رواية عشقت ابنة الصعيد الفصل الثالث3بقلم فاطمة عبد الرازق
كانت حور جالسة على الرصيف، تضم ريان إلى صدرها، والدموع تنساب على وجهها دون توقف.
لم تكن تعرف إلى أين ستذهب.
كل ما حولها غريب.
القاهرة التي كانت تتمنى رؤيتها يومًا، أصبحت الآن بالنسبة إليها مدينة واسعة لا تعرف فيها شارعًا واحدًا، ولا تملك فيها بيتًا تلجأ إليه.
كانت تحاول أن تكون قوية من أجل ريان، لكن التعب والخوف والوجع كانوا أكبر من قدرتها على التحمل.
خفضت رأسها، وبدأت تبكي بصمت، حتى شعرت فجأة بيد توضع على كتفها.
تجمدت في مكانها.
توقفت أنفاسها.
رفعت رأسها ببطء، ثم التفتت خلفها...
وفور أن رأت الشخص الواقف أمامها، اتسعت عيناها في صدمة، وتوقفت دموعها للحظة من شدة الخوف.
كان أدهم.
يقف أمامها بملامح لم تطمئنها أبدًا.
كانت عيناه مليئتين بالغضب، وملامحه متجمدة بطريقة جعلت قلبها يرتجف.
حدقت فيه حور وكأنها ترى كابوسًا هربت منه ليعود إليها من جديد.
حور بخوف:
"أدهممم!؟"
لم يجبها.
ظل ينظر إليها بصمت، وكأن مجرد العثور عليها لم يكن كافيًا لإطفاء النار التي بداخله.
---
في المستشفى...
كان فهد يجلس على أحد المقاعد أمام غرفة أسر.
أسند ظهره إلى المقعد، ووضع يده على وجهه بإرهاق.
كانت الساعات الماضية ثقيلة عليه بشكل لا يوصف.
مرة أخرى، وجد نفسه واقفًا أمام احتمال فقدان شخص آخر من عائلته.
أسر لم يكن مجرد صديق.
كان أخاه.
سنده.
الشخص الذي وقف بجواره في أصعب أيام حياته.
وبعد دقائق، خرجت الممرضة من غرفة أسر.
اقتربت منه.
الممرضة:
"أستاذ فهد، أسر بيه صحي وعايزك."
رفع فهد رأسه بسرعة، وكأن الجملة أعادت إليه روحه.
نهض من مكانه ودخل الغرفة.
وجد أسر مستلقيًا على السرير، وملامحه ما زالت مرهقة، ووجهه شاحبًا من أثر فقدان الدم.
اقترب منه فهد بحذر، ثم احتضنه برفق شديد حتى لا يؤلم جرحه.
وما إن شعر أنه بين ذراعيه حتى انهارت كل محاولاته للتماسك.
نزلت دموعه دون أن يشعر.
فهد بصوت مكسور:
"كنت خايف أخسرك يا أسر... كنت خايف أوي."
ظل أسر صامتًا للحظات.
أما فهد فتمسك به أكثر، وكأنه يريد أن يتأكد بنفسه أنه ما زال حيًا أمامه.
فهد:
"أنا مليش غيرك... إنت سندي يا أسر. بعد اللي حصل لنورا وكوكي... إنت عارف إنك أكتر واحد باقيلي."
ارتجف صوته عند ذكرهما، فابتلع بقية كلامه.
كان أسر يعرف جيدًا أن فهد لم يتجاوز فقدانهما.
اقترب منه أكثر، ووضع يده السليمة على ظهره.
أسر بتعب:
"مالك يااض؟ منا كويس أهوه... الأسد مبيمتش بالساهل."
ضحك فهد وسط دموعه، ثم مسح وجهه.
فهد باستغراب:
"ياض؟! وبتقولي أنا بيئة؟ أمال إنت إيه ع كدا؟"
ابتسم أسر رغم التعب.
أسر:
"كلامك بيلزق معيا."
ثم سكت قليلًا، قبل أن يسأل:
أسر بتساؤل:
"أنا عايز أخرج دلوقتي وأروح... زمان ديجا قلقانه عليا."
تنهد فهد.
فهد:
"لا طبعًا، مينفعش يا أسر. إنت لسه صاحي من شوية، استريح وبكرا بإذن الله نروح."
لكن أسر حاول النهوض من السرير.
أسر:
"لا، أنا مش مرتاح غير ف بيتي."
نظر إليه فهد لثوانٍ.
كان يعرف أسر جيدًا.
إذا وضع شيئًا في رأسه، فلن يتراجع عنه بسهولة.
لذلك لم يجادله كثيرًا.
فهد:
"ماشي يا سيدي، بس على مسؤوليتك."
وبالفعل، أنهى فهد إجراءات الخروج، وبعد أن اطمأن الطبيب إلى حالة أسر، خرج الاثنان من المستشفى.
لكن ما إن وصلا إلى الممر الخارجي...
حتى سمعا صوتًا مرتفعًا.
