رواية براعم الحب الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثاني والثلاثون32 بقلم رشا عبد العزيز

مهما طال الظلام ستشرق شمس يوم جديد، ومهما طال الطريق لابد أن نصل إلى النهاية. نعافر ونسقط، نخطو ونتعثر، لكننا سنصل وإن مضى الزمن وتملكنا اليأس، لكن يبقى الأمل بيوم جديد يسكن قلوبنا.

​تململت في نومها، رمشت أهدابها تحاول فتح عينيها، لكن ثقل أجفانها يمنعها؛ صداع يضرب جنبات رأسها، وصرير دوي في أذنها أزعجها. اعتصرت عينيها تحاول فتحهما، لكن تصلب جسدها حين سكنت الأصوات في عقلها، وبدأت تسمع دوي نبض قريب. جسدها مثقل منعها من تحريك يدها، لكنها قاومت، رفعت يدها تدعك عينيها، فتحتها ليضربها شعاع ضوء قوي، لتتحاول مجددا فتحه وإغلاقه حتى اعتادت على الضوء. اتسعت عينيها بذهول وهي تجد نفسها في مكان غريب، دارت برأسها يمينا ويساراً لتنتفض بفزع عندما وجدت نفسها تتوسد صدره!

​وازدادت صدمتها عندما أخفضت عينيها تبصر تلك المنامة المكشوفة التي ترتديها، وبعفوية لملمت الغطاء تداري جسدها وتصرخ بانفعال على ذلك الغارق أمامه في سبات عميق:
_​"زياد... زياد".
_​"اممم".
همهم بها فزاد من حنقها لتمد يدها تحركه بعنف:
_​"زياد اصحى... زياد".
​فتح إحدى عينيه نصف فتحة قبل أن يمسح عليهما ويقول بصوت ناعس:
_​"صباح الخير يا حبيبي".
​أستشاطت غضبا وصاحت به مستفسرة:
_​"ممكن أعرف احنا فين وإيه اللي جابنا هنا؟".
تمطى باستفزاز قبل أن يتثاب ويعدل تحت نظراته الساخطة تنتظر إجابته بحنق:
_​"احنا في الغردقة".
​شهقت متفاجئة وصرخت بعدم استيعاب:
_​"إيه! في الغردقة؟... أنت اتجننت! إيه اللي جابنا هنا؟".
​بركان غضبها الثائر قابله صقيع بروده وهو يخبرها بهدوء زاد من انفعالها:
_​"أنا اللي جبتك هنا...".
​صرخت بهستيريا:
_​"وإزاي تجيبني هنا وبأي حق؟".
​رفع سبابته يضعها على شفاهه يمنعها من الصراخ محذرا:
_​"شش... شش... من غير صريخ. أنا اللي خطفتك وجبتك يا رحمة؛ خلاص، أنا صبري نفذ، وسيبتك تدلعي وتبعدي، لكن من النهاردة مفيش بعاد".

​ثم لانت نبرة صوته وقال بحسم:

_​"وأعملي حسابك، احنا هنا بنقضي شهر العسل، عاوز أعوضك يا رحومة".

​ظلت تحدق به، كلمة "العوض" ترن في أذنها، تطرق أبواب قلبها، يضرب على أوتار جرحها، لتتساقط دموعها بتلقائية تشكو منه إليه:

_​"بس أنت جرحتني يا زياد".

​مزقت قلبه دموعها ليجذب يديها يقبلها عدة قبلات ويتوسلها من بينها معتذرا:

_​"آسف والله آسف وندمان، سامحيني أرجوك، ومستعد لأي عقاب أنت عاوزه، بس عاقبيني وأنت جنبي وفي حضني".

​ثم سحبها يضمها بقوة لتنهار داخل أحضانه، محطما بدفئه أسوار مقاومتها وعنادها. تركها تفرغ حرقتها وقهرها منه حتى هدئت واستكان جسدها رغم شهقاتها الخافتة. ظل يمسح على شعرها بحنان يقبل رأسها برقة، وأثر الصمت ينتظر ردة فعلها على حديثه حتى شعر بها تحاول التحرر من أحضانه، تدفعه عنها بوهن. أبعد يده عنها لتخرج من أحضانه وهو يراقبها بلهفة تخللها الخوف. مسحت دموعها بكف يدها.

​تركها وعاد بعد قليل يحمل قدح ماء ناولها إياه لترتشف منه القليل وتعيده إليه بصمت. وضعه جانبا وعاد يجلس أمامها، وانحنى يمسح على رأسها بتوجس ويسألها بقلق:
_​"أحسن يا روحي؟".
​رفعت عينيها المحمرتين من شدة البكاء نحوه ببطء لتواجه عينيه بعتاب فهمه، ليقترب منها يمسح على وجنتها بلطف يحاول إقناعها:

_​"رحمة، أنا بحبك والله بحبك صدقيني، أنا المرة دي متأكد من مشاعري. أرجوك مش عاوز أكتر من فرصة تانية أثبت لك فيها حبي وأعوضك عن اللي عملته فيك".

