
رواية براعم الحب الفصل الثالث والثلاثون33 بقلم رشا عبد العزيز
أصعب لحظات حياتك عندما تقف عند مفترق طرق ولا تعلم أيها تختار، وتخذلك قوتك عندما تجبرك حياتك على اتخاذ القرار.
جلست تثني قدميها، تسند ذقنها بين ركبتيها في حيرة، وعقلها يضج بالأفكار. كلام والديها يدور في رأسها كدوامات أرهقت فكرها؛ فمنذ مغادرة مهاب منزلهم بعد طلبه المفاجئ لها،منذ ثلاثه ايام لم يكف الاثنان عن محاولة إقناعها بأنه عريس مناسب لها، فهو ذو أخلاق ويمتلك وظيفة جيدة، وله اسمه في مجال المحاماة.
تأففت بضجر، فصراع عقلها وقلبها كان كحرب ضروس؛ فما بين عقل يخبرها أن توافق، وقلب يستنكر متمردا عليه، ففترة معرفتهم ببعضهم كانت قليلة جداً لتتخذ قراراً كهذا.
نهضت من مكانها واتجهت نحو نافذة غرفتها تطالع ضوء القمر الذي داعب الأرض بخجل حتى منح الأجواء سحراً طبيعياً. شعرت بحاجتها لاستنشاق هواء الشتاء البارد، فتحت النافذة لتصطدم بشرتها بنسماته الباردة. أخذت نفساً عميقاً وزفرته لتخرج أنفاسها الساخنة كأبخرة عكرت صفو ذلك الهواء النقي. ابتسمت, تأخذها أفكارها بحنين نحو الماضي عندما كانت هي وسيف يقفون في البرد وينفخون الهواء، يمثلان أنهما يشربون السجائر متخيلين أنفاسهم الساخنة دخانها.
ضحكت على برائة الطفولة التي انسلخت منهم عندما داهمهم الزمن بسنينه الراكضة حتى وجدوا أنفسهم في مرحلة الشباب.
زاغت عينيها بشرود تسأل نفسها: "هل لا زال له مكان في قلبها؟ هل هو من يقف بينها وبين مهاب؟"
وعندما ذكر عقلها اسمه ارتجفت، تستشعر صقيع الهواء الذي اقتحم غرفتها. أغلقت النافذة واتجهت إلى سريرها.
امسكت هاتفها وفتحت صفحته الشخصية، عينيها التي بدأت تتنقل بين صوره، تمعن النظر اليه. لا تنكر أنه وسيم وله حضور ملفت، أسلوبه منمق.
لتتذكر حديث والدتها: "عليها أن تحكم عقلها قبل اتخاذها القرار وربما بعد الخطبة سيكون للقلب رأي مختلف وأن تعطيه فرصة ليتقرب منها".
وضعت هاتفها جانباً ومسحت على وجهها بإرهاق، عقلها مشوش، ضغطت على جانبي رأسها براحتيها، تشعر أنها ضائعة في مجهول ولا تدري طريقاً لنجاتها.
ثم تنهدت بسأم وقالت تدعو بصدق فقد أتعبتها حيرتها:
«اللهم اختر لي ولا تخيرني».
طرقات خافتة على الباب قطعت حبال شرودها ومنحتها هدنة من ضجيج أفكارها:
_ «ورد حبيبتي، أنت لسه صاحية؟»
صوته الدافئ كان كغيث أطفأ توترها لتهتف بلهفة:
_ «بابا حبيبي».
اقترب منها وقال بقلق:
_ «شوفت نور الاوضه شغال، قلت أجي أطمن عليك».
أفسحت له المجال وجذبت يده ليجلس بجانبها. استجاب لها وجلس بجانبها، لكنه تفاجئ بها ترمي نفسها بين أحضانه وتضم نفسها إليه بقوة فأحضانه هي ملاذها الآمن.
أحاطها يضمها إليه لحظات، شعر باسترخاء جسدها ليرفع يده يمسح على خصلات شعرها بحنان، يشعر بخوفها ليسألها بلطف:
_ «مالك يا روحي، فيك حاجة؟»
_ «لا».
إجابتها المقتضبة زادت من تخوفه فسألها بما يظنه يقلقها:
_ «تايهة وإلا خايفة؟»
لتجيبه وهي لا تزال تتشبث بأحضانه بقوة:
_ «محتارة».
يده التي كانت تمسح على شعرها بطئت حركتها، يحاول أن ينتقي كلماته كي يقنعها:
_ «ليه يا حبيبة أبوكي؟ مهاب شاب كويس وطموح، أنا سألت عليه النهاردة في المحكمة وسألت عليه جيرانه شكروا فيه، وتعرفي ارتحت قوي لما قالوا إنه بار بأمه وإنه وقف جنبها في تربية إخواته بعد وفاة والده. مش بس كدة، جوزهم كمان! الراجل اللي يبر بأمه وأهله بالشكل دا يبقى إنسان محترم وراجل حقيقي أقدر أطمنه عليك معاه».
ثم استطرد يمازحها:
_ «وبعدين ميغركيش الشعرتين البيض اللي في شعره، دا طلع صغير والشيب عندهم وراثة، خمسة وتلاتين! أنا شايفه مناسب ومتعقل أحسن من شباب الأيام دي».
