رواية براعم الحب الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الرابع والثلاثون34 بقلم رشا عبد العزيز

هنالك قلوب تزهر بوجودها، وهناك قلوب تظلم حياتنا، أرواح نقية تسعدنا، وأرواح مشوهة تقتلنا ونحن أحياء. عيون تنتظر فرحنا فتقاسمنا سعادتنا، وعيون تترقب أحزاننا لتغذي حقدها، ألسنة تدعو لنا وألسنة تحسدنا. وجوه تبتسم ووجوه تظهر عكس ما تخفي، وحياتنا تمضي ما بين هذا وذاك، فإن كنا من أصحاب الحظوظ، عرفنا أن نفرق بينهم، فلا تختلط علينا محاسن بعضهم بمساوئ الأخر، فنعيش في ظل هذا لكي نحمي أنفسنا من الآخر.

​«بحبك يا ورد».

​كلمة هزت كيانها لتبعثرها، كأن زلزالاً من المشاعر المتضاربة دك حصون قلبها، فرغم أنها قرأتها، لكن أن تسمعها بصوته كان شيئاً مختلفاً. علت وتيرة أنفاسها، وقلبها يتذوق تلك المشاعر بروية.

​ابتعد عنها عندما علت أصوات الزغاريد والهتافات وصفير أشقائه يشاكسونه. ضحك عندما رأى احمرار وجهها حياءً وحرجاً من نظرات الآخرين، لكن لم يرحمها، بل انحنى يقبل وجنتها قبل أن يتركها تشتعل خجلاً من أفعاله.

​اقتربت ندى منها تضمها، وتجمع خالاتها وبناتهن حولها يباركن لها، حتى اقتربت منها قمر التي كانت سعيدة لأجلها رغم تلك الغصة المرّة التي تشوب فرحتها منذ أن أخبرها بأمر طلاقها، وقلبها يؤلمها، لكنها اليوم ستنحي حزنها جانباً وتسعد لسعادة صديقتها.

_​«مبروك يا ورد، مبروك يا حبيبتي».

_​«الله يبارك فيك يا قمورة».

​قرصت قمر ذراعها وهمست مازحة:

_​«الراجل شكله واقع لشوشته يا بنت».

​دعكت ورد ذراعها بعبوس وقالت ساخرة:
_​«ومن يشهدلي غير حضرتك، مش بقالك أسبوعين بتزني عليا عشان أوافق؟».

​لوت قمر شفتها وقالت ساخطة بستهزاء:
_​«يا ورد، الأعمى هيشوف بيحبك وفرحان بيك قد إي، فكي شوية التقفيلة دي، متبقيش نكدو».

​انتهى هذا النقاش حينما نادت ندى ورد كي تجلس مكانها حتى يتسنى لهما ارتداء خواتم الزفاف.

​جلست بتوتر، فجلس بجانبها تملؤه السعادة. أمسك خاتم الزفاف ونظر لها مبتسماً ينتظر أن تمد له يدها، ارتبكت بخجل تمد يدها المرتعشة نحوه، لمسها ليبتسم على ارتعاشتها، أدخل الخاتم في بنصرها وانحنى يطبع قبلة دافئة حملت امتنانه من موافقتها شفتيه التي لامست يدها بحب حتى شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، حتى وصلت ذبذباتها إلى قلبها البريء تلون نقائه بمشاعر جديدة لم تجربها من قبل.

​رفع رأسه يطالع خجلها بستمتاع، وجنتيها التي أحمرت كتفاح ناضج تمنى التهامها وتذوق سكرها الطبيعي، لتتسع ابتسامته عندما شاهد اضطرابها وهي تمسك خاتمه كي تلبسه إياه ليسقط الخاتم من يدها لشدة ارتباكها، ليتدحرج حتى ارتطم بحذائه ليلتف حول نفسه واستقر ساكناً بجانبه، مد يده يلتقطه ليعطيه لها ويداعبه بمرح:

ظ​«امسكيه كويس المرة دي».

​امسكته تلبسه إياه وأصابعها لاتزال ترتجف، لكن هذه المرة من دفء يده التي تلامسها، وما أن انتهت حتى قبل جبهتها لتتعالى زغاريد والدته التي كانت تطالعهم بسعادة غامرة.
********************************
​وقفت بعيدة بعض الشئ تطالع صديقتها بفرح لتنهر دموعها بغزارة، لاتعلم من أجل ورد أم هي حجة كي تخرج تلك الدموع التي تكبتها وتخفيها خلف ابتسامتها المصطنعة، ارتجفت شفتاها وتوالت شهقاتها المختنقة.
​ليلمحها هو وانتبه لدومعها اللامعة على خدها، حاول تجاهلها لكن ذلك القابع بين أضلعه ثار عليه متمردا ليجد نفسه يتجه نحوها كالمغيب يوقف بجانبها ويسألها:

_​«بتعيطي ليه؟».
​أغمضت عينيها ما أن سمعت صوته وحاولت أن تداري حزنها لتمسح دموعها التي كانت عصية وابت أن تتوقف، تخبره بصوت مجروح كاذبة:
_​«فرحانه لورد، هي مش بس بنت خالتي دي أختي وتستاهل السعادة».
​مد يده لها بمنديل وحرك يده أمامها يحثها على التقاطه لتلتقطه منه وتمسح دموعها، بينما هو كان يشاهد سعادة مهاب ليقول بحسرة وعينيه مثبتة عليهما:
_​«شكله بيحبها».
​ابتسمت قمر من بين دموعها وقالت تؤكد له:
_​«أيوة باين قوي إنه بيحبها».
​رمقها بنظرة جانبية حملت عتابه كأنه يلومها أنها لم تنتبه لحبه لها كما انتبهت لححب مهاب لورد، ليتنهد بيأس ويدعو لهم:
_​«ربنا يسعدهم».
***************************
​كانت تسمع ضربات قلبها المتسارعه وتشعر برعشة يدها التي تحاول أن تسيطر عليها لاتقوى على رفع رأسها والنظر إليه، فما بين الخجل والحرج تكبلت حواسها ليضحك ويقول مازحا:

_​«مالك يا ورد شكلك مكسوفه قوي... يا حبيبتي أنا بقيت جوزك حلالك يعني عادي بصيلي وتكلمي معايا... دا فيه مترين بيني وبينك أشحال لو جيت حضنتك دلوقتي».

​مزاحه ضايقها وزاد توترها فخشيت أن يفعلها، رفعت عينيها نحوه تطالعه بجمود اتخذت منه قناعاً تخفي خلفه ارتباكها.

_​«بسم الله ماشاء الله، طب والله أنا أمي داعيالي... يعني أنا كل يوم الصبح هفتح عيني على الوش القمر دا، وأشوف العيون الجميلة اللي بتسحرني وأبوس...».

_​«مهاب».
​هكذا قاطعت استرساله في غزله الذي أحرجها، لكنه أكمل:
_​«عيون مهاب وقلب مهاب وروح مهاب...».
​صمتت فيبدو أن أي كلمة منها تتبعها وصلة غزل ستحرجها.
_​«تعرفي يا ورد زمان كنت بقرأ الشعر وأضحك وأقول أي الهبل والأفورة دي، مفيش واحدة تعمل فيك كده أو حتى ممكن تشقلب كيانك والكلام دا».
​ثم ضحك ساخراً من نفسه:
_​«تعرفي دلوقتي بقرا شعر بقول إي».
​تعلقت عينيها به بترقب تنتظر أن تسمع جوابه.
_​«بقول ورد تستاهل أکتر من الكلام الحلو دا، ورد جننتني ولخبطت كياني، بقيت تايهة في بحور عينيها زي اللي غرقان ومش عاوز حد ينجده».
​اضطربت عندما وجدته يقترب منها شيئاً فشيئاً حتى أمسك يدها لتجفلها حركته لكنه أبى أن يفلتها.
_​«بصيلي يا ورد».
​التفتت إليه لتجده يبتسم وتأملها بعشق:
_​«مش جمالك هو بس اللي جذبني وخلاني أحبك، لا، أنت إنسانة حلوة من بره ومن جوه، إنسانة روحها نقية، وكل يوم بتأكد إن كان عندي حق، أنت مميزة بأخلاقك وتربيتك، حاجة تخلي أي حد يتمنى يرتبط بيك ويختارك عشان تشاركيه حياته».

_​«بس احنا بنعرف بعض من فترة قليلة».
​سؤال ألقتته بعفوية ليبتسم على برائتها التي يعشقها:
_​«بس أنا محامي يا ورد، يعني قضيت عمر في المحاكم وبين القضايا والمجرمين وأقدر أعرف شخصية اللي قدامي».
​ثم استطرد محافضاً على ابتسامته:
_​«أنا عارف إن الفترة القليلة دي ما كانتش كافية أنك تعرفيني أو يمكن تحبيني».
​وقبل أن تهرب بعينيها منه خجلاً غمز لها مشاكساً:
_​«بس أنا متأكد أنك هتحبيني وتعشقيني وتموتي فيا وتغيري عليا كمان».
​قطبت حاجبيها مستنكرة وغمغمت ساخرة:
_​«ودي ثقة ولا غرور؟».
_​«لا، دا عشق قلبي طمني إن في يوم هكوني ملكة، وأنا بثق في قلبي جداً عشان عارف قدراته».
​أتبع حديثه بضحكات جعلتها تشاركه إياها بتلقائية وهي تهز رأسها بيأس فيبدو أن سقط بيد من لا يُهزم.
****************'' '' ****'' '' '
​اختار ذلك التجمع العائلي الذي يحدث في بيت فارس بعد أن دعتهم شمس لتناول وجبة العشاء معهم.
​وقرر أن ينفذ خطته، فبعد أن تناولا العشاء معهم وجلس في انتظار أن يشرب القهوة بعث لها رسالة:
_​«قمر، دي فرصة حلوة، أخواتك ووالدك موجودين، خلينا ننفذ اللي اتفقنا عليه».
​شحبت ملامحها وهي تقرأ رسالته وخفق قلبها برعب أن تتطور تلك المشكلة، اضطربت نظراتها وهي تجده يقترب منها وجلس بجانبها ثم دنا منها وهمس لها:

_​«مستعدة؟».
​شل لسانها عن الإجابة واكتفت بهز رأسها بالموافقة.
_​«هنفترض أنك غلطي في الشغل أو انك رديتي على عميل من غير إذن أو انك بتشكي فيا، هنشوف هترسى على إي».
​جلى حنجرته واستعد كي يبدأ الصراخ عليها، نظرة إليها نظرة أخيرة تعلقت عيونهم ببعض لحظات قبل أن تجد ملامحه تتغير ويكسوها الغضب يصرخ:
_​«أنت أجننتِ، إزاي تعملي كده... أنت عارفه أنت عملتي إي، أنا مش حذرتك قبل كده؟!».
​دمعت عيونها وهي تجده يقسو على نفسه، سيشوه صورته أمام أهلها وهي تعلم مدى حبه لهم، ظلت تحدق به والصراخ يتولى عليها حتى نهض واستمر في توبيخها حتى سمعا صراخ فارس باسمه:

_​«حسين».
​توقف يعلم أنها نهاية أسطورة الشاب المحترم الذي وثقوا به واستعد لردة فعل فارس التي لن تكن هينة.

