رواية براعم الحب الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل الثامن والثلاثون38 بقلم رشا عبد العزيز


❤️ براعم الحب ❤️ 38
ما أصعب أن تكون عاجزًا تقف وسط عواصف الحياة تحارب نوائبها وحيدًا، تصفعك أخطاؤك وتصرخ علّ أحدًا يسمعك، لكن صوتك يختفي حتى يتلاشى في بئر الأقدار لتخضع لسطوته مرغمًا مهما حاولت النجاة.

ليتحول هدوء حياتك إلى ضجيج قاسٍ يجلدك دون رحمة حتى يبهت ضوء الأمل، فتظن أنك هالك لا محال.

وضع رأسه بين كفيه، فلم يعد يتحمل ثقل ما يحدث، انهار عالمه على رأسه بين ليلة وضحاها، حدث ما لم يكن بالحسبان، لم يكن يسمع ما يدور من حوله، لا قرع الأقدام المتراكضة، ولا بكاء شقيقاتها وابنته، ولا مأساة "علي" الجالس بجانبه، كل ما يفكر به هي، تبًا لذلك الباب الذي يفصلها عنه، تساقطت دموعه بقهر وقلبه الممزق يصرخ في صمت، يتذكر كيف حملها بين ذراعيه وتوسلها أن تستفيق، تفتح عينيها فقط، لا يهم ما سيحدث بعدها، لا يهم إن صرخت أو عاتبت أو خاصمت، فلتستفق فقط، لكنها لم تجب، كانت شاحبة كجثة هامدة، شفتاها البيضاء لم تتحرك وتناديه كما كانت تفعل عندما تراه، عودي حبيبتي، عودي، أتوسل إليك وإن كان الثمن الفراق.

خفق قلبه بجنون حتى عجز لسانه عن ترديد تلك الكلمة، ثقلت أنفاسه يسأل نفسه وهل يتحمل هو فراقها؟

لا والف لا، الموت سيكون أهون عليه من فراقها، ففراقها يعني أن تستل روحه من جسده.

تشنج جسده وبدأت تعلو شهقاته المكتومة حتى شعر بيد تربت على كتفه.

_ "فارس"   (بقلم   رشا عبد العزيز) 

انتفض واستقام واقفًا يمسح دموعه قبل أن يمسك يد "طارق" ويسأله بلهفة:

_ "طارق" طمني أرجوك، قولي إنها بخير، "شمس" بخير صح؟ مش هتضيع مني.

كان يهذي كالمجنون وعينيه تتوسل "طارق"، ليربت على كتفه بإشفاق:

_ اهدى يا "فارس".

انهار باكيًا يصرخ بلا وعي:

_ اهدى إيه؟ دي "شمس" يا "طارق"، "شمس".

اضطرب "طارق" الذي التقت عيناه بعيني "علي" الواقف بجانبه، لا يعلم من يواسي، شقيقه أم زوجته المنتحبة.

أحاط "علي" بكتفيه وقال يلومه:

_ "فارس" خلينا نفهم منه حالتها.

وجه حديثه لـ "طارق" متسائلًا:

_ حالتها إيه يا "طارق"؟

_ انهيار عصبي.

كلمة سمعها من "طارق" ليحدق به بذهول فزاغت عيناه برعب، قبل أن يثقل جسده ولم تعد أقدامه تقوى على حمله، سقط على الكرسي رغم إسناد "علي" له، يضرب على رأسه بكفيه مرددًا:

_ ياريتني كنت أنا، سامحيني يا حبيبتي، بتدفعي الثمن أنتِ، دايمًا أذيكِ يا "شمس" وطفيت نورك اللي نور دنيتي.

جذب "طارق" يده يحثه على النهوض، ينظر لـ "علي" كي يساعده على إقناعه:

_ قوم معايا يا "فارس"، أنت لازم تاخد حاجة مهدئة.

هز رأسه نافيًا بقوة:

_ لا، أنا مش هسيب "شمس"، مستحيل أسيبها، مش همشي إلا لما تفتح وأكلمها، "شمس" لازم تعرف الحقيقة، لازم تعرف إني مظلوم.

تمسك "علي" بأحد عضديه و"طارق" بالآخر وأجبروه على النهوض ومرافقتهم، وفي طريقه ورغم أن الدموع كانت تشوش رؤيته إلا أنه لمح نظرات اللوم والعتاب من "ندى" و"هدى"، كانت نظرات حادة أشبه بنصل سكاكين غرست في قلبه، لا يلومهن، يعلم أنه آذاها، كان يرى "هدى" التي تمسك بـ "ندى" كي لا تهاجمه، ويعلم يقينًا أن "طارق" يسدد لها نظرات يحذرها من التهور.

جلس أمام "طارق" بعد أن أصر عليه تناول قرص مهدئ، رفع إصبعيه يضغط على جبهته ويمسح على وجهه:

_ لو هديت ممكن أفهم إيه اللي حصل ومين الست اللي شافتها "شمس"؟

ضم قبضته بقوة وجز على أسنانه بغضب يخبره من بينها كأنه يراها أمامه:

_ دي "بوسي" الحيوانة، لو أطول كنت قطمت رقبتها قبل ما تشوفها.