ابتسمت ابتسامة باهته تخفي خلفها صراع أفكارها، لكنها سمحت لنفسها أن تخبره بعضاً منها:
_ «بس احنا متعرفين على بعض من فترة قليلة، أنا يعتبر مش عرفاه».
_ «جواز صالونات قصدك مش كدة؟»
حركت رأسها حرجاً بالإيجاب:
_ «بس دي مش حاجة تخوف، بالعكس، ياما ناس اتجوزوا صالونات وحبوا بعض بعد الجواز، واللي يشوف انسجامهم وتوافقهم يقول متجوزين عن حب... يا روح أبوك، الحب مش مقياس لنجاح العلاقة، فيه العشرة والاحترام. مهو أنا وماما يعتبر جوازنا صالونات، واديكي شايفه الحمد لله بنحب بعض ونحترم بعض».
ثم قال متهكماً بمزاح:
_ «أي نعم هي بتستغل حبي ليها ومسيطرة عليا، بس هي متعرفش أنها مسيطرة عليا بمزاجي عشان أنا بطاوعها لأني متأكد أنها بتعشقني ومبتعملش حاجة إلا وفيها مصلحتي أولاً».
اتسعت هذه المرة ابتسامتها تتذكر بعض مواقفهم التي تثبت صدق حديثه ومدى الترابط والتفاهم بينهم:
_ «فكري يا بنتي وخدي وقتك، وأين كان قرارك أنا هقف جنبك».
خرجت من أحضانه تخبره بامتنان:
_ «متشكرة يا بابا».
أحاط وجهها بكفي يده يمسح على وجنتها برقة:
_ «صلي استخارة، ربنا احسن مني ومنك، وكلي أمرك له هترتاحي صدقيني وهيدلك للاختيار الصحيح».
ظل يحدق بها يشاهد عينها لامعة بدموعها الحبيسة ليحاول التخفيف عنها فشاكسها يدعي الانزعاج:
_ «بس تعرفي بفكر أرفض!».
قطبت حاجبيها متعجبة من تغير حاله ليقول بصوت ضعيف مثل فيه الحزن:
_ «خايف تحبيه أكتر مني وتنسي بابا حبيبك».
انتفض مدامعها لتسيل دموعها بلا توقف وتخبرها باسمه من بينها:
_ «مستحيل أحب حد أكتر منك، أنت حبي الأول والأخير».
مسح دموعها بتأني يخبرها بسعادة:
_ «وأنا مش هسيبه يخطفك مني، هبقى حماة صعب وانكد عليه».
انفلتت ضحكاتها ليشاركها هو أيضاً ضحكاتها قبل أن يققبل جبهتها وعينيها الباكية:
_ «ربنا يسعدك يا بنتي».
***************************
وقفت حافية القدمين أمام البحر، تداعب المياه الباردة أصابع قدميها، تطالع غروب الشمس التي تودع أشعتها أمواج الماء كأنها تحتضنها، تعكس ما تبقى من أشعتها على تلك الأمواج تعطي المشهد منظراً خلاباً من تألف الطبيعة مع بعضها.
أحاطت جسدها بذراعيها بعد أن هبت تلك الرياح تحرك أطراف حجابها بشكل عشوائي، وتراقصت أصابعها المتجمدة عندما لامست تلك المياه أطرافها.
لتشعر به يحيط جسدها بسترته الجلية قبل أن يضم جسدها بقوة:
_ «مش هتدخلي كده، هتاخدي برد».
التفتت تبتسم له بهدوء وتجيبه:
_ «المنظر جميل قوي».
بادلها الابتسامة يخبرها بنظرات تتوقد عشقا:
_ «وجودك فيه هو أحلى حاجة».
أراحت رأسها على كتفه وقالت بسعادة:
_ «زياد كده هتعود على الدلع والكلام الحلو».
زاد من ضمها إليه وأمال رأسه يسنده على رأسه يقول بغزل يحاول تعويضها بكلمات عاشق عن كلماته الجارحة:
_ «أدلعي براحتك يا روح زياد، وليك مني ياستي أني مش هبطل أدلع حتى لو شبنا ولبسنا طقم سنان».
ضحكت على سخريته وشبكت أصابعها بأصابع يده الحرة تخبره بحب:
_ «وأنا هفضل أحبك وأحب دلعك ليا».
قرب يدها من فمه وطبع قبله رقيقة عليها زادت من غبطتها، لكن كان هناك غصة تشوب تلك السعادة لتتنهد بعمق وتسأله:
_ «تفتكر ماما هتتفهم وتسامحني؟»
_ «ماتخافيش، طنط سماح بتحبك وأكيد هتفرح لما تشوفك سعيد، هو أنت مش كلمتيها وفهمتيها؟»
ابتعدت عنه لكن يده لا زالت تأسرها، نظرت إليه تشكو خوفها كطفلة تشكو لوالدها:
_ «صوتها ماكنش طبيعي وردها كان جامد، وقفلت معايا بسرعة».