وقف أمامه وقبض على عضده بقوة يؤنبه:
_​«أنت بتعمل إي، بتزغق عليها وسط أهلها؟!».
​تجمع الجميع حولهم فتلعثم يحاول أن يجد مبررا:

_​«عمي...».
​لكن فارس قاطعه عندما منعه عن إكمال تبريره وهو يضرب صدره بيده غاضبا:
_​«اسمع يا ابن علي، قبل ما تقول إي حاجة، أنا سلمت بنتي وأنا على يقين إني بسلمها لراجل يقدرها ويحترمها، متخلنيش أندم وتطلع الصورة اللي راسمهالك غلط، مشاكلكم يا بيه يا متحضر تنحل وسط بيتكم، مش هنا ولما أنت عاوز تحلها هنا يبقى تحترم وجودي، مش تزعق على بنتي قدام عيني، تجي وتتكلم معايا وأنا اللي أحكم، ولو بنتي غلطانة أنا هعرف إزاي أعاقبها».

​كانت كلماته ترافقها ضربات على صدره كأنها ضربات تنبيه اهتز لها جسد حسين الذي أغمض عينيه وتلك الضربات التي لم تكن قوية بقدر ما كانت معنوية، فهي أشبه بسكاكين طعنت قلبه ليس من أجل حبها بل من أجل احترامه الذي فقده أمام الرجل الذي يحبه ويعده بمكانة والده.

_​«فيه إي يا قمر، في إي يا بنتي، إي اللي حصل؟!».
​هتفت بها شمس التي وقفت بجانب قمر تسألها بقلق.
​كانت دموعها تنساب حزنا عليه، ترى تأثره بحديث والدها، قبضت يده التي يعتصرها ووجهه الذي تحول لونه من شدة حرجه وقهره لتسرع تدافع عنه أمام والدها:
_​«بابا، الغلط مش غلط حسين، أنا اللي غلطانة، هو حذرني أكتر من مرة إني ما أردش على (العملاء)، لكن أنا كلمت العميل وحصل مشكلة كبيرة في الشغل، الذنب ذنبي أنا».

​فتح عينيه يطالعها وهي تحمل عبء تلك المشكلة عنه، لتلتقي عيونهم كان يحاول أن يفهم ما تفعله لكنها أومأت كإشارة أن يسايرها.
​لتقول شمس التي وقفت توزع نظراتها بين فارس الذي يشتعل غضباً وحسين التي كانت تخشى عليه من تفاقم غضب فارس لتحاول امتصاص غضبه اتجاهه عندما لامت ابنتها:
_​«طب ليه يا بنتي بتعندي، مش تسمعي كلام جوزك؟».
_​«وحتى لو هي غلطانة، دا ميدلوش الحق أنه يزعق عليها في بيت أهلها، كان لازم يحترم وجودي».