عقد حاجبيه يسأله:

_ "بوسي" مين؟

صمت يزفر أنفاسه بحزن ليكمل "علي" وهو يوزع نظره بين الاثنين:

_ "بوسي" الرقاصة بتاعة شلة الأنس زمان.

اتسعت حدقتا "طارق" بدهشة وسأله متعجبًا:

_ ودي إيه اللي فكرها بيك؟

رفع رأسه المنكسة بخزي يتذكر ما حدث البارحة، البارحة فقط حينما كان يجلس مع "علي" في مكتبه الخاص داخل إحدى محلاته يتبادلون الحديث والضحكات، حين دخل عليه "أشرف" وأخبره أن هناك سيدة شكلها غريب تريد مقابلته ليأذن لها بالدخول، دخلت فتعجب من جرأتها، فملابسها لا تناسب سنها وحركاتها مريبة، فعيناها دارت في المكان قبل أن تستقر عليه وتقول بثقة:

_ وحشتني يا "فارس" بيه.

التفت نحو "علي" وعيناه تحمل حيرة قبل أن تصدر ضحكاتها الرنانة تستفزه فيلتفت نحوها بغيظ:

_ إيه معرفتنيش؟

عقد حاجبيه يدقق النظر في وجهها الذي ملأته مساحيق التجميل، لحظات، لحظات حتى بهتت ملامحه وهو يجد أشباح الماضي ترمي بظلالها عليه من جديد، نغزه قلبه بخوف وهو يردد اسمها الذي علق في ذهنه ينفض عنه ركام الماضي ويقول بدهشة:

_ "بوسي"!

ابتسمت ابتسامة عريضة حملت انتصار صاحبتها بعد أن استطاع تذكرها:

_ أيوه "بوسي"، كويس إنك فاكرني، اختصرت عليا طريق إعادة الذكريات.

غمزت له بوقاحة قبل أن تجلس أمامه واضعة قدمًا فوق الأخرى، ليسألها بحدة بعد أن أزعجته وقاحتها:

_ وعاوزة إيه يا "بوسي" بعد السنين دي كلها؟

حدقت "بوسي" بـ "علي" وهي تخبره:

_ عاوزاك في موضوع خاص.

علم من نظراتها المسلطة نحو "علي" أنها تقصد الانفراد به:

_ اتكلمي، ده "علي" أخويا ومش بخبي عليه حاجة.

أراحت ظهرها على الكرسي وقالت بهدوء:

_ براحتك.

_ اتكلمي يا "بوسي"، أنا مش فاضيلك ورايا شغل.

هتف بها بغضب خفيض:

_ "شروق".

انفعل عليها وصاح بها غاضبًا:

_ "شروق" مين؟ هي إيه الألغاز دي؟ ما تتكلمي على طول.

نظرت له بتمعن وأخبرته بثقة:

_ "شروق" بنتك.

تجمد جسده بصدمة وتيبست الدماء في عروقه، التفت نحو "علي" التي لم تكن صدمته بأقل منه فسألها بتهتهة:

_ بنتي؟ يعني إيه؟

وبدأت تفسر له ما حدث مدعية أنه في الماضي وفي إحدى الليالي التي كان هو ثملًا بها حدثت بينهما علاقة غير شرعية نتج عنها حملها بتلك الفتاة التي أصبحت اليوم شابة، وأنها أخفت الأمر خشيت ألا يتزوجها وحاولت التخلص منها لكنها تشبثت بالحياة حتى ولدت، لتضطر أن تتزوج من أحد أفراد الأمن المسؤول عن حماية الملهى الذي تعهد بتسجيل الفتاة على اسمه مقابل النقود وأن تعمل لصالحه هو بدل أن تعمل لصالحها فرضيت بذلك كي تستر على نفسها.

صرخ بها مستنكرًا:

_ أنتِ اتجننتي؟ أنتِ عاوزة ترمي بلاكي عليا؟ يلا اطلعي بره، روحي شوفي غلطتي مع مين وعاوزة تلبسيهالي، بره.

لكنها لم تتزحزح من مكانها بل ظلت تنظر له بهدوء وقالت بثبات:

_ البنت بنتك وعندي شهود على الكلام.

ضحك ساخرًا من كلامها وقال:

_ شهود إيه يا أم شهود؟ أنتِ عاوزاني أصدق اللعبة الهبلة دي؟

_ ليه تنكر إنك كنت بتسهر يوماتي معايا؟ تنكر إنك كنت بتسكر وفي أيام كان "حازم" اللي بيوصلك البيت عشان مكنتش واعي وبتكون سكران طين.

ضيق عينيه وقال بحدة وهو يشير بسبابته:

_ ده كله ما يثبتش إني غلطت معاكِ، أنا أسكر، أرقص، أشم، لكن أعمل كل حاجة بس ما توصلش لعلاقة محرمة.