​كانت تطالعه بنظرات ضائعة رغم أن قلبها يتوسلها أن توافق. هز رأسه يحثها على الموافقة وقال يتوسلها:

_​"هاا يا حبيبتي، قلتي إيه؟ موافقة؟".

​أغمضت أجفانها المتورمة وعادت تفتح عينيها تتحرى الصدق في نظراته لتومئ له، لكنها قالت بصوت مبحوح:

_​"موافقة بس...".
​وقبل أن تملي شروطها وجدته يصرخ بسعادة ويحتضنها من جديد:
_​"متشكر... متشكر يا حبيبتي، بحبك يا رحمة، بحبك قوي".

​ابتسمت ترضيها فرحته بها وشوقه إليها. أخرجها من أحضانه لتسأله بنبرة خائفة:

_​"وإن خذلتني تاني؟".
_​"أبقى حمار واستاهل ضرب الجزم!".
​أجابها بسرعة لتضحك على إجابته. وعاد يمسك يدها ويقبل جبينها قبلة طويلة واعدا إياها بصدق:
_​"وعد يا رحمة، عمري ما هخذلك ولا أزعلك".

​ابتسمت لحديثه لكن اتسعت عينها فجأة
 وقالت بخوف كأنها تذكرت شيئا:

_​"زياد، ماما... زمانها قلقانة عليا".

​شدد من ضمة يدها وقال يطمئنها:

_​"ما تخافيش، ماما بلغتها إننا اتصالحنا وإننا رايحين شهر العسل".
​قطبت حاجبها تقول متهكمة:
_​"وأنت جبت الثقة دي منين؟ وإزاي تأكدت أني هأوافق؟".
​غمز لها بعبث وقال باسما:
_​"قلبي قالي إني مش ههون عليك وهتصالحيني".
_​"مغرور!".
​قالتها ساخرة تشيح وجهها بعيدا عنه، وتذكرت ملابسه لتعاود النظر إليه وتسأله بحرج:

_​"هو أنت اللي غيرتلي هدومي؟".

​هز رأسه وعاد يغمز لها بوقاحة أخلجتها:
_​"أكيد!".
******************
​ابتسمت تنظر إلى الهاتف تقرأ رسالته بسعادة غامرة بعد أن طمأنها أن زوجته قد اقتنعت واستطاع إرضاءها، لتتنهد براحة مرددة تدعو بقلب والدة:
_​"الحمد لله يا رب... ربنا يسعدكم يا حبيبي".
​لتتذكر ما حدث بالأمس حينما وقفت أمام بابها تطرقه بتردد لتجدها تفتح الباب مندهشة من وقوفها أمامها، ثم يتجهم وجهها:
_​"ندى!".
​ابتسمت لها وقالت:
_​"ازيك يا سماح؟".
_​"أهلا".
​إجابتها المقتضبة زادت من توترها وخشيت من ردة فعلها لو علمت بما فعله ولدها:
_​"ممكن أتكلم معاكي؟".
​أفسحت لها المجال تشير لها نحو الداخل ونظراتها تملؤها تساؤلات عديدة:
_​"اتفضلي".
​دخلت ندى وكل خطوة تخطوها كانت تتردد معها دعاء أن تتفهم سماح ما فعله ولا تثور عليها كعادتها. جلست بتوتر ونظرات سماح تخترقها بترقب، سحبته نفسا طويلا تستجمع معه قوتها وقالت بروية:
_​"أنا جايلك النهاردة عشان أكلمك عن رحمة".
​وجهها العابس أصبح مضطربا تسألها بقلق:
_​"مالها رحمة؟".
​ثم توقفت تستجمع أفكارها لتقول مدركة ما جاءت ندى تطلبه كما أعتقدت، لتررفع ذقنها قائلة:
_​"آه... فهمت، أنت جاية تقنعيني عشان أكلم رحمة ترجع لزياد!".

​وقبل أن تتفوه ندى بكلمة أردفت هي:
_​"شوفي يا ندى، أنا ما أقدرش أساعدك؛ القرار قرارها هي... رغم إن كسرتها وقهرها وجعوني وكان نفسي تذلو أكتر عشان يعرف قيمتها، لكن أنا برضو أم وماتمناش لبنتي خراب بيتها".

