رواية عهود الطفولة الفصل الثامن8 بقلم مي عيد


رواية عهود الطفولة الفصل الثامن بقلم مي عيد

الشهور الأخيرة من الحمل كانت بتمر عليا كأنها سنين، مش مجرد أيام. بطني كبرت، والحركة بقت أثقل، وبقيت قاعدة معظم وقتي على الكنبة في الصالة، باصة لكل حاجة حواليا وبتمنى الوقت يجري بسرعة عشان أشوف البيبي اللي هيملي عليا الدنيا.
​تميم كان سايب شغله كأنه في حالة طوارئ مستمرة. مكنش بيتحرك خطوة بعيد عن البيت إلا للضرورة القصوى، وكل همّه إنه يلبي أي طلب قبل ما أنطق بيه. بابا كمان كان بيجيلنا كل يومين، يطمن عليا ويجيب معاه حاجات حلوة وفاكهة، ويقعد يضحك معايا ويهديني من قلق الولادة اللي كان مخليني مش بتنفس صح.
​في يوم، الصبح بدري، تميم صحاني على ريحة قهوته وفطار خفيف جهزه بإيده. جه قعد جنبي على السرير، وباس راسي بحنان وقال بصوت دافئ:
​"صباح الخير يا ست الكل.. البيبي عامل إيه مع ماما النهاردة؟"
​ابتسمت بتعب خفيف وأنا بظبط شعري، وقلت:
​"صباح النور.. البيبي كويسة، بس شكلي أنا اللي تعبانة ومش قادرة أتحمل تققل الشهر التاسع ده."
​تميم ضحك ضحكة هادية، وقال وهو بيطبطب على كتفي:
​"معلش يا حبيبتي، خلاص هانت.. أيام معدودة وتبقي ولادة بالسلامة، وأنا جنبك ومش هسيبك لحظة."
​قعدنا فطرنا سوا بهدوء، وبعدها نزل هو لشغله بعد ما أوصاني ألف مرة أفتح التكييف وأريح وما اتحركش كتير. فتحت التلفزيون شوية، وبعدين لقيت نفسي باخد بعضي بالراحة وبدخل أوضة ماما الله يرحمها.
​قعدت على السرير، وفتحت الدولاب وطلعت طرحتها القديمة اللي كانت دايماً بتحطها على كتفها. حضنتها لصدري، ودمعتي نزلت في سكات وأنا بكلمها جوايا:
​"شايفاكِ يا ماما؟ لو كنتِ هنا، كنتِ زمانك محضرة كل حاجة ومهدية روعي من الخوف. بس أنا عارفة إنك حاسة بيا، ادعيلي يا ضحكة البيت أعدي الولادة على خير وأشوفي بيبي سليم معافي يعوضني عن تعبي."
​قعدت شوية لحد ما حسيت بهدوء غريب بينط في روحي. بعد العصر، رجع تميم ومعاه أكياس كتيرة فيها حاجات للبيبي كان ناسيهها، ودخل المطبخ يحضر الغدا بنفسه عشان ميعبنيش في المطبخ خالص.
​قعدنا نتغدى سوا في جو دافي ومليان هزار، ونسيت شوية من هواجس الولادة والقلق اللي كان مأكل قلبي. حسيت إن الدنيا ممكن تضحك لنا تاني، وإن الوجع اللي عيشناه زمان بيتبدل برضا وأمان.
​بابا كان لسه ماشي وروح بيته بعد ما قضى معانا سهرة حلوة، وتميم كان نزل يوصله للعربية تحت العمارة.
​كنت واقفة في الصالة بلمّ حاجات البيبي في الشنطة. كنت فرحانة أوي حطتلها فساتين كتير لدرجة اني حطيت توك وهي مش محتاجة.. كنت فرحانة اني هجيب بنت.
​قررت انا وتميم نسميها "فريدة" على اسم ماما حبيبتي.
​جهزت كل حاجة ودخلت عشان أجهز حاجتي انا. حطيت كل اللي هحتاجه ودماغي شغاله تفكر في ماما.. كان نفسي تبقى معايا وتحضر معايا كل اللحظات دي.
​خلصت كلو وقعدت تاني وانا بقلب في التلفون وبشوف الأخبار.
​فجأة حسيت بصوت خبط خفيف.. استغربت لان بابا وتميم نزلوا. فكرت ان تميم نسي حاجة وراجع ياخدها. بس الصوت مكنش صوت مفتاح، دا صوت حد بيحاول يكسر الباب!
​قلبي وقف ومقدرتش اتحرك.. اترعبت. وبصيت برعب نحو الباب الي بيتفتح ببطء.
​فضلت ماسكة في الكرسي وصرخة مكتومة محبوسه في زوري، وظهرت قدامي شخصية مستحيل كنت أتوقع إنها تخش حياتنا كده!
​وفي نفس اللحظة سمعت صوت تميم وهو بيقول بصوت عالي:
"مليكة أنا جيت!"
​الشخص الي كان واقف بصلي بنظرة تهديد، وحط إيده على بوقي عشان اسكت، وفجأة...
​فجأة لقيت الباب بتاع الصالة بيتفتح بقوة، وتميم واقف متنح على الباب، ملامح وشه اتغيرت في ثانية من الابتسامة المرتاحة لصدمة ورعب وهو بيشوف الراجل ده حاطط إيده على بوقي.
​"شيل إيدك عنها يا حيوان!" صرخة تميم رجت المكان كله، والمفاتيح اللي كانت في إيده وقعت على الأرض برنة مكتومة.
