رواية براعم الحب الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم رشا عبد العزيز

رواية براعم الحب بقلم رشا عبد العزيز
رواية براعم الحب الفصل التاسع والثلاثون39 بقلم رشا عبد العزيز

وظننت أني نجوت من الماضي وأغلقت بابه الحصين ورميت كل الأخطاء خلف أسواره، أمشي بخطى ثابتة نحو المستقبل ونسيت كل صعابه، فقد مزقت تلك الصفحة اللعينة وسحقت خباياها بين قبضتي حتى رميتها في خانة الذكريات المعتمة، فتفاخرت بعالمي النقي أشدو بمثاليته، فأنا اليوم إنسان جديد،
متناسٍ شوائب الماضي وأشباحه الخبيثة، نفوس تكره أن تراك بخير لتغرس أظافرها تدنس طهر هذه الحياة بسوادها، لأجد الماضي يلقي بظلاله على حاضري ويخنق مستقبلي، يفتح باب الماضي لتدخل عواصفه تقتلع ثباتي وتشوه حياتي.

لم تغادر صورة تلك الفتاة رأسه، حتى عندما رآها اليوم كأن صورتها غُرست في تفكيره، ربما لأنها مختلفة عن والدتها تحمل شيئاً من النقاء والهدوء عكس تلك الخبيثة، ولكن ما أتعبه نظراتها المسلطة عليه باستعطاف،
وابتسامتها المسروقة، كأن الابتسامة محرمة عليها، تحمل هماً أكبر من عمرها، ربما ما شق قلبه على تحمله كلمة "بابا" التي نطقتها متلهفة لكنها ابتلعت نصفها بخوف عندما صوب نظره إليها بضيق من سماعها.
تباً لذلك الماضي المظلم وهو من ظن أنه قد نجا من مصائده ليجده قدمه تنزلق في بئره المعتم.

كان يسير بجانب "سيف" الذي رافقه لإجراء ذلك التحليل حتى اقترب من غرفتها ليجد "قمر" تهرول نحوه مبتهجة تخبره بعين باكية:

_ "ماما" صحيت يا "بابا".
خفق قلبه بسعادة وأشرق وجهه بابتسامة عريضة:

_ بجد يا حبيبتي؟

_ أيوه يا "بابا" دي صحيت من ساعة كده.
تسارعت خطواته كما تسارعت أنفاسه بشوق حتى بقيت بضع خطوات ليراها، وقف عند باب تلك الغرفة يطالعها تجلس يحيطها شقيقاتها ورغم شحوب ملامحها لكنها أنارت المكان عندما فتحت عينيها.
ناداها قلبه قبل لسانه يردد اسمها بلوعة:

_ "شمس".
ركض نحوها بحنين كطفل يلتقي بأمه بعد فراق وبلا وعي أخذها بين أحضانه يغرسها بين أضلعه ويستنشق عبيرها بشوق:

_ ألف حمد لله على السلامة يا روح "فارس" وقلب "فارس" ودنية "فارس".
ابتعد عنها يده تتحرك على جسدها ترافقها عيناه كأنه يتفقدها:

_ أنتِ كويسة يا روحي؟
أعادها إلى أحضانه من جديد كأن ظمأه من فراقها لم يرتوِ:

_ وحشتيني يا حبيبتي.
انسحب الجميع من الغرفة تاركين له مساحة اللقاء بها، ظل يتشبث بها يشبع شوقه إليها حتى انتبه لتخشب جسدها بين ذراعيه وما إن غادر الجميع وجدها ترفع يدها تدفعه عنها بوهن رافضة هذا القرب.
ابتلع ريقه بخوف من المواجهة القادمة ابتعد عنها بتوتر ليصطدم بنظرة عينيها التي حملت عتاباً تفضحان خوفها، صوتها يرتجف رغم محاولاتها التماسك، ابتلعت دمعتها كأنها كانت تعاتبه لا لتدينه بل لتطمئن قلبها،
ونطقت تلك الكلمة كأنها خنجر طعن قلبه بلا رحمة:

_ خنتني ليه؟
صوتها خرج متعباً حمل مرارة الخذلان ليهتف بها متوسلاً ويده تمس يدها برجاء:

_ ما خنتكيش والله ما خنتك، أخونك إزاي وأنا روحي فيكِ؟
لم ترمش كانت تكابر كي لا تبدو مكسورة ولا تظهر انهيارها أمامه رغم أن الشك ينهش قلبها.
تجمد ملامحها هز كيانه، لقد وصل إلى ذروة مخاوفه يرى استنكارها، أوجعه أن تضطره إلى إثبات وفائه بعد عمر كامل قضاه إلى جوارها، كتم قهره وتجرع مرارة الممزوجة بالحب،
قلبه المكسور لا يزال يخشى جرحها، أخذ نفساً طويلاً ونظر لعينيها بثبات:

_ هحكيلك يا "شمس" بس عاوز اللي تسمعني "شمس" اللي حبتني، مراتي اللي عاشرتني سنين.
كان يحكي بسرعة يسرد لها ما حصل لا خوفاً منها لكنه يخشى أن تفقد أمانها معه، لا يريد أن يصلا إلى نقطة كسر الثقة فيما بينهم، كلماته خرجت مبحوحة تحمل احتراق صاحبها.
كان يدافع عن نفسه بشيء من الانفعال كأن خلفه رجل مكسور يحاول أن يستعيد مكانته في قلب المرأة التي أحبها عمراً كاملاً، كانت كلماته تخرج متلاحقة يخشى ألا تستطيع تصديقه، كلما رأى الشك في عينيها ازداد إصراره على تبرئة نفسه وفي نفس الوقت ازداد وجعه.
صمت وعيناه معلقة بعينيها ينتظر أن تصدر حكمها عليه، أخفضت رأسها قبل أن ترفعه ببطء كأنها تستجمع فتات قلبها المحطم رغم تصديقها له:

_ أنا ما أقدرش أعاتبك على الماضي يا "فارس" حتى لو كانت البنت بنتك، لأن إحنا الاتنين عارفين الماضي وإحنا اللي قفلنا بابه سوا.
تسللت الراحة لقلبه بعد أن أعطته كلماتها شيئاً من الأمل قبل أن تسحبه من جديد وهي تكمل عتابها:

_ لكن أنا هعاتبك على إنك خبيت عليا، خنت ثقتي فيك لما اعتبرتني إنسانة غريبة وسبتني أسمع الحكاية من ست رخيصة وقفت قصادي تبصلي بانتصار وهي شايفة جوزي مخبي عليها ومش بس كده ومسكنها في بيت أبويا كمان.
كانت ترتجف بانفعال وصوتها يملؤه القهر والخيبة، مد يده يحاول إمساك يدها يتشبث بحبه عله يكون شفيعاً له عندها:

_ "شمس" حبيبتي أنا خفت....
لم تمهله إكمال حديثه وهي تصدر له اتهامها تلومه بكبرياء مجروح:

_ خفت يا "فارس" بعد السنين دي كلها بتقول خفت؟ بعد الحب ده كله بتقول خفت من "شمس" يا "فارس"؟ لدرجة دي حبي ليك مكانش كافي يديك الأمان؟ ده إحنا روح واحدة مش ده كلامك؟
أغمض عينيه يهرب من اتهامها يعجز عن الصراخ والدفاع عن نفسه يخشى من خسارتها ويعطيها الحق،
فقد أخطأ في إخفاء الأمر عنها وأخطأ في تسرعه عندما وافق على اقتراحه متناسياً أن هذا منزل والدها،
لقد خذلها بجرح كرامتها، اقترب منها أكثر ورفع كفيه يحيط وجهها يثبت نظره إليها ويستجدي مسامحتها:

_ "شمس" حبيبتي آسف يا روح "فارس" حقك عليا أنا غلطت لما سمعت كلام "سيف" وخبيت عليكِ وغلطت لما سمعت كلام "علي" وخدتهم بيتك، كان لازم أسمع كلام قلبي وأختارك مش أختار الخوف منك، بس أرجوكِ بلاش النظرة اللي أنا شايفها في عينيكِ، أنا عملت كل ده عشان بحبك ومش عاوز حاجة تلوث الحب ده حتى لو كانت كذبة.

كانت تحدق به بثبات تخفي خلفه انكسارها لترفع يديها تضعها على كفيه وتزيحها عن وجهها ببطء:

_ أول مرة أبص في عينك ومعرفش أنت مين كأنك مش "فارس" حبيبي كأنك واحد غريب.
قالت هذه الكلمات وأشاحت بصرها عنه تخبره باستياء:

_ سيبني يا "فارس" سيبني مع نفسي جايز أقدر أقنع قلبي إنه يسامح.
كتم غضبه منها لم يصرخ ولم يستنكر لا يزال قلبه يخشى خسارتها، يعلم أنها قد فقدت الأمان بقربه واحترق قلبه بعد أن جرحت كبرياءه، خذلته كما خذلها وعجز مخزون حبه على إقناعها في منحه الغفران شعر بالانكسار،
وفي اللحظة نفسها كان يريد أن يحتضنها يريد منها أن تستعيد أمانها معه لأن خسارته لثقتها أقسى من الاتهام نفسه،
لينهض يشعر أنه كطائر ذبيح يجاهد ألا تخرج روحه من جسده، فوصفها له بالغريب كان كسكينة نحرت قلبه دون أن تريق دمه،
وما إن رحل حتى انسابت دموعها التي تقاومها بوجوده.
خرج لتواجهه عيون أولاده يطالعونه بأمل كأنهم اليوم عادوا صغاراً يخشون فراق أبويهم، وجهه المتجهم بقهر أعطاهم الإجابة ليخفضوا عيونهم بخيبة أمل، سار بضعة خطوات لتقابله "ندى" وقد تحولت نظراتها اليوم له فنظرات عتابها له بالأمس باتت تحمل إشفاقاً عليه اليوم لتسأله:

_ قالت إيه؟
أجابها بغضب مكتوم امتزج بالخذلان:

_ عاوزة وقت.
تنهدت بأسى وقالت في محاولة لمواساته:

_ معلش يا "فارس" خليها تيجي البيت عندي تبعد شوية وتريح أعصابها على الأقل لغاية نتيجة التحليل ما تظهر وإن شاء الله خير.
أومأ برأسه متفهماً لتحاول التخفيف عنه:

_ "شمس" بتحبك بس هي صعبة وأنت عارفها يعني هي جديدة عليك؟
ابتسم بسخرية حزينة فهذا الحب لم يستطع إنقاذه ورغم هذا همس لها برجاء محب:

_ خلي بالك منها.

