رواية خيوط لاتري الفصل الرابع4بقلم فاطمة مالكي


رواية خيوط لاتري الفصل الرابع4بقلم فاطمة مالكي

خرجت حنين من مكتب ياسين ببطء وأغلقت الباب خلفها، لكنها لم تتحرك مباشرة؛ بقيت واقفة في الممر للحظات تحاول استيعاب ما حدث. قبل أسبوع فقط كانت تبحث عن عمل، أما الآن... فهي تجلس مع صاحب الشركة نفسه وتتحدث عن تلاعب محتمل داخل المؤسسة! شيء في الأمر بدا غير واقعي، لكن الحقيقة كانت واضحة: هناك شخص يغيّر العقود، وشخص سرق الملف، وشخص آخر يراقب ما يحدث من الخلف... وأصبح اسمها موجودًا وسط كل ذلك. تنهدت بعمق، ثم عادت إلى مكتبها.

في نهاية اليوم، كانت القاهرة تغرق ببطء في أضواء المساء، وأغلب الموظفين بدأوا يغادرون، أما حنين فكانت تنهي آخر مراجعة وصلت إليها تحت ضوء مكتبها الخافت. أخرجت هاتفها بحذر وفتحت الصور عالية الدقة التي التقطتها للملف البني قبل سرقته، وبجانبها دفتر ملاحظاتها الصغير الذي دونت فيه الرموز والتواريخ. نظرت لثوانٍ نحو درج مكتبها الفارغ وتذكرت صدمة هذا الصباح حين وجدته خاوياً، لكنها أخذت نفساً عميقاً وهي تشعر ببرودة تسري في أطرافها؛ فالشخص الذي تسلل ليلاً وسرق الملف لا يعلم أنها كانت أذكى منه وتمتلك نسخة كاملة من كل صفحة فيه. ورغم حذرها الشديد، بقيت متماسكة تتأمل الصور، مدركة أن هناك من يملك مفتاحاً، أو شخصاً لا يهاب الدخول.

في الطابق العلوي، كان ياسين يخرج من مكتبه، فتوقفت خطواته فجأة. تراجع خطوة وعاد ليجلس خلف مكتبه، ثم فتح حاسوبه الشخصي ليعرض لقطات الكاميرا السرية الخفية التي زرعها له مازن خصيصاً بطلب منه لتأمين المكاتب المستهدفة ومتابعة الأوضاع الحساسة دون علم أحد في الشركة. كان يراقب تقاسيم وجهها عبر الشاشة وهي تتفحص الصور والملاحظات في هاتفها بسرية تامة، ولاحظ تعابير التوجس واليقظة التي ارتسمت على ملامحها، وكيف حاصرت نفسها بيديها في حركة دفاعية تلقائية دون أن تصاب بالذعر رغم معرفتها بخطورة الموقف. سجل عقله: "حنين تلاحظ التفاصيل، لا تذعر. رد فعلها: حذر شديد ويقظة."

أغلق ياسين الشاشة بسرعة عندما استمع لصوت خطوات تقترب. نهض وغادر المكتب، وتوجه نحو الرواق الزجاجي الداخلي الذي صُمم بطريقة عصرية تسمح لمن يقف في الطابق العلوي بكشف بهو قسم العلاقات الدولية في الطابق السفلي. التفتت عيناه ليرى من أعلى مازن وهو يتجه لأسفل نحو مكتب حنين.

في قسم العلاقات الدولية، رفعت حنين رأسها عندما سمعت صوتًا بالقرب منها:
— الحمد لله! قالها مازن.

نظرت باستغرب ليبتسم وهو يشير إلى الأوراق المنتشرة فوق مكتبها قائلاً:
— أخيرًا لقيت حد تاني بيقعد بعد الدوام غير ياسين.

رمشت حنين وقالت بعفوية:
— الخدمه بزاف.

ضحك مازن:
— أهو انتو الاتنين شكلكم عندكم نفس المرض. ثم أشار إلى الكرسي المقابل: — أقعد؟
— تفضل.

جلس براحة، ثم نظر إلى الملف المفتوح أمامها:
— من ساعة ما جيتي والشركة مقلوبة.

