رواية اسطورة الشاويش عطية الفصل الرابع4بقلم اميرة خالد

رواية اسطورة الشاويش عطية الفصل الرابع4بقلم اميرة خالد

مرت شهور طويلة، كأنها الدهر على ياسين، ولياليها كانت أثقل من الجبال. في شقة هادئة بأطراف القاهرة، كانت ليلى تقف أمام النافذة، يدها تتحسس بطنها الذي بدأ يبرز بوضوح، معلناً عن حياة جديدة تنمو داخلها؛ ثمرة تلك الليلة التي ظنت أنها انتهت بالفراق. كانت تعيش في عزلة، تحاول بكل قوتها بناء كيان مستقل، لكن الحمل كان يذكرها كل يوم بأنها لم تنجح فعلياً في "الهروب" من ياسين.
على الناحية التانية، في ناطحة سحاب بوسط القاهرة، كان ياسين قد تحول لرجل أعمال صارم لا يعرف الرحمة. كان يدفن كل ذكرياته في العمل، حتى أُعلن عن أكبر مؤتمر لرواد الأعمال والكتاب المؤثرين. لم يكن يعلم أن ليلى ستكون من بين المكرمين، كان كل همه هو فرض سيطرته على السوق.
يوم الحفل، دخلت ليلى القاعة بفستان أزرق ملكي طويل وفضفاض، لكنه لم يستطع إخفاء بروز بطنها الذي ظهر كحقيقة لا يمكن إنكارها. كانت تمشي بثقل، ملامح وجهها ازدادت رقة ونضجاً، وعيونها مليئة بالخوف والترقب.
حين نودي على اسمها لتستلم التكريم، صعدت على المسرح بخطوات متزنة. وبمجرد أن أدارت وجهها لتنظر إلى الحضور، وقعت عيناها على الصف الأول.. حيث يجلس ياسين!
تجمدت ليلى في مكانها، وسقط الميكروفون من يدها بصدى مدوٍ في القاعة. ياسين الذي كان يرفع رأسه بملل، تجمدت نظراته في الهواء. اتسعت عيناه بجنون، وانتقل بصره من وجهها الشاحب إلى بطنها الظاهر بوضوح من تحت فستانها.
ساد صمت مرعب في القاعة. ياسين وقف ببطء شديد، كأن ساقيه فقدتا القدرة على حمله، قلبه يضربه بعنف في صدره وهو يرى "صغننته" التي هربت منه.. حامل بطفله!
لم تعد القاعة تسمع سوى دقات قلب ياسين المتسارعة. تلاشت هيبة رجل الأعمال الصارم، وحل مكانها بركان من الصدمة والذهول. كان ينظر لبطنها وكأنه يرى معجزة أو كابوساً لا يصدقه عقله.
لم يستطع ياسين تحمل البقاء في مكانه، تحرك بخطوات واسعة وسريعة نحو المسرح، متجاهلاً همسات الناس وكاميرات الصحافة التي بدأت تلتقط كل حركة.
وصل أمامها، توقف وأنفاسه مسموعة، عيونه المشتعلة بالتوهان والذهول كانت تخترق عينيها. مدت ليلى يدها تلقائياً لتغطي بطنها بحماية، ودموعها بدأت تتساقط بصمت.

ياسين بصوت مبحوح، خرج بالكاد من حنجرته المخنوقة: "ده.. ده حقيقي؟ أنتِ.. أنتِ حامل؟"

لم ترد ليلى، اكتفت بالنظر إليه بضعف وانكسار. لم يحتمل ياسين هذه اللحظة، فمد يده المرتجفة ببطء شديد، وكأنه يخشى أن تكون خيالاً، ليضعها على بطنها البارز.. وفي اللحظة التي لمست فيها أصابعه بطنها، شعر بحركة خفيفة من الداخل، ارتجف جسده بالكامل ودمعة وحيدة سقطت من عينه وهو يهمس:

ياسين بصوت متهدج: "أنتِ خبيتي عني طفلنا كل الشهور دي؟ خبيتي حتة مني.. عشان تحرميني منها؟!"

قبل أن تفيق ليلى من صدمتها، سحبها ياسين من يدها بقوة هادئة أمام الجميع، وقال بصوت حاد ومسموع لكل من في القاعة، نبرة تملّك وغضب وحب لا يرحم:

ياسين: "الحفلة انتهت بالنسبة للكل.. لكن حسابي معاكي يا ليلى لسه بيبدأ!"

وخرج بها من القاعة، تاركاً الجميع في حالة من الصدمة، ليأخذها إلى حيث لا يعرف أحد، ليبدأ فصلاً جديداً من المواجهة التي لا مفر منها.
وهما خارجين من القاعة، شدت ليلى إيديها بقوة ووقفت قدامه راسخة وثابتة، عيونها بتطق شرار رغم دموعها:

ليلى بصوت حاد ومكتوم: "اللي إنت بتعمله ده؟! إنت نسيت نفسك ولا إيه؟!"