_ متخافش عليها "شمس" قوية وهخلي بالي منها اطمن.
رحل من المستشفى بأكمله فلم يعد يقوى على تحمل ذلك الوجع الذي ينهش صدره.
******************************"" 
جلست شاردة الذهن رغم ذلك الضجيج في بيت عمها بعد أن عادت والدتها مع خالتها إلى بيت عمها،
كانت ترى التفاف خالاتها حول والدتها وكيف يواسينها في لحظة تمنت لو كان لها شقيقة تستطيع أن تحكي لها ما يحزنها، ربما لكانت استطاعت أن تبوح لها بما يعتليه صدرها،
وهي ترى انشغالها بهاتفها فرسائل "مهاب" لا تنتهي ولا مكالماته تنقطع حتى "مليكة" التي انشغلت بكليتها و"أصيل" و"أحلام" التي تعاني الوحام وتقلباته،
لتجد نفسها وحيدة كلٌ له عالمه وهي.... أضاعت عالمها.

_ "قمر".... "قمر" ...أنتِ يا بنتي.
كان هذا صوت "ورد" الذي انتشلها من شرودها تجذب يدها وتحثها على النهوض معها نظرت إليها بتعجب:

_ تعالي عاوزاكِ.
سحبتها نحو غرفتها وأغلقت الباب خلفها:

_ فيه إيه يا "ورد"؟
أجلستها على السرير وجلست أمامها قبل أن تضربها على فخذها بخفة وتسألها بما أثار دهشتها:

_ مالك؟
هزت رأسها تدعي عدم الفهم:

_ مالي إيه يا "ورد" أنتِ مش شايفة وضع "بابا" و"ماما"؟
مالت باتجاهها قليلاً قبل أن تضيق عينيها باستنكار وقالت مستهجنة:

_ عليا أنا الكلام ده يا "قمر" هانم.
ربعت "ورد" قدماها على السرير تطالعها بطريقة فكاهية تزيل من ذلك التوتر الذي يشوب الأجواء:

_ أولاً عمو "فارس" بريء من الحكاية "مهاب" أكدلي الكلام ده وطمني إنها واحدة نصابة والحكاية باينة ومش مستوجبة القلق،
ثانياً عمو "فارس" وخالتو بيحبوا بعض يعني الأزمة اللي بينهم هتتحل إن شاء الله ومش هتطول،
ثالثاً يا بنتي أنا حفظاكِ فقري واعترفي يا "قمر" يا بنت الجوهري قبل ما أضربك كف وأخليكي تعترفي غصب عنك.
ابتسمت ابتسامة باهتة على حركاتها وظلت صامتة كأن الكلمات ثقلت على لسانها لتعاود "ورد" سؤالها لكن هذه المرة كان صوتها يحمل ليناً وحناناً:

_ اتكلمي يا حبيبتي أنا سامعاكِ الحكاية تخص "حسين" صح؟
عضت على شفتها السفلية تكتم عبراتها وهزت رأسها تؤكد صدق حدسها:

_ أنتِ بتحبيه يا "قمر" صح؟
شهقة حسرة شقت صدرها وتساقطت دموعها بقهر وهي تجيبها:

_ بحبه أوي.
أشفقت عليها "ورد" فقد أصبحت تتذوق مشاعر الحب لتمسح على ذراعها تسألها بصوت هادئ:

_ طب حصل إيه؟
لتحكي لها ما حصل لها بالأمس وكيف سندها وواساها حتى أنها نامت بين أحضانه ليصدمها عندما تركها وغادر قبل أن تستيقظ وكيف فتحت عينيها لتجد المكان جوارها بارداً:

_ معرفتيش راح فين؟ أقصد رجع البيت ولا سافر تاني؟
هكذا جاءها سؤال "ورد" ليذكرها بتلك الغصة التي جرحتها بعد أن هاتفته لتعلم أين هو،
اعتدلت في رقودها رفعت يدها تعيد ترتيب خصلات شعرها وواضعة خصلاتها الأمامية خلف أذنها ثم التقطت هاتفها تتصل به ليأتيها صوته الدافئ:

_ ألو "حسين".

_ ألو أيوه يا "قمر" صباح الخير.

_ صباح النور أنت فين؟

_ أنا في المكتب طليت على خالتو في المستشفى وجيت المكتب بقالي فترة سايبه قلت آجي أشوف أخبار الشغل إيه...
ليسألها بقلق:

_ عاملة إيه دلوقت أحسن؟

_ أيوه أحسن الحمد لله هروح المستشفى بعد شوية.

_ طيب ماشي بس....