ضحكت ساخرة وعادت تحدق به:

_ وهو اللي بيسكر بيكون واعي للي بيعمله؟

اهتز ثباته فقد كان يفقد الوعي في بعض المرات، حافظ على جموده واختطفته نظرة نحو "علي" قبل أن يعود إليها:

_ وأنا متأكد إني ما عملتش حاجة من دي، ويلا بره مش عاوز أشوف وشك هنا تاني.

اعتدلت في جلوسها ورمقته بنظرة متوعدة:

_ كده؟ ده آخر كلام عندك؟

_ أشار لها نحو الباب وقال:

_ أيوه ويلا اطلعي بره.

نهضت وقالت تهدده: (بقلم  رشا عبد العزيز) 

_ ماشي يا "فارس"، أنا هخرج دلوقت وأقف في وسط محلك وألم الناس عليك وأقولهم إنك عندك بنت حرام وراميها، وأخلي اللي ما يشتري يتفرج، وأهو مفيش دخان من غير نار، ومش بس كده، هروح للدكتورة وأشوف رأيها في الحكاية إيه.

ما إن ذكرت "شمس" غلت الدماء في عروقه وانتفض يصرخ بوجهها:

_ أنتِ بتهدديني؟ امشي بره وأعلى ما بخيلك اركبيه.

نظرت بتحد وقالت تزيد تهديدها:

_ وهقلب عليك الفيس والإنستغرام وأفضحك في كل حتة يا ابن "الجهوري"، أنا إن سكت عن حقي سنين مش هسكت تاني، وشوف سمعتك في السوق وسمعة ولادك هتكون عاملة إزاي بعد ما يعرفوا ماضي أبوهم المشرف.

نهض "علي" يشير له بكفه أن يهدأ وانتقل ببصره نحو "بوسي":

_ عاوزة كام يا ست أنتِ وتنهي الموضوع ده؟ أنتِ أكيد عاوزة فلوس.

_ "علي"!

هتف بها "فارس" رافضًا ليشير له أن ينتظر.

_ عاوزاه يعترف ببنته ويسكنها في شقة وتتنعم بخيره زي ولاد الدكتورة.

_ لا، أنتِ أكيد اتجننتي.

صاح بها "فارس" محاولًا الانقضاض عليها ودفعها نحو الخارج لكن يد "علي" منعته.

_ أمال عاوزها تترمي في الشارع؟ "حمودة" اللي كان آويها ومربيها مات وكلها كام يوم ونكون في الشارع، يبقى جه دور أبوها الحقيقي يشيلها.

_ سيبني يا "علي"، أنت متعرفش الأشكال دي، دي واحدة كدابة.

قالها بانفعال محاولًا الاندفاع نحوها ويد "علي" لا زالت تمنعه حتى صرخ به ليوقفه:

_ "فارس" اهدى، خلينا نتفاهم.

صرخ بغضب حتى نفرت أوردته:

_ يعني إيه نتفاهم؟ أنت مصدق المجنونة دي؟

لتهتف هي ملوحة بيدها تستهجن وصفه:

_ أنا مجنونة؟ طب أنا هوريك المجنونة هتعمل إيه.

ركضت نحو الباب لكن سبقها "علي" يمنعها من الخروج وإحداث فضيحة في المكان:

_ استني هنتفاهم وهنشوف الموضوع من غير فضايح.

عاد من ذكرياته يطالعه بغيظ ويلومه قائلًا:

_ شفت آخرة التفاهم مع الزبالة دي؟

ليبرر له "علي" معتذرًا:

_ وأنا أش عرفني إنه هيحصل كده؟

ليسألهم "طارق" بتعجب:

_ وإيه اللي وداها بيت عمي "حسين"؟

_ أنا.

نطق بها "علي" ليقاطعه "فارس" بانفعال:

_ اخرس يا زفت، أدي آخرة شورتك الهباب.

ليعترض "علي" ساخرًا بأسف:

_ وأنا هعرف منين إن حظك هباب كده و"شمس" هتطب عليها تاني يوم؟ أنا قلت حاجة مؤقتة لغاية ما نشوف شقة مفروشة تلمهم.

_ وشقة مفروشة ليه يا "علي"؟ هي يعني كانت بنته صحيح؟

هكذا هتف "طارق" معترضًا ليبرر له فكرته:

_ يا "طارق" الست كانت هتعمل فضيحة والناس بتصدق أي حاجة.

ثم أخفض عينيه بحرج ورفعها يخطف نظرة نحو "فارس" ويوجه كلامه لـ "طارق":

_ ما تاخذنيش يا "طارق"، "فارس" كان فعلًا فيه أيام بيكون مش واعي لحاجة، فكان لازم نعمل تحليل عشان نتأكد والتحليل بياخد يومين أو خمس أيام، تقدر تقولي يروحوا فين وهم مرميين في الشارع؟ حتى لو كلامها كذب مجرد التشهير كان هيعمل شوشرة إحنا في غنى عنها، قلت نعمل التحليل ولو كدابة نرميها في ستين داهية.