​كانت كلماته تخرج بغضب يحاول أن يسيطر عليه، فلو أخرج غضبه لأحرقه.
_​«أنا آسف، أنا غلطان».
​قالها حسين بكسرة لتتحول نظرات الغضب التي يرمقه بها سيف وشريف إلى إشفاق، فبعد أن أدهشتهم فعلته يبدو أنه نادم على ما فعله لكنهم تركوا كل شيء بيد والدهم.
_​«معلش يا حبيبي أنت كنت مضغوط وما كنتش قاصد أكيد».
​كلمات حاولت بها شمس الدفاع عن ابن شقيقتها أمام سطوة انفعال فارس الذي صرخ:
_​«شمس...».
_​«آسف يا خالتو... آسف يا عمي...».
​قالها حسين بعد أن خشي أن يتطور الأمر، ثم اتجه بنظره نحو قمر وقال بصوت مختنق:
_​«آسف يا قمر».
_​«بابا حسين أكيد مش قاصد، بس هو اتصرف في لحظة انفعال».
​هتف بها سيف داعماً له، فلن يتركه دون دعم بعد اعتذاره.
​ليقرر أن يغادر منسحباً من المكان وسط نظرات فارس الساخطة الذي ظل يتتبع خطواته:
_​«عن أذنكم».
​وزعت نظرها بين والديها قبل أن تتبعه بقلب منفطر تفلت يد والدتها المتمسكة بها، نظرت شمس نحو فارس كي يتراجع عن غضبه وهي ترى لهفة صغيرتها للحاق بزوجها لكن فارس ظل متجهم الوجه يرفض نظراتها المتوسلة، فهو يعتقد أن حسين قد تعدى حدود احترامه له.
***************
​ركبت السيارة بجانبه تشعر بألم لأجله، رافقهم الصمت طيلة الطريق وكانت تطالع انفعاله بقلق.
​يده التي تقبض على مقود القيادة بقوة حتى أبيضت مفاصله وعروق رقبته النافرة حتى أنفاسه الساخنة تخبرها أنه يحترق.
​لم تتجرأ على أن تتكلم معه واكتفت بذلك الصمت المرير حتى وصلوا إلى منزلهم واختفى داخل تلك الغرفة بعد أن أغلق الباب خلفه بقوة.
​جلست على الأريكة تجلد ذاتها كما اعتادت في الآونة الأخيرة، انتظرت عله يهدأ قليلاً وظلبت تراقب عقارب الساعة تنتظر أن يمضي الوقت لتعتذر له، ومع كل حركة كان ينبض قلبها تلك المشاعر التي تشعر بها اليوم مختلفة، لماذا بدأت تتوسل الساعة أن تسرع وتلتهم دقائقها؟ لماذا تشتهي أن ترتمي بين أحضانه باكية وتطلب أن يسامحها؟ لماذا ينهش القلق قلبها عليه؟
​مضت ساعة كاملة لتستقيم واقفة وتتجه نحو غرفته، طرقت الباب فلم يجبها، فتحت الباب بتردد لتجد دخان سجائره يملأ الغرفة حتى شوش الرؤية كأنه يخرج غضبه بحرق تلك السجائر.
​كان يجلس على السرير صدره عارٍ رغم برودة الجو وعينيه زائغة تنظر للمجهول كأنه في عالم آخر، جلست على السرير بجانبه ليشعر بثقل جسدها ووجودها لكنه لم يلتفت ليسمع صوتها المرتعش وكلماتها المثقلة:
_​«حسين، أنا آسفة على الكلام اللي سمعته من بابا، متزعلش منه هو بيحبك».
​التفت لها وابتسم ابتسامة باهتة:
_​«ومين قال إني زعلان منه، بالعكس دا كبر في نظري قوي، أنت محظوظة عشان عندك أب زيه دافع عنك ومرضاش على زعلك، ويمكن أنا زعلان عشان بحبه».
​قبض على أنفه يكبت عبرته أمامها ويكمل بحرقة:
_​«وعشان صورتي اللي تهزت قدامه».
​ليتنهد بقهر وينظر لها بعتاب ولسانه ينطق عكس ما يرغب قلبه في قوله:
​«كده أحسن، خليه يكرهني أحسن ما يتصدم فيا فجأة».
​ابتلعت ريقها بحزن ونهضت تجر أقدامها المثقلة بألم قلبها يعتصرها وهي تجد الكسرة في صوته.
​خرجت وتركته ينظر لأثرها بحزن وكلمات فارس تتردد في أذنه كنواح ثكلى يمزق قلبه.
******************************
​دخلت إلى الغرفة لتجده يجلس بوجهه المتجهم كأنه لا يزال يعيش داخل حواره مع حسين ينظر إلى الفراغ بعين تائهة، اقتربت تجلس بجانبه وتقول بتوجس:
_​«فارس، حسين غلط بس أنت قسيت عليه، الوالد كان منفعل واعتذر وبنتك اعترفت أنها غلطانة».
​زاد امتعاض وجهه والتفت يلومها بحدة:
-​«ما تدافعيش عن ابن اختك.. دا محترمش وجودي وتجاوز على بنتي في وسط بيتي، عاوزاني أطبطب عليه؟!».
_​«يا حبيبي، إحنا عارفين حسين كويس، دا إحنا اللي مربينه».
​عض على أسنانه بغضب شديد وقال بصوت حمل خذلان صاحبه:
_​«الظاهر إحنا مخدوعين فيه».
​هزت رأسها رافضة تستنكر كلامه:
_​«لا يا فارس ما تقولش كده، حسين إنسان كويس و...».
​بتر مديحها وقال بصوت منفعل تخلله الخوف:
​«إذا كان بيزعلها قدامنا أمال في بيته بيعمل فيها إي؟!».
​صمتت قليلاً تحاول أن تستوعب ما يعتقده وعقلها يرفض تقبل ذلك:
​«لا يا فارس مستحيل، قمر ما اشتكتش منه».
​زفر أنفاسه بضيق وخرج صوته بضعف:
​«يظهر إن ثقتنا في حسين خلتنا ما نشوفش حاجات كتير».
​توترت تفكر إذا كان ما يقوله حقيقيا فهل تعاني ابنتها وهي لا تعلم؟
*************************
​وفي اليوم التالي تفاجأت بها تقف أمام بابها لترحب بها مندهشة من وجودها:
_​«ماما، أهلاً يا حبيبتي اتفضلي».
_​«أهلاً يا بنتي».
​ضمتها شمس ربما كانت ضمة اعتذار تخشى أن يكون ما قاله فارس حقيقياً وأنهم لم يشعروا بها.
​خرجت من أحضانها تهرب من عينيها المحدقة بها وتشير لها نحو الداخل:
_​«اتفضلي يا ماما».
​دخلت شمس وجلست وعينيها تراقب حركاتها تستشف ما غاب عنها طيلة تلك الفترة الماضية.
_​«تشربي حاجة يا ماما؟».
​قالتها بارتباك لترفض شمس وتشير لها أن تجلس:
_​«مش عاوزة أشرب حاجة، اقعدي يا قمر عاوزة أتكلم معاك».
​جلست تطيعها تعيد شعرها خلف أذنها باضطراب تحاول أن تسيطر على مشاعرها التي امتزجت بين الخوف والكسرة والقلق من سبب وجودها.
_​«نعم يا ماما».
_​«أنت فيه خلاف بينك وبين حسين غير اللي حصل إمبارح يا قمر؟».
_​«لا».
​أجابتها كانت سريعة وقاطعة لكنها لم ترضي مخاوف شمس لتسألها مجدداً:
_​«حسين كويس معاك يا قمر؟ بيعاملك حلو؟».
​كادت أن تنهزم مقاومتها وترمي نفسها بين أحضانها تخبرها أنها هي من أساءت إليه وليس العكس.
​لكنها تصنعت الثبات وأخفت قهرها خلف قناع ابتسامتها المزيفة لكنها قررت أنها لن تسيء إليه، عليها أن تصلح صورته التي شوها جدال الأمس.
_​«أيوه يا ماما حسين طيب وحنين وبيعاملني كويس جداً».
​رغم أن كلامها كان كدلو ماء بارد سكب على نار قلبها التي اشتعلت منذ الأمس وهي تتخيل ابنتها تعيش في جحيم غفلوا عنه كما تخمن شمس، لكنها اقتربت منها تمسك يدها وتضمها بشدة تحاول منحها الأمان لتتكلم:
_​«لو فيه حاجة أتكلمي يا قلب أمك، ما تخافيش».
​أشاحت وجهها بعيدا عنها تخاف أن تضعف أمام صوتها الحنون وكتمت أنين قلبها تؤكد لها:
_​«صدقيني يا ماما أنا مرتاحة مع حسين، هو أنا مش قلتلك إمبارح إني أنا اللي غلطانة، هو بس انفعل عشان أنا مسمعتش كلامه، هو عنده حق يتعصب».
​مسحت على وجنتها بحنان ونظرت لعينيها:
_​«حبيبتي لو فيه حاجة كلميني، اشكيلي يا قلبي ومتكتميش، أنا أمك وهسمعك وهنحاول نحل المشكلة».
_​«مفيش مشكلة يا مشمش وبلاش توسوسي».
​قلب الحديث لمزاح كان طريقتها لتهرب من تحقيق والدتها التي لمحت الشك في عينيها.
_​«ربنا يديم المحبة بينكم ويرزقكم راحة البال يا بنتي».
​قالتها شمس بعد أن منحها حديثها شيئاً من الطمأنينة.
*******************
​أصابها الضجر فقررت أن تجلس مع والدة زوجها نزلت لتجد هدى وعلي وقمر يجلسون سوياً.
​ألقت عليهم التحية ليرحبوا بها جلست معهم لتقول قمر التي تطالع ساعتها بين الحين والأخر:
_​«مليكة تأخرت أوي».
_​«مش قالت عندها محاضرة إضافية؟».
​قالتها هدى لتجيبها قمر بحيرة:
_​«ما توقعتش هتتأخر كده، كنت محتاجة شوية حاجات وافتكرت أنها ممكن تروح معايا بس لو استنيتها هتأخر».
​لتقول هدى وهي تنظر باتجاه سندس:
_​«ما تاخدي سندس معاك».
​هتفت قمر بتمني:
_​«ياريت تيجي يا سندس معايا».
​لتتلعثم بحرج:
_​«بس لازم أستأذن حسن».
_​«ياستي أنا بديكي الإذن أنك تروحي معاهم».
​هكذا عقب علي على حديثها.
​كانت تخشى ردة فعلة لتصمت لكن هدى وقمر أصروا على أن تخرج لترفيه عن نفسها قليلاً.
**************، *************
​لم تشعر بالطمأنينة لخروجها بدون إذنه، رغم أنها قد استأذنت من علي ومع إلحاح هدى وقمر التي دعتها للخروج معها لتنصاع لطلبها بحرج. ورغم ذلك، أرسلت له رسالة، لكن يبدو أن جهازه مغلق. كانت عيناها تدور باضطراب منذ جلوسها في تلك الكافيتريا؛ فبعد جولة تسوق اقترحت قمر أن يتناولوا بعض الحلويات ويحتسوا القهوة. انتبهت قمر لاضطرابها لتسألها بقلق:
_​«مالك يا سندس؟ من ساعة ما قعدنا وأنت مش على بعضك، في حاجة؟».
​أطرقت رأسها بتوتر، تخفي رعب عينيها من مخاوف تجول بخاطرها، وهي تدعك يديها بقلق:
_​«متعودتش أخرج من غير إذن حسن».
​ابتسمت لها قمر، وهي لا تنكر أن حسن محظوظ بفتاة رقيقة مثلها. تعجبت من حالها، فهي لم تضمر لها ضغينة يوماً ولم تحقد عليها، تعلم أنها طيبة وحسن من اختارها، ولم تكن من اللائي يغرين الرجال للسقوط بشباكهن، بل فطرتها النقية هي من جذبت حسن.
​ابتسمت تسخر من حالها؛ فهي تتغزل بزوجة من كانت تظن يوماً أنه حبيبها! لتتنهد بحسرة فقد أضاعت الاثنين من يدها، من أحبته ومن أحبها. وما فائدة الندم اليوم، حاولت طمأنتها:
_​«اطمني، إحنا مش استأذنا من عمو علي وخالتو هدى؟».
​لتخبرها بصوت ضعيف حمل كسرته:
_​«أنت ما تعرفيش حسن يا قمر، حسن عصبي قوي، ولما بيتعصب يفقد عقله ومبيسمعش إلا صوته، بيكون قاسي وبيجرح اللي قدامه، رغم أنه في العادي طيب وحنين».
​كانت تلك المرة الأولى التي تشتكي منه أمام أحد؛ ربما لأن قمر في نفس سنها وستفهمها. شعرت قمر بالإشفاق عليها، وازداد ندمها على أنها يوماً هدمت حياتها من أجل شخص مثله. ربتت على يدها تحاول مواساتها وقالت مستفسرة:
_​«ما حاولتيش تتكلمي معاه؟ مش جايز كان حاول يتغير؟».
​بدأ صوتها يهتز كأن كلماتهم تحطمت على أعتاب خيبة الأمل:
_​«حاولت بس مفيش فايدة، بيفقد أعصابه.. ومبيعرفش يتحكم في تصرفاته».
​أخفضت قمر عينيها بحزن وشعرت بالأسى لأجلها، لا تعلم بماذا تجيبها سوى أنها دعت له بصدق:
_​«ربنا يهديه».
​ثم حاولت أن تخفف عنها وتغيّر مجرى الحديث لابتسم قائلة:
_​«سيبك من حسن دلوقتي، تشربي إيه؟».
​بادلتها الابتسامة بأخرى حزينة وقالت بحرج بعد أن كشفت أمامها مشاكلها:
_​«لو ممكن قهوة».
_​«قهوة وكرواسون ولا التشيز كيك زيي؟».
_​«خليها تشيز كيك زيك».
_​«أنت تؤمري يا قمر».
​انشغلت قمر مع النادل تملي عليه طلباتهم، لتلمع الدموع في عينيها؛ كان قلبها يستنكر شكواها، لكنها كانت قد استنفذت صبرها ولم تعد تقوى على كتمان جرحها منه.