أدهم بغضب:
"ايوو أنا! كنتي مفكراني مش هعرف مكانك؟ انتي لو روحتي سابع أرض هتلاچيني چدام يا بنت عمي!"
توقفت حور في مكانها.
كان ريان يبكي بين ذراعيها من شدة الخوف والصوت المرتفع.
حور بخوف:
"أدهم أنا..."
وقبل أن تكمل جملتها، نزلت كف أدهم على وجهها.
صفعة قوية.
ارتد رأسها إلى الجانب.
وسقطت الطرحة التي كانت تخفي جزءًا من وجهها، وانزاحت عن شعرها.
وضعت حور يدها على خدها في صدمة.
لم تشعر بالألم بقدر ما شعرت بالإهانة.
ثم انهمرت دموعها بغزارة.
لم تعد قادرة على إخفاء وجع السنوات الثلاث التي عاشتها تحت سيطرته وسيطرة أمه.
حور ببكاء وحرقة:
"مش هروح معاك يا أدهم... اچتلني بس، لا متچوزاك ولا متچوزه الحاچ محمد."
اشتعل الغضب في عيني أدهم.
أدهم بغضب:
"ومين چالك يا بت عمي إنك هتتچوزي غيري؟"
اقترب منها.
لكن في تلك اللحظة، وصل صوت فهد من خلفه.
فهد بصوت عالي:
"جرا إيه يا عم إنت؟ بتزعق للبنت ليه؟"
لم يكن فهد قد رأى وجه حور من قبل.
كانت طوال الوقت تعطيه ظهرها، ووجهها مغطى.
أما الآن، فقد التفتت حور ناحية الصوت.
وما إن رآها فهد حتى عرفها.
فهد:
"مدام حور؟"
رفع أدهم رأسه فجأة.
أدهم بصدمة وغضب:
"مداممم؟!"
كانت الكلمة وحدها كافية لتشعل غضبه.
كيف ينادي رجل غريب ابنة عمه بـ"مدام"؟
تقدم فهد خطوة.
فهد بغضب:
"إنت مين؟ وإزاي تمد إيدك عليها كدا؟"
رفع أدهم حاجبه باستهزاء.
أدهم بزعيق:
"إنت اللي مين؟ وعارف اسمها كيف؟"
حاولت حور التدخل بسرعة.
حور ببكاء:
"أدهم... د. دا فهد بيه."
نظر أدهم إليها بغضب.
أدهم:
"وإنتي كيف عارفة اسمه كيف؟ ليكونش دا اللي هربتي علشانه؟"
اتسعت عينا حور.
حور:
"أد..."
قاطعها فهد بغضب.
فهد:
"إنت مين يا جدع إنت؟ إنت متعرفش إنت بتتكلم مع مين."
ضحك أدهم باستهزاء.
أدهم:
"أنا ابن عمها، والمفروض النهاردة كانت تبقا مراتي."
ثم مد يده وأمسك ذراع حور ليجذبها نحوه.
تألمت حور من قبضته.
حور:
"آه... إيدي يا أدهم!"
في لحظة، تغيرت ملامح فهد بالكامل.
تقدم نحوه وأمسك يده وأبعدها عن حور.
فهد بغضب وصوت جوهري:
"إنت إزاي بتمسك دراعها كدا؟ هو محدش مالي عينك؟"
نظر إليه أدهم بغضب.
أدهم بنفاذ صبر:
"إنت مالك يا چدع إنت؟ خليك ف حالك، متشغلش بالك بواحدة وابن عمها. إنت إيه دخلك إنت؟"
ثم التفت إلى حور.
أدهم:
"يلا يا حور... يلااا تعالي معيا."
مد يده نحوها مرة أخرى.
لكن حور تراجعت للخلف وهي تبكي، واحتضنت ريان الذي كان يبكي هو الآخر بسبب صراخ الرجال.
حور ببكاء وانهيار:
"سيب إيدي يا أدهم... مش هرچع معاك! مش هرچع لمكان مش عايزاه! كفاية أكده عليا... استحميلت ٣ سنين علشان أخويا."
كانت الكلمات تخرج من قلبها.
ثلاث سنوات كاملة من القهر.
ثلاث سنوات قضتها وهي تحاول أن تحمي أخاها، وتتحمل كل ما يُلقى على عاتقها.
حور:
"بص... خلاص أكده كفاينا عاد! وع چثتي لو اتچوزتك."
كانت تبكي بحرقة.
ولأول مرة، لم تكن تبكي خوفًا فقط.
كانت تبكي لأنها تعبت.
تعبت من أن يقرر الجميع مصيرها.
تعبت من أن تُعامل وكأن حياتها ملك لغيرها.
مد فهد يده وأمسك يد أدهم وأبعده عنها.
فهد بغضب:
"هي مش عايزة ترجع معاك، ومش عايزاك... هو عافية؟"
نظر إليه أدهم للحظات.
ثم باغته بلكمة في وجهه.
تراجع فهد خطوة.
صرخت حور من الخوف.
لكن فهد لم ينتظر.