ابتسم يطمئنها:
_ «هي بس واخدة على خاطرك منك يا روحي عشان بتحبك، بكره لما ترجعي وتشوفنا مرتاحين مع بعض هتهدى وتنبسط».
ثم مال يققبل جبهتها لتغمض عينيها تستمتع بقربه وهو يشاكسها:
_ «ولما تشوف حب جوزك ليك هتفرح أكيد».
تنهدت بأمل وقالت بتمني:
_ «ياريت يا حبيبي».
عاد يضمها من جديد يطمئنها:
_ «إن شاء الله يا قلب حبيبك».
**********************'' '******
وقفت تنظر له بأمتعاض تجذب القميص من يده وتقول بإصرار:
_ «مش هتلبسو يا شريف».
فجذبه من يدها بتحدي وقال بضيق:
_ «لا هلبسه يا أحلام، مش طالبة جنانك الساعة دي، أنا متأخر أصلاً».
عادت تجذبه بعناد:
_ «وأنا قلت مش هتلبسه».
_ «لا هلبسه يا أحلام».
اقتربت منه تمسح على وجنته تحاول محايلته وهي تقول بغنج:
_ «عشان خاطري يا شريف، شكلك بيكون حلو قوي بالقميص دا وأنا بغير عليك».
ابتسم على حديثها وحاول إقناعها:
_ «بس أنا بشتغل بمحل رجالي».
عبست بطفولة تحاول استمالته وهي تمثل الحزن:
_ «بس فيه ستات في السوق وساعات بيدخلوا المحل، أرجوك يا روحي بلاش بغير عليك يا شري».
مط شفته بعدم اقتناع يخلع قميص بيجامته ويرتدي القميص متجاهلاً نظراتها المغتاظة يردد بعملية:
_ «معنديش وقت تأخرت يا أحلامي».
ثم اقترب منها يقبل وجنتها في محاولة لإرضائها:
_ «ما تخافيش، عيني مش بشوف غيرك يا جميل».
ظن أنها اقتنعت واتجه إلى الصالة يجلس على الأريكة يرتدي حذاءه. اختلس النظر نحوها قبل أن يربط رباط حذائه ليتعجب من ارتدائها إِسدال الصلاة رغم أنه ليس وقتها، لكنه تجاهل ذالك وانحنى يمسح على حذائه بمنديل كان يمسكه بيده، ليشهق فجأة عندما سكبت عليه كوباً من الماء البارد بلل قميصه!
رفع رأسه نحوها يصرخ بغضب:
_ «عملتي إيه يا مجنونة؟»
نظرت له بتحدي وقالت مكابرة رغم خوفها من نظراته الغاضبة:
_ «أحسن عشان تغير القميص».
ليصيح بها موبخاً:
_ «أنت اتجننتِ! بتتحديني يا أحلام.. تعالي».
نهض يركض باتجاهها، لكنها كانت أسرع منه فقد رسمت خطة للهروب لتخرج من جناحها متجهة نحو الأسفل.
نزلت السلالم راكضة وهو يركض خلفها يصرخ:
_ «تعالي هنا.. والله ما سايبك يا أحلام».
تفاجأ فارس وشمس من هذا المشهد وأصابهم الارتباك وأحلام تخبأ خلفهما:
_ «الحقني يا عمي».
_ «فيه إيه؟ حصل إيه يا بنتي؟»
هتفت بها شمس بخوف حتى أصبح شريف أمامهم وقال غاضباً:
_ «بتتحامي ببابا يا أحلام؟ فكرك مش همسكك؟»
صرخ فارس ينهره بحنق:
_ «ما تفهمونا فيه إيه؟ عامل في مراتك إيه؟»
ليشير لهم شريف نحو ملابسه المبتلة ويقول غاضباً:
_ «شوف عملت إيه في هدومي! الآ ايه بتغير عليا ومش عاوزاني ألبس القميص دا، يرضيك كده؟»
نظر فارس نحو شمس يكتمون ضحكاتهم، ليقول فارس بعد أن تصنع الجمود رغم رغبته الملحة بالضحك:
_ «وماله، مراتك وبتغير عليك، مفيهاش حاجة حقها».
ثم أكلمت شمس لتهدئته:
_ «معلش يا حبيبي عديها المرة دي، هي عملت كده من حبها ليك، مش كدة يا أحلام؟»
قالت شمس هذا ووكزتها كي تؤكد حديثها لتمتص غضبه:
_ «أيوه يا خالتو».
_ «يا سلام، هادية ومؤدبة دلوقت؟»
قالها مستهزئاً ليوبخه فارس:
_ «اخرس يا ولد واحترم وجودي، دي بنت أخويا يعني الأدب كله».
_ «وبنت أختي يعني العقل كله! تعالي يا أحلام بوسي جوزك واعتذري منه».
قالتها شمس وهي تلتفت نحوها تغمز لها،و تعض على شفتها السفلى تشير لها نحو شريف الذي يطالعهم بعيظ.
اقتربت منه بتوجس فجسده ينتفض من شدة الغضب، حتى رفعت جسدها تقبل وجنته بحذر:
_ «آسفة يا حبيبي».
