رواية عتبة الابواب الفصل الخامس5بقلم مي عيد
الكلمة نزلت على روحي كأنها صاعقة مدمرة، أو ضربة سكينة حامية نزلت في وسط قلبي فجمّدته تماماً. حسيت إن الأكسجين كله اتقطع من الأوضة، وإن الدنيا لفت بيا وسابتني في قاع مجهول. صرخة مكتومة اتحبست في صدري،عيطت عيطت كتير اوي مكنتش عارفه بقول ايه بس كنت محتجاه جمبي اوي
_____________
فاتت أيام وأنا في حالة تشبه الموت، قاعدة في جناحنا اللي بقت ريحته كلها ذكريات عنه. مي مبقتش تسيبني لحظة واحدة؛ كانت قاعدة معايا على طول، بتأكلني بالعافية...
بس البيت مكنش كله حزن عمتى منى وهدى (الناس اللي دايماً بتدور على المشاكل ووراها بلاوي) مكنوش بيضيعوا فرصة غير لما يرموا سمهم. في يوم، كنت قاعدّة في الصالة، لقيت هدى واقفة وبتتكلم بصوت عالي متعمد تقصد تسمعني وهي بتقول لمي بسخرية:
"يعني هو مات وسبلنا الهم والوجع.. والهانم قاعدة هنا كأن البيت بيتها ولا هي ما صدقت تلاقي حته تلمها..
دموعي كانت نشفت، بس القهر كان بياكل في قلبي، وقبل ما أنطق، لقيت جدو عز قدامها زي الأسد وقالت بصوت صارخ..
"لِسانك ده يتقص لو جاب سيرة ليل تاني يا هدى! البيت دا بيتي واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل! وبعدين هو مش كان رعد مشاكي رجعتي تاني ليه
عمتي وقفت وكتمت غيظها وهي بتبصلي بصات خوفتني
سحبتني مي من إيدي وطلعنا فوق، ودخلنا الأوضة، وهنا انهارت مي في عياط وقالت وهي بتحضني بقوة:
"إياكِ تسمعي كلامهم يا ليل.. إنتِ مش هتسيبي هنا أبداً،
بصتلها بابتسامة باهتة، وحسيت إن وجود مي جنبي هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراني على المرارة دي.
بس الهجوم مكنش من جوه البيت وبس..
الصدمة الأكبر كانت لما الباب خبط في يوم وحد بلغني إن فيه حد عايزني تحت. نزلت بخطوات بطيئة، ولقيت في الوش.. أمي!
الست اللي سابتني سنين ورفضت تسأل عني، واقفة وبكل برود وماسكة شنطتها وقالت بصوت مستفز وكأنها صاحبة بيت:
"أنا عرفت باللي حصل.. جوزك مات، وقعدتك هنا ملوش أي معنى، قومي لمي هدومك تعالي معايا البيت، أهو نشوف حد يلمك طول عمرك فقر
بصيت لها ببرود وجمود تام، كأنها غريبة مش أمي، ووقفت قدامها بكل قوة وثبات وقالت بصوت صارم:
انا مش همشي من هنا والي بيني وبينك ربنا يا امي..
أمي تنحت بصدمة من طريقتي وقوة ردي، وفضلت تزعق وتتكلم بكلام كتير جارح، بس جدو جيه على صوتها فضل يزعق وماما مشيت ورزعت الباب وراها
جدو طبطب عليا اكنو حاسس بيا
بعد المشهد ده، حسيت إن طاقتي انتهت تماماً، ودخلت الجناح وأنا حاسة بوجع رهيب في جسمي كله...
معرفش عدى وقت قد إيه، بس حسيت بنسمة هوا باردة غريبة وبعدها حسيت بإيد دافية بتلمس خدي بحنان، ولمسة تانية بتمسح على شعري بهدوء. فتحت عيني ببطء في الضلمة، وقلبي دق بسرعة مجنونة لما شفت الخيال اللي قاعد جنبي على طرف السرير...
"رعد؟!"
همست بيها وأنا مش مصدقة نفسي. كان هو بملامحه الهادية وابتسامته اللي بتخطف قلبي. قرب مني ومسح دمعة نزلت من عيني وقال بصوته الدافي اللي وحشني:
"بتعيطي ليه يا ليل؟ أنا معاكي أهو.. عمري ما أسيبك أبداً."
قمت من مكاني بسرعة واترميت في حضنه، مسكت في هدومه بقوة وكأني خايفة يختفي، وصرخت بعياط:
"رعد إنت ممُتش صح؟ هما كدابين! أرجوك متسبنيش لوحدي، أنا بموت من غيرك!"
شدد على حضني وسمعت دقات قلبه، وميل باس راسي وقال:
"أنا دايماً جنبك يا روح رعد.. نامي وارتاحي."
غمضت عيني في حضنه وأنا حاسة بالأمان اللي اتحرمت منه، بس فجأة... حسيت ببرودة فظيعة بتحاوطني. الحضن الدافي اختفى فجأة، والصوت اختفى!
فتحت عيني بسرعة وشهقت برعب... لقيت نفسي نايمة لوحدي على السرير والأوضة ضلمة وفاضية تماماً، ومفيش أي أثر لرعد!
قعدت على السرير وأنا بنهج، ودموعي نزلت زي الشلال لما استوعبت إن كل ده كان مجرد.. حلم! حلم قاسي رجعني لنقطة الصفر وحسسني بوجع الفراق من تاني. كتمت صرختي في المخدة وفضلت أعيط بحرقة لحد ما حسيت إن روحي بتتسحب مني من كتر الوجع.
