رواية عتبة الابواب الفصل الرابع4بقلم مي عيد
م مفيش حد يا ابيه برا
قال رعد بتنهيده: ماشي يا كيندا روحي نامي الوقت اتاخر، هزت راسها كيندا ومشيت
سالت رعد بتردد:في ايه يا رعد... بصلي وسكت وبعد ثواني قال مفيش يلا ننام
اتنهدت وقومت نمت وانا مش مطمنه للجاي
_____________
صحيت الصبح بدري على صوت التكبيرات العالية اللي كانت ماليّة أرجاء الفيلا والشارع برة، صوت بيبعث الراحة والسكينة في القلب وكأن الهموم كلها انزاحت دفعة واحدة. فتحت عيني بابتسامة واسعة، وبصيت جمبي لقيت السرير فاضي، ورفعت راسي باستغراب لحد ما باب الحمام اتفتح وخرج رعد.. وكان لابس جلابية بيضاء بملامح وقورة وهيبة مميزة جداً لشكل العيد، واضح إنه كان خلاص جهز ورايح يصلي صلاة العيد.
بص لي بابتسامة خفيفة وقال
"صباح الخير يا ليل.. تقبل الله طاعتك.. يلا اصحي جهزي نفسك عشان ننزل تحت، العيلة كلها متجمعة."
قمت بسرعة وأنا حاسة بروح العيد الحقيقية، جهزت ولبست لبس العيد المناسب، ونزلت معاه على تحت. الفيلا كانت مزينة والجو كان غير عادي، وبعد ما رعد رجع من صلاة العيد، بدأت أجواء البهجة الحقيقية واللمة العائلية.
جه وقت "العيّديات" والتقاليد الجميلة؛ جدو وقف وسط الكل وبدأ يوزع العيدية على الصغيرين والكبار بابتسامة واسعة وسعادة ظاهرة على وشه، ورعد كمان كان بيوزع على الكل بروح لطيفة بعيدة عن الجفاف والصرامة اللي متعودين عليها.
أنا كنت واقفة بعيد شوية لوحدي بتفرج على فرحة الناس وكسلانه أقرب وسط الزحمة دي، وفجأة حسيت بخطوات ثابتة بتقرب مني. لفيت وشي لقيت رعد واقف قدامي مباشرة، ومد إيده وفيها ظرف صغير فيه العيدية، وبصلي بابتسامة وقال:
"كل سنة وأنتِ طيبة يا ليل.. وعيدك سعيد وسطنا."
بصيت للظرف ولمست الظرف بخجل وقلت بصوت هادئ:
"وأنت بالصحة والسلامة يا رعد.. شكراً."
بعد ما اللمة هديت والكل بدأ يتفرق، رعد قرب مني وقالي بابتسامة هادية:
"بقولك ايه يا ليل.. إيه رأيك بكرة نخرج سوا نقضي يوم العيد برة الفيلا لوحدنا؟ بقالك كتير أوي منزلتش ولا شفتي الشارع."
بصيت له بسعادة حقيقية، ووافقت علطول وأنا حاسة بابتسامة واسعة على وشي، وقلت:
"ياريت بجد، محتاجة أشم هوا برة شوية."
تاني يوم الصبح، ركبنا العربية سوا وطلعنا نتمشى ونقضي اليوم برة أجواء البيت والمشاكل. وأحنا ماشيين في طريق هادي، وفجأة ومن غير أي إنذار، عربية تانية طلعت علينا بسرعة جنونية وكأنها قاصدة تضاربنا!
فتحت عيوني برعب حسيت الدنيا بتلف بيا، وصرخت بأقصى ما عندي وأنا باصة لرعد اللي كان بيحاول بكل قوة يسيطر على طارة العربية:
"رعــــــــــــد.....
______________
أصوات الصراخ وتداخل حديد العربيات المتشابك فضلت ترن في وداني كأنها كابوس أبدي ملهوش نهاية ولا قاع. حسيت بروح تسحب مني ببطء شديد، ودفعة قوية من الألم والظلام هجمت عليا لحد ما غبت عن الوعي تماماً ومحستش بأي حاجة حواليا. كأن العالم كله اختفى في ثانية وبقي فراغ مرعب.
فتحت عيني ببطء شديد وبصعوبة بالغة، النور الأبيض الساطع في السقف جرح عيني وخلاني أقفلها تاني غصب عني. ريحة المستشفى النفاذة والمعقمات الطبية ملت صدري، وحسيت بصداع ثقيل بيضرب في رأسي كأن فيه مطارق حديدية بتخبط جوه جمجمتي. حاولت أحرك دراعي فحسيت بوجع خفيف ومحاليل متوصلة في عروقي.
لفيت وشي ببطء وأنا تايهة ومش متخيلة أنا فين،. لقيت عيلة رعد كلها متجمعة في الأوضة.. كيندا كانت منهارة تماماً ودافنة وشها في حضن عمتها وبتعيط بصوت مقطوع ومبحوح، وجدو عز كان واقف جنب السرير ماسك عصايته بقوة، وعيونه الحمرة كانت مليانة دموع نازلة بصمت مهيب يعبر عن قهر سنين، ومي كانت واقفة جنبهم وشها أصفر تماماً وغارقة في نوبات عياط متواصلة وهي مخبية وشها بإيديها.
حاولت أعدل نفسي وأقوم وأنا حاسة برعشة في جسمي كله، بصيت لهم باستغراب ودوخة، وبصوت مهزوز ومتقطع سألتهم:
"هو.. هو إيه اللي حصل؟ إحنا إزاي هنا؟ ورعد فين؟
الكلمات طلعت من لساني بصعوبة، بس الجواب كان صمت مرعب طبّل في الأوضة. مفيش حد قدر يبص في عيني أو يواجه نظراتي المستغربة. الكل نزل راسه لتحت، كأنهم هاربين من إجابة عارفين إنها هتنهي الباقي فينا.
بعد ثواني كأنها الدهر، مي قربت مني ببطء شديد، وخطواتها كانت تتقل بصوت دقات قلبها المكسور. وقفت جنب السرير، ودموعها بتنزل بغزارة على خدها، مسكت إيدي المرعشة وقالت بصوت مجروح يكاد يكون مش مسموع:
"ليل.. اصبري واحتسبي.. البقاء لله يا حبيبتي.. رعد.. رعد مات في الحادثة."
الكلمة نزلت على روحي كأنها صاعقة مدمرة، أو ضربة سكينة حامية نزلت في وسط قلبي فجمّدته تماماً. حسيت إن الأكسجين كله اتقطع من الأوضة، وإن الدنيا لفت بيا و...