عاد إليه وأمسكه من ملابسه، ودفعه بعيدًا عنها.
فهد بغضب:
"آه يا ابن الكلب يا زبالة! بتمد إيدك ع مين؟"
وتشابك الاثنان في عراك قصير، وسط صراخ حور وبكاء ريان.
أما أسر، فكان يقف على مسافة قريبة، يراقب ما يحدث بدهشة.
ثم رفع صوته فجأة.
أسر بصوت جوهري:
"بس بقاااا! في إيه يا فهد؟ كل دا علشان حتة واحدة؟ إحنا مالنا؟ إنت تعرفها منين؟"
توقف فهد.
كان لا يزال ممسكًا بأدهم.
التفت إلى أسر وقال:
فهد:
"دي اللي لما إنت كنت واقع ع الأرض فضلت جمبك."
تغيرت ملامح أسر.
نظر ناحية حور.
كانت تقف وهي تضم ريان إلى صدرها، ووجهها غارق في الدموع.
تذكر للحظة الصورة التي رآها قبل فقدانه الوعي...
تذكر صوتها.
وتذكر أنها كانت الوحيدة التي بقيت بجواره.
أسر:
"هي دي؟"
فهد:
"ايوو."
نظر أسر إلى حور طويلًا.
أما أدهم، فنهض بعد أن أخذ نفسًا عميقًا، ومسح أثر الدم من جانب فمه، ثم اتجه نحو حور.
أدهم:
"يلا يا حور... يلااا تعالي معيا."
هزت حور رأسها بسرعة.
حور ببكاء:
"مش راچعه معاك."
مد أدهم يده إليها.
لكن قبل أن يلمسها، وقف فهد بينهما.
ثم أمسك بذراع أحد الحراس.
فهد بحزم:
"تعالى."
اقترب الحارس.
أشار فهد ناحية أدهم.
فهد:
"خد الراجل ده برا المستشفى."
صرخ أدهم:
أدهم:
"إنت هتعمل إيه يا چدع إنت؟ دي بنت عمي!"
رد فهد ببرود شديد:
فهد:
"وهي قالت لك إنها مش عايزة تروح معاك."
حاول أدهم الاقتراب مرة أخرى، لكن الحارس وقف أمامه.
أدهم بغضب:
"حور! إنتي فاكرة إن الموضوع خلص؟ والله ما هسيبك!"
ارتجفت حور عند سماع كلماته.
لكن هذه المرة، لم يكن أمامها أدهم وحده.
كان فهد واقفًا بينها وبينه.
وبعد أن أخرج الحارس أدهم من المكان، التفت فهد إلى حور.
كانت واقفة حائرة، تحتضن ريان، ولا تعرف ماذا تفعل.
لاحظ فهد ارتباكها.
فهد:
"إنتي هتروحي فين دلوقتي؟"
خفضت حور عينيها.
حور بصوت ضعيف:
"معرفش يا بيه."
نظر إليها فهد باستغراب.
فهد:
"يعني إيه معرفش؟"
بدأت دموعها تنزل من جديد.
حور:
"أنا مش من اهنيه... ومليش حد ف القاهرة."
نظر فهد إلى ريان، ثم عاد بعينيه إليها.
تذكر أنها كانت وحدها في هذا الوقت المتأخر، وأن الرجل الذي يلاحقها قد يجدها مرة أخرى.
التفت إلى أسر.
فهد:
"أسر، إنت هتروح الفيلا دلوقتي صح؟"
أسر:
"ايوو."
ثم نظر فهد إلى حور.
فهد:
"خلاص... مدام حور هتيجي معانا."
اتسعت عينا حور.
حور بسرعة:
"لا يا بيه، أنا مش عايزة أتعب حضرتك."
فهد:
"إنتي مش هتتعبي حد. وإنتي مش هتخرجي دلوقتي لوحدك وإنتي مش عارفة تروحي فين."
ترددت حور.
ثم نظرت إلى ريان النائم بين ذراعيها.
كانت مرهقة.
خائفة.
ولا تملك أي مكان آخر.
قال فهد بهدوء:
فهد:
"اعتبريها ليلة واحدة لغاية ما نفكر هتعملي إيه بعد كدا."
نظرت حور إليه بعينين ممتلئتين بالدموع.
ثم هزت رأسها ببطء.
حور:
"حاضر يا بيه... ربنا يجازيك خير."
أسر لم يتدخل.
لكنه ظل ينظر إلى حور بصمت.
الفتاة التي وجدته ملقى بين الحياة والموت.
والتي أصبحت الآن فجأة في طريقه إلى بيته.
لم يكن أحد منهم يعرف أن تلك الليلة ستكون بداية حكاية ستغير حياة الجميع.
ركبت حور السيارة وهي تضم ريان إلى صدرها.
وقبل أن تتحرك السيارة، نظرت من النافذة إلى الطريق الذي تركته خلفها.
لم تكن تعرف إلى أين يأخذها الطريق هذه المرة.
لكن للمرة الأولى منذ هروبها...
لم تكن تسير وحدها.