ثم أخفض صوته يردف:

_ ولو حقيقة والبنت بنته يبقى حرام تبقى في الشارع وليها حقوق عليه.

تجهم وجه "فارس" رافضًا تلك الفكرة، هو ليس والدها، هو لم يرتكب تلك الخطيئة البشعة، ليوبخهم "طارق" بحدة:

_ بس كده غلط، هو مش بيت أبونا عشان نسكنهم فيه، أنت هببتوا إيه؟ عقدتوا الموضوع أكتر.

_ أهو اللي حصل يا "طارق"، مجاش في بالي غير بيت عمي والمفتاح كان مع "فارس"، قلت خمس أيام التحليل يظهر وكل حاجة تنتهي.

ليصيح "فارس" بقهر ينهش قلبه:

_ والحيوان اللي أقنعني أخبي على أمه وأخواته راح فين؟ قعد يقول تلات أيام يا بابا، أحسن كنقلب وضع البيت ونخوف ماما، أهي طبت فوق دماغي واتنيلت أكتر، هو راح فين يجي يلاقيلي حل؟

_ "سيف" مع "شمس" هتصل بيه خليه يجي عشان نلاقي حل نقنع فيه "شمس" لما تصحى.

وقبل أن يلتقط هاتفه كي يتصل به وجده يدخل يسأل عليه بخوف:

_ بابا أنت كويس؟ (بقلم  رشا عبد العزيز) 

حدجه بنظرة غاضبة وقال متهكمًا:

_ شرفت، شفت أفكارك ودتنا فين؟ البيت هيخرب وأمك تعبانة، قلتلك خليني أقولها، قلت لا مالوش داعي، ليه تدخلها في حكاية باين إنها مجرد ابتزاز عشان الفلوس؟ خلينا نخبي ولما يطلع التحليل يحلها  الحلال ويكون معاك دليل كمان، لو أمك جرالها حاجة مش هسامحك يا "سيف".

تنقلت نظراته بين الثلاثة برجاء وقال يحاول إقناعهم بوجهة نظره:

_ يا بابا أنا مكنتش أعرف إنها هتروح هناك والحكاية باين إنها نصب.

ثم رمقه بنظرة حرجة يكمل بخجل منه:

_ لولا إنكم شككتوني، قلت تلات أيام مش هيحصل حاجة والتحليل يظهر وخلاص ويا دار ما دخلك شر.

أمسك رأسه يضغط عليها بقهر وينعى حبه ويتوسل طيف حبيبته الراقدة:

_ يا حبيبتي يا "شمس"، ياريتني كنت أنا، سامحيني يا روحي، مش هسامح نفسي لو جرالك حاجة.

نظر "سيف" لانهياره بإشفاق وشعر بندم يلوم نفسه، هو السبب في ما حدث له، لولا ضغطه عليه وإصراره أن يخفي الأمر على والدته لما حدث ما حدث.

_ مامنوش فايدة الكلام ده دلوقت يا "فارس"، خلينا نكلم "مهاب" ونشوف هيحصل إيه.

هكذا اقترح عليهم "طارق" أن حضور "مهاب" معهم لمواجهة تلك السيدة ورغم رفض "فارس" مغادرة المستشفى لكن "سيف" طمأنه أنه سيكون معها وهي الآن تأخذ أدوية مهدئة فلن تستيقظ في هذا الوقت.

**************************

جلس الثلاثة ومعهم "مهاب" الذي أخبرهم أنها قضية ابتزاز واضحة وأنهم أعطوا الأمر أكبر من حجمه بتصرفهم المتسرع وأن الأمر كان سينتهي بسهولة جدًا لولا ما حدث ولقائها بـ "شمس"، لكنه في ذات الوقت طلب منهم مواجهتها ليذهبوا جميعًا إلى بيت والد "شمس".

كان يجلس أمامها يرمقها بنظرات حارقة يود لو أطبق على رقبتها وأزهق روحها لكن تحامل على غضبه واتبع نصيحة "مهاب" وظل هادئًا يترك له دفة الحديث:

_ بصي يا مدام "بوسي"، بما إني محامي الأستاذ "فارس"، فقبل ما نتكلم بأي حاجة حابب أقولك التحليل هو الفاصل بيننا، لو طلع كلامك حقيقي يبقى بنتك هتاخد حقوقها من غير شوشرة، أما إذا...

وتعمد هنا "مهاب" الصمت هنيهة وترك عينيه المصوبة نحوها بحدة توصل رسالته قبل لسانه لتشحب ملامحها وتتوتر وهي تسمعه يكمل بلسان واثق وحس قانوني:

_ أما إذا كان الكلام ده كذب وادعاء فأنتِ هتواجهي تلات قضايا، رفع يده يعد على أصابعه، أولًا جريمة بلاغ كاذب ودي فيها سنتين، ثانيًا جريمة قذف وتشهير ودي فيها تلات سنين، خدي التقيلة بقى، تزوير نسب ودي فيها بتاع سبع سنين.

