رواية عهود الطفولة الفصل الرابع4بقلم مي عيد
خلصت اليوم الدراسي الطويل في الكلية، ورجعت البيت وأنا تايهة بين أفكاري ومشاعر الوحدة اللي سابتها سارة، وفي نفس الوقت نظرات تميم الغريبة اللي لسه مش فاهمة سرها. فتحت باب الشقة وقولت بصوت عالي كالعادة: "السلام عليكم، أنا جيت!"
بس رد السلام مكنش بالطريقة المعتادة. دخلت الصالة ولقيت ماما قاعدة على الكنبة لوحدها، وشكلها مجهد وعنيها فيها دمعة خفيفة حاولت تخبئها بسرعة أول ما شافتني، وابتسمت بتكلف وقالت: "وعليكم السلام يا حبيبتي، جيتي بدري؟ نورتي البيت."
قربت منها وقعدت جنبها، وقلت بقلق: "ماما.. مالك؟ شكلك مش عاجبني خالص، فيه إيه؟ حد ضايقك؟"
هزت راسها بسرعة وقالت بابتسامة مصطنعة وهي بتطبطب على إيدي: "لأ يا حبيبتي.. مفيش أي حاجة، شوية إرهاق عاديين من شغل البيت، متقلقيش."
مقتنعتش بكلامها، واستنيت لحد ما بابا دخل البيت. جريت عليه وقلت بصوت واطي وخايف: "بابا.. ماما مالها؟ شكلها تعبان وبتحاول تخبي عليا." بابا بص لماما نظرة سريعة فيها معنى خفي، وبعدين ابتسم بابتسامة باهتة وقال وهو بيحضن كتفي: "يا حبيبتي بقولك مفيش، مامتك بس تعبانة شوية من الضغط، ادخلي ارتاحي وغيري هدومك."
سكت ورجعت خطوة ورا، حسيت إن فيه سر كبير مخبيينه عني، وسكوتهم ونظراتهم لبعض أكدت شكوكي. دخلت أوضتي قلعت شنطتي، وقعدت شوية أهدي نفسي، وبعدين طلعت للصالة أشرب مية.
البيت كان هادي جداً، وبابا وماما دخلوا أوضتهم. قربت من ترابيزة التلفزيون عشان آخد كوباية المية، ولاحظت وجود ورق مظروف أبيض محطوط على الطرف وفيه أوراق بارزة. حسيت بفضول وقلق بيأكلوا في روحي، مديت إيدي وطلعت الورق وبدأت أقرأه.
عيني جريت على السطور الأولى، وكلمات التقرير الطبي نزلت عليّ كالصاعقة: "تشخيص الحالة.. ورم خبيث.. مرض السرطان"..
حسيت الدنيا لفت بيا والأرض اتمادت من تحت رجلي. الورقة وقعت من إيدي على الأرض، وقفلت إيدي على بوقي عشان أمنع صرخة وجع كانت هطلع من صدري. ماما.. الحنّية اللي في حياتي، الست اللي ربتني وفتحت لي قلبها قبل بيتها.. جالها المرض الوحش؟!
مقدرتش أتحمل الصدمة، رميت نفسي على الأرض ولميت رجلي لصدري، وطلعت عياط شق قلبي وانفجرت في صريخ وانهيار عصبي مش قادرة أسيطر عليه.
على صوت صريطي وعياطي العالي، باب الأوضة اتفتح بسرعة، ودخلت ماما وهي بتجري وراها بابا. ماما شافت الورقة على الأرض، وشافتني وأنا منهارة في العياط، فعرفت إني عرفت الحقيقة.
مستحملتش تشوفني كده، فوقعت على ركبتها جنبي على الأرض، وخدتني في حضنها بكل قوتها، وبدأت تعيط بحرقة زي، وهي بتقولي بصوت مرتعش ودموعها نازلة بغزارة: "ليه بس يا مليكة.. ليه تعيطي كده يا ضحكة البيت؟ اسفة.. اسفة إني خبيت عليكي، بس كنت خايفة أكسرك!"
