عليه التحية بسعادة:
_ بابا حبيبي عامل إيه وحشتني؟
_ وأنتِ كمان يا أميرة وحشتيني... عازمك على الغدا.
وقبل أن تعترض لوح لها رافضًا:
_ ومن غير اعتراض!
جلست أمامه في أحد المطاعم يطالعها بهدوء أربكها لتقفز إلى ذهنها فكرة جعلتها تشرد قليلًا:
هل أرسل "زياد" والده كي ينهي معها إجراءات الطلاق؟
ارتجف قلبها بخوف هل دنت لحظة الفراق حقًّا؟
_ "رحمة" يا بنتي.
قالها "طارق" وعينيه تحدق بها كلماته تخرج ببطء مثقلة بألم استشعارته لتتسارع دقات قلبها كلما خرجت الحروف من بين شفتيه خوفًا من أن ينطق ما تخشاه.
_ أنا من يوم ما حصلت المشكلة بينك وبين "زياد" ما دخلتش وسيبتكو براحتكم قلت هيعرفوا يحلوها مع بعض.
لكن بعدكم طال والمسافة الصغيرة اللي كنت شايفها بقت بعيدة.
توترت "رحمة" بحرج وهربت بعينيها من مرمى عينيه لكنها كان تصغي إليه:
_ أنا معرفش حصل بينك وبينه إيه عشان هو بقاله كم يوم تعبان ورافض يكلم حد.
اعتصرها قلبها يلومها لجرحه فهي تعلم أنها السبب بما حل به.
_ شوفي يا بنتي أنا فضلت ساكت طول المدة دي عشان أتأكد من حب ابني رغم إني عارف إنه بيحبك من ساعة ما مشيتِ من البيت لكن كنت مصر إن أتأكد من حب ليك لما أجي أكلمك وأقولك كفاية زعل يا "رحمة" كفاية بعد.
"زياد" بيحبك وأنتِ بتحبيه يبقى ليه تعذبوا بعض؟ ارجعي يا بنتي وعيشوا حياتكم ما تضيعوش الأيام الحلوة دي وأنا يا بنتي بتعهدلك إنه عمره ما يأذيكي أو يجرحك ابني لما يحب بيحب بجد.
تجمعت الدموع في عينيها حتى شوشت رؤيتها أغمضت عينيها لتنساب دموعها على وجنتيها بحرقة مد لها يده بمنديل وقال بإشفاق:
_ يا بنتي والله بيحبك أنا متأكد.
التقطت منه المنديل تمسح دموعها ومشاعره تمتزج بين السعادة والحزن فما الفائدة من معرفتها بحبه وهو قد أخبرها أنه سينهي كل شيء؟
عقدت مشاعرتها الممتزجة لسانها وظلت صامتة أمامه تعجز عن الرد ليتنهد "طارق" بيأس معتقدًا أنه قد أخفق في إقناعه ليقرر تركها لتفكر في حديثه بجدية ولا يضغط عليها.
************************
تأفف بتذمر وهو يحدق به منذ قرابة النصف ساعة ينتظر منه أن يخبره بذلك الموضوع المهم الذي دعاه لإحدى الكافيها كي يحدثه به أقلقه تلعثمه ليقول له بانزعاج:
_ يا بني ما تتكلم بقالك ساعة بتهته في الكلام ما فهمتش منك حاجة!
_ هااا!
هتف بانزعاج مضاعف:
_ لللهوي إيه هااا دي؟ اتكلم يا "أصيل" شغلتني!
أخذ نفسًا عميقًا يستجمع فيه شجاعته لقد وعدها ولن يخلف وعده معها لن ينتظر حتى تضيع من يديه.
خصوصًا بعد أن لمح لوالدته ووالده وأبدوا ترحاب في الموضوع حاول التخلص من اضطرابه وقال دفعة واحدة:
_ "حسين" أنا عاوز أتقدم لـ"مليكة" وعاوز تحددلي معاد مع والدك عشان أبلغ الوالد لو فيه قبول.
ظل يبحلق به بدهشة فلم يتوقع أن يكون هذا هو الموضوع دارت عيناه في حيرة لا يعلم بماذا يجيبه ليسأله "أصيل" بترقب:
_ هاا يا "حسين" قلت إيه؟
استمرار صمته جعله يسأله بريبة:
_ هو طلبي فيه حاجة غلط؟
ليجيبه بصوت مشتت تحيرت كلماته:
_ لا بالعكس يا "أصيل" أنت إنسان ممتاز وألف عيلة تتمناك أنا بس استعجبت اختيارك يعني متوقعتش انك تطلب إيد "مليكة".
_ وليه لا؟ "مليكة" بنت مؤدبة ومثقفة يعني اختيار رائع لأي شاب.