​ثم لوت شفتها بتهكم غلفه الحسرة:

_​"بيتها اللي كان خربان من البداية!".
​ابتلعت ندى سخريتها وكلامها الجارح، تعلم أنها أم وقد آذاها ما حصل لبنتها، لتتنهد بيأس تخبرها بتوجس:
_​"بس أنا مش جاية أطلب منك تقنعي رحمة".
​عقدت حاجبيها بعدم استيعاب قبل أن تتسع عينيها بصدمة وهي تصغي لباقي حديثها:

_​"أنا جاية أبلغك إن رحمة وزياد اتصالحوا وسافروا الغردقة يقضوا شهر العسل".
​ندى التي فضلت عدم إخبارها بخطف زياد لابنتها وسفرها معه رغما عنها، كانت تتوقع ثورة سماح التي صرخت تستنكر ما تسمع:

_​"سافروا وتصالحوا؟! يعني إيه؟ وهي إزاي ما تبلغنيش؟".
​ثم دارت عينيها بحيرة تسأل نفسها قبل ندى بتعجب:
_​"طب دي كانت رايحة الملجأ وما خدتش حتى هدوم! هتسافر من غير شنطة هدومها؟!".

_​"زياد مجهز كل حاجة، ما تخافيش".

​زاغت عينيها بعدم تصديق تدير أفكار في رأسها تحاول أن تستوعب ما سمعته:
_​"بس إزاي مش فاهمة؟ هي لحد إمبارح ما جابتليش سيرة أنها ناوية تصالح زياد!".
​نهضت ندى واقتربت منها، جلست بجانبها تضع يدها على كتفها وتقول بمزاح:
_​"يا ولية، بقولك اتصالحوا تقوليلي إزي! زي أي راجل ومراته اتخانقوا وصالحها... ربنا يسعدهم يا سموحة".
​انقبض قلبها بخوف وظنت أن هناك مكروها قد حدث لابنتها تخفيه عنها ندى. التفتت تسألها برعب:
_​"بنت جرالها حاجة وأنت بتخبي عليا؟".
​هزت رأسها نافية بسرعة:
_​"لا والله، بنتك بخير".
​لكنها لم تقتنع؛ التقطت هاتفها الموضوع على الطاولة أمامها تتصل بها لتجد الهاتف مغلقا فيزداد خوفها. مكابرتها وتعنتها تحول إلى رجاء وهي تلتفت نحو ندى تسألها بخوف:

_​"بنتي... ماليش غيرها!".

​شعرت ندى بالشفقه عليها وهي ترى وجهها الشاحب وعينيها الباكيتين، شعرت بيدها المرتجفة تمسك يدها وتعاود سؤالها برجاء:

_​"بنتي... مليش غيرها!".

​مسحت ندى على ذراعها تحاول تهدئتها تشتم ابنها سرا على ما فعله بها وببنتها:
-​"والله يا حبيبتي بخير، أقسمك بالله وحياة أولادي وغلاوتك عندي بخير وهي مع جوزها".

​ضغطت على يدها تتوسلها:

_​"طب كلميه خليني أسمع صوتها بس أطمن عليها".
​لعنت ندى غباء ابنها وتهوره، فلقد أغلق هاتفه هو الآخر كما أغلق هاتف زوجته ولم يعر لخوف هذه المسكينة أهمية:

_​"يا حبيبتي، والله قافل موبايله هو كمان".
​لطمت على أفخاذها بهلع تتردد فزعة:

_​"يبقى بنتي جرالها حاجة وأنت مخبية عليا!".
​"والله أبدا".

​ثم حاولت أن تقنعها بصدق حديثها:
_​"طب تحبي أكلم طارق عشان تطمني؟".
​أخرجت هاتفها تتصل به وتفتح مكبر الصوت كي تسمع سماح إجابته عندما سألته عن رحمة:
_​"رحمة بخير يا أم رحمة متخافيش، دي بنت من بناتي، لو جرالها حاجة أنا المسؤول قدامك صدقيني".
​ربما صوت طارق الصادق ووعده منحها شيئا من السكينة، فهي تعرفه وتعلم أنه شخص لا يكذب ولو على حسابه.
​أغلقت ندى الهاتف وتنظر لها مبتسمة:
_​"ها يا ستي، اطمنتي دلوقت؟... ووعد لو زياد اتصل بيه هخليه يكلمك ويطمنك، بس هي بخير وحياة طارق".
​لتمازحها تحاول التخفيف عنها:
_​"وأهو يا ستي حلفتلك وحياة طارق، وأنت عارفة عمري ما حلفت وحياته كذب، دا طارق يا سماح!".
​حدجتها بنظرة جانبية مستهجنة لتضحك ندى قائلة:
_​"مدام بصيتلي البصة دي يبقى أنت سماح صاحبتي!".
​ضحكت سماح على حديثها لتحتضنها ندى وقالت بسعادة:
_​"وحشتيني يا اختي".
​دمعت عينا سماح وهي تبادلها العناق تعترف لها هي الأخرى:
_​"وأنت كمان وحشتيني قوي يا ندوش".
​خرجت ندى من أحضانها تشاكسها:
_​"ووحشتني قهوتك... إي مش ناوي تعمليلي فنجان يا سموحة؟".
​هزت رأسها ونهضت قائلة:
_​"هعملك حالا".
​غادرت نحو المطبخ تاركة ندى تحمد الله على مسامحتها ورضاها.
*******************************
​منذ أن أخبره حسين عن رغبة أصيل في خطبة مليكة وهو يحترق غضبا. اندفع نحو غرفتها كالثور الهائج يسألها بانفعال:

_​"فيه إي بينك وبين أصيل؟".

​ارتجف جسدها من مفاجأته وازداد خوفها من سؤاله لتبتلع ريقها تجيبه بصوت مرتجف:
_​"ما فيش حاجة بيني وبينه غير الفيديو اللي طلبه مني".
_​"أمال عاوز يتقدملك ليه؟".
​حدقت به تحاول أن تفهم وقلبها يرقص بفرح لتشير نحو نفسها تسأله ببلاهة:
_​"يخطبني أنا؟".
​ليصرخ بضيق:
_​"آه، أمال يخطبني أنا؟! هو كلم حسين وعاوز ميعاد من بابا".
​أرضى فضولها قبل أن تسأل ودون عناء منها، لتحاول إخفاء سعادتها ولتهز رأسها ببراءة تتصنع عدم المعرفة:
_​"مش عارفة".
​ليصرخ بغضب:
_​"مش عارفة وإلا بتستعبطي؟! انطقي!".
​صوت صراخه اجتذب مسامع والدته ووالده الذي هرول نحوهما بقلق:
_​"فيه إي يا ولاد؟".
​رؤيته لوالده أربكه وأراحها، لتتراخى ملامحها ويتلعثم حسن يقول:
_​"أصيل عاوز يتقدم لمليكة".
​لوح علي باستغراب وقال:
_​"ما أنا عارف، حسين بلغني وأنا كنت هبلغها، بس أنت بتصرخ ليه؟".
​امتعض وجهه وقال بضيق:

_​"وأصيل يخطبها هي ليه؟"..

_​"إيه السؤال الغريب دا؟! أكيد يا بني شافها وحس نحيتها بقبول عشان كدا اتقدم".

​كانت هذه إجابة هدى، لكن علي الذي فهم مقصده طالعه بوجوم قبل أن تحتد نظراته يلومه بانفعال:
_​"أنت بتشك أختك يا مجنون؟! إزاي تفكر في أختك بطريقه دي؟!".

​شهقت هدى تضع يدها على فمها بصدمة تطالعه بخيبة أمل، لكن نظرات الغضب من والده والخذلان من والدته لم تهزه ولم تمنعه من إصراره على اتهامه:

_​"أشمعنا هي اللي اختارها؟".
​شحب وجه مليكة التي كانت عينيها تتنقل بين الثلاثة بخوف لتتوقف على هدى تصغي لتبريرها:
_​"يا ابني، مش أخو مراتك؟ جايز شافها في مناسبة، جايز مراتك شكرت فيها، ودا اللي شجعه يتقدم".

_​"بس أنا شفتهم واقفين مع بعض في فرح شريف!".

​جملته التي برر فيها أتهامه حررت شياطين الغضب التي سيطرت على علي ليباغته بأن أمسك ذراعه يهزه بعنف عله يستيقظ من أفكاره المظلمة:
_​"أنت اتجننت؟! وصلت فيك لحد كدة؟!".
​ضغط على ذراعه وقال يوبخه:
_​"بص بقى، أنا عندي ثقة فيها، وبنتي خط أحمر يا حسن، مش هسمحلك تشكك فيا وفي تربيتها، ومادام أنا عايش مش من حقك تحاسبها أو تتهمها، أنت فاهم؟".

​صرخ بكلمته الأخيرة كتحذير له، ثم أفلت ذراعه بعنف فانسحب بعد أن أومأ له حسن بتفهم، وقبل أن يغادر غرفة شقيقته توقف عند الباب يسمع قرار علي:

_​"أنا كنت رافض خطبة أصيل عشان هي لسه صغيرة، لكن دلوقت أنا غيرت رايي وهبلغ حسين بموافقتي".

​ضغط على فكيه بانفعال يعلم أن والده يعاقبه، ليخرج من الغرفة بسرعة.