فضلت ماسكة فيها بقوة وكأني بخاف تطير مني، وعياطنا امتزج ببعضه في لحظة انكسار واحدة، وحسيت إن قلبي بيتسرق مني مرّة تانية، بس المرة دي في أغلى إنسانة في دنيايا.البارت الثامن (التعديل): رنين الهاتف في جوف الليل
ماما بدأت رحلة العلاج بانتظام، وكانت بتظهر شجاعة وقوة تخلي الواحد يستغرب منين بتجيب الصبر ده كله. بس للأسف، مع مرور الوقت، الأطباء أكدوا لنا إن حالتها متأخرة، وإن المرض انتشر بشكل خلاها تتعب أكتر، وبقت تقضي معظم وقتها نايمة على السرير وبتتألم في سكات.
أنا كنت منهارة ومش قادرة أتحمل أشوفها بالضعف ده. حياتي كلها اتقلب، مبقتش بروح الكلية، وكل همي أكون جنبها أخدمها وأحاول أهون عليها وجعها، وكل دقيقة كنت بحس إن روحي بتسحب مني ببطء.
في يوم بالليل، الساعة كانت تعدي التلاتة الفجر، البيت كله كان هادي ونايم، وأنا كنت قاعدة على كرسي جنب سرير ماما في أوضتها، ماسكة إيدها الباردة ونازلة دموعي بغزارة في الضلمة، مش قادرة أوقف عياط وخايفة من اللي جاي وبكره.
وفجأة، وسط سكون الليل المرعب، تليفوني اللي كان على الكومودينو جنب السرير رن بنغمة واطية.
اتخضيت عشان متأخر، مسكت التليفون بسرعة أحسن الصوت يصحي ماما، وبصيت على الشاشة لقيت رقم غريب.. بس إحساسي قالي إنه هو. فتحت الخط بهدوء، وجه صوت تميم دافئ وقلق وهو بيقول:
"ألو.. مليكة؟ إنتي فين؟ بقالك كذا يوم مختفية ومش بتجي الكلية خالص، قلقتيني عليكي.. حصل حاجة؟"
أول ما سمعت صوته الحنون، الحائط اللي كنت باصمة عليه انهار تماماً. محملتش أكتر من كده، وحرقة القلب اتفجرت جوايا.
بصوت واطي ومهزوز، خاف ليكون مزعج لحد، قلت وأنا بشهق من كتر العياط:
"تميم.. ماما.."
تميم لاحظ صوتي المرعوب والمرتجف، فقال بصوت اتملى رعب وخوف: "مليكة! مالك؟ إنتي بتعيطي ليه؟ طمنيني، في إيه؟"
مقدرتش أستحمل أكتر، وبصوت مكسور خرجت الكلمة اللي كانت كاتمة على نفسي: "ماما.. ماما جالها المرض الوحش.. والسرطان انتشر في جسمها يا تميم.. أنا خايفة.. خايفة أوي أضيع من غيرها!"
سكت تميم على الناحية التانية من التليفون لثواني طويلة، كأن الكلام خبط في صدره هو كمان، وبعدين قال بصوت دافئ ومؤثر جداً: "هقفل معاكي ثواني.. وأكون عندك تحت البيت.. ما تخافيش يا مليكة، أنا جنبك ومش هسيبك لوحدك أبداً.البارت التاسع: ظل السند وقت الضيق
قبل ما ألحق أرد عليه أو أقوله متجيش، لقيته قفل السكة. قعدت مكانِي على الكرسي وجسمي كله بيرجف، وعيني على ماما وهي نايمة بتألم وخايفة تفوق وتشوفني بالمنظر ده. مسحت دموعي بسرعة ووقفت أعدل الغطاء عليها، وخرجت للصالة بهدوء شديد عشان بابا ما يحسش ويقلق أكتر ما هو مقلق.
بعد دقايق قليلة، تليفوني رن رنة خفيفة.. بصيت لقيته بيبعتلي رسالة: "أنا استنيتك تحت البيت.. انزلي خمس دقايق بس محتاج أطمن عليكِ."