حدق بها بحدة قابلته هي بنظرات مثلت بها البراءة وتصنعت الحزن والندم كي تستميله ويسامحها لترتخي ملامحه فهو لا يستطيع تحمل حزنها. ابتسم وأخفى ابتسامته بسرعة يمثل الجمود وقال بضيق يشير نحو جناحهم:
_ «خلاص يلا عشان تديني قميص جديد بدل اللي بهدلتيه».
أومأت له بطاعة واتجهت نحو الدرج تصعد سلالم بحذر:
_ «أوعى تزعلها، هأزعلك يا شريف».
قالها فارس بتوعد ليهزه رأسه مطمئناً:
_ «متخافش يا كبير».
ربتت شمس على كتفه وقالت بسعادة:
_ «ربنا يسعدكم يا حبيبي».
كانت لا تزال تصعد السلالم مطمئنة بأمان بأنه لن يفعل لها شئ، حتى شهقت متفاجئة عندما وجدته يحملها ويصعد بها نحو جناحهم لتتقول بخوف:
_ «بتعمل إيه يا مجنون؟»
ليخبرها بتوعد:
_ «فاكرة نفسك هتفلتي من العقاب يا حبيبتي؟ هتتعاقبي يا أحلام، وعقاب زي العسل، أنت اللي جيبتيه لنفسك».
ضحكت تستكين بين أحضانه فهي تعلم أنه عقاب عاشق محب.
***************************
بدأت تطرقع أصابعها بتوتر تعلم أنها وافقت على الخطبة منه وأن العشرة أيام التي أخذتها كي تتخذ قرارها الذي لم يخلو من ضغوط والديها وهو شخصياً، فلم يكف عن ارسال الرسائل التي حملت اعترافه بحبها ووعوده لها بحياة سعيدة، وحتى مع تجاهلها لتلك الرسائل حافظ هو على إصراره في إقناعها واستمر يرسل رسائله بشكل مستمر
حتى يوم أن ذهبوا معاً لشراء خواتم الخطبة. لا تنكر أنه اختار لها الأثمن وترك لها حرية اختيار باقي القطع.
ربما ما ضايقها هو محاولاته التقرب منها.
وتنهدت بغيظ تتذكر ضحكات ندى التي حاولت أن تقنعها أن يتصرف بشكل طبيعي فهو خطيب سعيد بخطبيته، أما هي فتجده شخص جريء وتصرفاته مستفزة.
لكن ما تسمعه الآن من والدلها كان أكثر استفزازاً لتقول معترضة بانفعال:
_ «يعني إيه يا بابا كتاب كتاب على طول ومن غير خطبة؟ هو احنا مش قلنا هنتعرف على بعض بس؟»
هز رأسه يحاول إقناعها:
_ «يا حبيبتي، مهو هيكتب الكتاب والفرح بعدين».
_ «وليه نكتب الكتاب أصلاً؟ نخليها خطوبة بس».
هتفت بها معترضة ليعاود طارق محاولة إقناعها:
_ «يا بنتي مهو بيقول الفرح مش هيتأخر كل حاجة جاهزة، هو بس هيفرش شقته».
انضمت ندى تدعم زوجها وتشاركه كي يستطيعون إقناعها:
_ «يا بنتي هو خطوبة من كتب الكتاب إيه اللي هيفرق؟ أنت بتفاولي على نفسك ليه؟ ما تدي الراجل فرصة! أنت مشفتيش هو فرحان بيك قد إيه؟»
رمقت والدتها بنظرة جانبية مستنكرة قابلتها ضحكات ندى التي أثارت حنقها ليهز طارق رأسه بقلة حيلة يعض على أسنانه ويلومها يهمس من بينها:
_ «ندى.. خلينا نقنعها هتبوظي كل حاجة».
_ «على فكرة سمعتك».
قالتها ورد وهي تحدق بوالديها بامتناع ليردف طارق بيأس يعاتب ندى:
_ «استريحتي اهو انكشفنا».
انفجرت ندى ضاحكة ولم يتحمل طارق كتمان ضحكاته ليضحك هو أيضاً، فضحكت ورد معهم مرغمة متأثرة بسعادتهم:
_ «أيوه يا وردتي، اهو كدة خلينا نشوف ضحكتك الحلوة اللي تنور وشك».
هتف بها طارق لتربع يدها وتقول بإصرار:
_ «بس أنا لسه ما اقتنعتش».
نهضت ندى واقتربت منها تضمها إليها:
_ «ورد حبيبتي بلاش عند، الراجل بيترجانا نوافق ليه؟ تقدري البلاء قبل وقوعه، يرضى عنك ربنا يا بنتي خلينا نفرح بيك ونطمن عليك، نفسي أشوفك عروسة قبل ما ربنا ياخذ أمانته».
ختمت جملتها بعين دامعة جعلت ورد تنتفض مستنكرة حديثها:
_ «ماما أرجوك بلاش السيرة دي».
مسحت دموعها التي انسابت بأملها وقالت بقلة حيلة:
_ «خلاص متعيطيش، هوافق وأمري لله».
_ «حبيبتي يا بنتي ربنا يسعدك».