_ "حسين" رجعت إمتى؟ الحمد لله على السلامة وحشتني.
اخترق أذنها صوتها الذي اقتحم المكان فجأة ليفجر براكين الغيرة داخلها فلم يخفَ عليه نبرة الشوق واللهفة التي حملها صوتها ودخولها المكتب عليه من دون استئذان:

_ أهلاً يا "سالي" الله يسلمك وصلت امبارح.

_ ده المكتب مظلم من غيرك أيوه كده تعالى شيل الحمل عني شوية.
أجابها بحرج:

_ إن شاء الله.
كانت تسمع حوارها وتلمس تلك الجرأة التي تتحدث بها تتصنع الدلال في كلاماتها تباً لها هي الآن معه وحدهما في المكتب وكادت أن تنادي عليه لكنه سبقها مستأذناً من تلك السمجة:

_ ثانية واحدة يا "سالي" أكلم "قمر".

_ ألو "قمر" أنتِ سامعاني؟

_ أيوة.

_ متروحيش المستشفى قبل ما تفطري.. عشان تقدري تقاومي، خالتو محتاجاكِ وعمو "فارس" كمان.

_ حاضر.
صمت قليلاً قبل أن يقول لها:

_ خلي بالك من نفسك..
عادت من ذكرياتها تمسح تلك الدمعة التي انسابت ببطء عن وجنتها كانت "ورد" تطالعها بإشفاق امتزج بالحيرة:

_ طب ما تكلميه يا "قمر" اعترفي بحبك ليه أحسن ما تخسروا بعض؟

_ خايفة يا "ورد" خايفة يكون بطل يحبني، خايفة أفرض نفسي عليه، هو من حقه يشوف حياته أنا غلطت وجرحته لازم أتحمل نتيجة الغلط ده.
لتتساقط دموعها بحسرة:

_ أنا اللي ضيعته من إيدي يا "ورد".
ضمتها "ورد" بقوة ومسحت دموعها تحاول التخفيف عنها:

_ بس يا "قمر" كفاية كل شيء هيتحل متخافيش وصدقيني هو لسه بيحبك اعترفيله يا "قمر" متخافيش.

_ حاسة إني ضايعة مش قادرة آخد قرار واللي حصل بين "ماما" و"بابا" زود ضياعي أكتر.
ربتت "ورد" على ذراعها تطمئنها:

_ كل شيء هيتحل إن شاء الله.
ليتعالى رنين هاتف "ورد" لكنها تجاهلته حتى انقطع ليعاود الرنين من جديد بإلحاح لتكفكف "قمر" دموعها وتنظر إلى الهاتف القريب منهم:

_ ما تردي يا "ورد" جايز حاجة مهمة.
لكنها هزت رأسها بثقة:

_ ده "مهاب" أكيد.
ومدت يدها تلتقط الهاتف وتجيبه وهي تطالع "قمر" بحرج:

_ أيوه يا "مهاب" معلش آسفة كنت بتكلم مع "قمر" دي قاعدة قدامي وبتشكرك كمان.
كلماتها أوصلت الرسالة إليه ليتفهم مقصدها وينهي تلك المكالمة بسرعة وسط نظرات "قمر" التي ابتسمت من بين دموعها وهي ترى احمرار "ورد" خجلاً لتعاتبها مازحة:

_ طب بتحشريني في النص ليه؟ هو أنا كنت منعتك تردي؟
توترت بحياء وقالت متلعثمة:

_ كنت هتصل بيه بعدين.
اتسعت ابتسامة "قمر" وقالت تشاكسها:

_ شكله بيحبك أوي.
أومأت لها مؤيدة لحديثها وقالت محرجة:

_ هو بيحب يتصل ويطمن عليا.
ثم نظرت إليها تخبرها تداري خجلها:

_ وسأل على "بابا" وخالتو "شمس".
انفلتت ضحكة قصيرة من "قمر" وقالت بعبث:

_ أنتِ هتقوليلي أنا متأكدة.
**************************"" "" "

صعد إلى شقته بعد أن اطمأن على خالته وأهله دخل يبحث عنها فلم يجدها في المطبخ دخل إلى غرفة النوم ليتفاجأ بها تجلس شاردة الذهن عينها تائهة في الفراغ اقترب أكثر ليلمح تلك الدموع التي تلمع على وجنتها:

_ "رحمة" مالك يا حبيبتي؟
صوته القلق انتشلها من شرودها لتمسح دموعها بسرعة والتفتت إليه ترسم ابتسامة مصطنعة:

_ حبيبي الحمد لله على السلامة.. غير هدومك على ما أحضرلك العشا.
سبقت يده نهوضها ليجلس بجانبها يمنعها من الحركة وحرك أنامله بلطف تحت جفنيها يسألها بقلق:

_ أنتِ بتعيطي؟
أشاحت وجهها إلى الناحية الأخرى تهرب من سؤاله ونظراته التي شملتها بخوف وقالت كاذبة تدعك عينيها:

_ ماكنتش بعيط بس الظاهر حاجة دخلت في عيني.
مد يده يمسك ذقنها ويدير وجهها يجبرها على مواجهة عينيه:

_ كنتِ بتعيطي ليه يا "رحمة"؟
عضت على شفتها السفلية تكتم عبراتها عيناها ترمش بتردد هل تخبره أن ما تعيشه "شمس" أعاد لذكرياتها تلك الفترة القاسية وأعاد لها إحساس الخيانة المرة التي شعرت بها آنذاك أم تصمت وتستمر في كذبتها:

_ "رحمة" مالك اتكلمي؟
تعلقت عيناها بعينيه تبصر خوفه عليها رفع يده يمسح على وجنتها بحنو ويسألها برجاء:

_ أنا زعلتك؟ فيه حد من أهلي ضايقك؟
هزت رأسها نافية قبل أن تغطي فمها بكفها وتتساقط دموعها أمامه ليعقد حاجبيه بتعجب:

_ حبيبتي...
قاطعته تخبره بما يحزنها:

_ زعلت على خالتو "شمس" صعبت عليا أوي صعب بعد الحب ده كله يحصلهم كده.
حدجها بنظرة جانبية مستهجنة:

_ أنا كمان عمو "فارس" صعبان عليا ومتأكد إنه بريء.
ثم زفر أنفاسه بارتياح وعاتبها بضيق:

_ ما كنتي تقولي من البداية كان لازم جو الدراما ده؟
عبست تنظر له مستنكرة:

_ يعني بعد كل اللي حصل بتقول دراما؟ يعني مصعبش عليك قصة الحب اللي انتهت بالخيانة؟
أدرك هنا ما أحزنها وبدأ يستوعب سبب انهيارها، ما حدث أعاد لها تلك الذكرى الحزينة رفع يدها يضمها رغم تمنعها واختار أن يحول الحوار إلى فكاهة كي ينسيها الماضي، ثبتها يقرص أنفها ليمتعض وجهها تزيح يده برفض فضحك على ضيقها ومحاولات تملصها وهي تحرك جسدها يميناً ويساراً:

_ بس اهدي يا قموصة هانم.
ضغط على جسدها يوقف حركتها:

_ أولاً مافيش خيانة عمو "فارس" بيحب خالتو أوي واللي يحب مستحيل يخون وبكره تظهر براءته وتصدقيني ويرجعوا لبعض والحكاية هتكون مجرد ذكرى وامتحان لحبهم.
ضغط على كلماته حاول أن يوصل لها رسالته ثم استطرد:

_ ثانياً أنا جعان وعاوز أتعشى ومراتي "دراما" هانم بتعيط على خالتي وسايبة جوزها الغلبان يتضور جوعاً.
ربعت يدها على صدرها وقالت بحدة:

_ على فكرة كنت قايمة أعملك وأنت اللي رفضت.
هز رأسه بقلة حيلة وقال مازحاً:

_ أنا.... أخص عليا.
دفعته عنها بضيق تحاول النهوض وكررت حديثه ساخرة:

_ ابعد عني خليني أعمل العشا لجوزي الغلبان الذي يتضور جوعاً.
حرك يده بتحية عسكرية وقال بمرح:

_ حاضر سيدي القائد.
قبل أن يقرص وجنتها ويبتعد عنها يغمز لها بعبث:

_ أنتِ تؤمري يا جميل.
ضحكت على حركاته تغمغم قبل أن تغادر:

_ الراجل اتجنن عليه العوض ومنه العوض.
قهقه ضاحكاً قبل أن يصرخ متوعداً يشاكسها:

_ سمعتك على فكرة ماشي يا "رحمة" أغير هدومي وأجي أتفاهم معاكِ هوريكِ "زياد" المجنون هيعمل إيه.
************************

ثلاثة أيام مرت لم تغمض له عين سوى للحظات قليلة يطالع مكانها الفارغ بشوق ماذا يفعل كي تسامحه؟ تنهد بتمنٍ فربما نتيجة التحليل ترضيها، تحرك يده بحسرة يحاور طيفها:

_ وحشتيني يا حبيبتي.
جذب وسادتها يحتضنها ويستنشق عطرها العالق على خيوط قماشها معاتباً:

_ ليه القسوة دي يا "مشمش" هان عليكِ حبيبك "فارس" تهجريه الفترة دي؟
كم يشتهي عناقها بدل وسادتها يداوي جرحها وتنسيه همه،
ولم يكن حالها بأهون من حاله لقد اشتاقت له لكنها تكابر بعناد لم يتعبها الماضي بقدر ما أتعبها إخفاء الأمر عنها، كسر الثقة بينهم وإن كان غير متعمد فعل ذلك كما أخبرها "علي" أنه صاحب الفكرة وكذلك "سيف" الذي ظل يكرر عليها أن والده لا ذنب له، هو صاحب الذنب، هو من أصر عليه أن يخفي الأمر،
لكن رغم هذا قلبها لا يزال مجروحاً منه.