​نظرت هدى لعلي، كأن أحدهما يواسي الآخر بحال ابنهم. تنهد علي بخيبة أمل ثم رفع نظره نحو صغيرته التي انكمشت على حالها تطالعهم بوجه شاحب تملؤه نظرات الحزن. اقترب منها وأحاط وجهها بكفيه يطمئنها:
_​"ما تخافيش يا حبيبتي، أنا عندي ثقة فيكي".
​ابتلعت غصة مرة تشعر بالندم أنها فكرت في يوم بجنون وكادت أن تسقط في المحظور.

 أطرقت رأسها بخزي تهرب بعينيها من نظرات والدها الدافئة تلوم حالها، هو يثق بها وهي كادت أن تلطخ هذه الثقة! فلو كان شخص غير أصيل لكان استغل ضعفها. ابتسمت بخفة تتذكر وفاءه بوعده لها:

_​"حبيبتي يا مليكة، أنت سمعتي الكلام اللي قلته لأخوكي؟ أنا عن نفسي موافق، أصيل شاب كويس ومستقبله ممتاز ان شاء الله ... أنت إي رايك؟".

​أسبلت أهدابها وقالت بخجل:

_​"اللي تشوفه يا بابا".
​حرك إبهامه على وجنتها وقال بحزم:

_​"ما فيش حاجة اسمها اللي تشوفه يا بابا، أنت رايك إي؟".
​صمتت تسخر من حالها فهي تتمنى أن تقفز الآن فرحا وتخبرها أنها موافقة، لكن والدها استطرد:

_​"أنا هشرط عليه الجواز بعد التخرج".

​قلبها الراقص بين أضلعه بدأ يضطرب؛ ماذا لو رفض أهله الخطبة الطويلة؟!
***********'*****************
​كانت تجلس على سجادتها تدعو الله أن يرزقها راحة البال والطمأنينة وأن يصلح حسن الذي أتعبتها تصرفاته، فهي تحبه ولا تستطيع الابتعاد عنه. انتفضت بفزع عندما وجدته يدخل بثورة غضبه ويتجه نحوها يسألها بانفعال:

_​"أنت كنت عارفة إن أصيل هيتقدم لمليكة؟".
​ورغم معرفتها بأمر خطبة شقيقها لكنها أنكرت خوفا منه لتهز رأسها بنفي وتقول بصوت مرتعش:
_​"لا، مش عارفة".
​جلس على السرير وقدماه تختض من شدة انفعاله. حاولت الاقتراب منه لكنها ترددت، لتقف منكمشة على حالها حتى وجدته يرفع عينيه التي شوهتها تلك الخطوط الحمراء من شده غضبه يسألها مستفهما بضيق:

_​"هو خطبها ليه؟! أشمعنى هي؟".
​قلبت شفتيها وقالت رافعة كفيها بجهل:
_​"مش عارفة".
​ليصرخ بغضب أجفلها مستنكرا جوابها:
_​"هو أنت كل حاجة مش عارفة؟!
_​"مش عارفة يا حسن يعني أكذب عليك؟! وبعدين مليكة ألف من يتمناها".

​ثم توقفت تطالعه بنظرات قلقة قبل أن تسأله بريبة:
_​"هو أصيل وحش وإلا فيه حاجة تعيبه عشان كدة أنت مستنكر خطبته لأختك؟".
​التفت إليها يزجره بنظرة مستهجنة أربكتها وعاتبها بضيق:
_​"هو أنا قلت كده وإلا ذميته؟ أنت هتقولي حاجة ما قلتهاش!".
​قطبت حاجبيها تسأله في حيرة:

_​"أمال ليه بتسأل الأسئلة دي كأنك مش راضي عن خطوبتهم؟".
​زفر أنفاسه بضجر وقال متذمرا:

_​"أنت مش فاهمة حاجة، الحكاية مش كدة".
_​"طب ما تفهمني! جايز أنت شايف حاجة أنا مش شايفاها".
​مسح على وجهه بضيق وقال متنهدا بيأس:

_​"خلاص مش مهم أنا شايف إي، بابا وافق خلاص".
​ابتهجت ملامحها وقالت بسعادة عفوية:

_​"بجد عمي وافق؟! الحمد لله... حبيبي يا أصيل!".
​تأمل فرحتها بشقيقها ليلين قلبه قليلا ويسألها بتهكم:
_​"شكلك فرحانة!".
_​"مش أخويا يا حسن، ومليكة عروسة جميلة ربنا يسعدهم".