رمشت عينيه وهز رأسه بعدم معرفة لكنه ابتسم ابتسامة مطمئنة وقال يعده:
_ هكلم بابا وأخدلك معاه معاد وكمان هوصيه عليك تامر بحاجة تانية يا صاحبي؟
اتسعت ابتسامته حتى بانت نواجده وقال بامتنان تخللته السعادة:
_ متشكر... متشكر أوي يا "حسين".
****************************
كانت تسير ببطء تشعر بإعياء ليس من ألم جسدي بل من تلك الأفكار التي تهجم عليها وتمزق روحها.
ما بين الندم وخوف تهدلت أكتافها وشحب وجهها هي اليوم المي*تة الحية كأنها سجين ينتظر لحظة الإع*دام.
ربما بالغت في عنادها لكنها لم تخطئ لقد كانت كطير جريح يأبى جرحه الشفاء روحها ترفرف تبحث عن استرداد كرامتها بأي شكل لقد حطم كبريائها وشعرت بضائلتها عندما أخبرها أن قلبه لازال معلق بأخرى.
سحق أنوثتها بأنانيته ماذا كان ينتظر منها أن تثق به من جديد بعد أن هدم جدار الثقة الذي كانت تحتمي به؟
كلما تذكر ما أخبرها به في ليلة عرسها...
خيط رفيع من الأمل كان يربطها به وشيء من الأمان جمعته من معاملته واهتمامها بها لم تكن تعلم أنه كان يرمي لها فتات مشاعره كي يرضي ضميره اتجاهها.
جعلها تعيش داخل حلم وتستيقظ على كابوس ليعود ويخبرها أنه أحبها كيف لها أن تصدق بعد أن قال لها إنه كان يكذب عليها ومشاعره مزيفة؟
دوامة من الأفكار كانت تغرق داخلها لا تعي طريقها الذي تسيره حتى أجفلها صرير إطارات السيارة التي احتكت بالأرض أثر توقفها بشكل مفاجئ بجانبها التفتت بسرعة لتتسع عينيها بصدمة تجده أمامها يصرخ عليها بغضب:
_ اركبي!
تسمرت قدماها ولم تستطع الحركة حتى عاد يصرخ بها من جديد:
_ اركبي بسرعة!
ركبت بجانبه بتردد جسدها يرتعش من مظهره بدأت تتصبب عرقًا وهو يحدق بها بنظرات حادة قبل أن يعقد حاجبه عندما سألته بصوت مرتجف:
_ هروح فين؟
ليجيبها بانفعال:
_ هنروح المأذون مش أنتِ عاوزة تطلقي؟
تجمد جسدها وكلماته كانت كصفعة ضربت قلبها العاشق ارتعشت شفتها تسأله بصوت مهزوز:
_ أنت هتطلقني؟
أشاح وجهه عنها وقال بكسرة:
_ مش أنتِ عاوزة تطلقي؟
شل لسانها وخذلها في رجائه أن لا يفعلها فهي لا تزال تحبه لكنها لم تستطع النطق بل ظلت تحدق به تحفر عينها ملامحه قبل أن تودعه:
_ بطاقتك معاكِ؟
سألها بصوت ضعيف ليجف حلقها من شدة قهرها فاكتفت بإيماءة بسيطة نظر لها ليجد وجهها شاحب وعينيها محمرة دموعها الحبيسة بدأت تسيل رغمًا عنه ليتهكم مستطرد بكسرة:
_ مالك زعلانة مش دا طلبك؟
بدأت تشعر بالاختناق تحاول أن تجيبه لكن الكلمات تحشرجت في جوفها آخرستها مد يده لها بقنينة عصير كانت بجانبه وقال ساخرًا بحزن:
_ خدي اشربي شكلك محتاجة مياه ما عنديش اشربي العصير دا.
التقطت منه القنينة فهي فعلا بحاجة إلى ماء بعد أن تيبست الدماء في عروقها ارتشفت القليل لتتغرغر في بلعومها بغصة حتى طعمه الحلو أصبح مر المذاق لكنها تجرعته وشربت القنينة بأكملها رغم برودة الجو.
_ كويس أن معاكِ البطاقة عشان هنحتاجها.
هزت رأسها بقلة حيلة وشيء ما دفعها لمحاولة أخيرة أرادت أن تعاتبه وتوضح موقفها قبل أن يقلب عليها الطاولة ويبدو بدور الضحية:
_ "زياد" أنا...
فجأة شعرت بصداع بدأت تدلك جبهتها قبل أن يختل توازنها وتشوشت الرؤية حتى باتت ضبابية دعكت عينيها تحاول أن تستعيد وضوحها لكن الدنيا من حولها بدأت تظلم شيئًا شيئًا حتى أعتمت وآخِرُ ما استطاعت رؤيته...
ابتسامة "زياد".