اتسعت عيناها:
— أنا؟
— أيوة إنتِ. (رفع يديه مستسلمًا): اجتماع الفندق، العقود، الملفات، التحقيق... أنا بدأت أقلق منك بصراحة!

ضحكت حنين دون إرادة:
— وأنا وش دخلني؟
— ايه؟ قولي كده من الأول! قالها وهو يهز كتفيه، بس واضح إنك دخلتي الشركة وجبتي معاكي المشاكل.
— يا سلام!
— والله.. (مال للأمام قليلًا وأضاف بنبرة أخف): بس بيني وبينك... كويس إن حد أخيرًا بدأ يشوف الحاجات اللي محدش كان شايفها.

سادت لحظة صمت قصيرة، ثم أغلقت حنين الملف أمامها وقالت:
— بصراحة... ما كنتش حابة ندخل في كل هاذ المشاكل.

ابتسم مازن:
— ولا إحنا.. بس بما إنك دخلتي خلاص... يبقى مفيش هروب.
— يا ستار!

ضحك:
— متخافيش، إحنا لسه في البداية.

رفعت حاجبًا:
— البدايه؟
— أيوة. (نهض من مكانه وأعاد ترتيب سترته): على العموم... لو حد ضايقك في الشغل قوليلي.
— وعلاه ما نقولش للأستاذ ياسين؟

رفع مازن إصبعه فورًا:
— لأن الأستاذ ياسين هيحل المشكلة.. أما أنا... فهستمتع الأول وأنا بشوفها!

حدقت فيه حنين لثانية، ثم انفجرت ضاحكة:
— ماكش نورمال!
— دي معناها إيه؟
— يعني لازم الناس تخاف منك.

وضع يده على صدره بفخر مصطنع:
— أخيرًا حد معترف بمواهبي!

هزت رأسها بيأس، بينما اتجه هو نحو الباب، لكنه التفت قبل أن يخرج وقال:
— بالمناسبة... لو فضلتي تتكلمي جزائري كده... هنعمل دورة تدريبية للشركة كلها.
— علاش؟
— عشان افهمك.
— مستحيل.
— ليه؟
— حتى حنا بعض المرات ما نفهموش بعض.

توقف مازن للحظة ثم قال:
— لا... دي مشكلة أكبر مما توقعت! وغادر المكتب أخيرًا.

---

في الطابق العلوي، كان ياسين يقف عند الحافة الزجاجية يراقب المشهد بوضوح: مازن يجلس أمام مكتب حنين ويضحك، وحنين تضحك هي الأخرى بتلقائية. راقب المشهد لثوانٍ، وعيناه تضيقان بتركيز غريب، ثم أكمل طريقه دون تعليق، لكن شيئًا غريبًا مرّ داخله... شيء حمل مزيجاً من الحذر والفضول، ولم يحاول حتى تسميته.

عادت حنين إلى أوراقها، والابتسامة الصغيرة ما تزال على وجهها، لكنها اختفت تدريجيًا عندما وقعت عيناها على العقد المفتوح أمامها؛ لأن أحد البنود أعاد إليها ذلك الشعور المزعج نفسه... شعور أن هناك شيئًا خاطئًا داخل هذه الشركة يحاول البقاء مخفيًا. أعادت حنين قراءة البند للمرة الثالثة، ثم الرابعة، وكل مرة كانت تشعر بالانزعاج أكثر. الخطأ صغير جدًا، لكنه يشبه الأخطاء التي وجدتها في العقود السابقة؛ نفس الطريقة، نفس الأسلوب، وكأن الشخص نفسه يترك بصمته دون أن ينتبه.

أخرجت دفتر ملاحظاتها وكتبت رقم العقد، ثم تاريخ المراجعة، ثم الرمز الإداري الموجود أسفل الصفحة. توقفت وعادت تنظر إلى الرمز... لقد رأته من قبل! أين؟ حاولت التذكر لثوانٍ، ثم اتسعت عيناها فجأة:
— لا... همست بها دون شعور، وأسرعت تفتح أحد الملفات القديمة الموجودة بجوارها وبدأت تقلب الصفحات حتى وصلت إلى العقد الذي راجعته في اليوم السابق. نظرت إلى أسفل الصفحة: نفس الرمز بالضبط! رغم أن العقدين يفصل بينهما أكثر من عام.