نمت وانا جسمي متكسر وعيني بتوجعني من كتر العياط
مرت الأيام الثقيلة بعد الحلم المرعب وكأنها دهور بتعدي على قلبي ببطء شديد، وأنا لسه تايهة بين الحقيقة والوجع، حاسة إن الدنيا كلها بتتطوى ضدي والمشاكل بتحاصرني من كل اتجاه.
مي كانت هي النور اللي منور حياتي ومخلياني قادرة أستحمل القسوة والهموم، وكانت دايماً قاعدة جنبي تحاول تخفف عني مرارة الفراق.
الصبح طلع بضوء باهت، وقررت أنزل الجنينة شوية عشان أشم هوا وأهرب من ضغط الأوضة وجدرانها اللي بقت تقيلة على قلبي. نزلت بخطوات بطيئة، ومسكت الخرطوم عشان أسقي الزرع والورد اللي كان بيحبه.. كنت باصة للورد بحزن، وبفكر إزاي الدنيا بتتغير في ثانية، وفجأة سمعت صوت كعب عالي بيخبط على الأرض باستهزاء ورايا.
لفيت وشي، ولقيت ملك (بنت عمتي هدى) واقفة وحاطة إيدها في وسطها، وبتطالعني بنظرات مليانة غرور وخبث، وقالت بصوت مسموم يكدّر الصباح:
"صباح الخير يا ليل.. لسه زي ما انتي؟! غريبة يعني إنك لسه قاعدة في الفيلا دي وكأنها ملكك، مع إن جوزك خلاص راح خلاص
بصيت لها ببرود وأنا ماسكة خرطوم المية، وقبل ما أنطق، كملت ملك بكلام أثقل وسم أفرغته ببرود:
"أصل بصراحة، ماما بتقول إن قعدتك هنا ملهاش أي معنى، والناس بدأت تتكلم، والبيت ده مكانهم الطبيعي يكون مع الناس اللي تخص العيلة بجد، مش واحدة دخلت الفيلا صدفة وفجأة بقت هانم! فوقي لنفسك بقى واعرفي حجمك."
حسيت النار بتسري في عروقي من طريقتها المستفزة، وبصيت لها بجمود ووقفت قدامها بكل ثقة، وقولت بصوت صارم:
"حجمي أنا عارفاه كويس يا ملك، واه عايزه اقولك حاجه وفري كلامك دا لنفسك واتعالجي انتي كنتي قدامو السنين الي فاتت كلها وبردو اختارني انا متحاوليش تدايقيني لان باين مين فينا اللي هيموت واظن انتي فهماني كويس.
ملك تنحت بصدمة من طريقتي وقوة ردي، ووشها احمر من الغيظ، وفضلت تزعق وتتمتم بكلام كتير مستفز وهي ماشية وسايباني، بس كلامها ساب غصة وجع في صدري.
سيبت الجنينة ودخلت جوة الفيلا تاني وأنا حاسة بضربات قلبي سريعة وتعبانة، طلعت أوضتي قعدت مع كيندا شوية لان حالتها بتسوء اكتر وبقت ديما قافله على نفسها وفضفضنا في حاجات كتير لحد ما هديت، وبعدين نزلت تحت عشان أجيب كوباية عصير تبل ريقي. دخلت الصالة الكبيرة التحتانية، وكان النور فيها خافت ونازل بطريقة موحشة، والهدوء كان مخيف لدرجة إن صوت دقات قلبي كنت سمعاها وكأنها طبلة في وداني،
قعدت شوية على الكنبة بتوهان، وفجأة حسيت بصوت خطوات بطيئة وتقيلة بتقرب بحذر من ناحية باب الصالة المفتوح نص فتحة. رفعت عيني برعب شديد، ولقيت قدامي شخص غريب، لابس لبس أسود في أسود، ومغطي جزء كبير من وشه بقماشة سودة، وماسك في إيده حاجة لامعة، وماشي بخطوات واثقة ومرعبة لحد ما بقى واقف قدامي مباشرة في منتصف الصالة!
حاولت أصرخ بكل قوتي أو أتحرك خطوة واحدة أهرب بيها، بس رجلي اتسمرت في الأرض تماماً وكأنها اتحجرت من صدمة الخوف والهلع اللي هجمت عليا. الشخص ده وطى قدامي بابتسامة سخرية وشر واضحة في عيونه، وقال بصوت واطي، خشن، ومسموم يقطع الدم في العروق:
"افتكرتي إنك هتعيشي مرتاحة بعد ما هو مات؟ وراكي مين يحميكي بقى يا حلوة؟..وقال بعدها وهو بيلف في الصاله:بس عارفه ايه الغريب ان رعد كتب كل حاجه باسمك بس متخافيش هنخلص منك زي ما خلصنا منه، ومحدش هيسمع صوتك ولا حتى هيعرف ليكي جثة!"
دمعي جمد في عيني من هول التهديد، وحسيت إن الموت بقى أقرب ليا من حبل الوريد، وجسمي كله بقى يترعش بعنف وطلعت مني صرخة مكتومة يادوب مسموعة من كتر الرعب.
وقبل ما الشخص ده يمد إيده أو يقرب مني أكتر عشان ينفذ تهديده.. جه صوت رجولي قوي، جهوري، وعالي قاطع سكون الليل المرعب وكل صرخة، وصوته رن في أرجاء الفيلا كلها
"لا شكلك مش عارف دخلت بيت مين مفكر ان الدخول هنا سهل؟؟!
الشخص الغريب دا وقف مكانه متسمر من الصدمة، ولف برعب وذعر شديد ناحية الباب عشان يشوف مين صاحب الصوت اللي نزل عليه كالصاعقة، وأنا فتحت عيني بدموع وتعب وأنا باصة لنفس الاتجاه بتعب