​عم الصمت لحظات، وقفت هي تخشى أي تصرف قد يفهمه بشكل خاطئ، أما هو فلم يتخط موقفه مع والده. تقدمت نحوه نصف خطوة وتراجعت أخرى، فوجهه المتجهم لا ينذر بخير، ربما يعكر فرحتها  بكلمة من كلماته الجارحة. قررت أن تتركه وتغادر المكان حتى أوقفها صوته محذرا:

_​"سندس، بلاش تبلغي حد بموافقة بابا، سيبيه هو يبلغ أصيل أحسن، بلاش ندخل احنا في الحكاية دي".

​التفتت له تومئ له بالموافقة قبل أن تغادر المكان.
********************
​لم تصدق أن كل شيء حدث بسرعة، فها هي ترتدي فستان خطبتها وتجلس بجانب والدتها تسمع صوت راجح وبعض الرجال القادم من غرفة الضيوف وتشاهد فرحة زهرة الجالسة بقربها.
​أما سندس وقمر فلم تنس جهودههم معها؛ فهي اليوم لم تشعر بأنها وحيدة، فبدل الشقيقة الواحدة منحها الله شقيقتين.
​نظرت إلى خالاتها وبناتهن يشاركنها سعادتها، وأطربها صوت الزغاريد التي انطلقت بعد إعلان الخطبة، فأسعدتها فرحة زهرة وبسملة اللتين عانقتاها بحب يرحبان بها في عائلتهم.

​حتى حانت تلك اللحظة التي كانت تنتظرها بشوق وهي تراه يقف أمامها، مظهره ببدلته الأنيقة خطف قلبها العاشق. اقترب منها بابتسامته العريضة:

_​"مبروك يا لوكا".
​أسبلت أهدابها بخجل وقالت بصوت مضطرب:
_​"الله يبارك فيك".
​تحمحم بحرج يرى تلك الأعين المحدقة بهم ليجلس بجانبها بعد أن سلمها باقة الزهور، ثم التقط الخاتم الذي أعطته له والدته، ألبسها الخاتم وعينيه لا تفارق عينيها. وجاء دورها لتلبسه هي خاتمه وسط تصفيق وهتافات الجميع وزغاريد زهرة التي لم تنقطع من فرط سعادتها.
​انهالت عليهم التبريكات من الجميع وأولهم هدى التي احتضنت صغيرتها باكي:
_​"ألف مبروك يا حبيبتي، كبرتي يا لوكا".
_​"الله يبارك فيكي يا ماما".
​وما إن رأت زهرة دموع هدى حتى لامتها وهي تجذب مليكة نحو أحضانها:
_​"بتعيطي يا أم حسن؟! دي مليكة من النهاردة بجت بتي، دي مرّت الغالي... مبروك يا مرّت ابني يا جمر".
_​"الله يبارك فيكي يا طنط".

​ابتعدت عن أحضان مليكة وكتمت ضحكتها وهي ترى أصيل يغمز لها ففهمت مقصده.
​انتظرت زهرة حتى انتهت التبريكات والتهاني من الجميع وطلبت من هدى أن ينفرد ابنها بخطيبته لحظات.

​وكان له ما أراد؛ جلست أمامه منخفضة الرأس تفرك يديها ببعضهما بتوتر ووجهها تغزوه حمرة الخجل. ابتسم وهو يتلذذ بتأملها، لحظة تمناها ولم يصدق أنها الآن أصبحت حقيقة:

_​"ألف مبروك يا حبيبتي، أخيرا حلمي تحقق وبقيتي من نصيبي".
​ابتلعت ريقها الذي جف من شدة الحرج وقلبها يخفق بجنون عندما سمعت كلمة "حبيبتي" منه لتجيبه بتلعثم:
_​"الله يبارك فيك".
_​"مش هترفعي راسك وتبصيلي؟ عاوز أشوف عيونك الحلوين وحشوني".

​رفعت رأسها ببطء حتى التقت عينيها بعينيه. ظل يحدق بها مستمتع بحديث العيون بينهم حتى همس لها بهيام:

_​"بحبك يا لوكا، بحبك من زمان، من أول فيديو عملتِيهولي وأنت سكنتي عقلي وقلبي. بس...".
​ثم أخفض عينيه يدير خاتم خطبته في إصبعه يبوح لها بمخاوفه:

_​"كنت خايف ترفضيني وتقولي دا راجل صعيدي وأنا بنت القاهرة، أو ترفضي تعيشي في الصعيد وأنا ابن الكبير هناك. وخفت أتعلَّق بوهم وتكوني مش بتبادليني شعوري ومش شايفاني أصلا، رغم إني كنت باشوف في عيونك القبول... خفت تقولي لسه...".