شعرت بقشعريرة خفيفة تمر في جسدها، فالأمر لم يعد مصادفة أبدًا. أغلقت الملف ببطء، ثم رفعت رأسها نحو المكاتب الفارغة حولها؛ معظم الموظفين غادروا والقسم أصبح شبه خالٍ. وفجأة، شعرت بذلك الإحساس مجددًا... إحساس أن أحدًا يراقبها! نظرت نحو الممر الزجاجي ثم نحو الباب؛ لا أحد، لكن الشعور لم يختفِ بل ازداد قوة، فأغلقت الملفات بسرعة وجمعت أوراقها وغادرت الشركة.

خرجت حنين من الشركة مع اقتراب المساء، وكانت شوارع القاهرة قد بدأت تمتلئ بالأضواء والسيارات. سارت ببطء نحو الفندق وعقلها ما يزال عالقًا بين العقود، الرموز الإدارية، والملف الذي اختفى. كلما اكتشفت خيطًا جديدًا، ظهر سؤال جديد، وكأن شخصًا ما يتعمد أن يترك الأبواب نصف مفتوحة. وعندما وصلت إلى غرفتها، ألقت حقيبتها فوق السرير، ثم أخرجت دفتر ملاحظاتها وبدأت ترتب كل ما اكتشفته حتى الآن. لكن بعد أكثر من ساعة، أغلقت الدفتر باستسلام، لأن النتيجة الوحيدة التي وصلت إليها كانت بسيطة جدًا: هناك شخص داخل الشركة يملك نفوذًا أكبر مما ينبغي... أما هويته فما تزال مجهولة.
في اليوم التالي، بدأ الصباح بشكل هادئ أكثر من المعتاد، وهذا ما جعل ياسين لا يثق به. جلس في مكتبه يراجع ملفات جديدة وعيناه تتنقلان بين الأوراق بذكاء حاد، حتى دخل أحد موظفي قسم التدقيق وبدا متوترًا:
— أستاذ ياسين؟
رفع رأسه:
— نعم؟
— في حاجة محتاج تشوفها.

أخذ ياسين الملف وفتحه وبدأ يقرأ، ومع كل صفحة كانت ملامحه تزداد برودة؛ لأن الأرقام لا تكذب، وأمامه كان هناك فرق مالي كبير لم يلاحظه أحد سابقًا، أو ربما... تجاهله أحد عمدًا! رفع رأسه ببطء:
— مين راجع الملف ده قبل كده؟

ابتلع الموظف ريقه ثم أجاب:
— مرّ على أكتر من إدارة.

ساد الصمت، ثم قال ياسين بحسم:
— ابعتهولي كامل.
— حاضر.

خرج الموظف بسرعة، أما ياسين فبقي جالسًا مكانه ينظر إلى الأرقام، ثم إلى أسماء الأقسام وتواريخ المعاملات. شيئًا فشيئاً بدأت الخيوط المتفرقة تقترب من بعضها في عقله: أخطاء ترجمة، عقود معدلة، ملفات مختفية، وفروق مالية... كلها تدور حول نفس الدائرة تقريبًا، وهذا لم يكن مطمئنًا أبدًا.
في وقت الظهيرة، كانت حنين تراجع عقدًا جديدًا عندما وصلتها رسالة داخلية عبر النظام: "الرجاء الحضور إلى قاعة الاجتماعات رقم 3." قطبت حاجبيها؛ لا يوجد توقيع ولا اسم مرسل، فنهضت وأخذت دفترها واتجهت نحو القاعة. عندما وصلت، وجدت الباب مفتوحًا لكن القاعة فارغة. توقفت ونظرت حولها:
— غريب...
دخلت خطوة واحدة ثم ثانية، لكن شيئًا جذب انتباهها؛ ورقة مطوية فوق الطاولة في منتصف القاعة. اقتربت منها ببطء ثم فتحتها وتجمدت.. كانت تحتوي على جملة واحدة فقط: "إذا كنتِ تريدين البقاء على قيد الحياة... توقفي عن البحث."