يعني كده المجموع لو اتخفف هيوصل عشر سنين بتمام والكمال يا هانم، قلتي إيه؟

شحب وجهها أكثر لكنها تصنعت الثبات وقالت بإصرار:

_ قلت إنها بنته.

ضرب "مهاب" كفًا بآخر وابتسم بخبث قائلًا:

_ خلاص يعني نمشيها تحليل ومحاكم وقضية إثبات نسب؟

_ وليه المحاكم؟ أنا مستعدة للتراضي ويعترف ببنته وبس.

جملة قالتها بسرعة ليضيق "مهاب" عينيه وتخرج من شفتيه ابتسامة ساخرة بعد أن أيقن خديعتها.

تصاعدت أنفاس "فارس" بانفعال وهتف بغضب:

_ بس أنا مصر على التحليل مدام الأمور وصلت لكده.

التفت له "مهاب" يشير له بعينيه أن يتروى:

_ حقك يا "فارس" بيه، بكرة تعمل التحليل واللي يقول عليه التحليل إحنا معاه من غير شوشرة.

أتبع حديثه بنظرة جانبية صوبها نحوها وكان نظراته سهام تعرف ما تصيب.

ابتلعت لعابها بتوتر تؤيده:

_ طبعًا.

ثم أردفت بطمع:

_ ومش هيدينا مبلغ لحد ما يخلص التحليل؟

نظر "طارق" لـ "مهاب" الذي هز رأسه كأنه يؤكد له أنها ليست سوى مبتزة وعليهم مجاراتها كي تسقط في مصيدة غبائها:

_ هيديكِ مبلغ تمشي بيه أمورك لكن أهم حاجة بكرة تعملي التحليل.

تهتهت إجابتها:

_ آه طبعًا، وهيديني كام؟ البنت محتاجة هدوم وأكل وشرب.

لم يستطع تحمل ما تقوله لينهض من مكانه ويصرخ بوجهها بانفعال:

_ لا ده أنتِ اتجننتي، أديكِ كام؟ ده إيه؟ وكمان ليكِ عين تتكلمي وتطلبي بعد اللي عملتيه في مراتي؟ نفسي أعرف قلتلها إيه وخليتيها توصل للحالة دي؟

ارتعبت عيناها من انفعاله تجيبه بصوت منخفض خوفًا منه:

_ قلتلها إني مراتك.

استشاط غضبًا وكاد يهجم عليها لولا تدخل "طارق" يصرخ بهياج:

_ يا حيوانة... يا غبية، أنا اتجوزتك إمتى؟ إزاي تقوليلها كده؟ دمرتيها يا عديمة الضمير، وأنا بقول إيه اللي وصلها للحالة دي؟ أكيد عشان فهمت إني خاين، ده أنا هقتلك يا حقيرة.

لتدافع عن نفسها هاتفة:

_ أمال عاوزني أقولها إيه؟ واحدة غلطت معاها؟

_ تقومي تكذبي يا...

اندفع نحوها و"طارق" يمنعه:

_ مش كده يا "فارس".

ليصرخ بحرقة:

_ سيبني أقتلها وأشرب من دمها، دي حيوانة دمرتها يا "طارق"، منهارتش من فراغ، دي فكراني خاين يا "طارق".

_ اهدى يا "فارس".

سحبه "علي" و"طارق" وأعادوه ليجلس مكانه، كان جسده ينتفض بغضب وقهر وكل ما يفكر به حبيبته التي تعتقد أنه قد خانها.

اختنقت أنفاسه الغاضبة وارتعشت يداه، أخفض عينيه وكادت أن تنساب على حالها الذي أوصلها إليه ماضيه اللعين، لماذا هي دائمًا عليها أن تدفع ثمن أخطائه؟ هو ألا يكفي ما فعله بها سابقًا؟ هربت تلك الدمعة العصية من بين جفنيه فمسح على وجهه بقوة يزيحها، لم يكن يعي ما يتحدث به "مهاب" مع تلك الحقيرة فهي أتفه من أن ينشغل بها، ليتفاجأ بقدح ماء يوضع أمام وجهه وصوت رقيق مرتجف يخبره بتوجس:

_ اتفضل.

رفع عينيه ليراها تقف أمامه تطالعه بعين دامعة، لم تكن تلك المرة الأولى التي يراها فيها، لقد رآها مع والدتها، لكنه وللمرة الأولى يمعن النظر إليها، شابة بملامح بسيطة ربما بعمر ولده "سيف" لكن من ينظر إليها لا يصدق أنها ابنة تلك الحرباء، نظر لوجهها ثم للقدح الذي تمده له بيد مرتعشة، التقط منها القدح بتردد لتبتعد منزوية تطالع المشهد من بعيد وارتشف الماء لكن لم يستطع منع عينيه من النظر إليها مرة أخرى، كان جسدها النحيل يرتعش، تكفكف دموعها بصمت وتعجب تحديقها به وكأنها لا ترى في المكان سواه، للحظة أشفق عليها أن يكون نصيبك في الدنيا أم كأمها فهذه هي المأساة، وتساءل هل يعقل أن تكون ابنته حتى نفض الفكرة من رأسه، يستحيل أن تكون ابنته، حتى أنها لا تشبهه ولا تشبه والدتها لكن شكلها مألوف وكأنه رآها سابقًا أو رأى شخصًا يشبهها.