_ وبعدين هتفضلي على الحال ده كتير؟
هكذا لامت "ندى" شقيقتها وهي تضع فنجان القهوة أمامها طالعتها في صمت لتعقب "هدى" التي انضمت لهن:

_ يعني أختك غريبة عنك طول عمرها عنيدة.
التفتت "شمس" نحوها ترمقها باستنكار لتعاود "ندى" محاولاتها لإقناعها:

_ أنا شايفة إنك ظالمة "فارس" وبعدين الحكاية باينة ابتزاز وأنا متأكدة البنت مش بنته، "طارق" و"مهاب" كمان رأيهم كده والنهاردة التحليل هيظهر ويأكدلك الحكاية.
ثم أكملت "هدى":

_ وكمان "علي" أكدلك إن هو السبب و"سيف" كمان يبقى لازمته إيه الزعل ده، "علي" بيقول إنه تعبان أوي.
نغزها قلبها عليه بقلق رغم إنكارها وتصنعها الجمود.
نهضت "ندى" تجلس بجانبها تحيط كتفها وتمسح على ذراعها علها تستطيع إقناعها:

_ "مشمش" لو طلعت البنت مش بنته خلاص كفاية لحد كده "فارس" ما يستاهلش الزعل ده كله.

_ وبعدين أنتِ روحك فيه مش شايفة وشك عامل إزاي ولا بتاكلي ولا بتتكلمي تنكري إنه وحشك؟
هكذا شاكستها "هدى" لاستفزازها كي تتحدث،
تحرك عيناها نحوها بضيق ونجحت في جعلها تتحدث:

_ أيوة وحشني ومش هنكر بس قلبي لسه مجروح منه هو أنا اللي شفته شوية؟
عادت "ندى" تربت على ذراعها:

_ معلش يا "مشمش" أنا عذراكِ بس هو كمان ملوش ذنب بلاش قلبك يقسى عليه.
أغمضت عينيها ولو يعلمون أنها تقسو على قلبها قبله تكتم شوقها وحزنها في بعده وتحاول أن تضمد ذلك الجرح علها تنسى.
******************************

ارتجفت تلك الورقة بين يديها تقرأ محتوياتها بصدمة عصفت بثباتها ومزقت ذلك الأمل الذي تشبثت به عله يسحبها من ذلك المستنقع الوضيع، رفعت عينيها نحو والدتها التي كانت تقف مرتجفة من الخوف، ما آلة إليه الأمور فذلك المحامي الخبيث قد أخبرها أن نتيجة التحليل ستظهر بعد خمسة أيام لتتفاجأ أنها ظهرت بعد ثلاثة أيام، كان لديها وقت للهروب من فعلتها لكنهم أوقعوها في المصيدة لتجدهم أمامها يطالعونها بنظرة انتصار وغضب يحملون نتيجة التحليل السلبية التي تثبت أنها ليست ابنته وأنها كاذبة لكن الأصعب كان مواجهة صغيرتها التي كانت سعيدة أن لها أباً كـ "فارس" ماذا ستقول لها وهي ترى نظرتها المحترقة تطالعها بلوم،
اقتربت منها بخطوات متعثرة حتى كادت أن تسقط من هول ما تشعر به من خيبة أمل لتسألها بصوت مرتجف تشير لها نحو "فارس":

_ يعني هو مش أبويا؟
اغرورقت عيناها بالدموع تشاهد انهيار ابنتها التي ترتعش أمامها وتصرخ بقهر:

_ ردي عليا هو مش أبويا؟
عقد لسانها وانسابت دموعها تهز رأسها بخوف نافية، عيناها المحمرتان كانتا تحبسان الدموع بقهر تسألها معاتبة:

_ ليه عملتي كده؟ ليه خليتنا نكذب عليه؟ ليه دمرتي حياته؟ ليه خليتيني أحلم؟ ليه؟
صرخت بتساؤلها الأخير قبل أن تجهش بالبكاء بحرقة، اقتربت منها تحاول لمسها لترفع يدها توقفها عن التقدم وتعود خطوة إلى الوراء:

_ ما تلمسينيش جاوبيني أرجوكِ.
لتصرخ ببكاء مبرر:

_ عشان ماكانش قدامي غير كده بعد ما ترمينا في الشارع شفت الإعلان بتاع المحلات وافتكرته قلت هو اللي هينقذنا.
نظرت لها باستنكار تسألها بوجع باكية:

_ ومخفتيش إنه يعرف الحقيقة؟
هدأت شهقاتها تمسح دموعها تنظر نحو "فارس" الذي يراقب المشهد بغضب:

_ كنت متأكدة إنه مش هيعمل حاجة عشان عارفاه طيب وابن ناس وأنا كنت عاوزة أحكيله وأطلب منه يساعدني بس تهورت والله تهورت يا بنتي، قلت نعيش في خيره وتحت جناحه ولما مراته عرفت مالقتش مهرب قلت تلات أيام ألاقي حل وأهرب في اليوم الرابع مدام التحليل هياخد خمس أيام.
صمتت تلتقط أنفاسها بعد اعترافها المخزي لتكمل:

_ والله ما كنتش عارفة إن الحكاية هتوصل لكده.
ليهب "فارس" يهتف بانفعال بعد أن استفزه حديثها:

_ دمرتي حياتي وعيلتي وبتقولي ماكنتش عارفة؟ ده أنا هسود عيشتك وأسجنك وأوديكِ في ستين داهية يا حيوانة.
ارتعبت "شروق" من فكرة حبس والدتها هل بعد أن كانت تلقب بابنة الراقصة تلقب بابنة السجينة وتوصم بعار جديد يزيد حياتها مأساة وقبحاً لتركض نحوه ترتمي تحت أقدامه وانحنت تقبل حذاءه متوسلة:

_ بلاش السجن يا بيه ربنا يخليك اعمل فينا أي حاجة بس بلاش السجن إحنا هنمشي ومش هتشوف وشنا تاني ولو تحب أنا مستعدة أشتغل عندك خدامة بس تعفو عنها أنا مستعدة أروح لمرات حضرتك وولادك وأعتذر منهم وأقلهم الحقيقة أبوس جزمتك يا بيه.
وعادت تقبل حذاءه ترجوه بهستيريا ذُهل "فارس" منها وأشفق عليها كما أشفق عليها "مهاب" و"شريف" اللذان تعجبا من فعلتها، انحنى "فارس" يمسك ذراعه يحثها على النهوض رافضاً ما تفعله:

_ استغفر الله يا بنتي أنتِ بتعملي إيه؟ قومي ما يصحش كده.
تمسكت بيده تقبلها برجاء:

_ سامحها يا بيه أرجوك أنا آسفة والله آسفة على اللي عملته بس أرجوك بلاش تحبسها أنا ماليش غيرها.
ساعدها على النهوض لتقف أمامه منكسرة وعيناها تترقب حكمه عليهم، توزعت نظراته بين "مهاب" و"شريف" قبل أن تستقر عليها يرى دموعها التي غسلت وجهها وعينيها الذابلة يسكنها الحزن، ذلك الذل المرتسم على وجهها أوجعه رق قلبه لها ليقول بحدة رغم شعوره بالأسى عليها:

_ أنا مش طيب لدرجة أسكت على الابتزاز زي الهانم أمك ما بتقول ولا غبي عشان أرمي فلوسي للي يسوى ومايسواش.
أطرقت عينيها يثقلها العار من فعلة والدتها كأنها تحمل ذنب خطأ لم ترتكبه:

_ لكن أنا برضه راجل وابن أصول ومرضاش إنك تذلي كده، أنا لو هعفو عنها يبقى عشانك.
رفعت رأسها تطالعه بأمل ولد من حديثه لكن لم يدم كثيراً وعاد الخوف يسكنها عندما سمعت اعتراض "شريف" و"مهاب":

_ "بابا" إيه اللي بتقوله ده؟ دي مجرمة أنت ناسي اللي حصل لـ "ماما"؟

_ "فارس" بيه القضية لابساها ده تشهير.
عيناه كانتا معلقة بها يطالع عينيها التي نظر إليها طويلاً ثم تنفس بهدوء كأنه يزيح عن كاهلها ذنباً ليس ذنبها،
تبدد شيء من حدته وقال:

_ خلاص يا ولاد أنا ما يهونش عليا كسرة....
ثم صمت بعد أن نسي اسمها لتذكره بابتهاج:

_ "شروق" يا بيه...
ابتسم بخفة وقال بعد أن لانت ملامحه:

_ أنا مش هكون ندل زي أمك.
ثم وجه نظراته الغاضبة نحو والدتها:

_ "بوسي" طول عمرها ندلة زمان ودلوقت.
ثم هتف متوعداً:

_ لكن أقسم بالله لو عملتِ حركة ندالة تانية مش هيكفيني السجن.
أدمعت عيناها بسعادة وتمنت لو كان حقاً والدها فدعت له بصدق:

_ يارب يحفظك ويحميك متشكرة متشكرة أوي جميلك فوق راسي طول العمر.

_ باين إن معدنك طيب يا "شروق" بلاش تسيبي أمك تلوثه.
مسحت دموعها وكل كلمة ينطقها كانت تزيدها إعجاباً به:

_ ربنا يجبر بخاطرك.
ابتسم لها وسط امتعاض وضيق "شريف" و"مهاب" الذي زاد عندما سمعا باقي حديثه:

_ الشقة دي إيجارها هيدفع الشهر ده تقدروا تفضلوا هنا لغاية ما تلاقوا مكان.

_ كتر خيرك أنا والله ما عارفة أقول إيه.

_ "بابا" أنت بتعمل إيه؟
هكذا لامه "شريف" لكنه تجاهله وهم بالرحيل مشيراً لـ "مهاب":

_ يلا يا ولاد.
وقف عند عتبة الباب وهو يسمع نداءها ترجوه:

_ يا بيه أرجوك ممكن أشوف مرات حضرتك عاوزاها تسمع الحقيقة مني وأعتذر لها لو سمحت عاوزة أرد ولو حاجة بسيطة.
ضج قلبه بشوق لتلك العنيدة وربما نتيجة ذلك التحليل منحته شيئاً من الأمل أنها ستصفح عنه ورغم أن قلبه يحمل حزناً منها لكنه يتمنى أن يلقي نفسه بين أحضانها الآن ويخبرها أنه كان على حق لم يكن يوماً آثماً بتلك الخطيئة كم يشعر بسعادة اليوم أن الله برأه،
كانت عيناها مثبتة عليه تنتظر جوابه ليومئ لها بالموافقة يعلم أنها تريد أن تتخلص من ذلك الذنب وإن كان ليس لها.
رحلت معه بعد أن استجاب "فارس" لطلبها لكنها حدجت والدتها بنظرة ازدراء قبل أن تغلق الباب خلفها لتجلس "بوسي" تبكي بندم على ما فعلته بنفسها وبابنتها.
تفاجأ "شريف" برفض والده المجيء معهم لبيت عمهم وقرر الذهاب للمنزل ورغم تعجبه لكن عذره على قراره.
تعجبت "شمس" من رؤية هذه الفتاة أمامها وطلبها للقائها لكنها جلست تستمع لها.
*********************************