شعرت بقشعريرة باردة تسري في ظهرها، وأعادت قراءة الجملة مرتين؛ لا يوجد اسم ولا توقيع، فقط التهديد. رفعت رأسها بسرعة ونظرت نحو الباب؛ الممر فارغ والقاعة صامتة، لكنها أدركت شيئًا مهمًا جدًا: الشخص الذي يعبث داخل الشركة أصبح يعرف بوجودها، ويعرف أنها بدأت تقترب!

وفي مكان آخر من المبنى، كان ياسين قد التقط إشارة الحركة في القاعة عبر العدسة المخفية التي ثبّتها مازن. رأى حنين وهي تقرأ الرسالة وتتصلب ملامحها، فانقبض فكه بغضب صامت وهو يراقب حيرتها وقلقها المفاجئ. في نفس الوقت، كان هناك طرف آخر يراقب من زاوية أخرى، يبتسم ابتسامة باردة ويقول بصوت منخفض:
— نشوف إذا كنتِ ذكية فعلًا يا حنين عمراني...

لم تكن حنين تحب الرسائل المجهولة؛ منذ صغرها وهي تؤمن أن الإنسان الذي يملك الشجاعة ليقول شيئًا، يجب أن يملك الشجاعة ليضع اسمه تحته أيضًا. طوت الورقة وأدخلتها في دفتر ملاحظاتها وهي تبرطم بضيق:
— كان غير هاذ لي ناقص.

بعد عشر دقائق، كانت تقف أمام مكتب ياسين. طرقت الباب فجاءها صوته الهادئ العميق:
— ادخلي.

دخلت وأغلقت الباب، فلاحظ ياسين الجدية غير المعتادة والتوتر المكتوم في وجهها، واعتدل في جلسته قائلاً مباشرة بنبرة اهتمام خفية:
— خير؟

أخرجت الورقة ووضعتها أمامه:
— لقيت هاذي.

نظر إليها ثم أخذها وقرأ السطر الوحيد المكتوب. لم يتغير شيء في ملامحه الصارمة، لكن حنين لاحظت أمرًا: كلما كان الأمر أخطر، كلما أصبح وجه ياسين أكثر هدوءًا وتماسكاً. وضع الورقة على المكتب وسألها بعينين مركزتين عليها:
— لقيتيها فين؟
— في قاعة الاجتماعات رقم ثلاثة.
— مين بعتلك هناك؟
— رسالة من النظام الداخلي.. ولاّ هكا بانلي.

نظر إليها، وتوقفت عيناه عند شفتيها وهما تنطقان الكلمة الغريبة:
— "بانلي" يعني إيه؟

توقفت لحظة ثم ابتسمت دون شعور من دقة ملاحظته:
— يعني... ظننت.

أومأ برأسه ببطء، وعيناه لا تفارقان وجهها:
— تمام. (ثم كتب ملاحظة صغيرة على ورقة أمامه)، فقالت حنين بفضول: — راك تكتب الكلمات؟ قصدي الكلمات الجزائرية؟

رفع عينيه إليها، ومرت في عينه لمعة اهتمام دافئة:
— يمكن.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها، أما هو فأكمل بجدية حازمة ليطمئنها:
— الرسالة دي معناها إن اللي بيلعب جوه الشركة بدأ يقلق من تحركاتنا.
— وأنا تاني بديت نقلق.
— آه.. (ثم أضاف بنبرة انخفضت درجتين، نبرة هادئة وصادقة للغاية لمست قلبها): وأنا كمان.

رمشت حنين بدهشة، لم تكن تتوقع هذه الإجابة الإنسانية الدافئة من مديرها الصارم، لكن ياسين أكمل فورًا ليعيد القناع المهني:
— الفرق إني متأكد إننا قريبين من حاجة، وطول ما الملفات دي بتعدي عليا.. أنتِ في أمان تّام. ابتسمت دون شعور، ثم غادرت المكتب أخيرًا وأغلقت الباب خلفها.