ترك تلك الفتاة وعاد يفهم ما يدور من حوله ليفهم أنها تطلب مبلغًا كبيرًا يغطي احتياجاتها وأخبرها أن تخرج من هذا المنزل على أن يستأجر لها شقة مؤقتة تكفل "مهاب" بتلك المهمة حتى ينتهي أمر التحليل.

طلب "مهاب" منهم أن يجتمعوا في مكتبه بعد ذلك اللقاء ليسأله "طارق":

_ إيه رأيك يا "مهاب"؟

ليجيبه بعملية:

_ واضح يا عمي، دي نصابة وبتتبلى على "فارس" بيه، ومش بس نصابة، دي نصابة وغبية كمان، حطت نفسها في موقف هي مش قده، قالت أخوفه بالفضيحة والشوشرة وآخد منه قرشين تمن سكوتي، كونها مش عاوزة الموضوع يوصل لمحاكم ده أكبر دليل على كذبتها، وباين إنها تعرف "فارس" بيه وتوقعت إنه مش هيأذيها، ده المرجح لأنها كده هتكون بترمي نفسها في النار لما تتهمه.

ثم التفت إلى "فارس" يعاتبه بحرج:

_ الموضوع كان بسيط يا "فارس" بيه وحله كان سهل وكان ممكن ما يوصلش للمرحلة دي.

هز رأسه بندم وقال بقلة حيلة:

_ أهو اللي حصل يا ابني، بس أنا لسه مصر على التحليل.

تفهم "مهاب" موقفه وأكد مساعدته له.

عادوا إلى المستشفى ليصر على المكوث معها رغم إلحاح "سيف" عليه أن يغادر لكنه رفض تركها.

*******************************

دخل الغرفة، فوجدها ممددة كما تركها، وجهها الشاحب محاط بالأجهزة والأنابيب، ويدها ساكنة بينهما كأنها لا تنتمي إلى جسدها.

توقف عند الباب لحظة.

كان قد قطع المسافة إليها مرات في خياله، لكنها الآن بدت أبعد من أي وقت مضى. تقدم بخطوات مترددة، وكل خطوة كانت تثقل صدره أكثر.

وقف أمامها، وظل يحدق في وجهها طويلًا. ثم رفع يده ببطء، وترددت أصابعه قبل أن تلامس وجنتها.

_ "شمس"...

خرج اسمها منه كأنها آخر أنفاسه.

انحنى وقبّل جبينها، وأغمض عينيه. قاوم للحظات، لكنه لم يستطع. ارتعشت شفتاه، وانسابت دمعة ساخنة على وجنتها.

_ سامحيني... يا نور عيني. سامحيني يا "شمسي".

سقطت دمعة أخرى، ثم أخرى، حتى لم يعد قادرًا على إخفائها.

_ افتحي عينيك... وحشتيني. وحشتيني أوي يا قلب "فارس".

خارت قواه، فجثا إلى جوارها، وأمسك يدها بكلتا يديه، يقبلها مرة بعد مرة، ثم أسند جبهته إليها.

_ مخنتكيش... والله ما خنتك.

سكت، وكأن الكلمات اختنقت في حلقه.

_ هو حد يقدر يخون روحه؟ أنتِ روحي يا "شمس"... أنتِ اللي غيرتي "فارس". خليتيه إنسان بعد ما كان تايه... غرقان في الحرام.

شد على يدها، وانخفض صوته أكثر.

_ مستحيل أعملها. حتى لو كنت سكران... مستحيل. والله مستحيل يا حبيبتي.

رفع رأسه إليها، وكأنه ينتظر منها جوابًا يعرف في داخله أنها لن تعطيه.

_ أنا... ما تمنيتش ست غيرك. ولا عايز غيرك. بس افتحي عينيك... وخليني أقولك كل حاجة بنفسي.

ثم رفع يده ببطء يخشى أن يلمسها فيكتشف أنها أبعد مما يتحمل وتوقفت أصابعه لحظة قبل أن تستقر على وجنتها يردد بخوف تملكه من ردة فعلها:

_ هتسامحيني يا "شمس" مش كده؟ أنا "فارس" حبيبك.

***************************"" 

عاد إلى المنزل يحمل عبء ما حدث، خطواته نحو المنزل كانت كخطوات على جمر متقد ولسان حاله يجلده، سيهدم استقرار منزلهم بسبب قرار حث والده عليه، وضع يده على مقبض الباب البارد وكأن المنزل فقد دفئه بعد رحيل أصحابه.