خرجت تبحث عنه تأكلها الغيرة بعد أن سمعت أن تلك الفتاة قد حضرت معه إلى منزلهم،
أنهى مكالمته الهاتفية واستدار ليتفاجأ بها تقف خلفه، تربع يدها على صدرها، وتزم شفتيها، وتنظر له بعبوس، ليهتف بشوق:

_ حبيبتي، وحشتيني.
لكن عوضًا عن استقباله، باغتته بسؤال:

_ إنت اللي جبت البنت اللي اسمها "شروق" هنا؟
قطب حاجبيه متعجبًا وأجابها بهدوء:

_ أيوه.
إجابته الباردة استفزتها، لتهب به وتسأله بانزعاج:

_ وإنت إزاي تركب معاها العربية لوحدكم، وكمان تجيبها لغاية هنا؟
لم يفهم مقصدها في البداية، واعتقد أنها تلومه، غافلًا عن نبرة الغيرة التي يحملها سؤالها، ليجيب عليها بضيق:

_ أولًا أنا محامي عمك، ثانيًا "شريف" كان معانا.

توترت، فيبدو أنها لم تنتبه لوجود "شريف"، فقد أشعل غيرتها قول تلك الفتاة إنها حضرت برفقة المحامي، لتعتذر متلعثمة:

_ ما كنتش أعرف إن "شريف" كان معاكم، الظاهر دخل لـ "أحلام" أوضتها.

أدرك غيرتها، لتغمره السعادة. اقترب منها حتى انعدمت المسافة بينهما، فرفع أحد حاجبيه وسألها:

_ إنتِ بتغيري عليا؟

رفعت كتفيها وقالت بسرعة وعفوية:

_ وما أغيرش ليه؟ مش إنت خطيبي، لازم أغير عليك.

أمسك كفيها بيديه وقال بلهفة، وعيناه تغرقان في عينيها:

_ بتغيري عليا يعني بتحبيني؟
غزت وجنتيها حمرة الخجل، فحاولت سحب يديها من بين يديه، وحاولت الهروب من أمامه بارتباك:

_ أنا لازم...
تسارعت أنفاسه، ولم يمنحها الفرصة لإكمال حديثها. ارتفعت يداه تمسكان كتفيها، تمنعانها من الهروب، وعيناه تحيطها بعشق، يسألها برجاء:

_ لا... لا، عاوزة تهربي فين؟ قوليها يا "ورد"، قوليها، أرجوك. أنا شايفها في عينيكِ، خليني أسمعها. إنتِ بتحبيني؟

خفق قلبه بجنون، كما خفق قلبها، لكنها أسدلت أهدابها بخجل، وكأن الكلمة التي يطلبها أثقل من أن يحملها لسانها. ظلت صامتة للحظات، تحاول أن تجمع شجاعتها، بينما كانت عيناه معلقتين بوجهها، ينتظران منها تلك الكلمة التي طالما تمنى سماعها.
رفعت عينيها إليه أخيرًا، فالتقت عيناها بعينيه، وارتجفت شفتاها وهي تهمس بحرج:

_ بحبك.

للحظة ظل ينظر إليها، وكأنه لم يصدق ما سمعه، ثم تهللت أساريره وابتهج، يحتضنها بقوة، كأنه يحاول أن يخبئها في ثنايا قلبه:

_ وأنا بموت فيكِ يا قلب "مهاب".

تعالت ضحكاتهما وهو يرفعها عن الأرض هاتفًا:

_ بحبك... بحبك يا "ورد".
أنزلها برفق وأحاط وجهها، يكاد يلهث أنفاسه المنتشية باعترافها، وعاد يتوسلها:

_ قوليها يا "ورد"، أرجوك يا حبيبتي، قلبي عاوز يسمعها.
رفعت عينيها نحوه بحياء، وسعادتها ضعف سعادته، إنها أخيرًا وجدت قصة الحب التي ستعيشها بدل أن تكتبها، لترضيه بكلمة أنعشت قلبه:

_ بحبك يا "مهاب".

اتسعت ابتسامته حتى بان اصطفاف أسنانه، ليميل عليها يحاول أن ينال ما يتوق له، منذ أن سكن عشقها قلبه. أغلقت عينيها بهيام، تستقبل تلك المشاعر الجديدة، وهي تشعر بدفء أنفاسه يضرب بشرتها، لكنه انتفض مبتعدًا بحرج قبل أن ينال مبتغاه عندما سمع والدها يصرخ عليه مناديًا:

_ "مهاب"

تعليقات



<>