---

بعد مده كانت سلمى جالسة أمام مكتب حنين تتحدث بسرعة بينما تحاول حنين مجاراتها:
— وبعدين قلتله كده... (ثم توقفت سلمى فجأة): استني استني.. إنتِ قلتي إيه دلوقتي؟

تنهدت حنين:
— واش؟

ضربت سلمى الطاولة بخفة:
— أهو دي! دي! كل شوية تقوليها.. واش يعني إيه؟

ضحكت حنين:
— يعني ماذا.
— يعني "إيه"؟
— إي.
— طب ليه ما تقوليش إيه?
هزت حنين كتفيها:
— لان "ايه" عندنا معناها نعم 
سكتت سلمى ثانيتين ثم قالت:
— لا.. أنا استسلمت!
وانفجرت حنين ضاحكة من قلبها فعلًا لأول مرة منذ وصولها للقاهرة، مبددةً سحاب الخوف الذي خلفه التهديد.
في الوقت نفسه... كان ياسين ومازن يسيران في الممر المؤدي إلى المكاتب الإدارية بعد خروجهما من أحد الاجتماعات. توقف مازن فجأة، ثم التفت نحو القسم المقابل حيث كان مكتب حنين يقع بالقرب من الواجهة الزجاجية، قبل أن يقول محاولًا المزاح:
— هي قالت إيه؟
رفع ياسين رأسه ببرود:
— مين؟
— الجزائرية... حنين. قالت إيه لسلمى وخلاها تضحك كده؟

نظر ياسين من خلال الزجاج، واستقرت عيناه للحظة على حنين، ثم قال بهدوء:
— كانت بتشرح كلمة "واش".
نظر إليه مازن بصدمة وعدم تصديق:
— وإنت عرفت منين؟
أدار ياسين عينيه نحوه، ثم قال ببساطة:
— لأنها قالتها خمس مرات في أقل من دقيقة.
سادت لحظة صمت، بينما كان عقل مازن يدور في حيرة؛ فكيف لاحظ هذا التفصيل الدقيق؟ رفع مازن حاجبًا:
— ما شاء الله... مراقبة احترافية.
— اسمها ملاحظة.
— لا، اسمها حاجة تانية خالص! قالها مازن وهو يبتسم بخبث، ليردف ضاحكًا: — يا سلام! أنا بقالي أسبوع كل ما أسمعها تتكلم أحس إني محتاج مترجمة.
في تلك اللحظة، مرّ شيء صغير وعميق بعقل ياسين لم ينتبه له من قبل... أنه أصبح ينتبه لتفاصيل كلمات حنين، وحركاتها، بل وحتى نبرة ضحكتها، أكثر من اللازم! بينما بقي مازن مكانه لثانية إضافية ينظر إلى حنين، ثم إلى ياسين، قبل أن يهز رأسه ضاحكًا ويلحق به.
عند نهاية الدوام، وبدء تلاشي الضوء الخارجي، كانت حنين تجمع أوراقها حين وصلها بريد داخلي جديد من قسم الأرشيف يطلب مراجعة مجموعة عقود قديمة. فتحت الملفات وبدأت القراءة؛ صفحة.. ثم صفحة أخرى.. وفجأة توقفت! أعادت قراءة الفقرة نفسها ثلاث مرات لأنها رأت اسمًا تعرفه؛ اسم الشركة الأجنبية نفسها التي حضرت اجتماع الفندق معها يوم وصولها إلى القاهرة!