​وعلى مسافة ليست بعيدة -لسوء حظها- كان هو يسير بجانب أحد أصدقائه الذي عاد من السفر مؤخراً، وطلب لقاءه ليستأذن من جده ويخرج من عمله مبكراً. كان مندمجاً في الحديث معه عندما لمحها تجلس مقابل قمر، ليتسمر مكانه لا يصدق أنها خرجت من دون أذنه! غلت الدماء في عروقه وثار بركان غضبه، يشتم زوجة أخيه تلك الغبية التي تقودها لعصيانه.
​التفت لصديقه واستأذن منه لأمر ضروري. تسابقت خطواته نحوها بجنون، لا يرى سوى تمردها عليه وخروجها من دون علمه.
​كانت تضحك مع قمر عندما توقف فجأة؛ فأختفت ضحكتها كما اختفت الدماء من وجهها بخوف. ارتعشت شفتاها وكاد أن يتوقف قلبها عن نبضه وهي تردد اسمه برعب:
_​«حسن!».
​التفتت قمر لتنظر إلى ما تنظر إليه، لتبهت ملامحها بفزع عندما وجدته يقف بوجه متجهم والشرار يتطاير من عينيه. ولم ينتظر طويلاً لينحني قابضاً على عضدها بقوة، يجذبها نحوه بعنف حتى اهتز جسدها ولم تقوى قدماها على حملها، وهي تسمعه يزمجر بغضب:
_​«خرجتي من غير أذني؟!».
​لتهتف قمر محاولة الدفاع عنها:
_​«حسن إحنا...».
​وقبل أن تكمل قاطعه بغضب:
_​«أنت تسكتي خالص، أنا ليا كلام مع جوزك».
​وعاد يلتفت إلى تلك التي عقد لسانها وأدمعت عيناها خوفاً:
_​«وأنت حسابك في البيت».
​سحبها خلفة بقوة تعثرت لكنه أسرع لتجاري خطواته مرغمة، أشفقت عليها قمر لتركض نحو سيارتها علها تنقذها من براثن هذا المجنون، ركبت السيارة واتصلت بحسين لينجدها وهي تلهث مسرعة:
_​«حسين أنت فين؟».
​فاجأها صوته منجداً:
_​«أنا في الطريق، هوصل كمان شوية».
​تنهدت براحة وحمدت الله لتسمع صوته القلق يسألها:
_​«مالك يا قمر... أنت كويس؟».
​قصت عليه ما حصل وخوفها من تهور حسن ليطمئنها أنه سيحاول اللحاق به.
********************
​وصل إلى المنزل ولا يزال يجرها خلفه بطريقة مهينة كسرتها لتنساب دموعها بقهر حتى صرخ عليها، كان غضبه غيماً غشي قلبه وألغى تعقله:
_​«اطلعي فوق يلا».
​هرولت راكضة نحو شقتها لا تريد أن يرى إهانتها أحد، صوت صراخه جذب علي وهدى التي سألته بقلق:
_​«مالك يا بني بتزعق ليه؟».
​ليقول بأنفاس لاهثة:
_​«الهانم خارجة من غير أذني».
​«مهي استأذنتني، هو أنا مش مالي عينك؟».
​قالها علي مدافعاً عنها:
_​«لو سمحت يا بابا، دي مراتي لازم تستأذن مني».
​وقبل أن يعقب علي دخل حسين وقمر اللذان تقابلا عند البوابة، وما أن رأهما حتى تحررت شياطين غضبه من جديد ليصرخ موجهًا كلامه لحسين يشير له نحو قمر:
_​«أبعد مراتك عن مراتي يا حسين».
​وقفت قمر خلفه بتلقائية تحتمي به ليصرخ بوجه شقيقه:
ظ​«احترم نفسك لحد مراتي وتقف قمر خط أحمر، أنت فاهم؟!».
​كلماته جعلتها تتشبت بسترته بعفوية بعد أن منحها الأمان دفاعه عنها.
​وقف حسن بتحدٍ مقابلاً مباشرة ورفع يده يهدد:
_​«يبقى خليها بعيد عنها ومتختلطش بيها، أنا كمان مراتي خط أحمر...».
​وقبل أن يستمر جدالهما صرخ علي بقوة:
_​«بس كفاية، أنتوه هتتخانقوا قدامي! والله عال ونعم التربية!».
​توقف الاثنان وتراجع حسن خطوة إلى الوراء ليقترب علي منه محذراً:
_​«اسمع يا ولد، صوتك اللي بيعلى دا أنا أقدر أخفي هولك».
​عين حسن التي ظلت تحدق بوالده ما زاد من حنق علي ليمسك بمقدمة ملابسه يجرها بعنف رافق كلمات الموبخة:
_​«غلطك على مرات أخوك مش مسموح فيه».
_​«يا بابا هي اللي...».
​قالها يشير نحو قمر:
_​«اخرس ولا كلمة لسه مكملتش كلامي، قبل ما تتهم مرات أخوك اسمع يا حيوان وأفهم قبل ما تعصب وتزعق لمراتك يا غبي، اسمع مني مراتك استأذنت مني أولاً، وبعدين يا راجل يا متعلم هي مش عبدة عندك عشان تتعامل معاها بالشكل دا، أنا ساكتلك من زمان وبقول أدام البنت راضية خلاص، لكن توصل معاك لهنا لا!».
​استمر علي بهزه بعنف ليطرق رأسه بحرج يسمع كلماته الأخيرة:
_​«بنات الناس مش لعبة عشان تهينها وتزعقلها، أنت ابني الكبير يا حسن ما تخليناش استعمل طريقة تانية معاك، بلاش غضبك يخسرك مراتك، البنت طيبة ومش هلاق ضفرها يا غبي».