بصيت للباب بتردد، بس كنت محتاجة أشم هوا ومحتاجة أي طوق نجاة يخرجني من الكتمة دي. لبست إسدال الصلاة بتاعي بسرعة، ونزلت على عتب السلم بخطوات خفيفة لحد ما فتحت باب العمارة وخرجت للشارع الهادي.
كان الليل متأخر والهوا ساقع، وشوفت عربيته واقفة على جنب. أول ما قربت، الباب اتفتح ونزل تميم من العربية. ملامحه كانت مليانة قلق وخوف حقيقي عليا، وبمجرد ما شاف عيني الحمرا ووشي المتبهدل من العياط، قرب مني بخطوات سريعة وقال بصوت كله لهفة:
"مليكة.. إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل طمنيني!"
أول ما سمعت صوته الحنون، دموعي نزلت تاني غصب عني، ومقدرتش أتحمل. بصيت له وقلت بصوت مكسور: "ماما في السرير يا تميم.. الدكاترة بيقولوا حالتها متأخرة والمرض انتشر في جسمها كله. أنا بموت بطيء وأنا شايفاها بتتوجع قدامي ومقدرش أعملها حاجة!"
تميم بص لي بعيون مليانة تعاطف ووجع عشاني، وفتح باب العربية وقال بصوت هادئ ومطمن: "تعالي.. اقعدي هنا في العربية واهدي شوية، مش هينفع تفضلي واقفة كده."
ركبت في العربية وأنا بترجف، وهو لف وركب جنبي وساپ الموتور شغال عشان يدفيني. مد إيده وطلع من جيبه منديل نظيف وملهوش صوت، ومدّه لي وهو بيقول بنبرة حازمة بس دافية:
"اسمعيني يا مليكة كويس.. طول ما أنا عايش وجنبك، مش هسيبك تقومي بالهم لوحدك. أنا عارف يعني إيه تفقدِي الأمان وتحسي إن الدنيا بتقفل في وشك، بس مامتك قوية، وإن شاء الله هتعدي المحنة دي. وأنا جنبك.. سامعة؟ جنبك في كل خطوة، ومش هسيب إيدك أبداً."
كلماته دخلت قلبي زي البلسم الدافي، وخلتني أحس إن فيه جبل متكئة عليه ومبيقعش. بصيت له وعنيا مليانة دموع امتنان، وقلت بصوت واطي: "شكراً يا تميم.. شكراً إنك دايماً بتظهر في الوقت اللي بكون ضايعة فيه."
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "من غير شكراً يا مليكة.. دي أقل حاجة أعملها عشانك."
قعدنا نتكلم شوية لحد ما هديت تماماً، ورجعت البيت وأنا حاسة بنسبة أمان أكبر تخليني أستحمل بكرة.
دموعها نزلت وهي باصة في عينه بكسرة، والصوت طلع مكسور ومهزوز:
"نفسي أفرحها بجد.. ديما بتقولي نفسي أفرح فيكي وتعيشي مبسوطة.. ليه كل حاجة بتيجي عكس ما أتمنى؟"
سكت ثواني وعينه لمعت بنظرة غامضة وصوت هادئ وثابت:
"عندي حل."
رفعت راسها بصدمة ودموعها على خدها، وسألته بصوت مكتوم:
"إيه هو؟"
قرب منها بخطوة
تميم بص لي بنظرة كلها ثقة خلت قلبي يدق بطريقة غريبة، وقال بصوت هادئ وثابت:
"الحل إننا نتجوز يا مليكة.. دلوقتي حالاً، أو في أقرب وقت ممكن. عارف إن الوقت مش مناسب وظروفك صعبة، بس أنا عارف كويس إن أكتر حاجة مامتك بتتمنى تشوفها وهي تعبانة إنها تطمن عليكِ وتشيلك في بيتك، وتشوفك مع شخص يحميكي ويصونك.. وأنا بحبك وعايز أكون الراجل ده."