_
​"صغيرة!".
​قاطعته بسرعة وقالت بنبرة عتاب فهمها ليبتسم ويقول مازحا:
_​"شامم ريحة زعل وعتاب يا لوكا".
​حركت رأسها بدلال وقالت بدلع:
_​"ومش من حققي أعاتبك؟".
_​"أنت من حقك كل حاجة، عاتبي وادلعي على جلبي، زي العسل يا قلب أصيل!".

​ثم قال يشاكسها:
_​"بس شكلي هفضل أدفع تمن الكلمة دي كتير".
​لتسأله بتردد:
_​"هو بابا بلغك بشرطه؟".
​اصطنع العبوس وقال بحسرة:
_​"أيوه يا ستي، وطلبه قدام الرجالة كلهم يعني بقى واجب علي التنفيذ، ربنا يصبرني السنتين دول!".
​ثم انحنى نحوها هامسا بعبث:

_​"طب ما فيش تصبيرة تخليني أقاوم وأتحمل؟".
​اتسعت عينيها بندهشة تسأله ببلاهة:
_​"تصبيرة إي؟".
​ليطالعها بحب ويسأله برجاء:
_​"يعني مش هسمعها يا لوكا؟ وحياة قلبي مستني يسمعها بشوق".
​عادت تزعم جهلها بمقصده لتسأله بمراوغة:
_​"هي إي؟".
​غمز لها يخبرها بحب:
_​"كلمة بحبك يا حبيبتي".
​رمشت بحرج وزاد من توترها تحديقه بها لتنطقها باستحياء:
_​"بحبك".
_​"ياااااابوي! طالعة من خشمك كيف الشهد المكرر!".
​ضحكت مع تغير لهجته كأن كلماتك تخرج من قلبه بفطرته النقية لتشاكسه قائلة:
_​"على فكرة، أصيل الصعيدي رومنسي أكتر وعاجبني أكتر".
​أشرق وجهه بابتسامة عريضة وقال يرضيها:
_​"وهو بيعشجك يا جمر!".
**************************
​بدأت تستفزها جرأتها وتزيد من حيرتها في إصراره على اقتحام حياتها بشتى الطرق، وها هو اليوم يرسل لها ملف يخبرها أنه يحتوي على قصة قصيرة يريد أن يعرف رأيها فيها. حاولت التجاهل لكن هاهو يرسل لها من جديد يستفسر منها ما إن كانت قرأت القصة ويشدد عليها أنه ترك لها أن تختار النهاية لأنه متحير في تحديد نهايتها.
​نظرت لشاشة الهاتف بسأم وتنهدت منزعجة من إلحاحه:
​"أف... شخص غريب قوي، وأنا مالي بالنهاية؟".
​ثم استطردت تسأل نفسها:

​"أيكنش كلام قمر صحيح وهو معجب بيا؟ بس دا إي دخله بالقصة؟".
​لوحت بيدها بعد اكتراث تنفض تلك الأفكار الدخيلة عليها وتقول مستهزئة:

​"لا، قمر دي وحدة هبلة وأفكارها غبية!".
​ثم تهكمت ساخرة منها:

​"كانت شافت حب حسين ليها الخايبة!".
​وما كادت تلقي هاتفها بعيدا عنها كي تخلد للنوم حتى وردت رسالة أخرى منه. زفرت أنفاسها بضيق من إلحاحه واستسلمت أخيرا تفتح ذلك الملف كي تقرأ حتى تتخلص منه.
​بدأت تقرأ القصة وأعجبها أسلوبه الغامض حتى ظهرت البطلة وبدأ يصفها وتعجبت وهي تجده يصفها هي! أضطربت تسأل نفسها هل اختارها لتكون بطلة قصته؟

​غاصت أكثر بين سطور الحكاية تجمع خيوطها وتتمعن في المشاهد التي لم تكن سوى مواقف جمعتها به يصف فيها مشاعر أعجابه بالبطلة فلم يكن بطلها سواه.
​ابتلعت ريقها بتوتر وهي تكتشف أن قمر كانت محقة، أو ربما هي مخطئة، فلتنتظر أن تصل للنهاية.
​وصلت إلى تلك الصفحة الأخيرة وبدأ قلبها يخفق بتوتر حتى عينيها تجمدتا لبرهة تخشى قراءة محتوى هذه الصفحة، لكن شيئا من الفضول أجبرها على قرائتها.
​كان تصميم تلك الصفحة مختلفا، حتى نوع الخط مختلف. أغمضت عينيها وأخذت نفسا عميقا ثم زفرته بقوة؛ إحساس غريب تملكها وهي تقرأ أول كلماتها:

​"لم أكن يوما أؤمن بالحب ولا تستهويني حكاياته، أوصدت قلبي وفطمته عن تلك المشاعر التي كنت أعتقد أنها تؤذي صاحبها، فهذا قيس وذاك عنترة وكل يبكي على هواه، فمالي بالحب إذا كنت سأعيش هما وأسهر ليالي يحرقني فيها شوقي لمحبوبتي؟ أنا سعيد بحياتي بعيدا عن آهات الحب وعبراته. حتى رأيتها لتمسح كل قوانيني وتحطم أصنام قراراتي. سحرتني بنظرة عينيها وتهت بين أمواجها أحاول أن أفهِم لونها الذي تغير يحاكي ملابسها؛ فأخضر تارة وأزرق أخرى، وآه يا ويلي من هذا وذاك! وظننت أن عينها ساحرتي حتى كلمتها فإذا بصوتها تعويذة عشق أبدية فسقط صريع هواها وبدأت أيامي الوردية. أعادت لي مراهقتي وصرت للطيش صبيا أفوّع ما كنت أنكره وأقول ما كنت أرفضه، أسهر أتذكر صورتها وأصحو فأتمنى لقياها وما عاد قلبي ملكي بل صار أسير عيناها. فليتها عشقي تبادلني وتنهي عناء قلب هواها. سبتلك يا ورد نهاية الحكاية اللي أنت هتقرريها، أنا معجب بيكي وبحبك، تقبلي يا ورد... تتجوزيني ونكمل حياتنا سوا؟ هكون أسعد انسان في الدنيا لو وافقتي. هنتظر قرارك اللي هيخطي نهاية قصتي وأتمنى تكون النهاية سعيدة".

​تعلقت عينيها بشاشة الهاتف تمسح على وجهها الذي احمر خجلا من كلماته، تحاول استيعاب طلبه؛ هل يطلبها للزواج؟ لكن كيف ومتى ولماذا هي؟ أفكار اشتعل فتيلها داخل عقلها تشعل نيران من التشتت والضياع، لا تعلم ماذا تفعل: ترفض أم توافق؟ تخبر والديها؟ أصابها الحرج وهي تتخيل نفسها تقف أمامهم وتخبرها.

​تصبب جسدها عرقا ورأسها لم تتوقف تزيدها توترا وارتباكا، لكن إن ظن أنها ستجيبه الآن أو أن تتخذ قرارها في لحظات فهذا محال، وما يطلبه ضرب من الجنون! أغلقت الهاتف قبل أن تقذفه بعيدا عنها لتتمدد باسترخاء قبل أن تقاذفها أمواج أفكارها المتلاطمة وتمنت لو تجد خلاصها وسط تلك العاصفة الهوجاء من المشاعر المتضاربة.

​وفي اليوم التالي، أعتقدت أن بإغلاقها لهاتفها قد وضعت حدا لرسائله ومنحت نفسها وقتا أو ربما قد فهم ذلك رفضا. لا تدري ما قد وصل إليه، لكن كل ما تعرفه أنها ليست مستعدة لخوض تلك التجربة الآن، وأن سرعة معرفتهم لم تمنحها فرصة في معرفته بشكل شخصي لكي تنقله من خانة شخص عرفته للتو إلى شخص تربطها به علاقة زواج.

​عادت تدخل إلى المنزل بخطى مثقلة تشعر بالإجهاد بعد يوم عمل مزدحم. تأففت بتعب تسير نحو غرفتها لتتباطئ خطواتها عندما وصل إلى مسامعها صوته، لتلتفت إلى مصدر الصوت وتنصت بذهول إلى حواره مع والدها الذي يبدو سعيدا لتتأكد من ظنونها. ليصعقها وجوده في منزلها، إنه هو!

​استدارت تهرب نحو غرفتها بخطوات حذرة كي لا يشعر بعودتها أحد. خطوة وأخرى تطمئن معها أنها قد نجت حتى جعدت انفعا تغمض عينيها بقلة حيله بعد أن نادى عليها والدها فجأة:
_​"ورد! أنت هنا؟ كويس أنك وصلتي، كنت لسه هتصل بيكي".
​استدارت تقول ببراءة مزيفة:
_​"أيوه يا حبيبي، أنا لسه واصلة، عاوز حاجة يا روحي؟".
_​"تعالي عاوزك".
​قالها متوجها نحو غرفة الضيوف قبل حتى أن يستمع إلى جوابها. سارت خلفه بيأس ودخلت بخطوات متوترة لتجده يجلس أمامها مبتسما بانتصار رحبت به باقتضاب وسط نظرات والديها المترقبة ليشير لها والدها نحوه ويقول:

_​"الأستاذ مهاب طلب إيدك يا ورد".

​تجمدت تنظر له بدهشة تحولت لغيظ عندما وجدته يغمز لها مبتسما مستغلا انشغال والدها ووالدتها بتقديم الضيافة له.

تعليقات



<>