​أفلتته ليترنح بخفة تهتز مع حركته أفكاره كأن علي أفاقه من سطوة غضبه، انسحب مهرولاً نحو السلالم ليتوقف لحظات في منتصف السلم يستمع لتحذير علي:
_​«اوعى تجرح مراتك بكلمة، هيكون حسابك معايا أنا يا حسن».
_​«أهدى يا بابا».
​قالها حسين لوالده الذي كان يزفر أنفاسه الغاضبة مردداً:
_​«غبي وحيوان هيخرب بيته بنفسه».
​لينتبه لشهقات هدى التي انهمرت دموعها بحرقة، اقترب منها وضمها إليه يواسيها:
_​«متعيطيش يا حبيبتي».
​وضعت يدها على فمها وقالت بقهر:
_​«معرفناش نربي يا علي، الولد ضاع، يا خوفي ليعمل في البت حاجة».
​حرك يده على ظهرها يحاول تهدئتها:
_​«بس يا هدى متخافيش مش هيعمل فيها حاجة».
​انهارت باكية لينسى انفعاله خوفاً عليها جذبها نحو الداخل:
_​«أهدى يا هدى، تعالي يا حبيبتي عشان تستريحي جوه».
​هتف حسين بقلق على والدته:
_​«بابا أطلب خالتو والا عمو طارق؟».
_​«مفيش داعي يا حسين، لو احتجت حاجة أنا موجود».
​غادر والدها ليلتفت نحو قمر التي ما أن التقت عينيه بعينيها بدأت تتأسف وتوضح له:
_​«آسفة يا حسين بس والله أنا ما عملت حاجة أنا...».
​قاطعها مبتسماً يمسح على ذراعها ليطمئنها:
_​«ششش.. أهدى يا قمر، أنا عارف كل حاجة ومتاكد أنك مالكيش دخل، أنا اللي بعتذر منك على الكلام اللي سمعتيه من حسن، هو حسن لما بيتعصب مبيعرفش بيقول إي، روحي أنت للبيت وأنا هطمن على ماما وألحقك».
​ظل واقفاً تحدق به ليربت على كتفها يكرر كلامه:
_​«يلا يا قمر روحي».
​تحركت بخطوات بطيئة نحو الباب حتى وصلت لتلتفت تنظر إليه تجده يجلس على الأريكة بثقل يحمل هموماً كبيرة.