دخل إلى المنزل يحاور جدرانه خجلًا يرجوها أن تسامحه، دارت عيناه في المكان بتلقائية لتصدم عيناه بها وهي تجلس تنتظر بقلق:

_ مساء الخير.

ركضت نحوه تسأله بلهفة:

_ ماما عاملة إيه يا "سيف"؟

تعلقت عيناه بها دون أن ينطق لسانه، فماذا يقول لها؟ إنها ليست بخير، تركها دون أن يجيبها ورحل نحو غرفتها، دخلها لتتبعه هي، قلبها يعتصر عليه.

جلس على السرير، كان تفكيره قد شل، كيف سيقنع والدته أنه هو السبب؟ كيف يبرئ والده؟

ترددت في الاقتراب، تتقدم خطوة وتتوقف حتى جلست بجانبه:

_ "سيف" أنت كويس؟

التفت إليها وحاول أن يقاوم ضعفها أمامه، ابتسم بكسرة:

_ لا.

_ سلامتك، مالك؟ احكيلي حصل إيه؟ أرجوك 

ظل ساكنًا لثوانٍ كأنه يحاول أن يستجمع ثباته أمامها لكن شفتيه ارتعشتا وفشل في ابتلاع غصته.

خرجت الكلمات مبحوحة منه تحمل قهر صاحبها تبعتها دموعه:

_ أنا السبب، أنا اللي عملت فيهم كده، أنا اللي قلتله ما يقولهاش.

لم تفهم كلامه ولا ما يقصده لكن عينيها اتسعتا بصدمة عندما أسند جبهته على كتفها وانهار باكيًا كطفل صغير يردد بلسان مرتعب:

_ أمي يا "نور"، أمي.

كان يحتاج إلى من يحتويه، من يزيل عنه ولو القليل من ذلك الحمل الذي سقط على كتفه وصدى كلمات والده لا تزال ترن في أذنه:

_ مش هسامحك لو جرالها حاجة.

تصاعدت شهقاته يشكو لها، تصاعدت شهقاته، وحاول أن يتكلم أكثر من مرة، لكن الكلمات كانت تختنق في حلقه:

_ حاسس نفسي بتخنق يا "نور"... موجوع أوي.

تجمدت للحظة.

لم تعرف ماذا تقول، ولا كيف يمكن لكلماتها أن تخفف عنه شيئًا من هذا الوجع. نظرت إلى رأسه المستند إلى كتفها، ثم إلى يده التي كانت تقبض على طرف قميصها وكأنه يخشى أن تبتعد.

أنزلت يدها بتردد، وراحت تمسح على ظهره:

_ بعد الشر عنك يا حبيبي...

ارتعشت أصابعها وهي تقولها، لكنها لم تسحب يدها.

ظل يبكي.

فزادتها رفقًا، كأنها تخشى أن يؤلمه حتى لمسها:

_ اهدى... أنا هنا.

رفع رأسه قليلًا، وعيناه غارقتان بالدموع، لكنه لم ينظر إليها طويلًا. عاد وأسند رأسه إلى كتفها، وكأن مجرد وجودها بجانبه كان الشيء الوحيد الذي يستطيع احتماله الآن.

ابتسمت وسط دموعها.

لم تقل شيئًا آخر.

فقط ظلت يدها فوق ظهره، تتحرك ببطء، بينما قلبها يقول لها ما لم تجرؤ هي على قوله.

ابتعد عن أحضانها يمسح دموعه ويتمدد:

_ عاوز أنام.

كان يحاول الهروب بالنوم، ساعدته ودثرته بالغطاء، أمسك يدها يمنعها من الابتعاد، أغمض عينيه وأخبرها برجاء:

_ ما تسيبنيش، خليكي جنبي لغاية ما أنام.

_ حاضر.

ظلت تمسح على رأسه برفق وتردد بعض الآيات القرآنية، تشعر بالقلق عليه وعيناها الباكية تتأمله بإشفاق، أما هو فملمس يدها على خصلات شعره ووجهه جعله يسخر من هذا الموقف، قلبه الممزق حزنًا على والديه لم يستطع أن يرتجف فرحًا وحبيبته تعترف بحبها له دون أن تدري، وكأن القدر اختار أسوأ لحظة ليمنحه أجمل اعتراف.

**************************

لم يستطع أن يتحمل ما سمعه من شقيقته حول ما حل ببيت خالتهم وانهيار زوجته ليجد نفسه يحجز تذكرة مستعجلة ويصل في منتصف الليل هناك، دخل مسرعًا يبحث عنها لتخبره العاملة أنها في غرفتها.

فتح الباب وظل واقفًا مكانه يجدها تجلس تضم قدميها إلى صدرها وتبكي، انفطر قلبه لأجلها لينادي عليها:

_ "قمر"

سمعت صوته الدافئ لتلتفت تردد اسمه بلهفة:

_ "حسين"

كادت أن تركض نحوه ترتمي بين أحضانه بشوق تشكو له أحزانها لكنها تراجعت عندما وجدته يقف ثابتًا مكانه يطالعها لثوانٍ يتعجب لهفتها، نظراتها وصوتها.