طالع طارق زوجته بأعجاب وكيف استطاعت أن تقنع ابنتها بطريقة ماكرة، فمنذ أن ذهبت معهم لشراء الخواتم وهي تخبره بأن مهاب شخص مهذب ويكن لبنتهم مشاعر إعجاب وربما حب، فسعادته واهتمامه بأدق التفاصيل جعلتها تأكد أنه يحمل لابنتهم مشاعر جميلة.
***************************
ألقى سترته بأهمال ورمى بثقل جسده على سريره المنفرد أغمض عينيه واضعاً يده فوقها بإرهاق وما أن استرخى جسده حتى داهمت تلك الأفكار المتضاربة سؤال جدته المتكرر عن الأطفال ومتى ستفرح بمولود له، ووالدته التي دوماً تكرر عليه جملة:
_ «ياريت حسن زيك».
متذكراً كيف شكت له ما فعله بشقيقته عن معرفته يخطبها وخوفها على زوجته من ردة فعله وكم كانت حزينة من أجلها:
_ «البنت طيبة يا حسين وأخوك أفكاره سلبية، شايفه في عينيها حزن كلام تتمنى تقوله وكل ما أسالها إزاي حسن معاك بتهرب، وكل اللي على لسانه الحمد لله مع أني عارفه إنه صعب وعصبي بس هي يا عيني بتستحمل. وياما كلمته يخلي باله منها وبطل تفكيره الأسود ، بيطمني وبيوعد أنه هيحاول بس مفيش فايدة حسن هو حسن».
ثم ربتت على رجله مبتسمة وقالت تثني عليه:
_ «أنا مطمنة على قمر معاك يا حبيبي عشان عارفة أنك طيب وحنين وبتحبها».
عاد من ذكرياته يسأل نفسه: "هل يرى الجميع أنهما زوجين مثاليين؟ إذا طلاقهم فجأة سيسبب صدمة وعدم تقبل من العائلتين سيترتب على أثرها مشاكل وتساؤلات".
لتتسلل إلى رأسه فكرة وقرر أن يخبرها بها.
أبدل ملابسه وخرج من غرفته يبحث عنها ليجدها تجلس على الأريكة تطالع شاشة هاتفها باندماج.
اقترب منها حتى أصبح أمامها:
_ «قمر، كنت عاوزك في موضوع».
قفز قلبها لسماع صوته وفي لحظات ترائت لها تخيلات عديدة عن ذلك الموضوع، لكن أجملها لو خيرها أنه لا زال يحبها ويريد أن يكمل حياته معها.
رفعت نظرها نحوه رحبته مبتسمة:
_ «أكيد اتفضل».
ثم رفعت سبابتها بتفكير تسأله:
_ «تحب أعملك عشا؟»
جلس يجيبها برفض:
_ «لا متشكر ماليش نفس».
تعلقت عينيها به تترقب ما سيخبره به، لكنها شعرت بقلق عندما أخفض عينيه بتوتر وعاد يرفعها نحوه لتشحب ملامحها وتتبخر أبتسامتها كما تبخرت أحلامها.
تستمع لحديثه بصدمة زلست كيانه وهو يخبرها بارتباك:
_ «قمر، احنا هنطلق».
تيبس الدماء في عروقها وارتعش جسدها بقهر إذاً هو لم يعد يحبها! لقد خسرت ذلك الحب، والأمر من ذلك أنه سيخرجها من حياته. سخرت من نفسها بألم وهي من ظنت أن لا زال لها مكان في قلبه وأن عشقها لن ينبض مهما حصل.
أطرقت رأسها بندم، هي لن تلومه اليوم فقد داست على كرامته بالأمس ويبدو أنه يريد استردادها اليوم.
_ «بس احنا لو اطلقنا كده يعني من غير مقدمات أكيد هيحصل رفض واستنكار ومشاكل، فأنا بفكر أننا نفتعل مشاكل بينا قدام أهلك أو أهلي يعني نمهد لهم الطريق زي مقدمات عن الطلاق اللي هيحصل بعدين».
عم الصمت وعقد لسانها عن الإجابة ليتنهد وقال مبرراً فكرته بكسرة:
_ «كده أحسن عشان ميتفاجئوش».
ثم حرك رأسه بتفهم:
_ «صح جايز هيعملك تساؤلات وضغط بس أحسن ميتصدموش بطلاق مباشرة».
أطبقت أجفانها تستحلف دموعها ألا تسيل أمامه، فما فائدة استعطافه وهو ينوي إنهاء كل شيء؟ يكفي لن تهين نفسها، فليتحرر من هذا القيد ويفلت يدها ربما يجد من تحبه ويحبها.
وماذا عني؟ سؤال طرحه قلبها بحرقة وضعف لتجيبه: "كان أمامك وأفلته من أجل وهم فادفع ضريبة خذلانك له".
سمعت صوته وهو يكمل طلبه:
_ «هنعمل كم خناقة قدامهم في عشان يعرفوا أن عندنا خلافات ماشي؟»
فتحت عينيها بوهن وحاولت الحفاظ على كرامتها لتدعي عدم الاهتمام عندما رسمت شبح ابتسامة مزيفة وهي تجيبه:
_ «حاضر».