اتعصب ياسين وعروق رقبته نطت، والغيظ أكل, قلبه من طريقتها:

ياسين بصوت عالي وغضب مالي مكانه: "أيوه نسيت نفسي! لما تكوني حامل مني ومستخبية، وأنا دورات عليكي في كل حته أنا وأهلك.. أختك اللي ميتة عليكي من الخوف، وأنا اللي روحي كانت راحت! إنتِ ما تعرفيش أنا كنت عامل إزاي طول الشهور دي!"

ردت ليلى بجمود مصطنع وعناد يخفي وراه خوفها:

ليلى: "بأقول لك إيه يا ياسين.. إحنا جوازنا ده كان في الأساس عشان ننقذ الموقف والظروف، ومافيش أي حاجة حقيقية بينا! وبعدين ما تنساش أبداً إن أنا أكبر منك.. وما تفتكرش عشان مسكت الشركة كم سنة إنك بقيت كبير العيلة! إوعى تنسى أبداً مين الأساس في العيلة دي!"

كلماتها كانت زي قطرات البنزين اللي وقعت على النار. قرب ياسين منها بخطوات مرعبة لحد ما بقى قريب جداً من وشها، وأنفسهم الساخنة اختلطت ببعض، ونظراته كادت تحرقها من شدة القهر:

ياسين بصوت همس مرعب وواضح: "إوعي تفكري تعلي صوتك تاني عليّ.. فاهمة ولا لا؟!"

رفعت ليلى راسها باستماتة وتحدي أعمى:

ليلى: "هعلي صوتي وغصب عنك كمان! وهتعمل إيه يعني؟!"

كان ياسين لسه هيمسك إيديها عشان يشدها بعنف، في اللحظة دي، حست ليلى بوجع فظيع ومفاجئ بيضرب أسفل بطنها زي السكينة، كتمت الوجع جواها بصعوبة بالغة ووشها اتخطف للون الأبيض الشاحب من شدة الألم.

ياسين بنبرة أمر قاطعة: "طب يلا بينا على القصر، مافيش كلام هنا تاني!"

بدأ يشدها ناحية العربية، ولسه هتركب، ومرة واحدة.. نزلت دمعة قهر من عينها، وطلعت صرخة وجع هزت المكان كله وهي بتمسك بطنها بانهيار:

ليلى بصراخ وهي مرعوبة: "آآآه.. ياسين!"

بص لها ياسين برعب وهو شايف الميه بتنزل من رجليها بغزارة على الأرض، واتجنن مكانه:

ياسين بخلعة وجنون: "في إيه؟! مالك يا ليلى؟!"

انهارت ليلى وهي بتترعش ومش قادرة تقف على رجليها:

ليلى بدموع وصريخ: "شكلي بأولد.. الحقني يا ياسين، ابنك بيجي قبل وقته! وديني المستشفى حالا!"

ما فكرش ياسين دقيقة واحدة، ولا حتى استوعب الصدمة؛ شالها بين إيديه بسرعة الصاروخ وكأنه خايف الهوا يطيرها، وجرى بيها على العربية وفتح الباب ودخل وهو بيصرخ في السواق بجنون:

ياسين بصوت مرعوب وأعصاب منهارة: "اطلع على المستشفى فوراً.. دوس بنزين ومش عايز حركات فارغة!"

في الوقت ده، كان عند العيلة ومساعد ياسين قد اتصلوا بالجد وحكوا له على كل اللي حصل. ما كذبش خبر، خد مالك والجد وتيسير وجريوا على المستشفى بأقصى سرعة عشان يطمنوا على ليلى ويحقوا اللحظة الحاسمة.
جوه قسم الطوارئ والممرات، كان ياسين قاعد على أعصابه، رايح جاي كأنه أسد في قفص، قلبه بيدق بعنف ورعب على الشاويش عطيه". وفي غرفة العمليات، كانت ليلى بتصرخ بقوة وألم شديد، وصوت تعبها بيمزق روحه وهو واقف بره مش قادِر يعمل حاجة.
فجأة، اتفتح باب غرفة العمليات وخرجت الممرضة وهي بتجري، قام ياسين بسرعة لهث ولهفة:

ياسين بخلعة: "حالتها إيه؟! أنا عايز أدخل لها حالا!"

الممرضة بتوتر: "ممنوع يا فندم بس... طب تعالى معايا بسرعة!"

خدته الممرضة، عقمته بسرعة ودخلته جوه عمليات الولادة مع ليلى. أول ما ياسين شافها وهي نايمة على السرير، وشها شاحب وبتصرخ من شدة الوجع، اتقبض قلبه. قرب منها بخطوات سريعة، نزل على كتافها، مسك إيديها المرتجفة وباسها بحرارة ودموع في عيونه:

ياسين بصوت متهدج ومبحوح: "حقك عليا.. أنا آسف، أنا السبب في كل ده، معلش استحملي عشاني!"