​خرجت وألغت الباب خلفها لتخطو بضع خطوات مبتعدة وعقلها يستعيد ما حدث تمثال حسن قد سقط اليوم نهائياً، بل وجدت نفسها تلتفت تنظر إلى الباب الذي يفصل بينهما وتعترف لنفسها بعين دامعة:
_​«أنا بحبه».
​خفق قلبها بقوة، فتلك المشاعر ليست وليدة اللحظة بل هي تشعر بها منذ زمن لكنها دفنتها تحت ركام الماضي.
​لتزيل اليوم عنها أنقاض الماضي ويخفق قلبها بصدق:
_​«بحبك يا حسين، بحبك أوي».
​تقدمت خطوة تود أن تفتح ذلك الباب وتركض إليه لكنها تراجعت تتذكر طلبه منها بالانفصال لتجر أذيال الندم عائدة إلى منزلها.
*************************
​وصل إلى شقته يحمل صراع بين غضبه الذي لا يزال يشتعل وكلام والده أعاد إليه شيئاً من تعقله.
​فتح الباب وعينيه تبحث عنها في كل مكان حتى اضطرب عندما وجدها تضع حقيبة سفر كبيرة وتجمع ملابسها فيها بيد مرتعشة وعينين تسيل منهما الدموع بغزاره ليتندفع صارخاً:
_​«بتعملي إي؟!».
​استمر صمتها الذي زاد من انفعاله:
_​«أنت بتلمي هدومك.. ليه؟ أتكلمي!».
​أدعى جهله رغم معرفته حقيقة ما يشاهد لكنه يحاول أن ينكرها، لترفع نظرها إليه وتقول بصوت واضح:
_​«طلقني يا حسن».
​هوى قلبه بين قدميه وجفت الدماء في عروقه، كلمة كانت كرصاصة قتلت كبريائه ليقول رافضاً:
_​«أنت بتقولي إي، أنت أجننتِ أطلقك إي مستحيل!».
​كلمة المستحيل كانت كالقشة التي قسمت ظهر البعير، هل يظنها دمية بين يديه يهينها كيفما يشاء؟
​وعندما تطلب أن تحرر يصبح شيئاً مستحيلاً؟ لتفقد صبرها وتستجمع شجاعتها تنتقم لكل لحظة جرحها فيها وتصرخ بانهيار أدهشه:
_​«بس كفاية... كفاية تعبت.. أستحمل ظلمك وجبروتك، أسكتي يا سندس، حسن عصبي أستحملي يا سندس!
​أصلي بحبك.. دوسي على كرامتك يا سندس عشان أنا بغير عليك.. أهينك معلش دا طبعي يا سندس، أشك فيك أفكار سودا وإي يعني بخاف عليك!"