اقترب هو منها وقلبه يضج بشوقه لها وقلقه عليها، جلس بجانبها وسألها:

_ إزيك يا "قمر"؟

أصابته الدهشة وهو يجدها ترمي نفسها بين أحضانه منتحبة.

تشبثت بأحضانه كأنه طوق نجاتها، يدها المرتعشة تقبض على قماش قميصه بقوة رغم ارتعاشها لكنها بحاجة إليه، ذلك الأمان الذي شعرت به بجانبه خفف عنها الكثير من ألمها، رفعت نظرها إليه برجاء كأنها تستجدي الحقيقة منه وسألته بصوت مرتجف يحاكي ارتجاف شفتيها:

_ بابا مستحيل يعملها صح يا "حسين"؟ مستحيل يخون ماما؟

نظر إليها بإشفاق فرفع يده اليمنى يمسح دموعها التي أغرقت وجهها ويزيح بأنامله تلك الشعرات التي خالطت دموعها والتصقت بوجهها ثم مسح على شعرها برفق وابتسم يطمئنها:

_ أكيد عمو "فارس" بيحب خالتو أوي ومستحيل يخذلها، أكيد فيه حاجة غلط.

كانت تصغي إليه كطفلة تصغي لوالدها الذي توقن أنه سيخبرها الحقيقة لتهز رأسها بهذيان تكرر ما أخبرها به:

_ أيوه أكيد فيه حاجة غلط.

ضمها أكثر وسحبها يحثها على التمدد:

_ يلا عشان تنامي والصبح كل حاجة هتبان.

تفاجأ بها تتشبث به بقوة أكبر وتتوسله بخوف:

_ ما تسيبنيش يا "حسين" أرجوك.

أربكه تصرفها وعيناها المترجية تحدق به بأمل، آه منها ومن عينيها الجميلة رغم احمرارها لا زالت تأسره.

_ ما تخافيش مش هسيبك، تعالي.

ليتمدد ويسحبها لتنام على صدره، يده اليسرى تضمها بحنان واليمنى أخذت طريقها تمسح على خصلات شعرها برفق عله يجعلها تهدأ:

_ يلا غمضي عينك ونامي عشان ترتاحي.

كان قلبها يرقص بين أضلعها رغم همومها وهي تجد نفسها بين ذراعيه، تمسكت به وأغمضت عينيها فابتسمت وهي تستمع لدقات قلبه التي كانت تعزف لحنًا جميلًا أنساها دموعها، تمسح به كقطة تألف صاحبها وتنهدت بحب.

دفء أحضانه وأمانها جعلها تغفو بسلام بعد أن حاورت نفسها:

_ حضنك حلو أوي، ياريت لو أقدر أعيش في أمانه العمر كله، بحبك يا حبيبي، بحبك وياريتني أعرف أقولها بصوت عالي عشان تسمعها وأطمن إنك لسه "قمر" حبيبتك، بس أنا جبانة، خايفة أقولها وتكون بطلت تحبني وأخسرك.

سالت دمعة حارقة رطبت قميصه لكنها هذه المرة سالت رثاءً لحب أضاعته بيدها.

لحظات وعادت بسمتها تلوم حالها:

_ مش مهم هيحصل إيه بكرة، المهم إن أنا النهاردة في حضنك.

شعر بهدوء أنفاسها وانتظامها سوى من شهقات متباعدة يبدو أنها بسبب بكائها لوقت طويل، فاطمأن أنها قد غفت، أخفض عينيه يتأملها ليرفع يده ويخط حدود وجهها بسبابته تزيح في طريقها خصلات شعرها التي غطت وجهها وابتسم عندما ظهر وجهها أمامه، كم هي جميلة، بشرتها محمرة ألهبتها دموع قهرها وأهدابها الندية تبللها الدموع، مسح برقة على أجفانها المتورمة ومسح آثار الدموع التي خطت على وجنتيها وأنفها الوردي الدقيق، ليتنهد بحيرة ويسأل نفسه:

_ ياترى يا "قمر"، اللهفة اللي شفتها النهاردة في عينك عشان أنا بقيت أعني لك حاجة؟ ولا أنتِ كنتِ محتاجة حضن ترمي أحزانك فيه وإيد تطبطب عليكِ؟

حاول أن يغمض عينيه لكن جافاه النوم وكيف ينام وأنفاسها تخالط أنفاسه وقلبها ينبض بقربه كصوت حقيقة تؤكد له أنه لا زال يحبها، عيناه اختلست النظرات إليها علها تشبع ذلك القلب المدمن لعشقها، ورغم غفوتها لكن يده ظلت تمسح على شعرها بحنان واستغل غفوتها فانسحب من جوارها بحذر مزيحًا جسدها برفق، أحكم الغطاء حولها وظل يتأملها قبل أن يتركها ويغادر.

تعليقات



<>