رواية عتبة الابواب الفصل الثالث3بقلم مي عيد


رواية عتبة الابواب الفصل الثالث3بقلم مي عيد

فتحت ولقيتها كيندا.. 
​دخلت كيندا تجري وشقوتها مالية الأوضة كالعادة، وبدأت تتنطط حواليا وهي بتحكي لي عن يومها والمدرسة ومشاكلها الصغيرة. قعدنا مع بعض فترة طويلة نلعب ونهزر، وطريقتها اللمضة تنسي أي جو مشحون في البيت. لحد ما جه الليل، وكيندا استأذنت وطلعت تروح أوضتها عشان تنام.

​بعدها بشوية، باب الجناح اتفتح ودخل رعد.
​كان شكله مرهق ورايح في التعب، وملامحه جافة وصارمة كعادته بس واضحة عليها آثار الإرهاق الشديد وضغط الشغل. دخل الجناح من غير ما ينطق ولا كلمة، قلع جاكت البدلة ورماه على الكنبة بتعب، وفك زرار قميصه الأولاني.. 

​بصيت له من بعيد، وصعب عليا حالته ومنظره وهو تعبان كده، فرغم إن طريقتنا مع بعض ناشفة ومفيش بينا كلام كتير، إلا إن الواجب فرض نفسه. نزلت بخطوات هادية للمطبخ عشان أعمله عصير ويفوقه من تعب اليوم.

​وأنا واقفة في المطبخ بجهز العصير ومنشغلة، مخدتش بالي من الخطوات اللي قربت مني في سكات. وفجأة، لقيت عمتي منى وهي بتبص حواليها وتأكّدت إن المطبخ فاضي، وقربت مني بغيظ وقبل ما ألحق أتحرك، خبطت إيدي اللي ماسكة كوباية العصير في حرف الرخامة بقوة
​كتمت صرخة وجع خرجت من روحي، وبصيت لها بصدمة وغضب، بس هي ردت بنظرة شريرة وهمست بصوت واطي:
"دي قرصة ودان بسيطة عشان تعرفي إنك مش مرغوب فيكي هنا بس براڤو قدرتي تطلعي هدى من البيت. وسابتني وطلعت بسرعة قبل ما حد يشوفها.

​سحبت إيدي اللي كانت بتترعش من شدة الألم، وبصيت للأثر الأحمر اللي بدأ يظهر عليها. بلعت وجعي، وخلصت وطلعت بيه للجناح بخطوات بطيئة.
​دخلت ولقيته قاعد على الكرسي وماسك راسه بإيده. قربت بهدوء وحطيت الكوبايه قدامه على الطاولة من غير ما أنطق حرف، بس وأنا بسحب إيدي، عيونه لقطت الأثر الأحمر والورم البسيط اللي عليها.
​رعد رفع عيونه ببطء، وبص لإيدي بتركيز شديد، مد إيده وفجأة مسك معصمي بحركة سريعة بس هادية، وقال: 
"إيه اللي في إيدك دي؟! ومين عمل فيكي كده؟"

​سحبت إيدي بسرعة من إيده بارتباك واضح، وبصيت في الأرض وقلت بصوت مهزوز عشان مخليش الأمور تولع:
"مفيش.. وأنا في المطبخ اتخبطت في طرف الرخامة غصب عني.. 
​رعد ضيق عيونه وبص في عيني بنظرة شك قوية كأنه بيقرا أفكاري وبيحاول يكشف الكدبة، وواضح جداً إنه مكنش مصدق كلمة واحدة من اللي قولتها.. بس اكتفى إنه يسكت وميعلقش، مع إن نظراته كانت بتتوعد ودا خوفني اكتر
​سكت شوية وأنا واقفة مكاني مترددة، وهو شرب من العصير ورجعه على الترابيزة بضيق وقال بصوت جاف:
"روحي نامي يا ليل
​هزيت راسي بهدوء، ودخلت الجانب التاني من الجناح وأنا حاسّة إن البيت ده كابوس مش بيخلص. قعدت على طرف السرير، وفتحت شنطتي وطلعت مذكرتي القديمة عشان أكتب فيها اللي حصل، وأنا بفضفض لنفسي عن إحساس القهر اللي عايشاه،