بادلها بابتسامة مجروحة، فكان يتمنى أن ترفض أو حتى تلمح له أنه يوجد أمل في إكمال
حياتهم معا. استهزأ بأفكاره فقد سقط في الأوهام من جديد بعد أن ظن أنه ربما يوجد ولو بصيص أمل ضعيف.
نهض يجر أذيال الخيبة ويتركها لتهرول مسرعة نحو غرفتها تغلق الباب وتستند عليه تطبق على فمها بكفيها تكتم عبراتها وتسال نفسها:
"لماذا هي حزينة؟ ألم تكن متأكدة من النهاية؟ أليس هذا حسين الذي كانت تنفر منه وتكرهه؟"
انسابت دموعها بحرقة تسأل قلبها هل بدأ يحبه كما أخبرتها ورد؟
********************************
خرجت من كليتها تخطو خطوات رتيبة أثقلتها تلك الامتحانات والمحاضرات، لكن رغم تعبها كانت تشعر بسعادة أنها تحقق حلمها. خرجت من بوابة الجامعة لتتفاجئ به يقف مستند على سيارته بانتظارها ليبتسم عندما رآها ويعتدل في وقوفه.
أسريعت بخطواتها نحوه لتسأله بلهفة وقلق:
_ «سيف، أنت إيه اللي جابك؟ أنت بتستناني؟ هو حصل حاجة؟»
ليحاول تهدئتها بسرعة بعد أن لاحظ خوفها:
_ «ماتخافيش مفيش حاجة خلصت شغل بدري قلت أعدي أروحك معايا».
وضعت يدها على صدرها تتنهد براحة، وقبل أن يطلب منها ركوب السيارة وجد من ينادي عليه:
_ «سيف.. دكتور سيف».
التفت حيث مصدر الصوت ليرى زميله في المرحلة الثانوية الذي أصبح معيداً في كلية الهندسة ليهتف بدهشة:
_ «جمال! إيه الصدفة الجميلة دي؟»
رحب به صديقه واحتضنه:
_ «أهلاً يا دكتور، ليك وحشة.. فينك يا راجل؟»
_ «مشاغل يا جمال، أنت عارف المستشفى والكلية ومابين دي ودي مش عارف أخذ نفسي».
ربت على كتفه وقال يدعو إليه:
_ «ربنا يعينك يا رب».
ليكمل يسأله بفضول:
_ «إيه اللي موقكف هنا.. محتاج حاجة؟»
انتقل عيني سيف نحو نور وقال موضحاً وسط نظراتها الخجلة:
_ «مراتي هنا في الكليه وجاي أوصلها».
خفق قلبها بفرح فقد اعتقدت أنه لن يعترف بكونها زوجته، لكنه عرفها لصديقه بفخر واعتزاز.
ليررحب صديقه بها:
_ «أهلاً وسهلاً يا فندم».
_ «أهلاً بيك».
عاد جمال بعينيه نحو سيف وتسأل:
_ «هي تلميذة وإلا أستاذة؟»
اقترب سيف منها وأحاط كتفها باعتزاز أسعدها:
_ «لا،لسه بتدرس في الفرقة الأولى ».
هز جمال رأسه بتفهم وقال:
_ «لو احتجت حاجة أنا موجود يا دكتور، فرصة سعيدة».
قالها جمال ينهي لقائه ورحل مبتعداً بعد أن سمع إجابة سيف:
_ «متشكر يا جمال».
_ «يلا يا نور خلينا نروح نتغدى في أي مكان».
أومأت بطاعة وركبت السيارة بجانبه، كم فرحت بنظراته واعترافه بكونها زوجته، احتضنت كتبها بقوة تحاول أن تسيطر على نفسها قبل أن تتهور وتشكره.
*******************************
وقفت أمام باب شقة والدتها بتوتر، يدها تقترب من الباب كي تطرقه وتتراجع في اللحظة الأخيرة. تمنت لو كان زياد معها لكان خفف عنها، لكنه أخبرها أنه سيترك لها المساحة مع والدتها قبل أن يحضر لهم العشاء كي يتناولوه سويا.
استنشقت كمية من الهواء تحبسه في صدرها قبل أن تزفره بقوة علها تهدئ من اضطرابها، استجمعت قوتها وطرقت الباب طرقات مترددة وانتظرت بترقب لتجد الباب يفتح وتقف هي أمامها، وما أن رأتها حتى تجهم وجهها أسرعت رحمة ترمي نفسها بين أحضانها بشوق تسبق أي رد فعل منها:
_ «ماما حبيبتي وحشتيني.. وحشتيني قوي».
خفق قلبها بخوف عندما وجدت جسدها متخشباً ولم تبادلها العناق. ابتلعت ريقها بخوف وابتعدت تنحني تقبل يدها تسألها عن حالها:
_ «إزيك يا ماما عاملة إيه؟»
سحب سماح يدها من بين يديها واتجهت نحو الداخل دون أي كلمة، تبعتها رحمة نحو الداخل بعد أن أغلقت الباب تراقب جلوسها على الأريكة بوجه متجمد.
اقتربت منها بخطوات متوجسة وجلست بجانبها تعتذر منها:
_ «ماما حبيبتي، عارفة أنك زعلانة مني بس والله غصب عني، كل حاجة جت بسرعة وزياد فاجئني، أرجوك اعذريني وهو هيعوضني صدقيني هو وعدني».