ليلى فتحت عيونها الباهتة بصعوبة، بصت له بتعب واضح ودموعها نازلة، وهزت راسها بضعف:

ليلى بصوت هامس: "ما تقولش كده.. أنا افتكرت كل حاجة.. أنا اللي آسفة على كل كلمة جرحتك بيها، بس أنا.. أنا كنت خايفة.. الناس دايماً شايفه غير اللي أنت شايفه يا ياسين، كنت مرعوبة من كلامهم ونظراتهم."

بص لها ياسين بعيون مليانة عشق وجنون، وقال بعصبية خفيفة وهو بيشد على إيدها جامد:

ياسين: "طظ في الناس! يولع الكل! المهم أنا وأنتِ.. أنا بحبك يا ليلى، ومبحبكش من دلوقتي.. أنا بحبك من زمان قوي!"

بصت له ليلى باستغراب شديد وعيونها متسعة وسط الألم:

ليلى بذهول: "من زمان؟! إزاي.. وأنت كنت خطيب أختي؟!"

ابتسم ياسين بمرارة وحب، وهو بيمسح على عرقها:

ياسين: "أنا عمري ما كنت بحبها، ولا كنت هتجوزها وأنا عارف إن قلبها مع أخويا.. بالعكس، أنا اللي خططت وشجعتهم على الخطوة دي يتجوزوا من ورا العيلة عشان أخلص، وأعرف أتجوزك أنتِ يا قلب ياسين!"

كانت ليلى لسه هترد على كلامه وتستوعب الصدمة الجميلة دي، لكن الدكتورة صرخت في اللحظة دي بقوة:

الدكتورة بصوت عالي: "يلا يا ليلى! شد حيلك.. البيبي خلاص نازل، اضغطي كمان مرة!"

وفجأة.. وسط صرخات ليلى المتلاحقة وتوتر المكان، تردد صوت بكاء المولود الصغير الذي ملأ الغرفة، ليعلن عن وصوله للحياة. تنفست ليلى الصعداء وارتخت على الفراش من شدة الإعياء، بينما كانت عيون ياسين لا تفارق وجه ليلى، ثم انتقلت بلهفة للطفل الذي تحمله الممرضة.
اقتربت الممرضة وهي تبتسم وتلف المولود، وضعت الطفل بين أحضان ليلى لأول مرة. نظرت ليلى لطفلها بدموع الفرح التي غسلت كل وجع الساعات اللي فاتت، ثم رفعت عيونها لياسين الذي كان ينظر لهما بذهول وإعجاب.
ابتسمت ليلى بضعف وتعب، وبصوتها المنهك حاولت تلمس وجه ياسين اللي كان لسه في حالة صدمة من المنظر، وقالت بدلعها المعتاد رغم الإرهاق:

ليلى بصوت هامس: "شفت يا صغنن؟ .. بقى عندك حتة مني ومنك، كنت فاكرني ههرب بيه؟"

ياسين اتنفس بعمق، مسح دموعه بسرعة بيده وهو بيحاول يستعيد هيبته، لكن قلبه كان بيتدفق حنية وهو بيشوفها وهي بتبتسم له بضعفها اللي بيجننه:

ياسين بضحكة ممزوجة بدموع: "يا ليلى.. أنتِ اللي صغننة في حجمك، بس طلعتي بـ مية راجل في اللي عملتيه وفي قوتك! وبعدين يا ستي، اعترفي.. مش كان شكلي وأنا شايلك وجاري بيكي زي المجنون أحسن من كل "الرجولة" اللي كنتِ بتعيريني بيها؟!"

ليلى ضحكت بخفة رغم وجعها:

ليلى: "لا يا صغنن، لسه قدامك كتير عشان تثبت لي إنك كبرت!"

في اللحظة دي، فتح باب العمليات ودخل الجد وتيسير ومالك وجنى، وجوههم كانت مليانة قلق اللي تحول لفرحة عارمة بمجرد ما شافوا ياسين وليلى والمولود.
الجد قرب منهم بدموع، وبص لياسين اللي كان ماسك إيد ليلى كأنه بيحميها من العالم كله:

الجد: "الحمد لله على سلامتكم.. يا ولدي، ليلى طلعت أشجع مما كنا فاكرين، والمولود ده هو اللي هيصلح كل اللي انكسر في عيلتنا."

ياسين بص لليلى بعيون مليانة عهد جديد، وبص للمولود، وعرف في اللحظة دي إن كل اللي فات كان مجرد اختبار، وإن "صغننه" اللي اختارها بقت هي أساس حياته، وإن "ليلى" بكل عنادها هي اللي بتمتلك زمام قلبه مهما حاول يتظاهر بالقوة.

                الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>