​صمتت تلتقط أنفاسها قبل أن تنهار مجدداً بهستيريا:
​«وسندس لازم تستحمل عشان يفضل بيتها عمران، سندس لازم تسكت عشان هي بنت أصول، سندس لازم تدوس على كرامتها وقلبها عشان هي طيبة، سندس لازم متعترضش ومتجادلش عشان هي تعرف دينها وطاعة الزوج واجبة».

​لتصرخ بأعلى صوتها حتى أجفلته وظل يطالعها بذهول:
​«كأن سندس مش روح وعندها مشاعر وبتحس كأنها مش بني آدمة وبتتجرح! مش كلمتين حب هتنسيني جرحك ليا، مش تدبح*ني وتجي تطبطب عليا وعاوزني أسامح؟! أنا مش حيوانة يا حسن بنسى الإساءة عشان لقمة ولا مسحة على ظهري هتنسيني شكك وإهانتك ليا؟!».

​ثم أصابه الرعب وهو يراها تدخل في نوبة ضحك هيسترية:
_​«أنت فكرك مش عارفة أنت اختارتني ليه... مش عشان حبيتني، لا.. عشان حسبتها صح يا حسن، بنت ريف ومن عيلة محافظة يعني خام.. تعليم متوسط يعني مفيش اختلاط.. طيبة ومبعرفش حتى أتكلم.. يعني هتشكلني على مزاجك.. وتضمن أني عمري ما هشتكي وأتكلم!».

​مسح على وجهه بضيق فقد عُريت حقيقته أمامه وشعر بالحزن لما أوصلها إليه ليحاول الاقتراب منها:
_​«سندس...».
​مسحت دموعها بقوة ولا تعلم كيف استطاعت أن تستجمع قواها وتصرخ في وجهه:
_​«أطلع بره، مش عاوزة أشوف وشك، وبكره هتصل بأصيل يرجعني البلد وورقتي توصلني يا حسن!».
​أهتاج يصرخ بها بتحدٍ:
_​«نجوم السما أقربلك من الطلاق!».
​لكنها لم تخاف واصلت مفاجأتها له حين باغتته تدفعه خارج الغرفة تصرخ بجنون:

_​«أطلع بره.. بره.. مش عاوزة أشوفك، أنا بكرهك بكررررهك!».
​أغلقت الباب لتفترش الأرض باكية بقهر.
​أما هو وقف أمام الباب لا يستوعب ما حل بها، جلس على الأريكة لتداهمه المخاوف أن تكون هذه نقطة الارجعة لقد خسرها، عينيه ظلت معلقة على الباب علها تفتحه مجدداً لكن يبدو أنه خسرها بتهوره.

​مسح دمعة هاربة وجلس يراجع حياته معها ويعيد كلامه ليجد أنها لم تقل سوى الحقيقة لقد آذاها.
​كان يسمع شهقاتها بقلب مقطع كان يود أن يخبرها أنه يحبها، فسخر من نفسه أي حب هذا الذي يؤذيها بهذا الشكل؟

​ليتجمد في لحظة إدراك: ماذا لو أخبرت شقيقها أو والدها بحقيقة ما تعيشه معه حتما سيوافقونها الرأي ويصرون على الطلاق!
​نهض متجهًا نحو الباب طرقه وقال:

_​«سندس.. سندس افتحي خلينا نتكلم...».
​لكن ليس هناك من مجيب عاد إلى مكانه وقرر أن ينتظر فترة أخرى ويكرر محاولته من جديد.
​حتى غفى مكانه لكنه استيقظ مفزوعاً على أنينها تناديه بصوت ضعيف:
_​«ألحقني يا حسن...».

تعليقات



<>