بدأت تقلب الصفحات بسرعة أكبر، وبعد دقائق كانت متأكدة: هناك عقود قديمة مرتبطة بنفس الجهة، ونفس النمط من التعديلات والأخطاء الصغيرة، وكأن شخصًا ما يكرر اللعبة منذ مدة طويلة. أغلقت الملف ببطء وهمست بتوجس:
— ياستار...
لم تكن تعرف أن ياسين في الطابق العلوي ينظر في اللحظة نفسها إلى تقرير مالي قديم، وتوقفت عيناه الحادتان عند اسم الشركة نفسها! رفع رأسه ببطء؛ القطع بدأت تقترب من بعضها في تحرياته النشطة، ولم يعد الأمر مجرد أخطاء متفرقة بل نمط متعمد وخطير.
أعادت حنين فتح الملف بعين شخص يبحث عن دليل لا عن خطأ، ومع كل صفحة كانت ملاحظاتها تزداد، حتى وجدّت شيئًا جديدًا تمامًا: اسم المراجع النهائي الموجود أسفل كل نسخة ليس اسمًا كاملًا، بل مجرد رمز إداري.. والرمز نفسه تكرر في أكثر من عقد وعبر سنوات مختلفة! همست بصدمة:
— مستحيل! (والتقطت هاتف المكتب لتتصل بياسين، لكنها تراجعت بحذر): "لا.. لازك نتأكد قبل ".
في الوقت نفسه، كان مازن قد دخل مكتب ياسين وألقى ملفًا:
— طلبت التقرير ده.
فتح ياسين الملف وبدأ يقرأ بتركيز، ثم فجأة توقفت يده ونظر إلى مازن بملامح حاسمة قاطعة:
— مين المسؤول عن مراجعة العقود الأوروبية من سنتين؟
فكر مازن قليلًا:
— أكثر من شخص.
— أسماء.
قطب مازن حاجبيه مستغرباً فاعلية ياسين المفاجئة وسرعته:
— في إيه؟
أغلق ياسين الملف بحسم وصوت قوي:
— أسماء بس.
بدأ مازن يذكر الأسماء اسمًا بعد اسم، حتى وصل إلى اسم معين.. عندها فقط، توقف ياسين عن الكتابة، وضيّق عينيه كمن وجد طرف الخيط الإداري المفقود.
في الأسفل، اتجهت حنين نحو قسم الأرشيف الهادئ الذي أصبح شبه فارغ في هذا الوقت المتأخر، واقتربت من الموظف المسؤول؛ رجل خمسيني يرتدي نظارة سميكة:
— مساء الخير.. ممكن نسقسيك على حاجة؟ قصدي اسألك؟
— اتفضلي.
وضعت العقد أمامه وأشارت إلى الرمز:
— هذا الرمز الإداري تاعمن قصدي: من صاحبه ؟
بحث الرجل على شاشته لدقيقة ثم قال بعجب:
— غريب.. الملف ناقص! البيانات المفروض تكون هنا، لكنها محذوفة.. أول مرة أشوف حاجة زي كده.
شعرت حنين بانقباض في معدتها؛ البيانات محذوفة! هذا يعني أن الشخص لا يعبث بالعقود فقط بل بالأرشيف نفسه ليخفي هويته. شكرت الرجل وغادرت بسرعة وعقلها يزن الاحتمالات. أثناء خروجها وهي تحمل الملفات وتحاول قراءة غلافها، اصطدمت بشاب عند زاوية الممر فسقطت الأوراق:
— أوووه... آسف! (انحنى يلتقط الملفات بسرعة وناولها إياها): حقك عليا.. إنتِ حنين صح؟ الموظفة الجديدة؟
أومأت برأسها متفاجئة من معرفته باسمها، فقال بابتسامة سريعة هادئة تخفي الكثير:
— أنا كريم، من قسم المراجعة الداخلية.. تشرفنا. واضح إنهم بدأوا يشغلوكي بجد، متقلقيش بعد أسبوعين هتبقي بتجري في الممرات زينا.
هزت رأسها مبتسمة واعتذرت لتكمل طريقها بصمت، بينما تابعها كريم بنظرات حذرة متفحصة لثوانٍ قليلة قبل أن يعود لعمله.