سكتُّ تماماً ومقدرتش أنطق بحرف واحد. الكلام نزل عليّ كالصاعقة، بس صاعقة دافية نورت قلبي وسط العتمة دي كلها. لقيت دموعي تنزل من نوع تاني.. دموع راحة مش حزن. هزيت راسي ببُطء وأنا بقول بصوت مهزوز:
"تجوزني يا تميم؟ في الظروف دي؟ طب وبابا.. وماما التعبانة؟"
قرب مني أكتر، ومد إيده مسح دمعة كانت نازلة على خدري، وقال بحسم:
"أنا بكرة الصبح هاجي أدخل البيت من بابه، وأكلم باباكِ بكل احترام، وهفهمه إن دي مش عُزوة ولا رمي، دي وقفة راجل بجد جنبك وجنب أهلك. اطمني، أنا هعمل كل اللي يرضي ربنا ويريح قلب مامتك."
رجعت البيت في نفس الليلة وأنا حاسة بروح جديدة دخلت فيا. التعب والمشقة بتوع الأيام اللي فاتت
تاني يوم العصر، كنت قاعدة جنب سرير ماما في الأوضة، وبابا قاعد على الكرسي التاني. وفجأة جرس البيت رن. قلبي دق بسرعة لأني كنت عارفة مين اللي على الباب. بابا قام فتح، ولقيت تميم داخل ولابس بدلة بسيطة، وماسك في إيده بوكيه ورد كبير وعلبة حلويات، وملامحه كلها هدوء واحترام.
وقف قدام بابا، وقال بصوت واضح وثابت:
"يا عمي، أنا عارف إن الظروف اللي إحنا فيها صعبة جداً، وعارف إن مفيش مجال لفرح وكلام من ده.. بس أنا طالب إيد بنتك مليكة على سنة الله ورسوله. جاي أكون ابنكم الرابع، وسند ليكم، وأقسم بالله العظيم انا هحطها في عيوني وهكون ضهرها."
بابا بص لتميم بطرف عينه في الأول من الصدمة، بس لما شاف لمعة الصدق والرجولة في عينه، حس بالراحة. بص لي وأنا واقفة ورا الباب مرتبكة، وبعدين ابتسم بحزن جميل وقال لتميم:
"أهلاً يا ابني.. نورت البيت. والبيت في وقفة زي دي بيحتاج راجل بجد، وأنت أثبتت ده."
جريت على أوضة ماما بسرعة، ودخلت ووشي كله أحمر من الكسوف والفرحة، مسكت إيدها الباردة وقلت بصوت بيترعش:
"ماما.. تميم برّه.. طلب إيدي من بابا.. وهو عايز يكتب كتابنا في أقرب وقت عشان.. عشان تفرحي بيا زي ما كنتِ تتمنى."
ماما فتحت عينيها البسيطة، وظهرت على شفايفها أضعف ابتسامة شفناها من أيام طويلة. نزلت دمعة فرح من عينها، وشدت على إيدي بصعوبة وقالت بصوت واطي ومليان رضا:
"الحمد لله يارب.. الحمد لله.. كنت خايفة أموت ومش مطمنة عليكِ.. ربنا يسعدك يا ضحكة البيت، وافق يا حبيبتي.. ده راجل جدع."
البارت الثاني عشر والأخير: عاصفة الأوراق الصامتة تنتهي بالحب
بعد أيام قليلة، وبإجراءات هادئة وبسيطة جداً مناسبة للظروف، تم عقد قراني على تميم في بيت بابا.
ماما كانت نايمة على سريرها في الأوضة، ومتبطن لها المكان بورد وهادئ. تميم دخل قعد جنب سريرها، وباس إيدها بكل احترام وتقدير وقال لها بصوت دافئ:
"اطمني يا أمي.. مليكة في عيوني، ومستحيل يمسها أي أذى طول ما أنا عايش."
ماما بصت لنا إحنا الاتنين، ورفعت إيدها
يمكن رحلة ماما صعبه ولسه في ايام اصعب كل يوم بفكر انا هعيش من غيرها ازاي
فوقت من صوت أفكاري على صوت تميم وهو اكنو بيزعق
وفاجاه.....