​الراجل ضحك ضحكة باردة تخوف وهو لسه مقرب مني، وقال بصوت فحيح: "أهلاً يا تميم.. فاكرني هسيبكم تعيشوا في سعادة وتنسوا اللي حصل؟"
​تميم ما فكرش لحظة، هجم عليه زي الأسد اللي بيدافع عن روحه. الضربة الأولى من تميم طيرت الراجل بعيد عني، بس من قوة الخبطة أنا فقدت توازني ووقعت على الأرض بصرخة وجع مكتومة. ضهري خبط في حرف الكرسي، وفي اللحظة دي حسيت بانقباضة مرعبة في بطني، كأن روحي بتتسحب مني.
​كنت شايفة تميم والراجل بيضربوا بعض بوحشية، صوت تكسير الترابيزة، وصراخ تميم وهو بيحاول يكتفه. مكنتش قادرة أتحرك ولا حتى أقوم، الوجع كان بيزيد بطريقة مش طبيعية، دموعي نزلت بغزارة وأنا ماسكة بطني وبهمس بصوت مقطوع: "بنتي.. بنتي يا تميم!"
​الصوت وصل لتميم، اللي زي ما يكون أخد قوة مضاعفة من خضته عليا. ضرب الراجل ضربة قاضية وقعته على الأرض فاقد الوعي، وجرى عليا بسرعة، نزل ركبتيه على الأرض ووشه شاحب زي الموتى، ومسك إيدي اللي كانت بتترعش.
​"مليكة! مليكة ردي عليا، إنتي كويسة؟" صوته كان بيترعش ودموعه متجمعة في عينيه.
​"مش قادرة يا تميم.. بموت.. المية نزلت.. ولادة!" قلتها بصعوبة وأنا حاسة إن النفس بيضيق، والعرق مالي وشي.
​في ثواني كان شايلني بين إيديه كأني ريشة، متجاهل الراجل اللي مرمي على الأرض، بس قفل باب الشقة عليه من بره بالمفتاح وطلب البوليس وهو بينزل بيا السلالم كأنه طاير. حطني في العربية وساق بسرعة جنونية.
​طول الطريق كنت بصرخ من الوجع، وهو ماسك إيدي بإيد وبيسوق بالإيد التانية، عمال يقرأ قرآن ويهديني: "هتبقي كويسة، إنتي وفريدة هتبقوا بخير، استحملي عشاني يا مليكة.. مقدرش أعيش من غيركم!"
​وصلنا المستشفى، والدنيا اتقلبت. دكاترة وممرضين، ترولي بيجري بيا في الطرقة، وإيد تميم متبتة في إيدي لحد ما وصلنا باب العمليات. ساب إيدي غصب عنه وهو بيبوس راسي ودموعه بتنزل على خدي: "هستناكي.. إنتي وعدتيني مش هتسيبيني."
​دخلت أوضة العمليات، الإضاءة القوية ضاقت في عيني، والوجع وصل لقمته. غمضت عيني وسط كل الدوشة دي، وشوفت طيف ماما بيبتسم لي وبيطمنّي. استسلمت للوجع وأنا بدعي ربنا إن صرخة فريدة تنور دنيتنا، وتنهي كل الخوف ده للأبد...
​برا أوضة العمليات، الوقت كان بيعدي على تميم كأنه جمر ولاد مش ثواني. كان رايح جاي في الممر الضيق، عيونه حمرا من القهر والخوف، وكل تفكيره معلق جوه بين مراته اللي بتموت من التعب وبنته اللي لسه ماشافت النور. في نفس اللحظة، كانت قوات الشرطة والبوليس وصلوا الشقة وقبضوا على الراجل اللي كان مقتحمها، وظهر إنها خديعة مدبرة من شخص قديم من أيام ماضي تميم، كان بيحاول ينتقم منه في أقرب الناس ليه.
​بعد ساعات طويلة من الانتظار اللي ههد حيل تميم، انفتح باب العمليات أخيرًا وخرج الدكتور وتعبان على وشُه علامات الإرهاق بس مع ابتسامة هادية.
​جرى عليه تميم بسرعة لدرجة إنه كاد يتعثر، وصوته بيترعش بين الخوف واللهفة: "طمني يا دكتور! مليكة عاملة إيه؟ والبيبي؟"
​الدكتور ابتسم وقال بترحيب: "اطمن يا باشمهندس، المدام مليكة بقت كويسة وعدت مرحلة الخطر الحمد لله، وربنا رزقكم ببنوتة زي القمر، سليمة معافاة، وتزن تقريباً نفس الوزن الطبيعي."
​دموع الفرح نزلت غصب عن تميم، سجد على الأرض شكراً لربنا، وبعدين وقف وباس إيد الدكتور من كتر سعادته.
​بعد شوية، نقلوا مليكة لغرفة الإقامة العادية، وكانت لسه تحت تأثير المخدر الخفيف، وشها باهت بس ملامحها هادية ومريحة. دخل تميم الأوضة بهدوء، قرب من السرير، ولقى الممرضة واقفة ومعاها اللفة الصغيرة فيها فريدة.
​مسك تميم بنته بحذر شديد، كأنها أثمن شيء في الوجود، ودموعه نزلت على خدها وهي نايمة في حضنه بكل براءة. قرب من سرير مليكة، وباس راسها بحنان بالغ، وقال بصوت دافئ مليان حب:
​يارب تفوقي ياحبيبت قلبي 

كنت قاعد بدعي مليكه تفوق خايف من كلام الدكتور 

بس فاجاه..... 

                     الفصل التاسع من هنا
تعليقات



<>