في الجهة الأخرى، أبلغ أحد الموظفين نادين الواقفة عند آلة القهوة بأن حنين كانت في الأرشيف تسأل عن ملفات قديمة ورموز محذوفة. تجمدت نادين للحظة، وسرى الرعب في عروقها، ثم قالت بهدوء اصطناعي:
— وماله.. تمام
انصرف الموظف، بينما بقيت هي تحرك الملعقة داخل الكوب ببطء شديد وأفكارها شاردة ومضطربة.. حنين تحفر أعمق مما ينبغي، والأمور تتعقد وتوشك على الانكشاف!
وصل بريد مستعجل لحنين من مكتب ياسين: "تعالي حالًا."
صعدت فورًا ودخلت مكتبه لتجده واقفًا قرب النافذة يحمل ملفًا، وعلامات الجدية والاهتمام التام تغلف وجهه. التفت إليها وقال مباشرة دون مقدمات:
— لقيتِي حاجة؟
رفعت ملفها بثقة:
— نعم.
وفي اللحظة نفسها رفع هو ملفه وقال بنبرة واثقة:
— وأنا كمان.
اقتربت ووضعا الأوراق معًا على المكتب، ونظرا إلى المستندات ثم إلى بعضهما في نفس اللحظة؛ اتسعت عيناهما وتغيرت ملامحهما من المفاجأة.. لأن الاسم الذي استنتجه ياسين والرمز الذي عثرت عليه حنين كانا متطابقين! الاسم المكتوب في الملفين كان نفسه! اسم يعود لموظف إداري سابق غادر الشركة منذ عامين، لكن بصمته موجودة في العقود الجديدة!
جلست حنين وقالت بذهول:
— بصح إذا خرج من الشركة من عامين... كيفاش بقات التعديلات مستمرة؟
ياسين وهو يثبت نظراته القوية في عينيها:
— دي أول حاجة فكرت فيها، وبدأت أتحرك على أساسها.
بعد نصف ساعة من البحث المشترك والتدقيق المكثف بينهما، تقاربت المسافة بين مقعديهما فوق الطاولة، وقالت حنين فجأة وهي تشير بإصبعها:
— لقيت حاجة! هذا العقد تم بعد خروج الموظف بعام كامل.. والرمز الإداري نفسه موجود!
أخذ ياسين الورقة، ولامست أصابعه أطراف أصابعها دون قصد، فسرى تيار دافئ غريب جعله يقطب حاجبيه وهو يركز في الأوراق هرباً من ارتباكه:
— صح.. وده معناه إن الحساب الإداري بتاعه لسه مفتوح، وفي إيد شخص تاني جوه الشركة بيستخدمه كغطاء.
في الخارج، مرت نادين ورأت الباب مغلقًا لأكثر من ساعة ومعه حنين بالداخل، ونبرات صوتهما المنخفضة والجاذبة تصل للممر، فشعرت بثقل وخوف حقيقي في صدرها؛ التحقيقات المشتركة بين ياسين وحنين تتقدم بسرعة، والأمور تخرج عن السيطرة تماماً.
انضم مازن إليهما في المكتب فجأة، وبمجرد أن رأى أكوام الملفات والتقارب بينهما قال ضاحكًا ليلطف الأجواء:
— يا نهار أبيض! هو أنا دخلت شركة استيراد وتصدير ولا قسم مباحث؟
ضحكت حنين بعفوية بينما قال ياسين بجدية صارمة يحاول بها استعادة وقاره:
— اقعد يا مازن وشوف اللي وصلنا له.
اقترب مازن وقرأ الأوراق ثم أطلق صفيرًا منخفضًا من الصدمة:
— دي مش لعبة صغيرة.. طيب والاسم ده؟
ياسين بفاعلية ونبرة قاطعة:
— هبدأ من دلوقتي أراجع مع قسم الدعم الفني كل جهاز استخدم الحساب ده.
التفت مازن لحنين وغمزها بخفة:
— وإنتِ؟ هتفضلي تنقبي وتطلعي لنا كنز جديد؟
ابتسمت بخفة وقالت بعفوية:
— سقسيت روحي نفس السؤال.
حدق مازن بها لثوانٍ مستغرباً، ثم التفت لياسين:
— فهمت حاجة من المترجم بتاعك؟
ياسين بهدوء وثقة، وهو ينظر لحنين بنظرة دافئة لم تفت مازن:
— لا، مافهمتش.
رفعت حنين يدها وضغطت على جبينها بخفة وخجل:
— نسيت! معناها سألت نفسي.
ابتسم مازن بانتصار:
— أخيرًا واحدة جديدة! اكتبيهم في كراسة "إنقاذ المصريين من اللهجة الجزائرية".
ضحكت حنين فعلًا من قلبها، واضطر ياسين لإخفاء ابتسامة صغيرة خلف الملف وهو يراقب ملامحها المسترخية.
بعد انتهاء الاجتماع المغلق، والشركة قد أصبحت شبه مهجورة وتلاشت أصوات الموظفين لتترك مساحة لصوت أجهزة التكييف الباردة فقط، نزلت حنين لمكتبها لترتيب أشيائها، لتجد المفاجأة الصادمة للمرة الثانية: ظرف أبيض ملقى فوق الطاولة لا يحمل أي اسم أو شعار في هذا الظلام المخيف. فتحته بحذر لتجد ورقة مطبوعة بجملة قصيرة حاسمة: "هذا آخر تحذير."
شعرت ببرودة شديدة في أطرافها، لكن هذه المرة، وبسبب الدعم المبطن الذي شعرت به من ياسين، غلب الغضبُ الخوفَ في صدرها. طوت الورقة بقوة واتجهت مباشرة للمصعد نحو مكتب ياسين. دخلت ووضعت الورقة أمامه على المكتب دون أن تنطق بكلمة. قرأها بيقظة وهدوء مرعب، ثم رفع رأسه ونظر في أعماق عينيها ليقيس ثباتها:
— خايفة؟
نظرت إليه بثبات:
— شوية.
— طبيعي.. وأنا مش عاجبني اللي بيحصل، ومش هسمح بيه.
جلست على المقعد وقالت بنبرة تحدٍ ولهجة جزائرية واضحة:
— راك حاب نحبس؟
استغرق ياسين ثانيتين وهو يتأمل ملامحها الغاضبة الجميلة قبل أن يقول:
— نحبس؟
— قصدي اتوقف.
— لا، أنا مش عايزك توقفي.. الشخص ده متوتر ومرعوب لأنه عارف إننا قربنا منه جداً بفضل ذكائك.
شعرت حنين أن قلبها هدأ تماماً، وسرى فيه دفء غريب، فنهضت لتغادر، لكن قبل أن تصل للباب سمعت صوته الهادئ الواثق يناديها:
— حنين..
التفتت إليه، فقال وعيناه تبتسمان قبل شفتيه:
— على فكرة... "راك حاب" فهمتها لوحدي من غير كراسة مازن.
حدقت فيه للحظة مندهشة، ثم انفجرت ضاحكة بصوت عذب، ولأول مرة... ضحك ياسين معها من قلبه؛ لثانية واحدة فقط، لكنها كانت كافية لتكتشف حنين أن ياسين الحكيم ليس تمثالاً بارداً كما يظن الجميع، بل رجل خلف قناعه الصارم يختبئ قلب نابض.
غادرت حنين المكتب والابتسامة تزين وجهها، بينما تغيرت ملامح ياسين فوراً للجدية القاتلة بمجرد إغلاق الباب. رفع الهاتف وضغط زر الاتصال السريع:
— مازن.. قابلني في مكتبي حالًا، الملفات هتوصل للدعم الفني الليلة.. وفي تحركات جديدة رصدتها الكاميرات اللي زرعناها، ولازم نتحرك. 
في الوقت نفسه، كانت نادين تجلس وحدها في مكتبها المظلم، ترتعش يدها وهي تخرج هاتفها السري الذي لا تفتحه أبداً في العمل، وكتبت بسرعة: "الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا.. ياسين وحنين وصلا لرموز الموظف القديم." بعد دقيقتين بدت كأنهما دهر، اهتز الهاتف في يدها برسالة واحدة باردة، قاطعة ومرعبة من الطرف الآخر: "إذن لا ترتكبي أي خطأ إضافي.. تصرفي."
تجمدت عيناها رعباً على الشاشة؛ لأنها كانت تعرف أن الخطأ الأكبر قد حدث بالفعل، وأن عيون ياسين الحكيم وملاحظة مازن الذكية أصبحت تحاصرها من حيث لا تدري!

                  الفصل الخامس من هنا
تعليقات



<>