​وفجأة.. وسط سكون الليل، سمعت صوت حركة خفيفة برة باب الجناح، كأن فيه حد واقف بيتصنت علينا. 
​قمت من مكاني على مهل وبخطوات بطيئة جداً، و قربت من الباب، ومديت إيدي مسكت المقبض.. وفتحت الباب بس للأسف، الطرقة كانت فاضية ومظلمة تماماً، ومفيش غير نسمة هواء خفيفة بتلعب في الستائر!

​وقفت مكاني بذهول وأنا بقلب عيني يمين وشمال، هو أنا بيتهيألي ولا فيه فعلاً حد بيلعب بأعصابنا وبيراقب خطوة بخطوتنا في الفيلا دي؟ قفلت الباب بهدوء، ورجعت الأوضة وأنا قلبي بيدق بسرعة، ولقيت رعد واقف قدام الشباك ومضيّق عيونه بشرود وماسك سيجارته بضيق.
​بص لي بنظرة سريعة وقال بصوت جاف:
"فيه إيه؟ كنتي فاتحة الباب بتدوري على مين؟"
​بلعت ريقي وقلت بصوت هادئ وأنا بحاول أداري توتري:
"مفيش.. حسيت بصوت بره، افتكرت حد بيعدي، بس طلعت الطرقة فاضية."

​رعد رمى السيجارة في المنفضة، وجه وقف قدامي مباشرة، نظراته كانت حادة وثاقبة لدرجة حسيت إنه بيقرا أفكاري، وقال بنبرة تحذيرية صارمة:
"ليل.. الفيلا دي مفيش فيها حاجة بتتحرك بالصدفة، ولو فيه حد فكر يضايقك بحرف واحد، أنا اللي هجيبه بنفسي.. ودلوقتي بطلي تفكير في الهبل ده ونامي، عشان ورايا بكرة يوم طويل ومش عايز قلق."

​اتنهدت بهدوء وطلعت على السرير وأنا حاسّة إن البرود اللي بيننا ده جواه عاصفة كبيرة هتقلب كل موازين البيت قريب.. خصوصاً مع الوشوش اللي بتظهر في الظل من غير ما حد يحس!
______________
​تاني يوم الصبح، صحيت على نور الشمس الهادي وهو بيدخل من شباك الجناح. فتحت عيني بتعب، وبصيت جمبي لقيت مكان رعد فاضي والسرير بارد، واضح إنه صحي من بدري كالعادة. قمت، وأخذت شاور سريع فوّقني، رجع ودخل بهدوء، واتكلمنا شوية عن يومنا ببرود هادئ وخفيف من غير أي شد أو عصبية، وبعدها سابني وراح يشغل نفسه في مكتبه.

​مر اليوم لحد ما جه الليل، وفتحت تليفوني بالصدفة عشان أتابع الوقت، وهنا كانت المفاجأة اللي هزتني: لقيت إن بكرة هو "وقفة عرفات"!
​دمعت عيني غصب عني من كتر ما الأيام كانت بتجري بينا وسط المشاكل والكوابيس، وإني نسيت التاريخ بالكامل. حسيت بشوق كبير لأيام زمان وبركة اليوم ده. ولما الفيلا هديت بليل، فرشت سجادة الصلاة، ولبست الإسدال، وقفت أدعي ربنا بدموع وخشوع وأصلي قيام الليل بكل اللي في قلبي.
​وأنا مندمجة في الصلاة، حسيت بحركة خفيفة ورايا، فلما خلصت وسلّمت، لقيت رعد واقف ومعاه سجادة صلاة، فردها بهدوء قدامي وقال:

"تقبل الله يا ليل.. كملي صلاتك، أنا هصلي معاكي الإمام."
​قلبي دق بسعادة وغرابة في نفس الوقت؛ عمر ما جت في بالي أبدًا إن رعد هيكون بيحافظ على قيام الليل بالمنظر ده. وبالفعل، وقفنا أنا وهو، وصلّينا ركعات قيام الليل في خشوع وسكينة مكنتش أتخيل إنها موجودة جوه الجناح ده أصلاً.