ألمها صمتها لتعاود رجائها:
_ «مش أنا كلمتك وفهمتك كل حاجة؟»
انحنت تقبل كتفها بتوسل:
_ «أرجوك متزعليش، أنا مستحملش زعلك عليا يا حبيبتي».
التفتت تحدقها بنظرات حادة حملت خيبة أمل وقالت بصوت ضعيف:
_ «عشان كده كنت أول وحدة تنسيني وما اهتميتيش لقلقي وخوفي عليك».
هزت رأسها نافية بسرعة:
_ «لا والله الحكاية مش كده بس زياد...»
ابتلعت باقي حديثها خشية من ردة فعل والدتها لو علمت أن زياد قد اختطفها ومنعها من استخدام الهاتف.
كل ما استطاعت فعله أنها بررت فعلتها بدموع انهمرت منها بسخاء تتوسلها، جثت أمامها تمسك بيديها وتقبلها:
_ «والله الحكاية مش كده، بعدين أنت مش همك أني أكون سعيدة؟ أنا سعيدة زياد بيحبني بجد».
لان قلبها عندما لامست دموعها الدافئة جلد يديها لتذيب جليد قلبها المتجلد عليها بقسوة منذ أن رحلت دون علمها.
مدت يدها تمسح دموعها بصمت لتبتسم رحمة من بين دموعها وتعاود تقبيل يدها. طرق الباب قطع تلك اللحظة لتنهض متجهة نحو الباب تاركة رحمة تكفكف دموعها.
فتحت الباب لتجده يقف أمامها مبتسماً ليهتف:
_ «سموحة حبيبتي إزيك وحشتيني».
ثم قبل رأسها على حين غفلة منها وسلمها الأكياس التي يحملها. التقطت منه الأكياس بوجه متجهم:
_ «أحلى كفته وكباب لعيون سموحة».
لوت شفتها ونفخت بضيق فهي لا تزال تحمل غيض منه، طالعته بغلظة وهو يسأل عنها:
_ «رحومه فين؟.. يا أميرتي أنت فين؟»
صرخ بها قبل أن يتجه نحوها بسرعة يحتضنها :
_ «وحشتيني».
أخرجها من أحضانه، مسح عينيها من آثار الدموع وهز رأسه بتفهم ثم قبل جبهته ليحرك شفاهه بهمس:
_ «دلوقت ترضى وتسامح».
ضمها إليه والتفت إليها يقول متعمداً جرأته معها:
_ «روحي جهزي السفرة عشان نتعشى».
ثم قرب يدها من شفته يقبلها:
_ «تسلم إيدك مقدماً».
كانت سماح تراقب كل تحركاته بدقة تحرى الصدق من بين كلماته ونظراتها فلن تسلعها نيران الخذلان مجدداً بعد أن تذوقت مرها.
تراه يطعم رحمة بيده، يدللها، يداعبها، يتغزل بعينيها. دست لقمتها في فمها تمضغها ببطء تضغط على قطعة الخبز بقوة، فلن يخدعها ببعض الحركات الصبيانية، فليثبت حب لابنتها بأفعاله كي تعيده مكانة في قلبه وتمنحه احترامها السابق.
رحمة التي كانت سعيدة بتدليل زياد لها ولمحت تحديق والدتها بهم لتبتسم تنظر لزياد بامتنان وهي تشعر بملامح والدتها تسترخي شيئاً فشيئاً.
انقضت سهرتهم فقرر زياد المبيت في منزلها كي يزيد من اطمئنان سماح لتتقول رحمة بدهشة:
_ «بس الأوضة فيها سريري يعني سرير واحد بس».
غمز لها زياد بوقاحة وقال بعبث:
_ «دا أحلى حاجة إنه واحد هنام في حضن بعض يا روحي».
أحمرت خجلاً وشعرت بالحرج وسط نظرات والدتها المتهكمة.
نهض يجذب يدها نحو غرفتها، تعثرت خطواتها خلفه بحياء حتى دخل الغرفة، دارت عينية في المكان ببهجة يطالع أركانها بشغف وارتياح:
_ «أوضتك جميلة قوي يا رحمة».
بادلته الابتسامة وقالت بسعادة:
_ «بجد عجبتك يا زياد؟»
جلس على السرير يشير لها بالاقتراب ويجيبها:
_ «بجد يا روح زياد».
اقتربت بحذر فنظراته ماكرة لا توحي بخير، لتشهق حينما سحبها يجلسها بين أحضانه كما تجلس الوالدة رضيعها:
_ «زياد بطل بتعمل إيه؟»
قالتها عندما شعرت بأصابعه تتحرك على خصرها يزغزغها وهي تضحك بصوت عالي:
_ «زياد.. بطل أرجوك بتزغز».
توقف وقال:
_ «قولي بحبك يا زياد عشان أبطل».
لتتقول من بين ضحكاتها:
_ «بحبك يا زياد».
توقفت عن الضحك تدريجياً حتى سكنت تمعن النظر لعينه تسأله:
_ «وأنت بتحبني يا زياد؟»
_ «بموت فيك يا قلب زياد».