​بعد ما خلصنا، قعدت على سجادة الصلاة، ودموعي لمعت في عيني وبصيت له بصوت مهزوز ومكسور:
"أنا زعلانة أوي يا رعد.. تصدق إني كنت غافلة ومش عارفة إن بكرة وقفة عرفات؟ حسّة إني مقصرة أوي الفترة اللي فاتت وسط كل المشاكل دي، وخايفة.. خايفة يكون ربنا زعلان مني عشان بعدت واهتميت بكل التفاصيل دي ونسيت نفسي!"
​رعد بصلي، ومسح دموعي بهدوء وقال
"استغفري ربنا يا ليل، وارفضي أي إحساس باليأس ده. تعالي أقولك.. عارفة ربنا سبحانه وتعالى بيحب عبده التائب والمقبل عليه قد إيه؟ اقري أو افتكري دايماً في قصة الرجل اللي قتل مية نفس، وراح يستفتي عابد فظن إن ملهاش توبة فقتله، وبعدين راح لعالم تاني دله على طريق التوبة الصادقة.. وفي طريق توبته قبضه ملك الموت، فاختلف ملائكة الرحمة وملائكة العذاب مين يأخذه، فأوحى الله للأرض التي أراد أن يتوب فيها أن تقتربي، وللأرض التي هرب منها أن تبتعد، فوجدوه أقرب للأرض الصالحة بشبر فغفر الله له! ربنا مش بيستنى منا نكون ملائكة بلا خطيئة، ربنا بيفرح بتوبتنا وقربنا مهما كانت ذنوبنا أو تقصيرنا.. باب التوبة مفتوح وواسع أوسع من أي حاجة تتخيليها."
​سمعت كلامه فحسيت ببرد السلام بينزل على قلبي، وبدأت دمعة راحة تنزل على خدّي. وبمنتهى العفوية، وبسبب التوتر والموقف، بصيتله وطلعت ضحكة من قلبي وفضلت أضحك بصوت عالي وهستريه وأنا بقول:
"معلش.. معلش والله ما قصدي أقطع اللحظة الإيمانية دي، بس بجد بجد.. مكنتش أبدًا متوقعة إنك متدين كده وبتصلي قيام ليل بكل الخشوع والجمال ده! أنا في الأول كنت مفكراك إنسان جاف. 
​رعد بصلي ببرود مصطنع وهو رافع حواجبه بطريقة مضحكة، وبعدين ابتسم غصب عنه وقال بصوت هادي
"بقى كده يا ليل؟ بتضحكي عليّا؟ طب وربي لأسيبك تضحكي لوحدك!"
​ولسه هرد عليه ونكمل ضحك، فجأة باب الجناح اتفتح بعنف ومن غير أي إذن.. وطلت علينا كيندا وهي بتجري كالعادة وبتزعق بصوت عالي:

"أبيه رعد! الحقني، التلفزيون في الصالة الكبيرة باظ ومش راضي يشتغل خالص ومحتاجاك!"
​رعد اتنفض بغضب وملامحه اتحولت في ثانية للصرامة الحادة، وبص لكيندا بعيون بتطلع شرار وقال بصوت مرعب:
"كينداااااااا! كام مرة أقولك لما الباب يكون مقفول، تخبطي قبل ما تدخلي بالطريقة الهمجية دي؟!"
​كيندا اتخضت وبلعت ريقها بخوف من نظرته، وقبل ما تنطق بحرف، رعد بص قدامه بملامح جامدة وقال بصوت منخفض ومحذر، وكأن فيه كارثة مستنيانا بره الجناح:

"استنّي هنا يا كيندا.. هو مين اللي كان واقف دلوقتي على باب الجناح من بره؟ 

                   الفصل الرابع من هنا

تعليقات



<>