مسحت دموعها التي سالت من شدة الضحك وسألته:
_ «يعني أكتر من حبيبتك الأول...»
قاطعها بصرامة وقال:
_ «أششش.. أنا مليش غير حبيبة واحدة أنت يا رحمة، كل اللي قبلك كان وهم، أنت حبيبتي الأولى والأخيرة. وأوعى تفكر ي كده تاني، أنت اللي ساكنة في قلبي ومتربعة فيه».
ابتسمت برضى حتى فاجئها حين قال:
_ «وعشان تبطلي، اتحملي العقاب».
ليبدا بتحريك أصابعه على خصرها يزغزها وهي تتلوى وتدخل بنوبة ضحك شاركها بها زياد يسمع ضحكاتها وتوسلاتها أن يتوقف باستمتاع:
_ «بس يا زياد كفاية!».
صوت ضحكاتهم وصل إلى سماح في الخارج لتبتسم بتلقائية وتدعو لهم بتمني:
_ «ربنا يسعدكم».
****************"***
قبضت على فستانها بارتباك تلفظ أنفاسها المتسارعة بتوتر تطالع جلوسه أمام والدها أحدهم يقبض على يد الآخر يرددون ما يمليه عليهم المأذون الشرعي.
قلبها يخفق باضطراب اليوم ستكتب على اسمه ولن يعود هناك مجال للتراجع. التقت عينيها بعينيه ليبتسم ابتسامة عريضة بان معها اصطفاف أسنانه.
هربت عينيها من حصار عينيه تشعر بقلبها يكاد يخرج من بين أضلعها من شدة الحرج، لكنها خانتها عينيها حينما اختلست النظر نحوه هو اليوم وسيم جداً ببدلته الأنيقة عينيه تصرخ بسعادة حتى صوته الثابت يحمل نغماً مبتهجاً.
تنهدت بأمل حتى شعرت بكف ندى تحط على كتفها تطالعها بفرح وعينيها تلألئت فيهما الدموع، لتلسع عينيها الدموع هي الأخرى عندما وصلها صوت والدها المختنق ترتجف الكلمات على لسانه كما يرتجف جسده يوصي مهاب بها بعد أن استأذن الشيخ بعد الانتهاء من عقد القران:
_ «بعد إذنك يا شيخ كنت عاوز أقول لمهاب كلمتين».
تأهبت حواس مهاب يصغي لحديث طارق:
_ «يا مهاب يا بني، بنت ورد النهاردة اتكتبت على اسمك يعني خرجت من أمانتي لأمانتك. ورد يا مهاب مش بس بنتي، ورد بنتي وحبيبتي وصاحبتي وأختي وكل حاجة حلوة في دنيتي. مش هوصيك عليها لأنها حتة من روحي، وبس لا.. لأني متأكد أن بنتي طيبة وعاقلة».
ثم اختنق صوته حتى تلاشت الكلمات مع شدة تأثره ليبتلع غصة ويكمل:
_ «بلاش تجي عليها لأنها رقيقة وزي النسمة الهادية هتتعب وأنا مستحملش أشوفها زعلانية».
انسابت دموعه رغم مقاومته لها وقال متعهد:
_ «وصدقني هتكون ليك زوجة وحبيبة وصديقة وبلسم لأي جرح عشان هي لما تحب بتحب بجد. خلي بالك منها ولو حصل بينكم خلاف بلاش تأذيها، ردهالها يا بني قلب أبوها هيفضل مفتوح ليها طول العمر أمانها ومأمنها. ولو جرالي حاجة هي أمانة برقبك، كون لها أب مكاني».
لم تتحمل كلماته ولا رؤيته هكذا لتحذبه تمسح دموعه بيدها وتحتضنه باكي:
_ «بعد الشر عليك يا حبيبي، روحي فدا روحك يا غالي».
_ «يا قلب أبوك أنت وجنته».
تأثر الجميع بعناقهم ليقترب مهاب منهم، أبعد ورد عن أحضانه ونظر إليه يخبره مطمئناً:
_ «ورد في قلبي قبل عينيا متخافش يا عمي، غلاوتها من غلاوة روحي ومكانها في قلبي قبل بيتي هحافظ عليها برموش عينيا».
_ «دا العشم يا بني ربنا يهنيكم».
عانقه مهاب قبل أن يقف أمامها يحيط وجهها بكفيه يمسح آثار الدموع بإبهامه وينظر لها بتمعن كأنها أعظم انتصاراته. قبل جبهتها قبلة طويلة طرب لها قلبه وارتعش قلبها بخجل:
_ «ألف مبروك يا حبيبي».
ولم يكتفي بهذا ليماغتها بأنه احتضنها بقوة ليتخشب جسدها بدهشة وأنفاسه الساخنة اخترقت حجابها لتلامس بشرتها وهو يهمس لها:
_ «ألف مبروك يا حبيبة قلبي، مش مصدق أنك في حضني».
وكأنها استفاقت من غيبوبتها التي دخلتها عندما أحاطها دفء أحضانه لترتجف تحاول الابتعاد لكنه أحكم حصاره حولها كأنه لا يريد أن تنتهي تلك اللحظة:
_ «بحبك يا ورد».